تعارف الحضارات
الدكتور أحمد البغدادي
في كتابه الممتع المسألة الحضارية، يطرح الأستاذ زكي الميلاد مصطلحاً جديداً انطلاقاً من قوله تعالى:
{وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}.
ويرى الأستاذ زكي أن هذا التعارف أمر ضروري يجب تحقيقه قبل مسألة حوار الحضارات التي يدعو إليها المفكر المسلم روجيه جارودي، وكذلك الكثير من الأوروبيين والمسلمين رداً على مقولة صمويل هنتينغتون حول صدام الحضارات، وهي المقولة التي انتشرت خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتدمير تنظيم القاعدة في حرب أفغانستان التي قامت بها الولايات المتحدة.
في تفسيره لهذه الآية القرآنية يقول القرطبي صاحب تفسير (الجامع لأحكام القرآن) ـ الجزء (16) ص 343 ـ 344 ما نصه:
الشعوب رؤوس القبائل، مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج، واحدها شَعْب بفتح الشين، سُمّوا به لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجر...
وقيل إن الشعوب عرب اليمن من قحطان، والقبائل من ربيعة ومضر، وقيل بطون العجم، والقبائل بطون العرب.
وقال ابن عباس في رواية: إن الشعوب المَوَالي، والقبائل العرب.
وقال الماوردي: ويحتمل أن الشعوب هم المضافون إلى النواحي والشعاب، والقبائل هم المشتركون في الأنساب.
قال الشاعر:
وتفرقوا شُعَباً فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر
ومن العجيب أن القرطبي لا يورد ذكراً للتعارف بين هذه الشعوب والقبائل كما ورد في القرآن.
لكن من يتصفح القرآن يجد أن هذه الآية قد جاءت بعد ذكر آيات تتصل بحال من التنافر والقتال بين الأوس والخزرج من قبائل المدينة الكبيرة، وترتيب القرآن الكريم لكيفية تنظيم العلاقة بين المسلمين إذا وقع بينهم قتال· بمعنى ألا حديث عن التعارف إلا في السياق العام.
لكن يمكن القول إن الآية لا علاقة لها بالحضارات، وإن كان ذلك لا يقلل من التوجه الإيجابي الذي طرحه الأستاذ زكي الميلاد كمدخل لضرورة تعارف الحضارات على بعضها بعضاً.
و ها نحن نرى إقبال الأميركيين والأوروبيين على الحصول على المصاحف والكتب الإسلامية لمزيد من التعرف على الإسلام الذي ـ في اعتقادهم ـ قد دفع أتباعه إلى فعل ما فعلوه في أميركا، وكيف يمكن لهم أن يتعاملوا مع الشعوب الإسلامية التي وجد أن كثيراً منها يؤيد أسامة بن لادن فيما فعل، محاولين الوصول إلى فهم أكبر لوضع وعقلية هذه الشعوب التي تتضمن العديد من القبائل.
وللأسف إن هذا السعي لم يقابله سعي مماثل لدى الشعوب العربية والإسلامية للتعرف على العقلية الأوروبية والأميركية، وكيفية تعاملها مع الحياة والشؤون الدولية.
لذلك نحن في حاجة إلى إقامة علم الاستغراب في مقابل الاستشراق، فالتعارف إلى الآن لم يتم سوى من طرف واحد، هو الغرب، في حين أننا كشعوب في حاجة فعلاً إلى أن نتعرف على الغرب قبل أن نتحدث عن الحوار بين الحضارات، وإن كانت مقولة صِدام الحضارات قد فرضت نفسها إلى حين.
ـــــــــ
عن جريدة الاتحاد الإماراتية.