اهتمام الشيعة بنقل وترجمة

 آثار وأقوال السيد المسيح(عليه السلام)

الدكتور أحمد مهدوي الدامغاني

ترجمة أبو علي البغدادي

 

  إن الأقدمين من علماء الشيعة ـ ومن خلال سعيهم الحثيث لطلب العلم والفضيلة ـ قاموا قبل سائر الفرق الإسلامية، وبدرجة أكبر اهتماماً، بترجمة الكثير من الأقوال المنسوبة للسيد المسيح(عليه السلام)اعتماداً على الأناجيل المتوفّرة في تلك العصور (أي ما بين القرنين السابع والعاشر الميلاديين) وضمّنوها كتبهم.

  إن كتب التفسير عامة، والجوامع الحديثية لإخواننا أهل السنّة لم تذكر أحاديث غير تلك المرتبطة بتفسير الآيات القرآنية النازلة بشأن المسيح (عليه السلام)، رغم أن كلمة (عيسى) وردت في القرآن الكريم خمساً وعشرين مرّةً، ووردت كلمة (المسيح) فيه إحدى عشرة مرّة، أي ما مجموعه ستٌ وثلاثون مرّة ورد فيها اسم هذا النبي الكريم(عليه السلام).

 و إن تفاسير المسلمين تطرّقت بصورة عامة إلى ترجمة حياته(عليه السلام)منذ ولادته حتى رفعه إلى السماء، وفقاً للآيات القرآنية الكريمة.

  وقد جاء في تلك الصحاح والسنن نحوٌ من عشرين حديثاً بشأنه(عليه السلام)مع اختلاف في بعض الألفاظ.

 وقد اكتفى محدّثو أهل السنّة بنقلها وروايتها إضافة إلى بعض العبارات القصيرة الاُخرى التي كانت معروفة عند أهل العلم والأدب بـ (أقوال المسيح).

 وقد رويت عشرة أحاديث أخرى مستطردة في المجاميع الحديثية أهل السنّة عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) ذكر فيها السيد المسيح (عليه السلام).

  فمثلاً، جاء في كنز العمّال ـ الذي هو أحد مجاميع حديث السنّة الاكثر تأخّراً وتفصيلاً ـ ما مجموعه تسعة عشر حديثاً ـ من ضمنها الأحاديث الانفة الذكر ـ بشأن أحوال المسيح وسيرته، لكن تلك الأحاديث جميعاً هي نص أقوال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ولم ترد فيها كلمة واحدة من نصوص أقوال المسيح(عليه السلام).

  ولان أساس اهتمام المحدّثين، كان منصبّاً على جمع الأحاديث المرتبطة بأصول العقائد والفروع الفقهية، فمن الطبيعي، لم تكن مؤلّفاتهم ملمّة بجميع أقوال المسيح، كما لم ترد إشارة عنها حتى في آثار بعض المحدّثين القدماء والصوفية الاوائل الذين ألـّفوا كتباً في السنن والاخلاق، مثل البخاري المتوفّى سنة 256هـ في كتابه (الادب المفرد) الذي ضمّ 1329 حديثاً، ولم يرد فيه حديث واحدٌ بهذا الخصوص، أو حارث بن أسد المحاسبي المتوفّى سنة 234هـ في رسائله المتعدّدة، أو ابن أبي الدنيا المتوفّى سنة 281هـ ، وغيرهم.

  ولكن رُوي حديثان من مجموع الأحاديث التسعة عشر الانفة الذكر حول سيرة المسيح(عليه السلام)وطريقة معيشته، الأول يتكون من جملتين، والثاني لا يتجاوز ثلاثة أسطر، وكلاهما مرويّان عن أنس بن مالك خادم النبي(صلى الله عليه وآله).

  أما الشيعة فقد اهتمّوا بالأمر منذ بداياتهم، فسبقوا سائر الفرق في ترجمة حياة المسيح(عليه السلام) وسيرته، وفي ترجمة أقواله ونقلها.

  وأول من تحدّث بعد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) بتفصيل أكثر على سيرة المسيح (عليه السلام) هو الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) مستلهماً حديثه من الحديثين النبويين، وذلك في خطبته البليغة التي يمتدح فيها الزهد ويذمّ جمع المال، ويصف زهد أنبياء اللّه الكرام موسى وداود والمسيح وخاتم الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.

 إذ قال بشأن المسيح(عليه السلام): (و إنْ شئتُ قلت في عيسى بن مريم (عليه السلام)، فلقد كان يتوسّد الحجر، ويلبس الخشنَ، ويأكل الجشبَ، وكان إدامُه الجوعَ، وسراجُه بالليل القمرَ، وظِلالُه في الشتاء مشارقَ الارض ومغاربَها، وفاكهتُه وريحانُه ما تُنبتُ الأرض للبهائمِ، ولم تكن له زوجةٌ تفتنُه، ولا ولد يحزنُه، ولا مالٌ يلفتُه، ولا طمعٌ يذلُّه، دابّتُه رجلاه، وخادمُه يداه)(1).

  وفي حديث له(عليه السلام)مع نوف البكالي جاء: (طوبى للزاهدين... قرضوا الدنيا قرضاً على منهاج المسيح) (2).

  فقد أشار في الحديث الأول إلى زهد المسيح(عليه السلام)وتقشّفه تفصيلاً وفي الثاني تلميحاً.

  وبعد ذلك، وفي القرن الثاني الهجري، نقل الإمام الصادق(عليه السلام)حِكَماً مفصّلة عن المسيح(عليه السلام)، وذلك ضمن نصائح وجّهها الإمام سلام الله عليه إلى عبدالله بن جندب، وهو أحد أصحابه وأصحاب الإمامين موسى بن جعفر وعلي بن موسى(عليهما السلام).

 وقد وردت هذه النصائح في كتب الشيعة المعتبرة. وما نسبه الإمام الصادق(عليه السلام)إلى النبي عيسى(عليه السلام) موجود الان بنصّه في انجيل متّى.

  وفي الفترة بين القرنين الثاني والرابع الهجريين، أورد الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين) تسعة موارد لكلمات قصار، ومورداً واحداً لجمل متعدّدة ومفصّلة عن المسيح(عليه السلام).

 وكذلك نقل ابن قتيبة المتوفّى عام 276هـ في كتابه (عيون الأخبار) نفس الكلمات، إضافة إلى اثني عشر مورداً آخر، وقد ورد بعضها في أغلب كتب الأدب والأخلاق في ذلك العصر.

  وثمّة أقوال اُخرى للمسيح(عليه السلام)لم تذكر في اُمّهات كتب الحديث والاداب في القرون الاسلامية الثلاثة الاولى، حتى أواسط القرن الرابع الهجري، إذ إن أحد كبار الشيعة المعروفين وهو (أبو محمد الحسن بن علي بن حسين بن شعبة الحرّاني) المعاصر لرئيس المحدّثين الشيخ الصدوق المتوفّى سنة 381هـ ـ 1001م، وأحد مشايخ الشيخ المفيد أفرد ستّ عشرة صفحة (بحساب الصفحة المطبوعة حالياً) لترجمة ونقل حِكم المسيح(عليه السلام)ونصائحه، وذلك في كتابه الشريف (تحف العقول عن آل الرسول).

 إضافة إلى نقله ما ذكر عن الامام الصادق(عليه السلام) في وصاياه لابن جندب.

 

  إن ما نقله ابن شعبة ينقسم إلى قسمين:

 الأول: وهو الأصغر، جاء تحت عنوان: (مناجاة اللّه جل ثناؤه لعيسى بن مريم).

  والثاني: وهو المفصّل، كان تحت عنوان: (مواعظ المسيح(عليه السلام) في الإنجيل وغيره)[3].

  ونحن نعلم أن ابن شعبة من أهالي حرّان، وأن حرّان من مراكز تجمّع الصابئة والنصارى، فمن الطبيعي أن تكون المصادر الصابئية والنصرانية بمتناول يده أكثر من غيره، وهو بهذا قد أضاف ميزة السبق في تدوين ما ورد عن المسيح(عليه السلام)إلى سائر امتيازات الشيعة.

  إن الكثير من مضامين الكلمات الواردة في تحف العقول موجودة الآن في الأناجيل، إما بنصّها، أو بالترجمة الدقيقة لها.

 ونحن هنا نعرض فهرساً للعبارات الواردة في تحف العقول والمطابقة لما جاء في انجيل متّى:    

ـ الجمل (1 ـ 7 و14 ـ 17 و44 و45) من الباب الخامس.

ـ والجمل (6 و12 ـ 19 و24 و30) من الباب السادس.

ـ والجملة (16) من الباب السابع.

ـ والجملتان (29 و36) من الباب الثاني والعشرين.

وفي انجيل لوقا:  الجمل (17 ـ 49) من الباب السادس.

ـ والجمل (4 ـ 17) من الباب الثامن.

ـ والجمل (37 ـ 53) من الباب الحادي عشر.

وفي انجيل مرقس:  الجملة (30) من الباب الثاني عشر.

  هذا فهرس إجمالي، وهناك تفاوت بين ترتيب أقوال المسيح(عليه السلام)المنقولة في تحف العقول، وترتيبها في الاناجيل.

  وما يجدر الانتباه إليه أن ابن شعبة نقل عن ثلاثة أناجيل فقط هي:  إنجيل متّى، و إنجيل لوقا، و إنجيل مرقس، والمعروفة بالاناجيل المتشابهة. ولم أعثر خلال تنقيبي وتفحّصي على عبارة تتطابق مع عبارات انجيل يوحنّا.

 


 

  (3) تحف العقول: 501 ، ط. مؤسسة النشر الاسلامي 1404هـ .