رسالة الفاتيكان للمسلمين بمناسبة شهر رمضان

الأحد 2/12/2001

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

للسنة الرابعة والثلاثين على التوالي، وجه الكاردينال فرنيس أرينزي رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان، رسالة تهنئة لمسلمي العالم بمناسبة حلول شهر رمضان وعيد الفطر السعيد، وهي هذه السنة بعنوان "توطيد القيم البشرية في عصر تقني". وقد رأيت أنه من المناسب نشرها كاملة لما فيها من معانٍ عميقة ومشاعر صادقة تجاه اخواننا المسلمين لكي يتسنى للقراء الكرام في أرجاء الوطن الاطلاع عليها، فتتقارب الإفكار وتتعانق القلوب وتتحد النفوس من أبناء الديانات السماوية تمجيداً لله وخدمة للإنسانية لما فيه خير الجميع. والآن أترككم مع نص الرسالة والترجمة العربية الرسمية التي وصلتني من زميلي الأب خالد عكشة، وهو أحد كهنة بطريركية اللاتين في القدس، ويعمل سكرتيراً لمجلس الحوار مع الإسلام في الفاتيكان منذ سبع سنوات:

 

أيها الأصدقاء المسلمون،

1. أتوجه إليكم هذه السنة أيضاً بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك وعيد الفطر السعيد لأعبر لكم عن مشاركتي فرحتكم بهذه المناسبات المجيدة، ورسالتي هذه عربون تقدير وصداقة من قبل الكنيسة الكاثوليكية. ويكتب لنا كثير من المسلمين رداً على هذه الرسالة معربين عن امتنانهم معبرين عن وجهة نظرهم بصدد الأفكار المطروخة فيها. وإننا واثقون من أن ردود الفعل الإيجابية لا تقتصر على الرسائل التي تردنا، بل أيضاً في أماكن عديدة يعمل فيها ويتعايش ملسمون ومسيحيون.

وإذ أتوجه إليكم الآن وقد أمضتم مدة مارستم خلالها فرضاً دينياً يزيدكم قرباً من الله العلي، لا يستعني إلا أن أشير باديء ذي بدء إلى الأحداث المأساوية التي عاشها عالمنا مؤخراً، أحدث مست بصرة خاصة قلوب مؤمني الأديان التوخيدية. والمؤمنون الذين يعبدون الله الواحد الأحد مدعوون، من جهتهم، ليكونوا في العالم بناة حضارة مؤسسة على قيم السلام والعدل والوحدة والمحبة والحوار والحرية والتعاون والأخوة بين الأفراد وبين الشعوب. تأمل أن تقوم مبادرات الأخوة بين المؤمنين وذوي الإرادة الطيبة بتوجيه المجتمعات نحو دروب جديدة، ضمن احترام القيم الإنسانية وتوطيدها!

 2. وأود أن أحدثكم هذا العام عن موضوع القيم الإنسانية بالذات وتوطيدها في عصر يتسم بتقدم تقني كبير.

نعيش بالفعل عصر تقنية في كافة المجالات، شأن النقل والاتصالات والإعلام والطب وعلم الوراثة... ويؤدي هذا التطور التقني إلى تحويل متنامٍ لوجه الأرض، متيحاً للإنسان غزو الفضاء كذلك. بيد أن المجال الأكثر تشويقاً وإثارة للجدل في آنٍ، إنما هو التقدم الذي يمس الكائن البشري. ويحاول الإنسان أن يستخدم هذا التقدم ليسبر غور ذاته، خصوصاً في مجال علم الوراثة، مما يهدد الحياة البشرية عينها وافحترام الواجب لها.

 

3. وهناك مجال آخر يتعلق بالتقنية المعلوماتية التي تسمح باتصالات واسعة سريعة عبر شبكو الانترنت. ولا يسعنا إلا أن نسبح الباري على خلقه العبقرية البشرية التي أنتجت وسائل الإعلام والمعرفة والاتصال تلك. لكن الأمر يعود في النهاية، هنا أيضاً، إلى طريقة استخدام تلك الوسائل من قبل الإنسان.

 4. يحدثنا الكتاب المقدس عن اختبار الكائن البشري التجربة والخطيئة، وعن ميل قلبه إلى الكبرياء والقسوة والرياء (راجع الأمثال 12/4؛ أيوب 41/16؛ المزامير 11/3). ولا يمكن أن تتأثر العلاقات البشرية بهذا الوضع. كما يذكرنا القرآن الكريم بأن الإنسان يسعى دوماً إلى اعتبار نفسه مركز العالم، متناسياً خالقه. وللإنسان كذلك نزعة فطرية إلى الظلم والكفر (راجع سورة ابراهيم 34)، علماً بأن خيره الحقيقي يكمن في الاستسلام لمشيئة الله.

 ويصرح المجمع الفاتيكاني الثاني بصدد أنوار عالمنا وظلاله، ومن بينها التحديات التقنية: "وهكذا يظهر عالم اليوم قوياً وضعيفاً في الوقت نفسه، قادراً على عمل الأفضل أو الأسوأ، والطريق أمامه سالكة إلى الحرية أو العبودية، إلى التقدم أو التقهقر، إلى الأخوة أو البغضاء. وإلى ذلك، فقج وعي الإنسان أن بيده أمر توجيه القوى التي حركها، والتي تستطيع أن تسحقه أو تخدمه، توجيهاً يكون فيه صلاحه" (راجع "الكنيسة في عالم اليوم" 9/ الفقرة 4).

 5. فماذا بوسعنا أن نعمل، مسيحيين ومسلمين، مع مؤمني الأديان الأخرى، وذوي الإرادة الطيبة لضمان حسن استخدام تلك الوسائل الجديدة؟

 ألا يمكننا العمل معاً للدفاع عن القيم البشرية العظمى والمهددة من قبل عالم في تحول مستمر، شأن الحق في الحياة، واجب الدفاع عنه منذ الحمل حتى الوفاة الطبيعية؟ فالحياة تنبع من الله وإليه ترجع حين يشاء، وهي هبة نفيسة منه تعالى وأساس العطايا الإلهية الأخرى. وهناك أيضاً كرامة الشخص البشري والحقوق الناتجة عنها، التي يترتب علينا توطيدها لصالح المجتمع. العدالة الاجتماعية والسلام والحرية هي أيضاً قيم كبرى لا بد منها لحياة إنسانية كريمة تمجد خالقها.

 6. كيف يمكن الذود عن تلك القيم وتوطيدها في عصر تقني؟ أولاً بالحوار، وهو تبادل منفتح ودي قبل أي شيء آخر. وقد يؤدي الحوار حول الأبعاد الأخلاقية للاكتشافات الحديثة، بصورة طبيعية، إلى تعاول في المجالات المذكورة آنفاً، فيعاش حوارنا وتعاضدنا على مختلف الأصعدة من محلية وإقليمية ووطنية وعالمية. حميع الناس، رجالاً ونساءً على السواء، مدعوون لتقديم إسهاماتهم، كل وفق مسءوليته ومقدراته. ويمس عملنا المشترك هذا البشرية جمعاء، وهي أسرة كبيرة من الله آتية منه وإليه راجعة. ولذلك يتطلب نجاح جهودنا لتوطيد القيم البشرية الرجوع إلى الله باستمرار والبحث الدائم عن مشيئته تعالى.

مع أمنياتي بحياة ملؤها رخاء وصفاء.

 بهذه الأمنيات الطيبة، تنتهي كلمات الكاردينال أرينزي، وبعدها لا مجال للكلام والتعليق لأنها كافية وافية شافية عميقة دقيقة تدعونا للتأمل والتفكير والقرار والعمل. ومع ذلك أسمح لنفسي بأن أضم صوت البطريرك ميشيل صباح إلى صوت الكاردينال الذي يدعو إلى حوار حقيقي في هذا الوقت الحساس والحرج بالذات، فقد دعا في خطابة في مدينة أسيزي: "إلى حوار حقيقي وشامل بين الديانات والحضارات لا يقوم فقط على المؤتمرات واللقاءات والدعايات بل على تطوير برنامج تربوي عالمي لإعادة تثقيف جميع المؤمنين على السلام واحترام الديانات الأخرى بحيث يصبح كل إنسان أمين لدينه ومنفتح على ديانة الآخر دون أحكام مسبقة".

 كما يسرني أن أقول بأن قداسة البابا يوحنا بولس الثاني قد دعا بأن يكون يوم 14 كانون الأول القادم، والذي يصادف الجمعة الأخيرة من رمضان، يوم صوم وصلاة لكافة المسيحيين في العالم للتضامن من اخوتنا المسلمين والصلاة من أجل السلام والاستقرار في عالم مضطرب. كما أنه دعا كافة رؤساء الديانات في العالم إلى لقاء عام سيعقد في أسيزي أواخر شهر كانون الثاني القادم على غرار اللقاء التاريخي الذي عقد هناك قبل 16 سنة، وذلك للصلاة من أجل السلام. وهذا دليل على اهتمام الكنيسة بأن تلعب الديانات دوراً بناء لبناء عالم جديد يقوم على "حضارة المحبة".

فهل يمكننا أن نأمل بأن تكون الديانات عامة والديانات التوحيدية خاصة، منارة تقود العالم لمزيد من الوحدة والأخوة بين جميع أبناء آدم تحت مظلة أخوتنا الإنسانية الشاملة؟

مع أمنياتنا لجميع اخوتنا المسلمين بصيام مقبول ورمضان مبارك وعيد فطر سعيد وكل عام وأنتم بألف خير!

 

الأب رائــد عـــوض أبــو ســاحليـــة