حول دعاوي بعض المستشرقين
ورجاء إلى علماء المسلمين
الدكتور لبيب السعيد
إلمامة عن اختلاف القراءت:
1 ـ بين القراءات القرآنية اختلافات توقيفية يسيرة، ومحصورة كلها، ومضبوطة، ومعلومة، ولا زيادة فيها ولا نقص، ولا تقديم فيها ولا تأخير، وهي كلها لا تجهد عامة الناس، في الفهم والتدبر، فضلاً عن أن تجهد الدارس المدقق، أو القارئ المتخصص.
والقراءات الثابتة القرآنية منزلة كلها من عند الله، أو مأذون في قراءتها من الله، فقد تواترت تواتراً مقطوعاً به، وشاملاً للأصول والفرش، عن نفس الرسول الذي أوتي القرآن، وكلف إبلاغه للعالمين، صلوات الله وسلامه عليه، وقد قرأ بها المسلمون منذ كان الوحي، ويستحيل عقلاً أن يكونوا قد أمضوا القرون وهم يقرأون غير ما أنزل الله سبحانه.
وإذا كانت القراءات والروايات القرآنية قد أضيفت إلى قراء ورواة بأعيانهم، فهذا لا يعني إلا أن المضاف إليه اختار قراءة أو رواية، وكان أضبط لها وأدوم، وألزم قراءة وإقراءً بها حتى نسبت إليه أو نسب إليها، فهي ـ كما يقرر ابن الجزري العالم الأشهر في القراءات ـ إضافة اختيار ودوام ولزوم، لا إضافة اختراع ورأى واجتهاد، ومن هنا كان اختلاف القراء ـ عند المسلمين ـ صواباً بإطلاق، وليس كاختلاف الفقهاء يعتبر ـ حتى عند أصحابه ـ صواباً يحتمل الخطأ.
2 ـ ورأس الأسباب في اختلاف القراءات هو أن القرآن نزل على سبعة أحرف، كما ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيما أثبت أحد وعشرون صحابياً روى عنهم البخاري ومسلم، وآخرون.
ونزول القرآن على سبعة أحرف كان من أسبابه: التيسير على الناس، حيث كان العرب، على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإن اتحدت لغتهم الأم، شعوباً وقبائل مختلفة اللهجات، والمعروف أنه يصعب على الفرد عادة أن يستبدل بلهجته لهجة أخرى جديدة.
روى الترمذي ـ في هذا الشأن ـ أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا جبريل! إني بعثت إلى أمة أميين: فيهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط.
ومن الأسباب أيضاً مسايرة الاختلاف في طريقة الأداء، وفي نبرات الصوت: فقد كان من العرب ـ في فجر الإسلام ـ من يدغم ومن يظهر، ومن يخفي ومن يبين، ومن يميل ومن يفتح، ومن يفخم ومن يرقق، ومن يمد ومن يقصر، إلى آخر كيفيات النطق المختلفة.
وسبب ثالث يرجع إلى ذات القرآن، وهو اختلاف بعض ألفاظه من حيث الغيبة والخطاب، والتذكير والتأنيث، والجمع والإفراد، والتخفيف والتشديد.
افتراءات المستشرقين:
1 ـ هذه الحقائق الواضحة ينكرها بعض المستشرقين، بغير علم ولا هدى، بل بخبث قصد، وبجرأة على الحق، وبعداوة للإسلام.
ومن أساليبهم ـ في هذا الشأن ـ أنهم يسحرون أعين الناس وعقولهم، فيخيلون إليهم أن العملية هي الوسيلة وهي الغاية، بينما الأمر غير هذا.
وأشهر من تولى كبر هذا العدوان من المستشرقين: تيودور نولدكه F.
NoeIedeke وإجناتس جولد سيهر GoIdziher Ignacz وآرثر جفرى Athur Jeffery ، واللافت أنهم جميعاً من غير المسلمن.
والمؤلم والمثير أن آراءهم استخفت بعض الدارسين المسلمين، فروجوا لها، بل إن بعضهم انتحلها اعتقاداً منه بعظم قدرها.
2 ـ وأقدم أولئك الثلاثة: نولدكه، الذي يصفه جولد سيهر بأنه زعيمه، والذي وضع في تاريخ القرآن كتاب: Gechichte des QoJans، وهو كتاب فتح به صاحبه للطاعنين على القراءات باباً، ومهد لهم مهداً، ويقول چفري عن هذا الكتاب إنه أساس كل بحث في القرآن في أوربا.
ويقول نولدكه إنه يرتاب في أكثر ما يتعلق بالقرآن من الروايات والأحاديث وأقوال المفسرين، وحيلتنا مع نولدكه هنا قليلة، فهو فعلاً يطرح جانباً كل السنة الصحيحة الموثقة، والتفسير المستقيم المعقول، ثم إذا عثر على رواية ضعيفة أو شاذة أو باطلة أو منكرة، فهو ـ عندئذ ـ يجعلها العمدة، ويتخذها الدليل.
ومن أضل ما ذهب إليه هذا المستشرق إنكار قرآنية بعض ألفاظ القرآن فمثلاً، أوائل بعض السور ليست ـ في زعمه ـ إلا حروفا أولى أو أخيرة مأخوذة من أسماء بعض الصحابة الذين كانت عندهم نسخ من سور قرآنية معينة، وعلى سبيل المثال لما يدعيه: السين: من سعد بن أبي وقاص!، والميم: من المغيرة! والنون: من عثمان بن عفان!، ولهاء: من أبي هريرة!... وهكذا.
وهذا كله من الناحية الواقعية ادعاء مفتري، وقول لا أساس له، ولا دليل عليه وهو يعني شيئاً باهظاً لا يمكن أبداً أن يسيغه عقل عاقل، وهو أن الأمة الإسلامية صحابة نبيها، وتابعيهم، وتابعي تابعيهم، ورواتها، وعلماءها، وكل أبنائها في المشارق والمغارب، وعلى مدى تاريخهم الطويل، وبأعدادهم التي لا تحصى، كذابون ومجترثون، تواطئوا ضد كتابهم، وجاءوا فيه بأ‘شياء من عند أنفسهم(1).
2 ـ وربما كان شر الثلاثة ـ من وجهة النظر الإسلامية ـ جولد سيهر صاحب كتاب (مذاهب التفسير الإسلامي) فقد سبق زعيمه في حلبة الكيد للقرآن.
وقد أخطأ جولد سيهر ـ مثلما يخطئ أغلب المستشرقين ـ في فهم النصوص القرآنية، واشتبه عليه المتواتر من القراءات بالفاذ، والمشهور بالشاذ، ومن وراء ذلك، كان منهجه ملتوياً منحازاً، فقد كان مبلغ همه أن يجد شيئاً يستطيع به ـ ولو بالتدليس ـ أن يدلل على أن الإختلاف في القراءات ليس عن توقيف ورواية، وإنما عن هوى من القراء، ولذلك، فإنه ـ بعكس المسلمين ـ لم يأخذ، في الحكم
ــــــــــ
(1) أنظر في الرد على مثل هذه الدعاوي: لبيب السعيد: الجمال صوتي الأول القرآن الكريم ـ الفصل الثاني ص161 ـ 218.
على روايات القرآن، بالسند الصحيح الممحص، والتواتر المفصل الثابت، وابتكر من لدنه ضلالات كثيرة، واعتضد أحياناً بما لا يجوز علمياً الاعتضاد به، ولم يذعن للقاعدة الإسلامية الموثقة والمتبعة: قاعدة أن القراءة ـ منذ نزول القرآن ـ سنة يأخذها الآخر عن الأول، شفاهاً، فماً لفم.
ومن أخطاء جولد سيهر أنه يرجع اختلاف القراءات إلى أسباب أهمها ـ كما ذكر أحد العرب الآخذين عنه والمنتحلين فكرته ـ (مسائل ظهرت بعد نزول الوحي، من خاصية القلم الذي دون به القرآن الكريم، فرسم أكثر حروف هذا القلم متشابه، والمميز فيها هو النقط الذي لم يظهر إلا بعد نزول الوحي بأمد، وكان هذا القلم خالياً في بادئ أمره من الحركات).
ونبادر، فنردٌ على هذا الزعم بأن الثابت المعقول هو ان تلقى المسلمين للقرآن وحفظهم إياه كانا سابقين للتسجيل الكتابي، وحتى بعد الكتابه، ظل المعول عليه في تبليغ القرآن هو التلقين الشفهي، وعند ما كتب عثمان المصاحف الأئمة، وبعث بها إلى الأمصار، جعل مع كل منها قارئاً ليقرئ الناس، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ الناس بالمدينة، وأرسل عبد الله بن السائب إلى مكة، وعامر بن عبد قيس إلى البصره، وأبا عبد الرحمن السلمي إلى الكوفة، والمغيرة بن شهاب إلى الشام.
وقد ضرب جولد سيهر أمثلة للاختلاف نتيجة عدم النقط، فجاء هو نفسه بما ينقض دعواه: قال إن كلمة (تستكبرون) في قوله تعالى: (ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون) (الأعراف:48 )
قرئت: (تستكثرون) بالثاء المثلثة(1).
ونحن المسلمين نعلم أن القراءات السبع المتواترة والثلاث المشهورة بل الأربع الشاذة لا تعرف هذه القراءة المزعومة، مع أنها ممكنة لو كان الأمر أمر النقط بحسب الفهم الخاص.
وهكذا يشهد جولد سيهر ـ من حيث لم يقصد ـ على رأيه بالبطلان.
ــــــــــ
(1) مذاهب التفسير الإسلامي ص9 من الترجمة العربية.
ومثل ثان ضربه هذا المستشرق ليعزز به دعواه هو لفظ (بشرا) في قوله سبحانه: (وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته)( الأعراف:57).
فقد قرئت (نشرا) بالنون بدل الباء(1).
وقد تواتر عند عاصم بالباء الموحدة المضمومة وإسكان الشين، أي بجمع (بشير) كنذير ونذر.
وتواترت عند ابن عامر بالنون مضمومة وباسكان الشين ، وهي مخففة من قراءة الضم .
وتواترت عند حمزة والكسائي وخلف بالنون المفتوحة وسكون الشين، بمعنى ناشره، أو منشورة، أو ذات نشر.
وتواترت عند نافع وابن كثير وأب عمرو وأبي جعفر ويعقوب بضم النون والشين، جمع ناشر، كنازل ونزل.
وشارف وشرف(32
فهيئة الرسم إذن ليست هي المرجع في صحة القراءة كما يدعي جولد سيهر، وإنما المرجع على الحقيقة كما يقرر المسلمون هو تواتر الرواية.
ومثل ثالث يسوقه هذا المستشرق، هو كلمة: (إياه) في قوله عز وجل: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه)( التوبة:114) ، فقد قرئت: (أباه)(3).
ومع أن في الإمكان النطق بهذا اللفظ بالباء بدل الياء فيما لو كان المعول على الخط وحده، فإن قراء المسلمين جميعاً يقرأون بالياء، ويتفقون على أن قراءة الباء منكرة.
ويزعم جولد سيهر أن بعض القراء كانوا يغيرون القراءات بما ترضاه مقاصدهم، وتسيغه أفهامهم وأذواقهم.
ففي قوله تعالى: (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم..)( البقرة: 54) ، يذكر جولد سيهر أن قتادة رأى أن الأمر بالقتل هنا
ــــــــــ
(1) مذاهب التفسير الإسلامي، نفس الصحيفة.
(2) انظر مثلاً: الدمياطي البنا: إمحاف فضلاء البشر ص226.
(3) مذاهب التفسير الإسلامي، نفس الصحيفة.
شديد القسوة وغير متناسب مع الخطيئة، فقرأ 0فأقيلوا)(1) ، ويقول جولد سيهر إنه يرى في هذا المثال: (وجهة نظر موضوعية شاركت في سبب اختلاف القراءة)(2).
ولا نرى علينا من حق لجولد سيهر في أن نناقش دعواه هذه، فهي مرفوضة أصلاً، لأن (فأقيلوا) ليست من القراءات المتواترة، ولا من القراءات المشهورة، ولا حتى من الأربع الشواذ.
وقد ساق جولد سيهر طائفة أخرى مماثلة من الدعاوي، وقد تعقبها كلها بالتفنيد مترجم كتاب (مذاهب التفسير الإسلامي) المرحوم الدكتور عبد الحليم النجار، الذي نبه ـ أحسن الله جزاءه ـ إلى أهم النزعات الدينية التي (لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب المستشرقين، لاسيما فيما يتصل من الدين بسبب أو نسب، يمليها عليهم إلف ملازم، أو هوى متبع، أو قصد جائر)(3) ، وأشار ـ رحمه الله ـ إلى (أن هناك أخطاء يتورط فيها المستشرقون لغرابة المادة العربية والإسلامية على تفكيرهم، أو لقلة بصرهم بالذوق العربي، وعجزهم عن التغلغل في أسرار اللسان ومسالك البيان)(4).
أما آرثر چفري، وهو أحدث الثلاثة تاريخا، ففي مقدمته لكتاب (المصاحف لابن أبي داود) بعنوان: The Quran MateriaIs For The history of the tex of يحاول هو الآخر، معتضداً بدعاوي نولدكه وشولي Noeiedek A.
schwally وغيرهما، تحريف تاريخ القرآن عن بعض مواضعه، ويريد ليطفئ في صدور المسلمين أنوار التقديس لكتابهم، وليوهي اعتقادهم بتوقيفيته.
فهو يدعي ـ بغير بينة ـ أن القراءات تطورت على الأيام، ومعنى هذا ـ فيما هو واضح ـ أن الله تعالى لم ينزل القراءات بالشكل المتواتر عند المسلمين، وأن النبي
ـــــــــ
([1]) نفس المصدر ص10 و11.
(2) نفس المصدر.
(3) نفس المصدر ص4.
(2) نفس المصدر ص5.
(صلى الله عليه وسلّم) لم يقرأ بها هكذا، وأن صحابته وتابعيهم لم يتلقوها ولم يقرأوا بها هكذا.
وقد احتمى چفري ببعض الروايات المنكرة والأحاديث الموضوعة مثلما فعل زميلاه نولدكه وجولد سيهر.
وممن توارى جفري خلفهم ابن أبي داود الذي كذبه أبوه نفسه في أكثر من حديث.
ويدعو جفري الباحثين المسلمين إلى شيء عجيب: يدعوهم، لينهجوا نهج باحثي اليهود والنصارى الذين شكوا في صحة كتبهم المقدسة، والذين نجحوا ـ كما يعبر ـ في كشف ما ورد على هذه الكتب من تغيير وتبديل، وهو ـ في هذا ـ يقول بقصد خبيث مكشوف: (فسر في أيامنا هذه علماء الشرق كثيراً مما يتعلق بتفسير القرآ،، وإعجازه، وأحكامه، ولكنهم إلى الآن لم يبينوا لنا ما يستفاد منه التطور في قراءته، ولا ندري ـ على التحقيق ـ لماذا كفوا عن البحث في عصر له نزعة خاصة في التنقيب عن تطور الكتب المقدسة القديمه، وعما حصل لها من التغيير والتحوير، ونجاح بعض الكتاب فيها).
ويعد جفري المستجيبين لدعوته: دعوة بحث القرآن لاكتشاف 0التغيير والتحوير) فيه، يعدهم مثل ما أحرز الباحثون في كتب اليهود والنصارى: ذيوعاً لمباحثهم، ونصراً على مخالفيهم.
وهو يتكلم عن الباحثين في كتب اليهود والنصارى، فيقول إن طريقتهم في البحث أن يجمعوا الآراء والظنون والأوهام والتصورات بأجمعها، ليستنتجوا ـ بالفحص والإكتشاف ـ ما كان فيها مطابقاً للمكان والزمان وظروف الأحوال، معتبرين المتن دون الأسناد، ويجتهدون في إقامة نص التوراة والإنجيل.. الخ.
ونحن نرد على جفري بأن القرآن غير الكتب السابقة، فهو بلغنا كلمة كلمة، بل حرفاً حرفاً، بالتلقي الصحيح، وبالرواية المتواترة التي تعني أنه في كل طبقة من طبقاتها يتوافر جمع من الناس يؤمن تواطؤهم على الكذب، أو لا يتصور تواطؤهم عليه.
ويرد جفري نفس المشرع المسموم الذي ورده جولد سيهر، فيشير إلى الإدعاء بأن المصاحف المكتوبة الأئمة ـ لخلوها من النقط والشكل ـ كانت تدعو القارئ ـ فيما بعد ـ أن يتولى بنفسه فقط قراءة النص القرآني وضبطه بالشكل، على مقتضى ما يفهمه هو معاني الآيات، وأورد جفري مثلاً لهذا كلمة (نعلمه)، فقد كان الواحد ـ بزعم المستشرقين ـ يقرؤها: (يعلمه)، والآخر: (نعلمه)، والثالث: (تعلمه)، والرابع: (بعلمه).. الخ(1).
وقد قدمنا آنفاً ـ ونحن نناقش جولد سيهر ـ أن هذا الرأي فاسد فيما يتعلق بالقرآن، لأن المسلمين لم يعتمدوا ـ في نقل القرآن ـ على خط المصاحف، وإنما اعتمدوا على التلقي الشفهي، ونضيف هنا أنهم اعتمدو أيضاً على حفظ القلوب والصدور، وقد عد ذلك من أشرف خصائصهم 0أنا جيلهم في صدورهم)، ثم إن التبديل في القرآن ـ على أي وجه وبأي شكل ـ ليس لأي مخلوق حتى ولو كان نبي الإسلام نفسه (وإذا تتلى عليهم إياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرءان غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ، إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)( يونس: 15) ، (تنزيل من رب العالمن ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين)( الحاقة: 43 ـ 47).
والاستقراء الموضوعي يؤدي إلينا أنه لم ينقل، عبر القرون، كتاب سماوي أو غير سماوي، بالتواتر القطعي، والإسناد الصحيح، عن العدول الضابطين، طبقة بعد طبقة، مثلما وقع للقرآن، وقد تلقوه عن النبي نفسه (صلى الله عليه وسلّم)، حرفاً حرفا، لم يهملوا منه حركة، ولا سكوناً، ولا إثباتاً ولا حذفاً.
ــــــــــ
([1]) مقدمة كتاب المصاحف ص7.
رجاء إلى علماء المسلمين:
أما بعد: فالمستشرقون ـ بدعاويهم تلك ـ وهي دعاوي تجد أحياناً بين العرب والمسلمين من يصدقها ويروجها...
المستشرقون بهذا يحاولون ضربنا في مقتل، يحاولون تشكيكنا في قاعدة الإسلام وأساسه، وأصل الأصول في حياتنا إلى يوم القيامة.
ولهذا، ألتفت التفات الآمل إلى علماء المسلمين في كل مكان، أرجوهم:
(1) التصدي العلمي العاجل لآراء المستشرقين بعامة، وغير المسلمين منهم بخاصة، حول القرآن، والكشف عن حقيقة مقاصدهم، وفساد مناهجهم، مع دحض حججهم، وإبطال دعاويهم.
(2) تشجيع مقرئي الروايات القرآينة غير رواية حفص الذائعة في مصر، والتمكين لهم ولقراء هذه الروايات، في كل مجالات القراءة في البلاد الإسلامية.
(3) رفض الفكرة التي يدعو إليها الآن بعض المفكرين المسلمين، والتي ترمي إلى طرح الروايات القرآنية المتواترة والمشهورة غير رواية حفص عن عاصم، بقصد توحيد طريقة التلاوة، وهو قصد غير سديد، يحرم حلالا، ويضيق واسعاً، ويجني على الكتاب العزيز، ويحاد السنة.
(4) الإعلام، بكل الطرق، بأن الروايات القرآنية المتواترة والمشهورة كلها معجزة، وكلها من عند الله، ولا يجوز شرعاً المفاضلة بينها، كما يحرم إهمال إحداها، وكل مسلم مخير في هذه الروايات.
(5) توفير عدد التواتر الشرعي من الحفاظ لكل رواية من تلك الروايات، في كل مجتمع إسلامي، صغر أو كبر، وذلك بكل الطرق المستطاعه، ومنها استكمال تنفيذ مشروع الجمع الصوتي الأول للقرآن الكريم، وفق المخططات المرسومة له.
والله يبارك لنا في القرآن العظيم.
ويهدينا الصراط المستقيم.