حوارات مع المستشرقين

جعفر  عبدالرزّاق

مقدّمة

تحتل جامعة ليدن مركزاً عريقاً من بين الجامعات الأوربية الشهيرة بالدراسات الإسلامية واللغة العربية، تأسست هذه الجامعة عام 1575، وقد طُبع أول كتاب باللغة العربية فيها عام 1585 وهو الكتاب المقدس. أما أول قاموس عربي فقد نشر من قبل رافيلنخيوس، وأول أستاذ متخصص شغل منصب أستاذ كرسي اللغة العربية فهو فان أربين عام 1613.

ومنذ ذلك الوقت، قبل أربعة قرون، بدأ الإهتمام يتزايد باللغة والإسلام. وكانت أهداف المستشرقين لا تتعدى تعاليم الكنيسة الهولندية البروتستانتية إلى اللغة العربية. وهنا يثار موضوع التبشير المسيحي، لكن الدراسات التاريخية تشير إلى أن الهولنديين لم يمارسوا التبشير في العالم العربي، بل كان اهتمام المبشرين الهولنديين منصباً على أندونيسيا، وهي واحدة من مستعمراتهم، ولا يتحدث أهلها اللغة العربية. وكان الغرض من تعلّم العربية، إضافة إلى ما ذكرناه، هو ترجمة الكتب العلمية المكتوبة باللغة العربية إلى اللغات الأخرى، فقد كانت اللغة العربية هي اللغة المستحدثة في التجارة والدبلوماسية في القرون الماضية. وكانت مراكز الترجمة والجامعات الأوربية تقوم بترجمة كتب الجغرافيا والطب والرياضيات والفلك من اللغة العربية إلى اللغات الأوربية، في وقت كانت أوربا تشهد آنذاك نهضة علمية منذ نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر. ولم يظهر مستشرقو القرن السابع عشر فهماً عميقاً بالإسلام، ولكنهم أبدوا إعجابهم بالحضارة العربية الإسلامية. وبرز أشهر المستشرقين الهولنديين أمثال سنوك هرخرونيه C. Snouck Hurgronje  الذي عُين أستاذاً في جامعة ليدن عام 1906، والمستشرق دوزي  R. P. A. Dozy  والمستشرق دي خويا  M.j.de Goeje.

واليوم يحظى الاسلام واللغة العربية بإهتمام بالغ خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران عام 1979. ومنذ عام 1992 تمّ تأسيس معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ليدن، والذي تشرف عليه كلية الآداب وكلية اللاّهوت. وتدرس في المعهد مواضيع عديدة مثل علوم اللغة العربية، القرآن الكريم وعلوم الحديث، الفلسفة الإسلامية، التصوف، الشعائر الإسلامية، القانون الاسلامي، الشريعة والمذاهب الإسلامية، التاريخ الاسلامي والمخطوطات الشرقية. ويضم المعهد العديد من كبار المستشرقين الهولنديين من جامعة ليدن إضافة إلى مستشرقين آخرين من الجامعات الهولندية الأخرى كجامعة أمستردام وأوتريخت ونايميخن وخروننكن. ويستضيف المعهد أساتذة ومستشرقين من خارج هولندا حيث يلقون محاضرات على طلاّبه.

وخلال دراستي في هذا المعهد تسنت لي فرص كثيرة للدخول في حوارات ومناقشات عديدة مع هؤلاء المستشرقين، سواء داخل حجرات الدراسة أم خارجها في أروقة الجامعة واللقاءات المتواصلة تناولت مختلف القضايا الإسلامية. وسأحاول أن أقتصر على موضوع محدد جرى النقاش حوله مع كل واحد منهم.

 

1 ـ  المستشرق الكسندر دي خروت  De Groot H. A.  وأهل الذمّة:

وهو مدير المعهد، ومتخصص بالإسلام في الأقاليم التركية والدولة العثمانية، ولديه العديد من الأبحاث والدراسات والكتب.

دخل علينا يوماً يلقي محاضرة عنوانها «غير المسلمين في الدولة الإسلامية». وبادر إلى كتابة عناوين على السبورة، تضمنت مفردات مثل: الذمة، الأمان، أهل الكتاب، البراءة، دار الإسلام، دار الحرب، دار العهد، الجزية، الحماية، الملة، المستأمن، الرعية وغيرها.

ثمّ راح يشرح تعريف الذمة بأنها (حالة قانونية ودستورية تحدد الدور الاجتماعي لأهل الكتاب في المجتمع الاسلامي). ثمّ أخذ يثير الشكوك حول كل ما كُتب عن الذمة، فذكر أن أغلب الباحثين يقدمون آراء نظرية، ولم يقوموا بدراسة التطور التاريخي لوضعية أهل الذمة في الدولة الإسلامية. وتساءل دي خروت:

هل أن الموضوع دراسة قانونية لحقوق وواجبات أهل الذمة أم تحقيق تأريخي حوله؟

وبعد أن تحدث في خلفيات مفهوم الذمة في الاسلام، ثمّ تطرق إلى الحضارة الإسلامية التي عاشت أزهى أيامها في العصور الوسطى فقال: إننا حين نطلق مصطلح (العصور الوسطى) ونحدث عنه، فإن هذا المصطلح يحمل معنيين، فالعصور الوسطى بالنسبة لأوربا تمثل عصور تخلف وإنحطاط، بينما تمثل العصور الوسطى للشرق الأوسط عصور إزدهار وحضارة وتقدم.

وتناول المستشرق دي خروت الدراسات التي بحثت موضوع أهل الذمة، وسلط الضوء على دور الوثائق التي عُثر عليها في مصر وتسمى (وثائق جنيزا). وهي مجموعة وثائق لأرشيف تابع للطائفة اليهودية التي عاشت في مصر في العصور الوسطى، وقد اكتشفت بالصدقة في مخزن تحت الأرض. وقد أدت دراسة وتحقيق هذه الوثائق إلى الكشف عن معلومات هائلة حول أوضاع اليهود في مصر في العهود الأيوبية والفاطمية، من خلال عقود التجارة والإيجار والمعاملات التي تضمنتها الوثائق.

ولما كان متخصصاً في تاريخ الدولة العثمانية، فقد أفاض في شرح أوضاع غير المسلمين، وأن الأجانب القادمين إليها من سفراء وتجّار كانوا يحصلون على (عهد أمان) ويسمى صاحبه مستأمناً. وكان الأمان يستغرق عاماً واحداً ثمّ يجدد مرة أخرى. والمستأمن لا يدفع الضرائب سوى ضريبة الجمارك، ولا يتزوج بكتابية ذات تابعية عثمانية لأن ذلك يضاعف عليه الضرائب. وقد منحت الدولة العثمانية الإمتيازات الأجنبية للدول الغربية،  فاستفاد منها الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون والهولنديون والروس والأميركان وغيرهم.

ولم يكن عدد الأجانب كثيراً في القرون الوسطى لكنه إزداد في القرن السابع عشر، كما ساهم نظام الإمتيازات في تصاعد أعدادهم في القرن الثامن عشر وما بعده. وكان أهل الذمة من السكان المحليين يلتحقون بالأجانب المستأمنين من خلال عملهم معهم بالتجارة أو في السفارات والقنصليات الأجنبية. وكانوا يحصلون على وثيقة من السلطات العثمانية تسمى (برائتلي) تمنحهم الحصانة ضدّ الملاحقة والمقاضاة أمام المحاكم العثمانية، بل ترفع قضاياهم إلى السفارات الأجنبية للبت بها. وقد أسرف الروس في استحصال وثائق البرائتلي، فكان لهم عشرة ملايين وثيقة في الشرق الأوسط.

وحول مفهوم الذمة قال أنه يمثل تسامح الاسلام تجاه غير المسلمين بينما كان غير المسيحيين في أوربا يتعرضون للإضطهاد والمشانق والحرق. ولم تبدأ دعوات التسامح في أوربا إلاّ في القرن الثامن عشر فقط. وكان دي خورت معجباً بالمستشرق الألماني كارل بينسوانكر Karl Binswanger، وعرض علينا كتابه بالألمانية (فهم وضعية غير المسلمين في الدولة العثمانية). وكانت كلمة (وهم صاغرون) بالعربية محفورة على غلاف الكتاب.

يقول هذا المستشرق: أن نظام الذمة هو استمرار للجهاد، ولكن بأسلوب آخر من أجل تحقيق أجواء إندماج غير المسلمين داخل المجتمع الاسلامي وتشجيعهم على إعتناق الاسلام. وعلّق دي خروت قائلاً: أن محمداً لم يرغب في فتح جبهة أخرى مع اليهود في المدينة، وهو مشغول بالحرب مع كفار قريش. وأن الجزية والذمة نظام يؤجل المواجهة فقط. ولو كان الاسلام منفتحاً لما وضع شروطاً اجتماعية ومالية قاسية على أهل الذمة، مثلاً عدم بناء كنائس أعلى من المساجد، أو أن لا تكون منازلهم أعلى من منازل المسلمين. وإذا كان الذمي ممتطياً حصاناً فعليه أن يترجل إذا لاقى في طريقه مسلماً.

وقد منع الاسلام أهل الذمة بالزواج من المسلمات. وخلال عصور طويلة كان أهل الذمة يجبرون على لبس ملابس خاصة، ويحملون شارات وألوان معينة تدل على أنهم من أهل الذمّة.

وبعد انتهاء محاضرته فتح الباب للأسئلة، فبادرته بالقول:

ألا تعتقد لو أن الدول الأوربية المسيحية أقامت نظاماً كنظام الذمة بالنسبة لغير المسيحيين، أكان ذلك أفضل أم الحرق والقتل والتنصير الإجباري؟

 ألم يجبر ستة ملايين مسلم في إسبانيا، وهم من أصول عربية وبربرية وإسبانية، على مغادرة إسبانيا أو إخفاء إسلامهم أو تعرضهم لمذابح فظيعة بعد سقوط غرناطة عام 1492؟

لقد ذهب ضحية تلك المذابح الوحشية ثلاثة ملايين مسلم في إسبانيا وحدها، بينما اضطر الآخرون للهروب إلى المغرب وتونس والجزائر. أما في جنوب فرنسا وجنوب إيطاليا وصقلية المسلمة فقد تعرض الملايين من المسلمين للقتل والتعذيب والتشريد ومصادرة الأموال. فلم تعد توجد أقلية مسلمة في كل أوربا مع أن الاسلام بقي في إسبانيا ثمانية قرون.

إن نظرة علمية واحدة تجاه الحالتين تحدد أيهما أفضل. ألا تجد أن اليهود والنصارى والصابئة وبقية الأقليات غير الإسلامية ما زالت قائمة في البلدان الإسلامية وتعيش بين ظهراني المسلمين، تؤدي شعائرها الدينية بكل حرية واطمئنان؟

وهي موجودة قبل الإسلام في تلك البلدان. ألا يعني استمرارها داخل المجتمع الاسلامي طوال خمسة عشر قرناً دليلاً على تسامح الاسلام والمسلمين مع غير المسلمين بينما لم يطق التعصب الأوربي المسيحي وجود أقليات مسلمة في ظل دولة مسيحية.

إن قولك أن الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله) أراد تأجيل المواجهة مع اليهود لأنشغاله بمواجهة كفار قريش يعني أنه هو (صلى الله عليه وآله) الذي أوجد نظام الجزية في بداية وصوله المدينة المنورة، ولكن البحث التاريخي يكذب هذا الرأي إذ أن الرسول (صلى الله عليه وآله) فور وصوله المدينة عقد معاهدة صداقة ودفاع مشترك مع اليهود، ولم يفرض عليهم الجزية إذ أن الجزية فرضت في السنة السابعة للهجرة. لقد اعتبرهم الرسول (صلى الله عليه وآله) من رعايا الدولة، ولم يجبرهم على اعتناق الاسلام حتى بعد أن قويت شوكته، ومنحهم الحكم الذاتي لإدارة شؤونهم وفصل خصوماتهم. ولو حافظوا على عهودهم معه (صلى الله عليه وآله) لما تعرضوا للطرد ومغادرة المدينة (بنو النضير وبنو قينقاع) أو القتل والسبي كما حدث لبني قريظة بعد إصرارهم على تحكيم أحد الأنصار (سعد بن معاذ) في مصيرهم ولم يرضوا بتحكيم الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي كان سيكتفي بطردهم.

أما القرارات التي أصدرتها السلطات الإسلامية والتي تلزم أهل الذمة بلباس معيّن أو لون محدّد، فلا يوجد لها سند شرعي وفقهي. ويعود أكثرها إلى باب المعاملة بالمثل، حيث كانت الدول الإسلامية آنذاك في نزاعات وحروب مع الدولة المسيحية، وخاصة أثناء الحروب الصليبية التي دامت قرنين. إضافة إلى النزاعات الحدودية على الأرض والمياه والتجارة. فكان بعض المسلمين الذين عاشوا لفترات محدودة تحت ظل دولة مسيحية، سواء من أهل البلاد بعد سقوطها بأيدي المسيحيين أو أسرى مسلمين يعيشون الذل والهوان. وكانت الدول المسيحية هي التي ابتدعت هذا النظام أي اللباس المميز. ولم ينقل أن الرسول (صلى الله عليه وآله) فرض لباساً معيناً على اليهود (في المدينة وخيبر وفدك وتيماء وأيلة) والنصارى في نجران أو الصوامع والأديرة المنتشرة آنذاك. ولم ينقل ذلك عن الخلفاء الراشدين أيضاً.

إن إصدار مثل تلك القوانين قد تعود لأسباب اجتماعية كمسألة ارتفاع البيوت لتفادي النظر إلى داخل بيوت المسلمين، حيث أن طراز البيوت القديمة يعتمد على وجود فناء داخلي يتحرك فيه أهل المنزل وخاصة النساء بلا حجاب. وقد تكون هذه القرارات ظالمة، لهذه الفئة من الشعب، أصدرها حكّام وخلفاء ذوي نزوات وقرارات إرتجالية طال أذاها حتى المسلمين أنفسهم، فلا يمكن اعتبار سلوكهم وقراراتهم جزءاً من الشريعة الإسلامية.

لقد لاحظت أن أغلب دراسات المستشرقين وكتاباتهم بخصوص أهل الذمة تستغرق في الجانب السلبي ـ حسب رأيهم ـ لأحوالهم وتصويرهم بالمغلوبين على أمرهم أو المظلومين بسبب دينهم، بينما يجري التغافل عن الأدوار الإيجابية والجوانب المضيئة والفرص الواسعة المتاحة أمامهم للعب دورهم والمشاركة في المجتمع الاسلامي والحكومات الإسلامية. لقد أتيحت لأهل الذمة المشاركة في بناء الحضارة الإسلامية، فبرز منهم أطباء ومترجمعين أمثال حنين بن إسحاق وولده، وثابت بن قرة، ويعقوب بن إسحاق الكندي، ويوحنا بن ماسويه، وعائلة بختيشوع التي أمسكت بزمام علم الطب ورئاسة بيمارستان جنديسابور.

وبرز منهم شعراء وكتاب أخذوا مكانتهم في البلاطات الحاكمة، أمثال أعشى بني تغلب، الأخطل، ابن البطريق وبقيت أديرتهم وكنائسهم قائمة، يقيمون فيها قداساتهم وشعائرهم دون تدخل أو منع من السلطات الإسلامية.

وبعد هذا الحديث الطويل قال لي المستشرق دي خروت: إن كل ما ذكرته صحيح، ولكن ما زالت الشريعة الإسلامية تعتبرهم مواطنين من الدرجة الثانية.

فقلت له: ليت المسلمون في أوربا العصور الوسطى عوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية بدل الإستعباد والتنصير والتهجير. أما قولك أن أهل الذمة مواطنون من الدرجة الثانية فهو بحاجة إلى دقة أكثر، إذ أن أهل الذمة كانوا يتمتعون بحرية ومشاركة واسعة في حركة المجتمع الاسلامي، في العمل والتجارة والصناعة والعلم والطب وحتى المناصب الحكومية من مستشارين وسفراء ووزراء وكتّاب (سكرتير) ومترجمين بل وأمراء في الجيوش الإسلامية وهذا ما تتطلّع إليه أية أقلية في دولة ذات أكثرية من دين آخر. ولا يحدث هذا حتى في أوربا في العصر الحديث. بالطبع هناك بعض المناصب التي لا يتوقع تسليمها إليهم كالقضاء والإمامة لوجود شروط خاصة بها.

2 ـ  المستشرق يانسنJansen   G. J.  J. ودستور المدينة:

وهو مختص باللغة العربية، والإسلام في العالم العربي عدا أفريقيا، والقرآن الكريم. وهو أستاذ زائر في جامعة القاهرة والمعهد العربي الهولندي في القاهرة. ويجيد اللغة العربية ويتحدث بلهجة مصرية. له مؤلفات عديدة منها كتاب (الفريضة المهملة، قضية اغتيال السادات) ترجم في الملحق كتاب (الفريضة الغائبة) عبدالسلام فرج (من جماعة الجهاد في مصر).

يتميز يانسن بالدقة والإلتزام بالقواعد العلمية والمنهجية، وتفادي الخوض في قضايا غير خاضعة للبحث العلمي، فهو يكرّر دائماً أن هناك أمور لا يمكن للباحث الأكاديمي أن يتحقق منها أو يضعها تحت البحث العلمي كالإيمان والعقائد، فيسميها Untestable أي غير قابلة للفحص والبحث.

مثلاً يمكننا التحقيق في قضية أو واقعة تاريخية معينة، ولكن لا يمكننا التحقيق في كيفية الوحي أو نزول القرآن أو مفاهيم الجنة والنار والمعاد والتوحيد وغيرها. فهذه من شؤون العقائد أو اللاّهوت، والإيمان بها لا يتم من خلال البحث العلمي، بل بواسطة الإدراك العقلي والإطمئنان النفسي، سواء بالجدل العقلي أو الإلهام الروحي كما يقول بذلك المتصوفة.

ويبدي يانسن دائماً إعجابه بالحضارة الإسلامية ويكرّر مقولة رينيه: نشأ الاسلام في الضوء الساطع من التاريخ.

كما يولي يانسن أهمية كبيرة للتحقيق العلمي الموضوعي للوصول إلى نتائج منطقية وعلمية. تحدث ذات يوم عن ضرورة إجراء تنقيبات في مكة والمدينة لغرض إثبات الكثير من الأمور والوقائع التاريخية، ثمّ يستطرد ولكن ذلك مستحيل من الناحية الواقعية طالما أن المملكة السعودية ترفض إجراء تنقيبات أو حفريات في المدينتين المقدستين. وأجرى مقارنة بالتنقيبات التي أجريت في المواقع اليهودية والمسيحية في نقاط عديدة من منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط، وتمّ التأكد من الكثير من أخبار الكتاب المقدس.

ألقى علينا يوماً محاضرة حول دستور المدينة أو الوثيقة أو المعاهدة التي عقدها الرسول (صلى الله عليه وآله) مع يهود المدينة عند قدومه إليها، فقال: إن هذه الوثيقة القديمة تتمتع بثقة إجماع العلماء المسلمين والغربيين على صحتها، وذلك للإعتبارات التالية التي ذكرها المستشرق فلهاوزن وهي(1):

1 ـ لو كانت الوثيقة مزورة وموضوعة في عهد متأخرة لما وجدنا فيها إعترافاً صريحاً بغير المسلمين (اليهود) بأنهم اُمّة. ولما وجدنا وصفاً للقبيلة العربية (قريش) الحاكمة فيما بعد بأنهم أعداء الله حيث ورد فيها (وأنه لا تُجار قريش ومن نصرها).

2 ـ أنّ التزكية اللغوية والمفردات المعجمية المستخدمة في الوثيقة قديمة ومهجورة أمثال (يتعاقلون، ربعتهم، دسيعة، يوتغ، يبئ) مما يوحي بأنها من ألفاظ عهد البداوة والجاهلية وبداية الدولة الإسلامية.

3 ـ أنّ الوثيقة تضمن إشارات وتلميحات لا يفهمها إلاّ المعاصرون.

4 ـ أنّ الوثيقة أشبه بقانون قبلي قديم منها بالقواعد الإسلامية المتطورة، حيث تمّ تقسيم قضايا الدفاع والحرب والقتل والدية على الأطراف الموقعة عليها.

____________________

(1) (وهي مذكورة في كتاب التاريخ الإسلامي « Islamic History » لمؤلفه R. S. Humphreys).

 

وأخذ يانس يثير التساؤلات حول دستور المدينة، هل كانت معاهدة أو مسودة مقترحات لمفاوضات بين الطرفين؟

 هل كتبت في آن واحد أم على فترات متقطعة، وتضاف إليها فقرة تخص كل قبيلة من اليهود الوارد ذكرها فيها؟ ونقل آراء المستشرقين أمثال مونتغمري واط  Montgemry Watt وفلهاوزن   Julius Wellhausenوموشيه غيل Moshe Gil.

وقد قال هذا الأخير: أن دستور المدينة لم يمنح اليهود حقوقاً وحرية دينية، وأن كلمة (دين) الواردة في الوثيقة تعني بالحقيقة (دَيْن) أي قرض.

وترجم فقرة (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، ومواليهم، وأنفسهم إلاّ من ظلم وأثم) بأنه على اليهود أن يدفعوا دينهم والمسلمين يدفعوا دينهم.

وبعد أن أنهى يانسن محاضرته طلبت الكلام فأشار لي بذلك فقلت: إن هذا الرأي الأخير يبدو شاذاً وغريباً عن سياق الأحداث التاريخية والوقائع التي رافقت وأعقبت وصول الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى المدينة، فهو بالتأكيد إسرائيلي يبغي التشكيك في وثيقة متفق عليها.

فأجاب يانسن باستياء وانفعال: يجب أن لا تقف عند الدوافع، فهذه أمور لا يمكن الخوض فيها، ولكننا كأكاديميين معنيين بما يقول، لا بمن قال.

فقلت: حسناً، هل يمكن تفسير هذا الرأي بأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، أي أن على كل طرف أن يسدد ما بذمته من قرض؟

 فهل كان الرسول (صلى الله عليه وآله) بحاجة إلى تثبيت ذلك في الوثيقة؟

 وهل كان (صلى الله عليه وآله) يتوقع أن يسدّد ديون اليهود، وهم تجّار المدينة، أم يسدّد اليهود ديونه؟

ومتى استقرض الرسول (صلى الله عليه وآله) مالاً فخاف اليهود مغبة إجبارهم على تسديدها؟

 لا يوجد مصدر تاريخي واحد يذكر أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد استقرض أموالاً عند وصوله المدينة، بل كانت نفقات بناء المساجد والخدمات يقدمها المسلمون طواعية وتقرّباً إلى الله.

ومن ناحية لغوية فإنه لا يقال لليهود ديناً بل (على اليهود دين وعلى المسلمين دين)، ثمّ أن المقام مقام عهد وسلام وتنظيم وضعية اليهود في الدولة الجديدة وليس عهد مبايعة أو ديون أو نشاط اقتصادي.

وكنت قد قرأت رأي موشية  Moshe Gil  في كتاب «التاريخ الاسلامي» لمؤلفه المستشرق  R. Stephen Humphreys  إذ يذكره ويتلخص «بأن محمّداً لم يكن يهدف إلى تسوية الأمور مع اليهود في المدينة منذ البداية، بل قام بتأجيل المواجهة معهم. وحالما قويت شوكته بالتحالف مع الأوس والخزرج بدأ يُظهر سياسة العداء التدريجية لليهود، على الرغم من نفور حلفائه. إن دستور المدينة، في الحقيقة، استهدف مواجهة اليهود منذ لحظة كتابته. إن الوثيقة ليست إتفاقاً مع اليهود بل على العكس، فهي إطار يهدف لتعزيز عزل القبائل العربية المقيمة في المدينة عن جيرانهم اليهود، الذين كانوا منسجمين معهم حتى ذلك الوقت».

فأكملت حديثي مع يانسن: إن هذا التفسير يحاول التشكيك بنوايا الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأنه (صلى الله عليه وآله) يكن العداء والضغينة لغير المسلمين دون مبرر، وأنه (صلى الله عليه وآله) رغب بمبادئتهم بالعداء وعزلهم مع أن وضعه (صلى الله عليه وآله) العسكري كان ضعيفاً. وقد ذكرت أننا لا نتعامل بالدوافع والنوايا فهل ينطبق ذلك على هذا اليهودي؟

لقد أ يّد هذا الرأي المستشرق اليهودي يوليوس فلهاوزن Wellhausen فقال:

إن الدستور يمثل عدم ثقة معينة باليهود، بينما يرى المستشرق مونتغمري واط Watt رأياً مخالفاً إذ يقول: إن دستور المدينة لا يكشف إطلاقاً عن أي نوايا عدائية ضدّ اليهود، بل على العكس، فقد منحهم الدستور وضعية دينية وقانونية معترف بها. إن الصراع مع اليهود كان يعود بالدرجة الرئيسية إلى غياب القبائل اليهودية الكبيرة (بنو النظير، بنو قينقاع وبنو قريظة) عن التوقيع على الدستور.

 

3 ـ  المستشرق فان كوننكزفيلد P. S. Van Koningsveld وحوار حول المتعة، ونهج البلاغة:

وهو مختص بالعقائد التقليدية في الاسلام، المصادر الإسلامية، وأستاذ كرسي الاسلام في أوربا الغربية وشمال أفريقيا، واستاذ وسكرتير معهد الدراسات الإسلامية.

 وهو من قلائل المستشرقين المنصفين للإسلام، والمتفهمين لمشاعر المسلمين تجاه دينهم وتاريخهم وعقيدتهم. وله مؤلفات حول عقائد وشعائر الاسلام، وبحوث ودراسات حول الأقليات الإسلامية في الغرب. ويدافع عن المسلمين في المؤتمرات والندوات الدولية. ويدعو للحوار وتفهم الاسلام والمسلمين، وله علاقات وطيدة بأئمة المساجد والمراكز الإسلامية في هولندا.

ويقدم لقاءات تلفزيونية مع مفكرين اسلاميين تدور حول الإسلام. وقد أ لّف كتاب بعنوان (أسطورة الخطر الإسلامي في الغرب). وكتب مادة «الاسلام في أوربا» في موسوعة أوكسفورد للعالم الاسلامي الصادرة عام 1995.

حدث مرة أن سألته عن مصدر ورد في بحث له بعنوان (الولاء لدولة غير مسلمة)، كان قد أعطانيه لأبداء رأي فيه. جاء في البحث أن الإمام الشافعي يقوم بأن كل مكان يستطيع المسلم أداء شعائره الدينية يعتبر دار اسلام. فأجابني بأن ذلك الرأي موجود في كتاب (الأُم). ثمّ جرى الحديث حول مفاهيم دار الإسلام ودار الكفر، فقلت له: إن رأي الشافعي يخالف إجماع الفقهاء، حيث يضعون تعريفاً محدداً لدار الاسلام يتضمن سيادة الحاكم المسلم والقانون الاسلامي في ذلك البلد، إضافة إلى حرية ممارسة الشعائر الدينية. فقال: هل تعتبر نظام صدام نظاماً إسلامياً؟

 وهل كنت تستطيع ممارسة شعائرك الإسلامية هناك بحرية؟

 وهل يطبق نظام صدام القانون الاسلامي أم العلماني؟

 وعلى ذلك هل تعتبر بلداً يحكمه صدام دار اسلام؟

فقلت: قد يكون ما ذكرته صحيحاً، ولكنها حالة مؤقتة، طالماً أن أكثرية سكان البلد مسلمون، وأسلوب الحياة والتفكير والسلوك لدى الشعب، بصورة عامة، لا يخرج كثيراً عن الاسلام، فقال: هل تعتبر أن دخول المسلمين وفتحهم البلدان وهم أقلية، ويؤسسون دولة اسلامية، هل تعتبر ذلك البلد دار اسلام وهم أقلية فيه؟

قلت: نعم، طالما أن القانون الاسلامي يسود البلاد. إن تحديد مفهوم دار الاسلام يجب أن لا يخرج عن الحدود التي رسمها الفقهاء، وأنا وأنت لسنا بفقهاء، ولا يمكننا أن نعطي فتاوى بناءً على تفسيراتنا وتصوراتنا.

فقال ضاحكاً: ماذا تريد أن تقول؟ إذا اعتبرت أوربا دار كفر، ثمّ دار حرب، فعلام البقاء فيها إذن؟ إن ذلك يشابه رأي الأحزاب اليمينية العنصرية في أوربا. فهي ترفع شعارات طرد الأجانب والمهاجرين. إننا نبغي الوصول إلى حلول منطقية تستهدف التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين في أوربا. لقد كان فان كوننكزفيلد يبحث عن مبرر شرعي لإقناع المسلمين بضرورة الإبتعاد عن الآراء المتطرفة ضد الغربيين طالما أنهم يقيمون بينهم، فليس ذلك من مصلحتهم. وينتقد، في بحثه آنف الذكر، آراء بعض المستشرقين التي تسرف في العداء للمسلمين، وتفسر الأمور تفسيراً تعسفياً بعيداً عن المنطق السليم.

 

حوار حول زواج المتعة:

وذات مرة كنت في نقاش مع بعض الطلبة الأندونيسيين المسلمين الذين سألوني عن زواج المتعة وشروطه وشرعيته. وكنت مستغرقاً في حديثي، حين وصل فان كوننكزفيلد والتحق بالجلسة مستمعاً للحديث، ثمّ سألني: ما قولك في تفسير الآية الكريمة (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن)(النساء: 24)؟

فقلت: إنها تشير إلى وجوب دفع المهر أو الصداق في زواج المتعة. وهذا ما اتفق عليه الصحابة والتابعين. وقد مارس المسلمون زواج المتعة في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) وعهد الخليفة أبو بكر وشطراً من خلافة عمر.  وتوفي الرسـول (صلى الله عليه وآله) ولم ينسخ الحكـم لا بقـرآن ولا بحـديث.  وهناك قاعـدة شرعية معروفة تقول أن «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة»، أي أن النسخ لا يجوز في النصوص الشرعية بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله).

فقال المستشرق: ولكن الخليفة عمر قد نسخه، وهو ولي الأمر.

فقلت: لقد نقل المؤرخون والفقهاء أن زواج المتعة كان سارياً شطراً من عهد عمر بن الخطّاب، لكنه أصدر أمراً بتحريمه، إذ قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله أحرمهما وأعاقب عليهما، متعة الحج ومتعة النساء. فالخليفة عمر يعترف بأن زواج المتعة كان معمولاً به في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكيف يجرؤ على منعه؟

فقال فان كوننكزفيلد: لعلّه رأى إسفافاً في تطبيقه، واستغلالالً للمرأة فمنعه.

 فقلت: إن عمر خليفة وليس مشرع، وعليه التقيد بتطبيق أحكام الشريعة التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) كبقية المسلمين. وهذا الحكم من الأحكام التشريعية المحكمة، كالصلاة والصيام والزكاة، لا يجوز إلغاؤها أو تأجيلها أو إيقاف العمل بها.

فقال: ألا أنه من اللاّأخلاقية استئجار امرأة لأجل متعة جنسية مؤقتة؟

فقلت: هو ليس باستئجار، بل عقد زواج شرعي، له شروطه وحقوقه وواجباته وأحكامه. فقال: والولد الناتج من هذا الزواج؟ فقلت: ينسب لأبيه كأي زواج آخر. فقال: لماذا هذا النوع من الزواج الشاذ، وهناك الزواج الدائم الذي يقره كل المسلمين؟ فقلت: إنه ليس بشاذ، بل هو جزء من الشريعة الإسلامية وأحكامها التي تعالج المشاكل التي يواجهها المجتمع الاسلامي.

وهو ليس بفرض على كل مسلم بل مثله مثل الطلاق وتعدد الزوجات. فهذه الأحكام الشرعية جاءت لتعالج أزمات ومشاكل عسيرة في المجتمع، لا يمكن حلّها إلاّ بواسطة هذه الحلول التي وضعها الله سبحانه وتعالى رحمة بنا. ألا ترى أن الكنيسة تحرم الطلاق إلاّ في حالة الزنا، بينما القوانين الأوربية شرعت الطلاق لأي سبب، بعد أن رأت صعوبة استمرار الحياة الاجتماعية بدون الطلاق. فكذلك أحكام الطلاق وتعدد الزوجات وزواج المتعة قد وضعت لحل مشاكل مستعصية وليست أمراً كيفياً. للأسف بالغ المسلمون في استخدام هذه الأحكام التي أباحتها الشريعة، وهو ما يسمى في القانون بالتعسف باستخدام الحق. لنفترض أن هناك طالباً في الجامعة، ولا يستطيع الزواج لصعوبة توفير مسكن مناسب أو دخل كاف أو ظروفه الصعبة ولديه حاجة وغريزة جنسية، هل يتركه الاسلام ويضطره للجوء إلى الطريق الحرام، أي الفاحشة والزنا؟ أم يفتح له باباً شرعياً مأمون العواقب، دون مشاكل شرعية أو صعوبات مالية أو أزمات نفسية. ونفس الشيء ينطبق على النساء سواء شابات أم عانسات أم أرامل.

إن المذاهب السنية تجوز زواج رجل بامرأة ينوي طلاقها، أي أنه في نيته تطليقها قبل العقد عليها، ألا يكون ذلك تغريراً وغشاً لها وهي لا تعلم أنها ستطلق بعد ساعة أو يوم، بل حدث أن بعض الأزواج طلّقوا نساءهم في حفلة العرس. كما أن الشريعة لا تضع زمناً محدداً للزواج الدائم، فيجوز للرجل أن يطلق زوجته بعد يوم أو يومين أو اسبوع أو أي وقت يشاء، دون أن يعاب عليه ذلك.

إن زواج المتعة محور نقاش طويل في المجتمع المصري الآن بسبب تصاعد الجريمة والفاحشة والزنا.

فقال معلقاً: إنكم أيها الشيعة ليبراليون أكثر من السنة. لقد قرأت بحثاً لمستشرق ألماني حول زواج المتعة في إيران والعراق. وقد أورد احصائيات عن مدى ممارسة هذا النوع من الزواج. فقلت له: دعك من هذا الألماني وإحصائياته، فزواج المتعة لا يمارس إلاّ على نطاق ضيق، وأنا أشك بتلك الإحصائيات، لأن لا أحد، رجلاً كان أم امرأة في المجتمع الإسلامي الشرقي يمكنه أن يجيب على هذا السؤال، إلاّ القليل وبشكل غير مباشر.

فقال: إن المقال لدي، وفيه احصائيات. فقلت له: أنا من تلك المنطقة، وعشت في ايران بضع سنوات، وأهل الدار أدرى بما فيها. قد يكون ذلك المستشرق قد أجرى احصائيات على عينة محددة، ولعلّه أجراها في ألمانيا بين المهاجرين، ثمّ بالغ بالإستنتاجات. إن ممارسة زواج المتعة بين العراقيين قليل بين الرجال، كما أنه من النادر أن تجد عراقيات يقبلن به لأسباب اجتماعية. أما الإيرانيات فأكثر إنفتاحاً وتقبلاً لهذا الأمر، ولكن لا يعني ذلك أن كل الإيرانيات (غير المتزوجات) مستعدات له، بل ما زال الزواج الدائم هو المفضل والمتعارف.

ثمّ وجهت سؤالي إلى المستشرق فإن كوننكزفيلد:

لماذا معلوماتكم قليلة عن الشيعة؟

 إن كل ما تحملوه من معلومات وآراء ذات بعد واحد. ففهم قصدي فقال مبتسماً: لك الحق فيما تقول، إن دراستنا للإسلام ذات اتجاه واحد ومحور واحد هو الاسلام السني، لأننا درسنا في القاهرة، حيث المذهب الرسمي هو السني، فلا نعرف غيره. فقلت له: إن للشيعة مصادر ومؤلفات وتأليفات كثيرة جداً، فلماذا لا تطلعون عليها؟

 فقال: أغلب المصادر الشيعية المتوفرة لدينا قديمة. وإني أوجه ندائي للمؤسسات والمراكز والجامعات الشيعية للقيام بتزويد الجامعات الغربية بالمصادر والمؤلفات التي تبرز الفكر الشيعي وخاصة الحديثة منها في شتى المجالات، العقائد والقانون والفلسفة والتاريخ والتشريع والفقه.

 

نهج البلاغة:

وفي يوم أعطيت المستشرق فان كوننكزفيلد دراسة نشرت لي في مجلة الفكر الجديد بعنوان (العلماء المسلمون بين الفقه السياسي والعمل السياسي)، وقد ورد فيه «أن عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر هو أقدم نص اسلامي في الفقه السياسي وشؤون الحكم والإدارة. ولم تصل الكتابات التي أعقبته إلى عمقه وكيفية تناوله لمفاهيم الحكم والحاكم، ومعاونوه، ودور الأمة وطبقات الشعب في ذلك، ضمن الإطار الشرعي الاسلامي. وهذا ما تفتقده الكثير من الكتابات السياسية المتأخرة. »(1) وبعد أن قرأ البحث أعاده إلي قائلاً: هل تعتقد أن نهج البلاغة موثوق بصحته ونسبته إلى الإمام عليّ (عليه السلام)؟ فقلت: نعم بكل تأكيد. فقال: إن هناك شكوكاً في صحة نسبته إليه، وأنه ربما وضع في فترة متأخرة. فقلت: هذه الشكوك والإتهامات التي تتحدث عنها ليست بجديدة، وأن أول من شكك بنهج البلاغة هو ابن خلّكان(608 ـ 681 هـ) الذي اتهم الشريف الرضي(359 ـ 400  هـ) بوضعه، فقال في كتابه الشهير (وفيات الأعيان) في ترجمة السيد المرتضى ما  نصه «وقد اختلف الناس في كتاب نهج البلاغة المجموع من كلام الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، هل جمعه؟ أم جمع أخيه الرضي؟ وقد قيل: إنه ليس من كلام علي، وإنما الذي جمعه، ونسبه إلى هو الذي وضعه، والله أعلم. »(2)

____________________

(1) مجلة الفكر الجديد / العددان 11 و 12 / ص 166، كانون الثاني 1996، دار الإسلام: لندن.

(2) عبدالزهراء الحسيني الخطيب، «مصادر نهج البلاغة وأسانيده»، ج 1، ص 102، دار الأضواء، بيروت: 1985.

 

وجاء من بعده الكتّاب والمؤرخون فنقلوا عنه إلى يومنا هذا. وذكرت له بأن أحد الباحثين العراقيين، السيد عبدالزهراء الحسيني الخطيب، قد أ لّف كتاباً فريداً (مصادر نهج البلاغة وأسانيده)، اعتمد فيه منهجاً علمياً صارماً في تحقيق وجمع المصادر التاريخية التي ذكرت الخطيب والرسائل الواردة في نهج البلاغة. وهذه المصادر هي:

1 ـ مصادر ألفت قبل عام 400 هجري، وهي سنة صدور (نهج البلاغة) إلى عالم النشر، ولا تزال موجودة إلى يومنا هذا وقد نقل عنها مباشرة(114 مصدراً من أمهات الكتب).

2 ـ مصادر ألفت قبل صدور (نهج البلاغة)، وقد نقل عنها بالواسطة، أي عبر مصادر أخرى ذكرتها.

3 ـ كتب ألفت بعد زمن الشريف الرضي، ولكنها روت كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) بأسناد متصلة ولم تمر في طريقها على الرضي ولا على كتابه.

4 ـ كتب صدرت بعد الرضي أيضاً، ولكنها نقلت كلام الإمام علي (عليه السلام) بصورة تختلف عمّا في (نهج البلاغة)، ولم تشر إليه من قريب أو بعيد.(1)

فمعنى ذلك إن إنكار أو التشكيك بصحة نسبة نهج البلاغة كلام غير علمي، لأنه من المستبعد أن تتفق هذه المصادر على الكذب والإدعاء بنسبة الكلام لأمير المؤمنين (عليه السلام). وما رأيك بالمصادر التاريخية والأدبية والفقهية والعقائدية وكتب الرجال التي ذكرت خطبه ورسائله (عليه السلام) قبل ولادة الشريف الرضي نفسه، فهل تبقى هناك حجة أو شبهة؟ إن إجماع أكثر من مائة مصدر تاريخي على صحة نسبة ما ورد في (نهج البلاغة) للإمام علي (عليه السلام)، قد لا يتوفر لأي كتاب آخر، إن ذلك يدعى بالتواتر لكثرة الطرق التي ورد بها.

وهنا أطرق فان كوننكزفيلد قليلاً، ثمّ قال: ولكن (نهج البلاغة) يتضمن مفردات وألفاظ لم تستخدم إلاّ في وقت متأخر عن الخلفاء الراشدين. فقلت: لقد حقق المؤلف هذه الشبهة وغيرها، وتوصل إلى نتيجة، وبالدليل، أن مثل تلك الألفاظ ليست بمستحدثة، بل استخدمت حتى في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف مثل (الوصية والوصي) ونقلتها المصنفات الكثيرة.

____________________

(1) (المصدر السابق / ص 29).

 

من المعروف أن الشعراء والنقاد الأدبيين يعرفون ميزات وخصائص كل شاعر. فلو سألتهم لمن بيت الشعر هذا؟ لقالوا هذا، مثلاً، لأبي تمام أو المتنبي أو البحتري أو الفرزدق أو جرير أو أبو العلاء أو أبو نواس وغيرهم، وذاك لأن لكل واحد منهم أسلوبه، مزاجه، ألفاظه، مواضيعه، حكمه وعصره وبيئته. ونفس الأمر ينطبق على نهج البلاغة حيث قال فيه العلماء والأدباء نفس القول.

يقول ابن أبي الحديد المعتزلي(586 ـ 656 هـ) «إما أن يكون كل نهج البلاغة مصنوعاً منحولاً، أو بعضه، والأول باطل بالضرورة، لأننا نعلم بالتواتر صحة اسناد بعضه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). والثاني يدل على ما قلناه، لأن من أنس بالكلام والخطابة وشد طرفاً من علم البيان، وصار له ذوق في هذا الباب لابدّ أن يفرق بين الكلام الركيك والفصيح... وأنت إذا تأملت (نهج البلاغة) وجدته كلّه ماءً واحداً ونفساً واحداً، وأسلوباً واحداً كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفاً لباقي الأبعاض في الماهية والقرآن العزيز أوله كأوسطه، وأوسطه كآخره... فقد ظهر ذلك بهذا البرهان الواضح ضلال من زعم ان هذا الكتاب أو بعضه منحول إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). »

فقال المستشرق فان كوننكزفيلد: لو كان حقاً ما تقول لكان عهد مالك الأشتر من أروع الوثائق السياسية في الاسلام في ذلك العهد المبكر.

 

4 ـ  المستشرق فون دونسو Dr. Von Donsu، المستشرقون والإستعمار:

من المستشرقين المخضرمين، بلغ من العمر عتياً. كان رئيساً لمعهد الشرق الأوسط. وكان عضواً في اللجنة التي أشرفت على إصدار (الموسوعة الإسلامية) الضخمة، وقد حرّر بعض موادها، وورد اسمه في الجزء الثالث الصادر عام 1971.

دخل علينا يوماً محدودب الظهر، بطئ الخطى، لإلقاء محاضرة حول الموسوعة الإسلامية وتاريخها فكان مما قاله: إن أول من اقترح فكرة الموسوعة الإسلامية هو المستشرق روبرت سميث Robert Smith الأستاذ في جامعة كمبرج، وذلك عام 1892. وقد صادق على الفكرة، المؤتمر العالمي للمستشرقين الذي عُقد في نفس العام. وتحدث عن دور المستشرقين، وذكر بأنهم كانوا يحصلون على الدعم الحكومي، مدعياً أن هذه المساعدة كانت دون مقابل، أي لغرض العلم فقط، ومن أجل هدف رئيسي يتمثل في نشر معلومات موضوعية عن الاسلام.

وذكر دونسو أن الموسوعة الإسلامية كُتبت بأقلام غير اسلامية، ثمّ تساءل كيف يمكن لغير المسلم أن يكتب عن الاسلام دون حساسية أو انفعال؟ وهل يمكن لكافر أن يتحدث بموضوعية عن الاسلام؟ ثمّ أضاف: إن هذه واحدة من المشاكل الباقية في الموسوعة الإسلامية.

وضرب دونسو مثلاً بالمستشرقين الحاقدين على الاسلام فذكر الأب هنري لامانس البلجيكي، الذي عاش في بيروت، وكتب عن الاسلام، ودرس وحقق نصوصاً عربية كثيرة، ولكن لم يترك أسلوبه في نقدها. فلم يكن باستطاعة لامانس الإنفصال عن عقيدته (كان كاثوليكياً من الجزويت). وقال مستشرق آخر يصف لامانس: لقد كان رجلاً عالماً بكل شيء عن الاسلام ولا يمكن الإحاطة بعلمه. والأفضل أن تقرأ كتبه مع ملاحظة عقيدته وأفكاره خلال القراءة.

وحول الصعوبات التي تواجه تأليف الموسوعة الإسلامية قال دونسو: إن المؤسسات الدولة والمراكز العلمية والأكاديمية لا تهتم هذه الأيام بإصدار موسوعة اسلامية، ولا تهتم بدعمها المالي، بل تقول أن الاسلام يهم العرب، والعرب أغنياء بالنفط، فعليهم تمويل مثل هذه المشاريع وليس نحن. وأضاف دونسو: لقد التقيت بالملك حسين، ملك الأردن، الذي أبدى استعداده لتمويل مشروع الموسوعة الإسلامية فقلت له: المسألة ليست قضية ما يدفع لقاء كتابة عمود يتألف من كذا مائة كلمة، ولكن قضية الجهد والمثابرة لصياغة وكتابة ذلك العمود، الذي قد يستغرق سنة من المراجعة للكتب والوثائق.

وأضاف دونسو: لقد صدر الجزء الأول من الموسوعة الإسلامية عام 1913، ولم يكن الهدف واضحاً من تأليفها، فقد صرّح أحد المستشرقين بأننا نريد أن يعرف العالم أن علماءنا وأساتذتنا يعلمون بهذه السعة عن الاسلام.

وعلّق دونسو على هذه المقولة بأن الذين كتبوا الموسوعة كتبوها لأنفسهم وليس للناس. إن الاسلام دين قوميات وشعوب عديدة منتشرة في العالم، لذلك بدأنا بتعلم لغات المسلمين. فيجب أن يكون لدينا مختصين بتلك الشعوب والثقافات، ذوي دراية ومعرفة عالية قبل الشروع بالموسوعة الإسلامية المطلوبة. لقد بدأنا منذ عقود بتعلّم لغات منطقة آسيا الوسطى.

 لقد واجهتنا مشكلة عويصة هي اختيار لغة الموسوعة، إنجليزية أم ألمانية أم فرنسية. فاللغة تشكل المقوم الأساسي للأمة، وكل أمة أوربية تعتز بلغتها. لقد كنّا نعقد مؤتمراً عالمياً في باريس، فقال لي مستشرق فرنسي كبير: إذا لم تصدر الموسوعة باللغة الفرنسية فلا تتوقعوا مساعدتنا.

وبعد أن أنهى محاضرته، فتح دونسو باب المناقشة والأسئلة، فبادره المستشرق يانسن الذي كان يجلس معنا ويستمع للمحاضرة: هناك إتهامات وشبهات حول مضامين الموسوعة الإسلامية، وأنها لم تكتب بموضوعية، فلماذا لا تبادر المؤسسة القائمة على إصدار الموسوعة بإستحصال موافقة المؤسسات الإسلامية قبل نشرها؟ ولماذا يجري الإقتصار على ترجمة حياة العلماء الأموات دون الأحياء؟

فردّ دونسو: الأمر صعب جداً، لأن المؤسسات الإسلامية ليست بواحدة، كما أن هناك آراء مختلفة بالموضوع الواحد. بعد ذلك وجهت سؤالي إلى دونسو: هل توجد علاقة بين المستشرقين والحكومات الإستعمارية؟ إن كتاباتهم تخدم أهدافاً سياسية وتبشيرية وليست لأغراض علمية بحتة. خذ مثلاً المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون Louis Massignon كان يعمل مستشاراً لوزارة المستعمرات الفرنسية. لقد كتبوا وجمعوا معلومات كثيرة عن الشعوب الإسلامية وثقافاتها وعقائدها وخلافاتها قبل الغزو الإستعماري، فكانوا طلائع الإستعمار. وآخرون رافقوا الحملات العسكرية على العالم الإسلامي، فالمستشرق ديفيد مرجوليوث David Margoliouth كان يرافق الكولونيل بلفور الحاكم السياسي البريطاني في العراق بعد الإحتلال. وحاول أن يلعب دوراً سياسياً(1)، فكان يسعى لتبرير استمرار الحكم البريطاني المباشر للعراق، وإقناع العراقيين به إذ قال في اجتماع حضره وجهاء عراقيون: إن العراق قد تعود على حكم الأجانب منذ القديم، فقد حكمه المغول، وحكمه الأتراك، وحكمه الإيرانيون، وهو لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه. وعلى العراقيين أن يختاروا الإنجليز أوصياء عليهم أو تحت إنتدابهم أو حمايتهم.(2)

فأجابني دونسو: لا أعرف أحداً ممن شارك بكتابة الموسوعة الإسلامية كان على علاقة بالحكومات الإستعمارية. فكانت محاولة للتهرب من السؤال لأنني لم أحدد السؤال بأولئك الذين كتبوا الموسوعة، كما أن الشواهد التي ذكرتها ليست لها علاقة بالموسوعة.

____________________

(1) ذكرت مسز بيل أن «مورغليوث كان في بغداد لمساعدة القيادة العامة في بعض الأمور»، راجع: , vol. 2, p. 103, London: 1961« Gertrude Bell »Burgoyns,.

(2) علي الوردي، «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» / ج 5، ص 83، دار كوفان للنشر، لندن: 1992.

 

بالطبع لم يكن متوقعاً من ذلك المستشرق الذي عاش أزهى أيام شبابه في ظل العهد الإستعماري. ثمّ استطرد في حديث آخر إذ قال: زرت مدينة قم قبل عامين والتقيت بعلماء الشيعة. قالوا لي: لا يمكن لسني أن يكتب عن الشيعة؟ فقلت لهم: هل يمكن لشيعي أن يكتب عن معاوية أو بني أمية؟ قالوا: نعم، ولكن سلبياً. فقلت لهم: الأمر ينطبق عليهم أيضاً. وفي لقاء مع أحد علماء قم قلت له: أتمنى أن تكتبوا عن المسيحية كما نكتب نحن عن الاسلام، وتصدروا موسوعة أو مؤلفات تعرض الفكر المسيحي.