ما قد يبدو خطأ لغـوياً في القرآن
www.annajat.org
1ـ رفَع اسم إنّ:
ـ سورة طه: 63 ـ (إنّ هذان لساحران) لماذا لم ينصب اسم (إنّ) فيقول: إنّ هذين لساحران، وليس إنّ هذان؟
ـ أولاً: إن هذا ليس غلطاً، بل قد يكون جرياً على لغة (كنانة) الذين يثبتون ألف المثنى في كل الأحوال فيقولون إنّ الرجلان نائمان قال بعض شعرائهم:
واهـاً لريّا ثـم واهاً واها يا ليت عيناها لنا وفاها
وموضع الخال من رجلاها بثمـن نعطي به أباهـا
إنّ أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
فلم يقل: عينيها، فيها، رجليها، أبيها، وغايتيها.
وقال آخر: تزوّد منّا بين اذناه طعنةً دعته الى هابي التراب عقيم
فلم يقل: أذنيه.
وقال آخر: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغاً لناباه الشجاعُ لصمّا
فلم يقل: لنابيه.
ـ وثانياً: إن هناك قراءات أخرى للآية، فقد قرأ أبو عمرو (إن هذين) وقرأ ابن كثير و حفص (أنْ هذان) فالإشكال المزعوم لو صحّ لكان على القراءة المعيّنة لا على القرآن نفسه.
2ـ رفَع المعطوف على المنصوب:
ـ سورة المائدة: 72 (إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون..)لماذا لم ينصب المعطوف على اسم إنّ فيقول: إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين، وليس الصابئون؟
ـ أولاً: هذا ليس من عطف المرفوع على المنصوب، لانّ قوله (الصابئون)مبتدأ، خبره (من آمن بالله...)وخبر (إنّ) محذوف بقرينة خبر الجملة الثانية، والعطف من عطف الجملة على الجملة لا عطف المفرد، ونظير ذلك قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
أي نحن بما عندنا راضون، فحذف الخبر اعتماداً على قرينة خبر الجملة الثانية.
ويجوز أن يكون الخبر الموجود خبراً لـ(إنّ) وخبر (الصابئون) محذوف بقرينة خبر (إنّ) كما قال ضابىء البرجمي: فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإنّي وقيّار بها لغريب
أي وقيّار غريب، فحذف الخبر اعتماداً على خبر (إنّ).
وهناك رأي ثالث على رأي بعض النحاة بأن يكون (الصابئون) عطفاً على اسم (إنّ) من باب العطف على المعنى كما قال الشاعر: بدا لي أنّي لستُ مدركَ ما مضى ولا سابق شيئاً إذا كان جائياً
فعطف (سابق) على (مدركَ) من باب العطف على المعنى رغم ان المعطوف مجرور والمعطوف عليه منصوب، وتفصيله في علم النحو. وعلى كل حال فليس ذلك غلطاً.
ـ ثانياً: كيف يكون غلطاً والنبي(صلى الله عليه وآله) عربي أصيل والبيئة عربيةٌ أصيلة قبل الاختلاط والتأثر بالأعاجم، ولذلك يستشهد النحويون بكلام العرب ـ إلى أواخر الدولة الأموية وبدايات العصر العباسي ـ من دون خلاف بينهم، ولو فتحت الباب لتخطئة العرب الأوائل لبطلت علوم العربية.
ـ ثالثاً: كيف يفرض في القرآن هذا اللحن المكشوف من دون أن يعترض عليه العرب، رغم التحدّي القرآني لهم؟
3ـ نصَب الفاعل:
ـ البقرة: 124 ـ (ومن ذريّتي قال لا ينال عهدي الظالمين) لماذا لم يرفع الفاعل فيقول (لا ينال عهدي الظالمون) وليس الظالمين؟
ـ ليس لفظ (الظالمون) هو الفاعل، بل الفاعل العهد أي عهد الإمامة الذي سبق أن أعطاه الله تعالى لإبراهيم، والمعنى إن ذلك العهد لا يتناول ولا يشمل الظالمين من ذرية إبراهيم، فهو نظير قولك إنّ القانون الفلاني لا ينال زيداً.
4ـ تذكير خبر الاسم المؤنث:
ـ الأعراف: 56 ـ (إنّ رحمة الله قريب من المحسنين) لماذا لم يتبع خبر (إنّ) اسمها في التأنيث، فيقول: (إنّ رحمة الله قريبة)، وليس: (إنّ رحمة الله قريب)؟
هذا جائز لعدة وجوه..
ـ الأول: إن الوصف الذي يكون على وزن (فعيل) إذا وقع وصفاً أو خبراً للمؤنث يجوز إلحاق التاء به ويجوز عدم إلحاقها(1).
ـ الثاني: إن المضاف قد يكتسب حكم المضاف إليه إذا صح الاستغناء عنه، فالرحمة تكتسب حكم التذكير من المضاف إليه (لفظ الجلالة) فيكون خبرها مذكّراً(2).
5ـ تأنيث العدد وجمع المعدود:
ـ الأعراف: 159 ـ (و قطّعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً) فلماذا لم يذكّر العدد ويأت بمعدود مفرد فيقول: (اثني عشر سبطاً)، وليس (اثنتي عشرة أسباطاً).
ـ المعدود ـ الذي يسميه النحاة التمييز ـ ليس هو (أسباطاً) كما توهّمه السائل، بل المعدود محذوف وهو (فرقة)، وبما انّ المعدود مؤنث، ألحق التاء مكرّرةً بالعدد (اثنتي عشرة).
وأمّا (أسباطاً) فهي جمع (سِبط) بمعنى (قبيلة) خاص في أحفاد إسحاق، قال ابن منظور: (قالوا: والصحيح أن الأسباط في ولد إسحاق بن إبراهيم بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل عليهم السلام، فولد كلّ ولد من ولد إسماعيل قبيلة، وولد كل ولد من ولد إسحاق سِبط. وإنّما سمّي هؤلاء بالأسباط وهؤلاء بالقبائل ليفصل بين ولد إسماعيل وولد إسحاق..)(3). وعلى هذا الأساس تعرب (أسباط) بدلاً من (اثنتي عشرة) وليست تمييزاً حتى تكون بصيغة المفرد، والمعنى (و قطّعناهم أسباطاً) للإشارة إلى أن هذا التقطيع إلى اثنتي عشرة فرقة على أساس انتساب أفراد كل فرقة إلى سبط خاص من أسباط إسحاق(عليه السلام)، وليس عشوائياً. ويبدو أنّ السائل لم يفهم المعنى الذي تشير إليه الآية فتخيّل انّ المعدود هو(أسباط).
6ـ أتى بجمع قلّة حيث أريد الكثرة:
ـ البقرة: 183 و 184 ـ (كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون * أياماً معدودات) فلماذا لم يقل: (أياماً معدودة) وليس (معدودات)؟
ـ كلا، المراد هنا بيان قلّة أيّام الصيام وأنّ صيامها لا يوجب مشقّة على المسلم، خاصّة عندما ينتبه الإنسان الى الأجر الكبير الذي يجازى به الصائم.
7ـ أتى بجمع كثرة حيث أريد القلة:
ـ البقرة: 80 ـ (وقالوا لن تمسّنا النار إلاّ أياماً معدودة) لماذا لم يجمعها جمع قلّة حيث أنهم أرادوا جمع قلة فيقول: أياماً معدودات وليس أياماً معدودة؟
ـ كلاّ، فإنّ لفظة (معدودة) ليست جمعاً، وإنّما هو اسم جمع يطلق على الكثير والقليل كليهما، قال الزجاج: (كل عدد قلّ أو كثر فهو معدود)(4) وعلى هذا فيصح أن يستعمل في حالة إرادة القلّة، قال ابن منظور (.. دراهم معدودة أي قليلة..)(5) وكذلك في الآية الواردة في السؤال حيث دلّت القرينة على أنّ الكفار يقصدون قلّة أيّام العذاب الذي يصيبهم في الآخرة.
8 ـ جمَع اسم عَلَم حيث يجب إفراده:
ـ الصافات: 124 ـ 132 ـ (وإن الياس من المرسلين... سلام على ال ياسين... إنه من عبادنا المؤمنين).
ـ أولاً: إنّ (إل ياسين) مفرد، وهو تعبير آخر عن (إلياس) مثل (طور سيناء) و(طور سينين) وليس هو جمعاً لـ(إلياس)، لانه لو كان جمعاً لدخل عليه (أل) فيصير الالياسين، لان العَلم إذا جُمع يصير نكرة، فيتعّرف بـ أل، كما تقول(الزيدون) جمعاً لـ(زيد).
ـ ثانياً: ان القرآن ليس كتاباً سرّياً، بل نزل ليقرأه الناس، وقد تحدّى به النبي(صلى الله عليه وآله)العرب، فكيف يغفل الكافرون، وكذلك المسلمون الذين كانوا يحرصون على تلاوته ودراسته عن الاضطراب المزعوم، خصوصاً أنّ الضمير الذي يرجع على (إلياسين) في الآية التي بعدها ضمير مفرد وليس ضمير جمع (إنه من عبادنا المؤمنين)ممّا يؤكّد انّ مرجع الضمير ـ ال ياسين ـ مفرد وليس جمعاً.
9ـ جَمَع اسم عَلَم حيث يجب إفراده:
ـ التين: 1 ـ 3 ـ (والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين)فلماذا قال: سينين بالجمع بدلاً عن سيناء؟
ـ كلا، فإنه ليس جمعاً لسيناء، لان طور سيناء هو الجبل الذي سمع منه موسى كلام الله تعالى ـ كما ذكر المفسرون ـ فلا معنى لجمعه، ولكنه لغة في سيناء، قال الطبرسي: وسينين وسيناء واحد(6). وقال ابن منظور: وطور سينين وسينا وسيناء جبل بالشام(7).
10ـ أتى باسم الفاعل بدل المصدر:
ـ البقرة: 177 ـ (ليس البرّ أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البرّ من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) فلماذا قال: (ولكن البرّ من آمن بالله) أليس هذا خطأ في التركيب، و الأصوب أن يقول: ولكن البرّ أن تؤمنوا بالله، لان البرّ هو الإيمان لا المؤمن؟
ـ كلا، هذا ليس خطأً، وله نظائر في كلام العرب، قال النابغة:
وقد خفتُ حتى ما تزيد مخافتي على وعل في ذي المطارة عاقل
يقصد على مخافة وعل.والنكتة البلاغية التي حسّنت هذا التركيب هي ان اسناد (من آمن) إلى البر يفيد المبالغة في مدح المؤمن، حتى كأنّه تجسيد للبرّ، لأنه هو صاحب الإيمان الذي اختاره بإرادته ووعيه فيستحق ذروة المدح، وهذا من المجاز البليغ ولذلك قيل: المجاز ابلغ من الحقيقة، وانّ أكثر كلام العرب من المجاز.
ونظير هذا التركيب قول الرسول(صلى الله عليه وآله) يوم الخندق عندما برز الإمام علي(عليه السلام) إلى عمرو بن عبد ود العامري ـ في موقف حاسم ـ (برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه) فكأنّ الإيمان والشرك تجسّدا في الطرفين، لانّ كلاً منهما يمثل المعسكر الذي ينتمي إليه، ولذلك كان لقتل عمرو الدور الحاسم في إنهاء الموقف العسكري لصالح المسلمين.
11ـ نصب المعطوف على المرفوع:
ـ سورة البقرة: 177 ـ (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضرّاء) فلماذا لم يرفع المعطوف على المرفوع فيقول: (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرون) وليس (الصابرين)؟
ـ المنصوب هنا ليس معطوفاً على المرفوع، وانّما هو منصوب على المدح ـ كما يسميه النحاة ـ فهو مفعول به لفعل محذوف تقديره أعني أو أمدح، وهو مألوف عند العرب بل في موارد طول النعوت وتعدّدها يكون ذلك مفضلاً عندهم، قال أبو علي:
والأحسن في هذه الأوصاف التي تقطّعت للرفع من موصوفها والمدح أو الغض منهم والذم أن يخالَف بإعرابها، ولا تُجعل كلها جارية على موصوفها، ليكون ذلك دلالةً على هذا المعنى...(8)
ومن ذلك قول الشاعر ـ انشده الفراء ـ:
الى الملكِ القرمِ وابنِ الهمام وليثَ الكتيبة في المزدحم
وذا الرأي حين تغمّ الامور بذاتِ الصليل وذات اللجم
فنصب (ليثَ) و(ذا الرأي) على المدح.
ومثله أيضاً قول الشاعر:
فليتَ التي فيها النجوم تواضعت على كل غثٍّ منهم وسمين
غيوثُ الحيا في كل محل ولزبة اسودُ الثرى يحمينَ كلَّ عرين
فرفع (غيوث) و(اُسود) مع انّهما وصفان في المعنى للمجرور.
12ـ وضع الفعل المضارع بدل الفعل الماضي:
ـ آل عمران: 59 ـ (إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) فلماذا قال (كن فيكون)ولم يعتبر المقام الذي يقتضي صيغة الماضي لا المضارع فيقول (خلقه من تراب ثم قال له كن فكان)؟
ـ هذا جائز على حكاية حالة تكوّنه ـ فلا يكون ماضياً ـ فهو في تلك الحالة يكون أي يوجد، وهو شائع في كلام العرب.
13ـ لم يأتِ بجواب (لمّا):
ـ يوسف: 15 ـ (فلمّا ذهبوا وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتُنبّئنّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون)(9) أين جواب لمّا؟ أليس مثلاً لو حذفنا الواو في (وأوحينا) لاستقام المعنى ولو قليلاً؟
ـ مثل هذا شائع في كلام العرب وليس غلطاً، قال الشاعر:
حتى إذا قملت بطونكم ورأيتم أبناءكم شبّوا
وقلبتم ظهر المجنّ لنا إن اللئيمَ العاجزُ الخِبُّ
فجاء بالواو قبل قوله (قلبتم) فبقيت (إذا) من دون جواب ظاهر.
ومثله قول امرئ القيس:
فلمّا أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطنَ خبت ذي حقاف عقنقل
فجاء بالواو قبل قوله (انتحى).
ويرى الكوفيون انّ هذه الواو مقحمة بين الشرط وجوابه، فهي لا تمنع من كون ما بعدها جواباً للشرط، بينما يرى البصريون انّ الجواب في هذه الموارد محذوف لأجل القرينة المحفوف بها الكلام.
14ـ أتى بتركيب يؤدي إلى اضطراب المعنى :
ـ الفتح: 8ـ9 ـ (إنا ارسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا)على من يعود (وتعزّروه وتوقروه وتسبحوه)على الله أم على رسوله؟
فإن كان قوله (وتعزّروه وتوقروه وتسبحوه) عائداً على الرسول يكون هذا كفراً، لان التسبيح هو لله وحده. وإن كان عائداً على الله فيكون أيضاً كفراً، لان الله لا يحتاج لمن يعزّره ويقويه(10) بل هو الذي يقوي كل البشر ولا يحتاج إلى تقويتهم؟
ـ الضمير في (تعزّروه وتوقّروه) يعود إلى النبي(صلى الله عليه وآله) والضمير في (تسبّحوه) يعود الى الله تعالى، وهذا السبك يسميه علماء البلاغة اللف والنشر المشوّش، حيث يُذكر ضميران يرجع أولهما على الاسم المتأخر ويرجع الضمير الثاني على الاسم المتقدّم، وهو لا يتعارض مع بلاغة الكلام كما نصّ عليه علماء البلاغة.
15ـ نوّن الممنوع من الصرف:
ـ الدهر: 15 ـ (ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا) فلماذا قال (قواريرا) بالتنوين مع أنها لا تنوّن لامتناعها عن الصرف لأنها على وزن مصابيح؟
ـ القراءة المعروفة لهذه الآية بعدم التنوين، نعم عند الوقف عليها تلحقها الألف، لكنّ هذه ليست الألف التي هي تحلّ محلّ التنوين عند الوقف، وإنّما هي ألف الإطلاق كالألف في قول جرير:
يعود الفضل منك على قريش وتفرج عنهم الكرب الشدادا
فما كعب بن مامة وابن سعدى بأكرم منك يا عمرَ الجوادا
وهذه ليست بدلاً عن التنوين ولذلك لحقت بالمعرّف بـ(أل) الذي لا ينوّن.
16ـ تذكير خبر الاسم المؤنث:
ـ الشورى: 17 ـ (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعلّ الساعة قريب)؟
ـ تقدمت الإجابة على نظيره في جواب السؤال 4، فراجع.
17ـ أتى بضمير فاعل مع وجود فاعل:
ـ الأنبياء: 13 ـ (وأسرّوا النجوى الذين ظلموا) فلماذا لم يقل: وأسرّ النجوى الذين ظلموا مع حذف ضمير الفاعل في أسرّوا لوجود الفاعل ظاهراً وهو (الذين)؟
ـ اسم الموصول (الذين) ليس فاعلاً، وإنما هو بدل من الفاعل الموجود وهو واو الجماعة، وعلى لغة بعض العرب الذين يعتبرون واو الجماعة حرفاً لا اسماً يكون اسم الموصول هو الفاعل من دون أن يتكرر الفاعل.
18ـ الالتفات من المخاطب إلى الغائب قبل إتمام المعنى:
ـ يونس: 21 ـ (هو الذي يسيّركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتهم ريح عاصف) فلماذا التفت عن المخاطب إلى الغائب قبل إتمام المعنى، وكان الواجب أن يصرّ على خطاب المخاطب؟
ـ الالتفات من المخاطب إلى الغيبة غير مشروط بإتمام المعنى، ولعلّ حُسن الالتفات هنا من الخطاب إلى الغيبة حتى لا يكون بمثابة التفاؤل للمخاطَبين بهذا الموقف الحرج، وهو مواجهة العاصفة.
19ـ أتى بضمير المفرد العائد على المثنى:
ـ التوبة:62 ـ (والله ورسوله أحق أن يرضوه) فلماذا لم يثنّ الضمير العائد على الاثنين فيقول: والله ورسوله أحق أن يرضوهما، وليس (يرضوه)؟
ـ ليس ضمير المفرد هنا عائداً على المثنى، وإنّما هو عائد على أحدهما، وخبر الآخر محذوف لوجود القرينة عليه مثل قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف
أي نحن بما عندنا راضون.
ولعل النكتة البلاغية التي رجحت حذف الخبر في الآية الكريمة الإشارة إلى انّ ما يرضي الله هو نفس ما يرضي رسوله وكذلك العكس، فإرضاء أحدهما إرضاء للآخر.
20ـ أتى باسم جمع بدل المثنى:
ـ التحريم: 4 ـ (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) والكلام هنا موجه لحفصة وعائشة فلماذا لم يقل: إن تتوبا إلى الله فقد صغا قلباكما، وليس (فقد صغت قلوبكما)؟
ـ قد أكّد علماء العربية انّه يجوز إضافة الجمع إلى المثنى ويراد منه المثنى كما تقول (أنفسهما)، وهو أفصح من تثنية المضاف، كراهية الجمع بين تثنيتين أي تثنية المضاف وتثنية المضاف إليه.
21ـ حذف جواب الشرط في القرآن:
ـ البقرة: 227 ـ (وإن عزموا عقدة النكاح فإنّ الله سميع عليم) والتقدير إن عزموا الطلاق فلا تؤذوهم فإنّ الله يسمع أقوالهم ويعلم أفعالهم.
ـ الفتح: 25 ـ (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم إن تطؤوهم) وجواب الشرط محذوف وتقديره: ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم لسلّطكم على أهل مكة.
ـ الكهف: 109 ـ (ولو جئنا بمثله مدداً) وجواب الشرط محذوف وتقديره: ولو جئنا بمثله مدداً لنفذ.
ـ الأنفال: 39 ـ (وإن يعودوا فقد مضت سنّة الأولين) فجواب الشرط محذوف وتقديره: وإن يعودوا فليحذروا أن يصيبهم ما أصاب الآخرين.
والقرآن مملوء بمثل ذلك كما يعلم كل علماء المسلمين، فإذا ترجم مترجم جملةً وذكر جوابها حتى يفهمها أهل اللغة المترجم إليها، فهل يعتبر هذا تحريفاً، لانّ الأصل ناقص؟
ـ هذا التساؤل غريب بعد اعتراف السائل انّ حذف جواب الشرط بالاعتماد على القرينة، وفي هذه الحالة لا يتناقض هذا الحذف مع بلاغة الكلام، وكلام البلغاء من العرب مملوء بذلك.
وأمّا قضية الترجمة إلى اللغات الأخرى فالمفروض في المترجم أن يكون دقيقاً في ترجمته بحيث يوحي الكلام المترجَم بجواب الشرط المحذوف ويكون قرينة عليه، وهو أمر يخصّ المترجم، ولا يرتبط ولا يضر ببلاغة القرآن الكريم، كما هو واضح.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يراجع شرح ابن عقيل على الألفية 2/431.
(2) يراجع شرح ابن عقيل على الألفية 2/50.
(3) لسان العرب 7/310.
(4) لسان العرب 3/282.
(5) المصدر.
(6) مجمع البيان 10/775.
(7) لسان العرب 13/229.
(8) مجمع البيان 1/475.
(9) في كلام صاحب الشبهة (يشرعون) والصحيح ما أثبتناه.
(10) السائل حرّف التوقير إلى التقوية فليلاحظ.