بسم اللّه الرحمن الرحيم
فـي
أفـريـقـيـا
مقـدمة:
مدخل
تعريف بالمسيحية والكنيسة
ما هية التنصير (تعريفه) وأساليبه
التنصير: هو الدعوة لإتباع ما جاء به الإنجيل، ويعني التوسع على حساب العقائد غير المسيحية مثل: الإسلام والبوذية والديانات المحلية، و أن التنصير فرض على كل شخص يعمل في مؤسسة تنصيرية، والدليل على ذلك قول الإنجيل (اذهبوا إلى العالم وكرزوا بالإنجيل بين الخليقة).
كذلك تفرض الكنيسة الكاثوليكية على أتباعها نشر مبدأ الثالوث.
يقول الإنجيل (اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم بأسم الأب والابن وروح القدس) اما التبشير فيعني محاولة نشر الثقافة المسيحية دون إلزام المبشرين بتغيير عقائد الناس ويخلط بعض المؤرخين بين التبشير والتنصير بحسبان أنهما عملية واحدة، لكن الراجح أن التبشير لا ينبغي أن يتبعه التنصير في كل الأحيان.
أما التنصير فيبدأ في كثير من الاحيان بالتبشير، والذي يعتبر مرحلة من مراحل التنصير.
التعاليم الكاثوليكية الأساسية في التنصير:
تعتبر الكنيسة الكاثوليكية الكنيسة الأساسية في التعاليم في العالم من حيث كثرة الاتباع، وهي كنيسة نشأت وتطورت في روما، وأصبح لها رئيس بأسم البابا، وتكونت لها مجالس كنسية عملت على تطويرها، وارتبطت سياسات التنصير في هذه الكنيسة منذ البداية ببرامج يجيزها المجلس الكنسي، والذي يتمثل فيه كل وظائف الكنيسة الأساسية، ونهجت هذه سمة أساسية من السمات، فمثلا وضح منذ القرن الخامس عشر محاولات تنصير المسلمين في الغرب الهندي بحسبان أنهم أسهل من العمل في الشرق الأوسط.
وتقول التعليم الكاثوليكية الأساسية أن دعوة التنصير يجب أن تضع في اعتبارها الأوامر الآتية:
1ـ قيام نظرية التنصير على أن الكاثوليكية هو دين المحبة الأوحد.
2ـ العمل على إخضاع المنصّرين للتدريب العملي والميداني واعطائهم فكرة ممتازة عن عادات القبائل والشعوب المراد العمل في وسطها.
والثابت أن المراحل التنصيرية تقوم على نظريات أساسية منذ فجر المسيحية ومن أهم مبادئها الطاعة العمياء للأوامر التي ترد من الشخص الأعلى وتنمية مقدرات العاملين في الكنيسة عن طريق اعطائهم جرعات من التدريب على العمل اليدوي، وبعض المهارات بالاضافة إلى تعلم بعض اللغات الأجنبية.
3ـ المؤثرات الفكرية تعتبر جزءً أساسياً في التعاليم الكاثوليكية في مجال التنصير، وفيما يخص الإسلام في هذه الناحية تبدو المؤثرات الفكرية في قيام علم الاستشراق وهو العلم الذي بدأ أساساً لدراسة القرآن واللغات الشرقية ولعل من أهم أهداف هذا العلم تشويه صور القرآن وتحريف فهم القرآن في الكتابات الأوربية.
4ـ لعل من أهم تعاليم الكاثوليكية في التنصير فتح الإرساليات بهدف السيطرة على أساليب التعليم في المجتمع.
5ـ العمل على السيطرة على الصحافة ووسائل النشر والإعلان وتوجيهها لخدمة بعض المفاهيم مثل:
العلمانية والتفكير الحرّ والنزعة الفردية.
6ـ الدعوة والعمل على خلق الفتن وبذر بذورها بين المسلمين والمسيحيين، ومحاولة استخدام هذه الظروف للتأثير على الناس لتغيير الآخرين.
ولعلّ أقرب مثال على هذه الحالة ما يحدث في اندونيسيا الآن، إذ أن الغالبية المسلمة فقيرة، إذ اتفقت الكنائس على عدم استخدام الطعام كوسيلة لتغيير عقائد الناس إلا أنها أخلت بذلك الشرط وجاءت بكميات هائلة من الأرز والذي بدأ يوزع على المسلمين مقابل تنصيرهم ضمنيا، بتعليمهم المسيحية حتى أن بعض الكتاب أطلقوا على ذلك الأرز (الإغاثة) الأرز المسيحي (christam ria).
الفصل الاول
التنصير في أفريـقيـا
تعتبر أفريقيا أحد أهم المناطق التي شملها التبشير والتنصير.
والثابت أن المسيحية انتشرت في بعض أقاليم أفريقيا (مصر والحبشة) منذ القرن الأول الميلادي حيث قامت في البلدين كنيسة شرقية قوية أرتبطت بالأسرة الحاكمة، إلا أن الكنيسة المصرية فقدت كثيراً من سلطتها (نفوذها) بعد استيلاء المسلمين على مصر سنة 641م، إذ تحول ذلك القطر تدريجياً نحو الإسلام.
وقد أثر ضعف الكنيسة المصرية على الكنيسة الحبشية، لكن رغم ذلك ظلت الحبشة دولة مسيحية عمل فيها الملوك على تقوية الشعور المسيحي ومقاومة رجال الإسلام في الهضبة الحبشية، وإضعاف المسلمين عن طريق شنّ الحرب عليهم وإجبارهم على دفع الجزية وتنصيرهم بالقوة في بعض الأحيان.
أما دخول المسيحية المنظم في أفريقيا فيرتبط بحركة الاستعمار ، ولعل دولة البرتغال كانت أول دولة اوربية نجحت في ارتياد مجال الاستعمار في افريقيا فيما عرف بحركة الجغرافيا في افريقيا في القرن السادس عشر الميلادي عن طريق محاولة استكشاف السواحل الغربية والجنوبية الغربية من أفريقيا، والدوران حول رأس الرجاء الصالح لإيجاد الطريق المباشر إلى الهند.
ورغم أن هذه الكشوف كانت في ظاهرها اقتصادية إلا أنها انطوت على أول محاولة كاثوليكية لتطويق الإسلام، ذلك أن البرتغال كانت دولة كاثوليكية يحكمها في القرن السادس عشر الميلادي أسرة من أتباع المسيحية، والتي جعلت من أهم أهدافها نشر المسيحية في العالم، وقد ساعدت البرتغال على بناء عدد من المراكز التجارية على طول الساحة الافريقية خاصة في انغولا وموزمبيق الحالية ورغم الأثر الضعيف على هذه المراكز إلا أنها عرفت سكان السواحل الافريقية المسيحية الكاثوليكية.
ويبدو أن نشاط الكنائس في هذه الفترة انحصرت على الطبقات الغنية مثل الحكام والتجار، وليس هنالك دليل على حدوث حركات تبشيرية تنصيرية بين مجموعة سكان القارة الافريقية.
كذلك حاولت دولة أسبانيا أن تجد لها مراكز على طول الساحل الإفريقي، ونافست البرتغال في الاستيلاء على بعض سواحل أفريقيا الشمالية، إلا أن اسبانيا سرعان ما أهملت الكشف الجغرافي في أفريقيا فتحولت إلى أمريكا الجنوبية حيث وجدت في ذلك الميدان تعويضاً لها عن أفريقيا.
الكنيسة الشرقية والتبشير
نلاحظ أن الكنيسة الشرقية لم تلعب دوراً هاماً في التنصير أو التبشير في أفريقيا في ذلك الوقت، لذلك ظلت كنيسة جامدة تتبع الدولة وتركز معظم الولاء لها في جمعيات آسيا الوسطى وشرق أوربا وشرق البحر المتوسط، اضافة إلى ذلك أن الكنيسة الشرقية لا توجد بها أوامر تنص على التنصير.
في نهاية القرن السادس عشر الميلادي ظهرت في قلب أوربا الكنيسة البروتستانتية، وهي كنيسة ارتبطت بما سمى بحركة إصلاح الدين، بمعنى أنها احتجت على مفاسد الكنيسة الكاثوليكية واتجاهها نحو الدنيا.
وتركزت الكنيسة البروتستانتية في المناطق الناطقة بالفرنسية (في الراين) وفي الأراضي المنخفضة (بلجيكيا وهولندا).
وكان رواد الحركة من أمثال لوثر (lu therr) وكافن (kevin) ممن دعو إلى الرجوع إلى التعاليم المسيحية الاولى، ومحاولة مسايرة المسيحية مثلا(الزواج والطلاق) واستطاعت الكنيسة الجديدة أن تجد لها اتباعاً كثيرة في غرب أوربا كما أدخلت مجال التبشير والتنصير في أفريقيا هذه المرحلة هي المرحلة الاولى حتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي
ويتضح أن التنصير كان على ما يأتي:
1ـ أن البرتغال كانت الدولة الأساسية في مجال التنصير والتبشير.
2ـ انحصر العمل المسيحي على السواحل كما لم تبدو له آثار واضحة في تحول مجموعات هائلة نحو المسيحية.
فالمجتمعات الافريقية المسلمة ظلت على الإسلام، كما أن المجتمعات الوثنية والتابعة للديانات المحلية ظلت على ما كانت عليها.
3ـ لم توجد خطط واضحة في عمليات التنصير والتبشير ذلك أن البرتغال كانت دولة صغيرة تعوزها الموارد البشرية، كما أن البرتغال اتجهت نحو عدم الاهتمام بالمستعمرات الافريقية إذ لم يهاجر إليها سوي حثالة المجتمع البرتغالي.
4ـ لا يوجد دليل على دخول أي دولة أوربية أخرى في مجال التبشير والتنصير في أفريقيا حتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، حيث دخل التنصير والتبشير مجالا آخر ارتبط فيها بالاستعمار، ذلك أن الدولة الصناعية في أوربا وما نتج عنها من الاتجاه نحو الرأسمالية، جعلت كثيرا من الدول الأوربية تفكر في ايجاد مستعمرات لها فيما وراء البحار، لتمويل صناعتها بالمواد الخام والتسويق ولتصبح أسواقاً للانتاج الضخم الذي يتركز على استخدام البخار كقوة محركة ونتيجة لتلك الثورة الصناعة بدأت الدول الأوربية تتنافس على القارة الافريقية وكان التنافس الأكبر في القرن التاسع عشر الميلادي بين بريطانيا وفرنسا، وبين ايطاليا وهولندا وبلجيكيا وألمانيا بعد توحيدها سـنة 1770م ونتيجة لذلك التسابق الاستعماري اُبعدت الدول القديمة في مجال الاستعمار(البرتغال وأسبانيا).
ويبدو أن الاستعمار خلال القرن التاسع عشر اتخذ عدة أوجه يمكن تلخيصها فيما يلي:
1 ـ بدأت في الأول دراسة مصادر موارد أفريقيا البشرية والاقتصادية عن طريق الرجال من المبشرين من امثال: ليفنغستون (living stone) سمويل بكر ( sammelbalcer) وغردون (gordon) ومنغو بارك(mungo park) وكلارتمون (klartmon) وقد حاولوا استكشاف المنابع الرئيسية في أفريقيا كالنيل والنيجر والسنغال والزمبيز.
ولذلك يمكن القول بأن المبشر كان رأس الرمح في العملية الاستعمارية.
وترتب على ذلك قيام بعض الجمعيات العلمية «جمعية الملكية الجغرافية البريطانية» لتقييم هذه التقارير.
عمل بعض المبشرين الأوائل على التبشير وسط القبائل فيما عرف بمحاولة نقل الحضارة الأوربية المسيحية المتفوقة إلى المجتمعات البدائية، وتصور كتابات معظم هذه الفترة المبشرين بأنهم رسل الحضارة، وتحاول أن تخفي دورهم الاستعماري، ولكنا نقول بأن هذه المرحلة يمكن أن نطلق عليها اسم «الاستعمار الأبوي» بمعنى أن المبشر كان يظهر عطفاً هائلاً على الأفارقة في محاولة التأثير عليهم.
بدأت مرحلة جديدة من الارتباط الوثيق بين الاستعمار والتنصير بعد 1880م باسترداد حركة تسابق الاستعمار نحو أفريقيا وتقسيمها بين عدد من الدول الأوربية وتعريف وتفصيل كل منطقة لدولة استعمارية، فاستعمرت فرنسا معظم غرب افريقيا، ونالت بريطانيا معظم شرق ووسط أفريقيا.
وبنهاية القرن التاسع عشر الميلادي دخلت كل القارة تحت السيطرة الاستعمارية باستثناء الحبشة وليبيريا.
بدأت بعد هذه العملية الاستعمارية الواضحة بدأ ما عرف باستعمار الاستغلال (Exploitatisial Slami Qhism) وبدأت حركة واسعة لتجارة الرق خاصة في غرب أفريقيا إذ ارسلت شحنات هائلة من البشر عبر الاطلنطي إلى العالم الجديد للمساعدة في زراعة القطن والتنقيب عن المعادن.
وتعتبر تجارة الرقيق الواسعة وصمة عار في الجيين الاوربي، ورغم أن المسيحية ارتبطت بالاستعمار في هذه المرحلة الا أنها غضت الطرف عن تجارة الرقيق، وخلال هذه الفترة أصبح الاستعمار والتنصير مترادفين، ذلك أن الدول الاستعمارية أعطت الإرساليات والكنائس ضلعا كبيراً في تكييف المجتمعات خاصة في غرب افريقيا.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن عمليات التبشير والتنصير أصبحت مشاريع ضخمة تمولها الدول الاستعمارية بالأموال وتنفذها الكنائس والإرساليات، والهدف الرئيسي منها إحداث فصل في المجتمعات الإسلامية بين الأفريقي المسلم وثقافته الإسلامية، كما حدث ذلك إلى تنصير الوثنين الافارقة.
الحرب العالمية الاولى والثانية
بعد الحرب العالمية الأولى وحتى قيام الحرب العالمية الثانية، بدأت كثير من المستعمرات الافريقية تحاول التخلص من قبضة الاستعمار، وظهرت فيها الحركة الوطنية، فاتخذ التنصير أسلوباً جديداً وهو أسلوب خلق طبقة مستنيرة متعلمة تخدم أغراض الاستعمار والكنائس عن طريق تعاليمهم الخاصة وتمويلهم الوظائف واعطائهم الامتيازات للتحكم في المجتمعات.
ولعبت الإرساليات دوراً هاماً في هذه المرحلة عن طريق السيطرة على التعليم الحكومي ومحاولة محاربة التعليم الإسلامي التقليدي.
الغزو الفكري
ومنذ نهاية الخمسينات بدأت الدول الإفريقية تستقل عن الاستعمار فاتخذت التنصير اتجاهاً جديداً اصبح يتمثل في الغزو الفكري ومحاولة ربط المستعمرات السابقة بثقافات الدول الأوربية (فرنسا) وتشجيع البعثات الدراسية إلى أوربا، فأقامت فرنسا هيئات للابقاء على علاقاتها مع مستعمراتها السابقة، وأقامت بريطانية رابطة
(csm mon wealtt) كما نجحت الدول الأوربية بمناصرة فكرة «جعلت الوظائف الرئيسية في الكنيسة، ومحاولة للتأثير على هؤلاء الناس لتحقيق أغراضهم، كذلك لجأت وسائل التنصير في هذه المرحلة للتأثير على سبل التعليم والخدمات الصحية وتشجيع العادات الإفريقية المحلية (السحر والشعوذة) وبذر بذور الفتنة بين أبناء البلد الواحد، وتشجيع الخلافات المذهبية، وتشجيع بعض الفرق الإسلامية، ذات الأفكار الهدامة(القاديانية) وكذلك ساعدت وسائل التنصير لزيادة الغزو الفكري في المجتمعات الإفريقية مثل: الصحف والإعلام، والسينما وكتب، مجلات، الإذاعات والتلفزيون.
ولعل من أهم الأدلة على قوة الحركة التنصيرية "مؤتمر تنصير المسلمين في أفريقيا والذي عقد في أمريكا سنة 1987م والذي طبعت مداولاته في كتاب «الإنجيل والقرآن» الذي يبين مشاريع التنصير الكبرى في أفريقيا وأحلام الكنيسة الكاثوليكية، وزيادة نسبة الكاثوليكية إلى 60 % في بداية سنة 2000م".
الفصل الثاني
نماذج التنصير في أفريقيا
التنصير في شمال أفريقيا (النموذج الاول )
يبدو للدارس للوهلة الاولى أن شمال أفريقيا لم يتعرض للتنصير، لكن المدقق في تاريخ المنطقة يلاحظ اهتماماً واضحاً من قبل المؤسسات التنصيرية في شمال أفريقيا خاصة في القرنين التاسع عشر والعشرين ولعل من أهم عوامل التنصير في شمال أفريقيا:
1ـ فشل جهود التنصير في شبه القارة الهندية نتيجة تمسك شعوب تلك المنطقة بالبوذية والديانات المحلية.
2ـ أهمية شمال أفريقيا الاستراتيجية والإمكانيات الاقتصادية الهائلة التي جعلت منه المنطقة الرئيسة في مجال التسابق الاستعماري الاوربي حين أرتبط التنصير بالاستعمار ولعل من أهم محاولات التنصير في شمال أفريقيا تلك التي تتضح في دول المغرب الأقصى والمغرب الحالي المغرب الأوسط«تونس الجزائر» المغرب الأدنى«ليبيا» وذلك أنه منذ بداية القرن التاسع عشر جاء إلى المنطقة عدد كبير من المنصّرين في زي الرحالة وكتبوا تقارير كثيرة عن شعوب المنطقة ومواردها الاقتصادية، ويبدو من دراسة هذه التقارير أنها أشارت إلى أهمية بداية التنصير في المغرب عن طريق إنشاء بعض الخدمات الصحية في شكل عيادات ويبدو أن اكتشاف دواء كينين «Quinine» لعلاج الملاريا لعب دوراً أساسياً في قبول الأهالي لخدمات المنصّرين الأوائل.
بعد هذا المدخل إلى المغرب بدأت مرحلة جديدة في تاريخ التنصير في المنطقة تمثلت في دافعين:
اقتصادي وسياسي، فالدافع الاقتصادي وضح في البحث عن مناطق بها مواد خام لتمويل الصناعات الأوربية، وفي نفس الوقت تكون أسواقاً للمنتجات الأوربية وأسواقاً لاستثمار رؤوس الأموال الأوربية، ويبدو هذا الدافع الاقتصادي اكثر ما يبدو بعد سنــة 1860 بتنافس ثلاث دول أوربية رئيسية، في الدخول في مجال التنصير في المغرب، ففرنسـا مثلا: كانت قد احتلت الجزائر منذ 1830، وترى في المغرب امتداد طبيعياً لنفوذها، أما ألمانيا التي توحدت في 1770م كانت ترى في المغرب مجالا حيوياً لاستثمار رؤوس الأموال الألمانية وسوق للصناعة الألمانية خاصة الصناعات الثقيلة مثل بناء الطرق والسكك الحديدية، والجسور وغيرها، أما إيطاليا فكان دافعاً اقتصادياً في المغرب يتمثل في أن المغرب يمثل المدخل الافريقي إلى أوربا نسبة لقربه منطقة جبل طارق، ومنطقة حوض البحر المتوسط، وهذه المنطقة ظلت إيطاليا منذ توحيدها 1861م تسعى للهيمنة الاقتصادية عليها، ولا يعني هذا عدم وجود دول أوربية أخرى لكنها دول ليست ذات تأثير واضح خاصة إسبانيا التي كانت لها بعض المناطق على سواحل المغرب الأقصى إلا أن أسبانيا لم تولى للمغرب اهتماماً كبيراً بأنها شغلت بالمستعمرات في أمريكا الجنوبية.
أما من الناحية السياسية فقد تنافست الدول الأوربية الثلاثة الرئيسية في تطبيق مفاهيم العصر خاصة في مجال الاستعمار، وذلك أن الفترة منذ 1860م شهدت طغيان شعور العظمة والتفوق لدى الاوربيين، وهو المحرك الاساس في عملية الاستعمار في القارة الافريقية، والتي وضحت في الدعوة لبعض المفكرين الأوربيين لإنشاء إمبراطوريات استعمارية وحتمية السيطرة الأوربية على العالم، ويبدو أن قوة هذا التيار وضحت بدخول كل قوة أوربية في مجال الاستعمار مثل (هولندا وبلجيكا) وحدث شبه اتفاق بين الدول الأوربية في واحد من أكبر المؤتمرات، وهو مؤتمر برلين 1885م، والذي أقر تسابق الاستعمار في أفريقيا بشرط(أن تؤيد كل دولة أوربية نفوذها في أي منطقة في أفريقيا باحتلال فعلى) ونتيجة لذلك المؤتمر ضعفت دولة البرتغال وأسبانيا وهما أول دولتان جاءتا في أفريقيا وانفتح المجال أمام بريطانيا وفرنسا للتنافس على استعمار أفريقيا، ويأتي من بعدهما ألمانيا، إيطاليا، بلجيكا فيما يخص الدافع الاقتصادي أولت الجمعيات التنصيرية اهتماماً كبيراً لدراسة موارد المغرب الاقتصادية خاصة الجمعيات الفرنسية والألمانية، فتنافست الكنيستان (الكاثوليكية والبروتستانتية) في إرسال المنصّرين في المنطقة لإجراء بحوث لمعرفة مصادر الثورة تماماً كما فعلت الجمعيات التنصيرية الأولى كبريطانيا في شرق أفريقيا.
ويتضح من الزيارات الاولى إجماع المنصّرين على ثراء المغرب، وكانت تلك بداية الانطلاق فبدأت الدعوة في كل من ألمانيا وفرنسا بوجوب الدخول أكثر في المنطقة وبلغ من درجة تأثير الرأي العام (puklic apimon) أن ظهر بعض الأندية(الجمعيات) لاستقبال المتطوعين في العمل في المنطقة كما قامت ما يسمى بالجمعيات الجغرافية، وتشجيع الرحالة على زيارة بعض المناطق والكتابة عنها.
وبعد ذلك جاءت مرحلة جديدة وهي المرحلة الفعلية للتنصير، عن طريق محاولة التأثير على الاسرة الحاكمة في المغرب عن طريق طلب الامتيازات التجارية، ذلك أن المغرب كانت حتى ذلك الوقت تعتبر ولاية عثمانية، وترك العثمانيون إدارة المغرب بعهدة أسرة الحسين، فكان أن طلب كل من فرنسا وألمانيا بأن يكون لديهما قنصل تجاري وأن تعطى بعض الامتيازات في الموانىء المغربية الرئيسية خاصة(ميناء طنجة).
وكان ذلك بداية دخول فرنسا أولاً ثم ألمانيا، وتبع ذلك أن قنصل كل الدولة بدأ يسعى إلى الاسرة الحاكمة ويسعى للتأثير عليها عن طريق الهدايا وترتب على ذلك أن بدأ الزعماء المحليين يعطون امتيازات متوالية فمثلاً كان هناك قيود على رحلة الاوربيين للمغرب قبل 1870م لكن بعد ذلك ونتيجة لسعي القنصل الفرنسي سمح لهم بالسفر إلى المغرب فجاءت أعداد هائلة منهم بدرجة أنهم في خلال خمس سنوات زاد عدد الفرنسيين في المغرب ثلاثين مرة.
وتركز في منطقتين (طنجة والرباط) ويبدو من المصادر المعاصرة أن غالبية المنصّرين كانوا من رجال الكنائس، وسرعان ما أن وفقوا في كسب (جذب) السكان المحليين عن طريق الخدمات الصحية وفتح مدارس الإرساليات.
ولكن سرعان ما وجدت قبولاً لدى طبقات متعلمة، وبذلك استولت على مرحلتين التعليم والصحة.
وكانت الكاثوليكية الفرنسية أكثر الكنائس نشاطاً في المغرب يتوفر موراد مالية لها من البابا، ومن الجمعيات التي قامت في جميع أنحاء فرنسا لدعم المشروع التنصيري في المغرب، وأرتبط التغير الفرنسي في المغرب منذ البداية بمجيء بعض الشركات التجارية التي أعطتها السلطات المحلية امتيازات تجارية ضخمة تمثلت في إحتكار التجارة في بعض السلع كذلك تدفقت رؤوس الأموال الفرنسية في شكل البنوك والتي فتحت أبوابها في المدن الرئيسية وركزت عمليات التمويل من بعض الطوائف خاصة اليهودية، وكان واضحاً أن التمويل الفرنسي انحصر في بعض الصناعات ذات العائد الكبير مثل صناعة الملابس، وكان جليا أن تؤثر تلك الجهود في فترة وجيزة في المغرب لدرجة أنه قبل نهاية القرن التاسع عشر، كانت فرنسا قد سنت قانوناً خاصا يمنح بموجبه بعض المغاربة ممن يؤيدون سياساتها حق التجنس بالفرنسية.
مضت هذه المرحلة دون أن تسمع عن معارضة إسلامية ما عدا إشارة بسيطة إلى أن بعض زعماء المسلمين لم يسمحوا بدفن المغاربة الذي تجنسوا بجنسية الفرنسية في مقابر المسلمين.
ولعل السبب الرئيسي في ذلك أن الدوائر القنصلية ضمنت عدم معارضة سياساتها لتأثيرها المركّز على الطبقة الحاكمة.
4ـ مرحلة العمل المباشر: بعد ذلك بدأت المرحلة الثالثة الخطيرة في تاريخ التنصير في المغرب حين تولت مؤسسات التنصير تطبيق السياسيات الاستعمارية، ومعروف أن فرنسا كانت تتبع ما يسمى سياسة الإستيعاب وهي إحداث انفصام بين المسلم وثقافته لدرجة أن يصبح ينظر للثقافة الفرنسية على أساس أنها المثال الذي يجب أن يحتذى، ونجحت فرنسا في هذه المرحلة عن طريق عدة وسائل ندكر منها:
1ـ تشجيع ظاهرة العرف القبلى بمعنى إشاعة روح التنافس بين القبائل الرئيسية في محاولة تمزيق المجتمعات.
وقامت محاولات فرنسا في هذا الاتجاه على الضرب على وتيرة أن البربر هم أقرب الناس إلى فرنسا وأكثرهم استعداداً للتقدم، ومن سكان المنطقة الاصليين، وأن العرب ما هم إلا مستعمرون يقول أحد المنصّرين( سكان المغرب غالبيتهم من البربر وهم أقرب الناس إلى فرنسا وأكثرهم استعداداً للتقدم وترتب على ذلك ظهور ما سميت بالسياسة البربرية وهي تشجيع البربر على إحياء كثيراً من عاداتهم وتقاليدهم، ولعب المنصّرون الفرنسيون دوراً هاماً في تمويل إنشاء النوادي والجمعيات، وسن القوانين التي تساعد على تطبيق سياسة البربرية، ومن ثم استيعاب البربر بالثقافة الفرنسية عن طريق التركيز على تعليم اللغة الفرنسية بينهم، والتأثير على زعمائهم، بل أن أحد القساوسة يذكر في مذكراته« البربر هم الذين فتحوا إسبانيا وجنوبي فرنسا وكانوا في الأصل مسيحيين، وآن الأوان بأن يعودوا إلى عقيدتهم الاولى»
2 ـ لجأت فرنسا عن طريق الكنائس للسيطرة على وسائل الثقافة في المغرب خاصة التعليم، فأصبحت تعلم اللغة الفرنسية أساساً في تعليم المدني، والتي أستولت عليه الكنائس فيما يخص المقرر والمناهج والتي وضعت على أساس تمجيد الثقافة الفرنسية وتمجيد العلمانية والتفكير الحرّ وربط التعليم المدني بتخريج بعض المثقفين لتولي بعض الوظائف الصغيرة.
3ـ تقدم النصرانية والمدنية الغربية لمبدأ الثقافة و العقائدي، فكانت كل الروايات والكتب تركز على تأخر المسلمين ورقية الثقافة الاوربية، وأن المنصّرين ما هم إلا رسل لتلك الثقافة الراقية، ويبدو واضحاً التنسيق الكامل بين الاستعمار والكنائس بل أن أحد أهم مراحل «فترات» الاستعمار سميت بالاستعمار الأبوي وهو الذي يظهر فيه رجل الديني ورجل الكنيسة بصورة الأب الذي يحنو على أطفاله من الأفارقة، ولجأت الكنائس بتشجيع الأندية الثقافية القائمة على الاختلاط بين الرجال والنساء لمناقشة أمر التحويل إلى الثقافة الفرنسية والثقافة الاوربية.
4ـ لجأت الكنائس إلى التأثير على طبقة العسكريين في المغرب، ذلك أن العسكريين ظلوا يمثلون طبقة متميزة في المجتمعات العلمانية إذ أعطوا بعض الامتيازات مثل: الإقطاعيات والأراضي الواسعة، فلجأت الكنائس الى التأثير على تلك الطبقة لضمان ولائهم عن طريق إرسالهم في الدورات التدريبية في فرنسا، ومحاولة خلق طبقة متميزة منهم وعزلها عن بقية المجتمع عن طريق تمجيد العزلة بينهم أيضاً من التأثير على هذه الطبقة سن قوانين تمنع الخروج إلى المناطق النامية، وتشجيع إقامة الجمعيات بينهم التى تساعد على ازدياد العزلة النفسية، وتشجيع اختلاطهم بالفرنسيين، وممارسة بعض الألعاب، كذلك لعبت الكنائس دورا في إقامة الجمعيات السرية بين العسكريين وهي معظمها جمعيات ماسونية، بلغ من درجة التأثير التنصيري أنه لم يوجد قانون يمنع من زواج الاجنبيات بل على العكس وجدت قوانين تشجع على زواج الفرنسيات ولعل من ابشع المظاهر للتأثير الكنسي على العسكريين محاولة إبعاد الدين عن العمل الرسمي (أثناء الساعات الرسمية)، مثلا بأن تؤدى الصلاة في الزي الرسمي وعدم إطلاق اللحية، كذلك ابيح شرب المشروبات الروحية للعسكريين، طبعا كل الترقيات الكبيرة في العسكر لا تتم ألا بعد تقارير الفرنسية التنصيرية.
اما التنصير في أوساط العامة، فقد قامت الكنائس الفرنسية بمساعدة الإدارة الاستعمارية بالتخطيط بشكل آخر من التنصير اكثر تأثيراً في اوساط العامة وذلك عن طريق الوسائل الآتية :
1 ـ عدم الاهتمام بتعليم الأوساط العامة، وذلك بعدم فتح المدارس الكافية في مجال التعليم الأولي إذ لم تتعد نسبة التعليم وسط الأولاد 5 % أما تعليم البنات فكان اقل بذلك بكثير.
2 ـ تشجيع الشعوذة والعادات التي تناقض الدين مثل: الاعتقاد الخاطئ في الأولياء، وتشجيع مظاهر الاهتمام بظاهر الأمور وتشجيع الطوائف الدينية خاصة الادارسة والسنوسية و إشاعة التنافس بينهم.
3ـ احتكار الخدمات الطبية مثل فتح العيادات وتكثير فكرة الامومة وتحصين الأطفال وتنظيم الأسرة والنسل.
4ـ تشجيع الرذيلة: بطريقة غير مباشرة عن طريق نشر الروايات الشعبية إلى تمجّد بعض الأبطال (الشخصيات الخرافية) مثل: (دنوكى شوك وشمشون الجبار).
5ـ إفساح المجال لبعض الطبقات العامة للسيطرة على بعض الحرف والصناعات فمثلا: اليهود عملوا بين العامة في تجارة الذهب والفضة، وتجارة المنسوجات، كما شجعت بعض قبائل البربر على احتكار صناعة الأدوات المنزلية، والهدف من هذه الانماط وضع طبيعة اجتماعية بمرور الزمن.
6 ـ منع المسلمين من الدراسة فوق المدرسة الأولية وحتى في حالة أبناء زعماء القبائل، لأنهم مناصرون للسياسة الفرنسية، وحرم على المسلمين دراسة الطب كما قصر العمل في البنوك على اليهود والأقباط.
7 ـ وضع قوانين تناقض قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين بمعنى أن القانون المدني لا يتعرض تعدد الزوجات، وقانون السن القانونية والذي يناقض التكليف في الإسلام، اذ أن الإسلام يكلف الجنسين يالتكليف، بينما في القانون الفرنسي لا يجوز إعطاء الرجل دون الثامن عشر والمرأة دون السادس عشرة حق التصرف بالحرية، كذلك تجد التناقض في بعض القوانين: الطلاق خاصة بالميراث وحق المرأة بالخروج إلى العمل.
الفصل الثالث
التنصير في شرق أفريقيا (النموذج الثاني)
تعتبر منطقة شرق أفريقيا من أهم مناطق القارة الافريقية تأثراً بالتنصير، ذلك أن المنطقة شهدت قيام الإرساليات الرئيسية لمعظم الدول الأوربية حيث استطاعت أن تؤثر تأثيراً هاما في الحياة الثقافية والاجتماعية، وعند دراسة تاريخ التنصير في شرق أفريقيا يجب .
أن نضع في الاعتبار أن بدايات التنصير ظهرت في المنطقة منذ القرن السادس عشر الميلادي، وارتبطت بالكشوف الجغرافية التي بدأتها البرتغال حين حاولت اكتشاف طريق مباشر بمنابع الثروة الشرقية في الهند عن طريق الدوران حول رأس الرجاء الصالح، واستطاعت البرتغال عن طريق رحلات المكتشفين أن تؤسس لها أول مراكز أوربية على السواحل الافريقية الشرقية.
ورغم ان هذه النقاط كانت في الأصل حصوناً عسكرية تجارية إلا أنها أصبحت تضم بعض رجال الدين.
ولعل أول مركز كاثوليكي برتغالي انشأ في 1502 م في مدينة سفالة في موزمبيق بتقديم الخدمات للسكان البرتغاليين والراجح أن اثر هذا المركز لم يمتد إلى الداخل تذكر المصادر قيام عدد آخر من المراكز أو النقاط الجارية أهمها مركز مميسا، والذي يبدو أنه ظل مقتصراً على السكان البرتغالية.
ولعل أول مركز أنشأ بقصد التنصير قام في مدينة كلوا ( kilwa) في عام 1560 م وهو أول مركز تذكر المصادر أنه وضع العمل وسط الأفارقة.
ويبدو أن هذا المركز كان له أكبر الأثر في تعريف السكان المحليين بالمسيحية على نطاق واسع، كما يبدو .
انه بنهاية القرن السابع عشر الميلادي كان هذا المركز قد نجح في تنصير بعض سكان شرق أفريقيا خاصة في جزيرة زنجبار.
والثابت أن نجاح هذا المركز على بعض مسلمي الساحل يقاومون جهود التنصير إذ تذكر المصادر أنه المسلمين في لامو (lamu) قاموا بإحراق بعض الكنائس البرتغالية، كما تذكر أيضاً أن ملك ممباسا ألمسلم يوسف بن حسن قام في نهاية القرن السابق عشر بتعليم المسلمين ضد الكنائس البرتغالية لدرجة أن الحاكم البرتغالي في علوا (kilua) قام بإصدار قرار بإيقاف عمل التبشير بين المسلمين على طول ساحل أفريقيا الشرقي.
تبدأ مرحلة جديدة في تاريخ التنصير في شرق أفريقيا في بداية القرن التاسع عشر إذ زاد تكالب القوة الأوربية على المنطقة و دخل بريطانيا كأكبر مستعمر في منطقة، كما فتح المجال أمام الإرساليات للعمل الواسع بين السكان المحليين، و يرتبط تاريخ التنصير في المنطقة بعد القرن الثامن عشر الميلادي بالاستعمار الأوربي إذ أصبح التنصر أحد أهم عوامل نجاح الاستعمار.
والثابت ان هذه المرحلة سبقتها مرحلة إعداد بدأت بمجيء الكنيسة التبشيرية (C. M. S) والتي فتحت أول فرعها في زنجبار في عام 1824 م، و من ثم بدأت في التنصير الواسع مستغلة ظروف التدهور الاقتصادي، والضغط على سلطان زنجبار سعيد بن سلطان والذي قام بإعطاء هذه الكنيسة حق إنشاء فروع لها وحرية العمل بين المسلمين، ويبد و أن هذه الامتيازات لم تتوقف عند هذا الحد بل شملت امتيازات اقتصادية عن طريق السماح للشركات البريطانية باحتكار بعض السلع وفتح المجال أمام هذه الشركات للاستثمار في مجال الزراعة خاصة زراعة القطن، القرنفل.
ويبدو واضحاً أن الكنيسة التبشيرية كانت أول كنيسة تدخل ميدان العمل التنصيري بخطط واضحة بعيدة المدى وتوفرت لها موارد مالية ضخمة ساعد في نجاح مخططاتها، وكانت لتلك الكنيسة اجتماعات سنوية في مدينة دمبرا يأتي إليها ممثلون لكل الكنائس الافريقية، ويدل من دراسة وقائع هذه الاجتماعات أن هذه الكنيسة سعت لا قامة أحزمة واقية لتعويق «منع» انتشار الإسلام في شرق أفريقيا عن طريق تهجير بعض القبائل من الساحل إلى الداخل وتشجيع المسيحيين على تولى قيادة المجتمعات الافريقية، كذلك حاولت الكنيسة في مدى البعيد إيجاد منطقة حزام على طول منطقة تنزانيا الحالية لمنع تسرب الإسلام إلى جنوب القارة الافريقية، ويبدو أن سلاطين زنجبار المتعاقبين لم يفهموا خطورة تلك العمليات وظلوا يتنافسون على تجديد امتيازات الكنيسة التبشيرية لدرجة أنه لم يأت منتصف القرن التاسع عشر حتى كانت هذه الكنيسة قد وجدت أرضية واسعة للتأثير على كل المنطقة بعد 1850 م لم تعد الكنيسة التبشيرية رائدة العمل التبشيري في شرق القارة بل دخلت كنائس جديدة بسبب ازدياد التنافس الأوربي على المنطقة ولا تزال منطقة شرق أفريقيا أكثر المناطق تعرضاً لتأثيرات التنصير حتى اليوم.
مراحل التنصير في شرق أفريقيا
يمكن تقسيم مراحل التنصير في شرق أفريقيا في الفترة ما بعد 1850 م إلى المراحل التالية:
المرحلة الأولى من 1850 ـ 1875
المرحلة الثانية من 1875 ـ 1890
المرحلة الثالثة من 1890 ـ 1914
المرحلة الرابعة من 1914 ـ 1972
المرحلة الأولى 1850 ـ 1875:
تعتبر هذه المرحلة مرحلة العمل الهادي في مؤسسات التنصير والتي عملت وفق خطة معينة استهدفت عدم إثارة مشاعر المسلمين، ورغم زيادة عدد الإرساليات بمجيء ثلاث كنائس رئيسية في فترة حتى 1862 م وهي: إرسالية شرق افريقيا.
أ ـ إرسالية شرق ووسط افريقيا.
ب ـ اللجنة العامة لبقية الجامعات في شرق افريقيا.
ج ـ إرسالية شرق ووسط افريقيا كلها بالإضافة إلى عدد كبير من الإرساليات الصغرى من بروتستانتية. رغم هذه الزيادة إلا أن الكنائس عملت بخطة تمثلت في الآتي:
1ـ خلق صداقات مع عرب السواحل خاصة ساحل ممباسا كالسكان العرب العمانيين، ويسيطرون على الحياة التجارية والاجتماعية.
2ـ التبشير والتنصير وسط الطبقات العليا عن طريق إقناع هذه الطبقات بإدخال أبنائهم في مجال التعليم الأوربي والذي فتح أبوابه في معظم المدن الرئيسية.
3ـ محاولة استكشاف المناطق الداخلية وتسمى مناطق وراء الساحل عن طريق إرسال مبشرين يتنكرون في زي الرحالة لكتابة تقارير عن تلك المجتمعات الضخمة وكان من الطبيعي أن تعمل كل الكنائس وفق هذه الخطة وتحت شعار عام (ان مسلمي شرق أفريقيا ليسوا على استعداد لتقبل المسيحية) كذلك ركزت كل الإرساليات على دراسة المجتمعات الوثنية تمهيداً للمرحلة القادمة، كذلك ركزت الإرساليات أيضاً على التأثير في الوضع الاقتصادي، وزعزعت النظام الاقتصادي عن طريق الظهور بمظهر المحارب لتجارة الرقيق إذ حرصت كل الإرساليات على الدعوة ضد تجارة الرقيق لما أضر بالحياة الاقتصادية في زنجبار مثلا حيث أن الرق في تلك الجزيرة لم يكن عبودية بمعنى الكلمة بقدر أنه كان نظاماً إقطاعيا يعمل فيه بعض الأفارقة الفقراء في زراعة الحقول الواسعة في الجزيرة.
المرحلة الثانية 1875 ـ 1890
بدأت هذه المرحلة بقدوم بعثة الكنيسة الرومان الكاثوليكية التي تمولها البابوية، وهي كنيسة توفرت لها موارد مالية ضخمة، ونافست الكنائس البريطانية منافسة حقيقية في التنصير، والواقع أن هذه المرحلة ازداد فيها التنصير بنفس القدر الذي ازداد فيه التنافس بين القوى الأوربية الاستعمارية خاصة بعد مؤتمر برلين 1885م والذي يعتبر أهم مؤتمر أوربي من حيث التأثير على أفريقيا إذ أجاز ذلك المؤتمر حق القوة الأوربية استعمار أي جزء في شرق افريقيا بشرط أن يكون ذلك الاستعمار مؤيدا لاحتلال فعله، والقيام بإدارة سلطة استعمارية تشرف على إدارة المستعمر ويعكس هذا المؤتمر روح تفوق العنصر الأوربي إذ أن الفترة شهدت توحيد ألمانيا 1770 وتوحيد إيطاليا 1861 ونتج عن هذه الفكرة تأييد واسع للرأي العام الأوربي، ووجدت هذه السياسة تأييد لدى الرأي العام وضح في جمع التبرعات في المشاريع الاستثمارية وجمع التبرعات للهيئات التنصيرية ورغب بعض الأوربيين في التطوع العملي في افريقيا في ظل هذه الظروف دخل التنصير مرحلة متقدمة وهو العمل بين المسلمين، وتجلى ذلك في الخطوات الآتية:
1ـ العمل على زعزعة نظام الاقتصاد عند المسلمين عن طريق تحطيم نظم الزراعة التقليدية واحتكار التجارة للشركات الأوربية ومحاولة التأثير على السكان بأن المسلمين هم الذين بدأوا تجارة الرقيق في أفريقيا.
2ـ محاولة إظهار الإرساليات بأنها رسل الرحمة والحضارة التي تحاول تقديم الحضارة الأوربية المتقدمة إلى المجتمعات البدائية في أفريقيا وهو ما يسمى بالاستعمار الأبوي، إذ تجد كثيراً في سيرة المنصّرين اسلوب العطف الزائد على الأفارقة للتأثير عليهم.
3ـ خلق جبهات التوتر في المجتمعات الافريقية، فقامت الجمعيات التبشيرية في زنجبار مثلا بالتشجيع على عدم العمل في مزارع المسلمين وتم هذا أيضاً على طول الساحل الافريقي الشرقي فيما كان له الأثر الأكبر في تحطيم النظام الاقتصادي وانهيار زراعة القطن والسكر والقرنفل، وكانت حجة المنصّرين أن العمل في المزارع نوع من الرق، وقام كثير من عمال تلك المزارع بالتمرد بل ان السلطات البريطانية أصدرت في 1880 قراراً بإنشاء معسكرات لرعاية عاصمتهم (عاصمة العبيد المحررين) وكانوا يخضعون في هذه المعسكرات على كم هائل من التنصير يتمثل في بث روح الكراهية للإسلام والمسلمين، كذلك لعبت الإرساليات دوراً كبيراً في كسب العبيد المحررين عن طريق استيعابهم في الشركات الأوربية مثل شركة شرق أفريقيا الملكية إذ تعتبر من أهم وأكبر الشركات التي أعطيت امتيازات واسعة وكان واضحاً التعاون الوثيق بينها وبين الإرساليات، وكان الإرساليات تجند العبيد المحررين للعمل مع الشركة وكان القنصل البريطاني في زنجبار يشرف بنفسه على نجاح مشاريع الشركة المتمثلة في إعطاء كل افريقي محرر قطعة أرض صغيرة للسكن وقطعة أرض صغيرة لزراعة ما يكفيه من طعام مقابل عقد يلزم باستشارة الشركة قبل ترك العمل كما يلزمه باستقبال رجال الكنائس عند طوافهم على منطقته.
4ـ تشجيع مقومات النظام القبلي بمعنى أن الكنائس والإرساليات شجعت الروح القبلية خاصة بين غير المسلمين، فحاولت في كثير من الأحيان تشجيع المعتقدات المحلية مثل: السحر وإعطاء رؤساء القبائل السلطات الإدارية.
ويمكن أن نفهم قوة هذا الاتجاه إذا وضعنا في الاعتبار أن كل شرق أفريقيا كان قد وقع تحت السيطرة الأوربية ما عدا الحبشة، وترتب على ذلك قيام مجتمعات قبلية تسابقت في درجة ولائها للكنائس بما كانت له آثار سلبية في قبائل المنطقة.
5ـ بدأت الكنائس تسيطر على أساليب التعليم، وشهدت بين هذه الفترة بدايات فتح المدارس والتي اقتصرت في البداية على الطبقات العالية في المدن الرئيسية.
أما تعليم الكنائس فكان ملحقاً بإدارات الكنائس ولعب دوراً مهماً في نشر المسيحية بين الوثنيين من أهم نتائج هذه المرحلة:
1ـ دخول التنصير مرحلة متقدمة بدأت تؤثر تأثيرات سلبية على كل منطقة شرق أفريقيا.
2ـ تحطيم البنيات الاقتصادية والحاق الضرر بالمسلمين الذين كانوا يكونون طبقة التجارة وإيجاد أنماط إقتصادية تقوم على خلق التعاون بين الشركات الأوربية والإدارات الاستعمارية.
3ـ لم تمر هذه المخططات دون معارضة المسلمين الذين أظهروا سخطهم في بعض المناطق في درجة إحراق الكنائس في منطقة ممباسا في بعض السنوات 88 ـ 89 ـ 1890م لدرجة أن أحد القساوسة كتب في تقرير له( أصبحت الإرساليات في ممباسا مهددة بالفناء) إلا أن ذلك لا يعني بأن الرد الإسلامي ضد الكنائس كان في كل الأحيان موفّقا، إذ أنه في كثير من الأحيان افتقد الروح الجماعية، ففي زنجبار مثلا وهي أكبر منطقة تأثرا بعمليات التنصير لا نجد اثرا لمقاومة إسلامية ولعل ذلك يرجع لوقوع سلاطين زنجبار تحت نفوذ بريطانيا كما أن مصالحهم الاقتصادية ارتبطت في كثير من الأحيان مع الإرساليات.
يمكن القول أن هذه المرحلة حطمت النظم الاقتصادية القديمة في معظم شرق أفريقيا، وجعلت شرق افريقا مهيئاً لقبول المرحلة الثالثة من التأثير، والتي كان شعارها:
«ملأ الفراغ الاقتصادي والسياسي الناتج عن تحطم النظم الاقتصادية»
المرحلة الثالثة 1890 ـ 1914: ـ
تعتبر هذه المرحلة أنشط مراحل التنصير في شرق أفريقيا للأسباب التالية:
1ـ الحماس الواسع في كثير من الدول الأوربية لدعم الإرساليات عن طريق الهبات والتبرعات، مما مكن الإرساليات من إيجاد موارد مالية ضخمة للصرف على مشاريع التنصير في أفريقيا
2ـ ازدياد ارتباط التنصير بالاستعمار عن طريق زيادة التحالف والتعاون بين السياسيين ورجال الكنائس، فقامت الشركات التجارية بتمويل من السياسيين ورجال الأعمال للمساعدة في التنصير.
3 ـ ازدياد قوة الكنيسة الألمانية البروتستانتية نتيجة ازدياد اهتمام ألمانيا بالتسابق الاستعماري، وولدت هذه الكنيسة حماسا واسعاً في ألمانيا وفي مناطق نفوذها في الأراضي المنخفضة، جعلها تطرق باب التنصير في شرق أفريقيا على حساب الإرساليات القديمة، وبلغ من درجة التبشير الألماني أن بعض المؤرخين يطلق على هذه الفترة فترة هيمنة وسائل التنصير الألمانية البروتستانتية.
أهم خصائص التنصير تضافرت عدة عوامل أعطت الألمان قصب السبق في هذه المرحلة ومن أهم هذه العوامل:
1ـ الاهتمام بتدريب المنصّرين تدريباً دينيا يقوم على معرفة الإسلام والمسيحية الكاثوليكية.
والواضح أن الجامعات الالمانية ساعدت في ذلك التدريب عن طريق إنشاء أقسام خاصة لدراسات الإسلام والدراسات الافريقية لتدريب المهتمين عامةً والمبشرين خاصة، كذلك كان من أهم خطة اعداد المنصّرين تدريبهم على استعمال اللغات المحلية خاصة السواحلية.
2ـ التدريب الميداني الذي يقوم على السفر في شرق أفريقيا ودراسة مجتمعها تحت إشراف أحد رجال الكنيسة الألماني لاكتساب المهارات الخاصة للتأقلم على العيش، وينتهي هذا التدريب بكتابة تقرير أو بحث بأحسن الوسائل لاستمرار التنصير في المناطق المعينة في المستقبل البعيد والقريب.
3ـ اقتحام مجال العمل وسط المسلمين مباشرة، ذلك أن نشأة الكنيسة الالمانية منذ البداية كان« العمل صراحة» بين المسلمين وتوفير إرساليات إلى كل المسلمين، والثابت أن الكنائس الالمانية لم تقم بنفس الكنائس الوثنية.
4ـ التركيز على طمس الهوية الإسلامية لمسلمي الساحل ومناطق زنجبار عن طريق ترجمة كثيراً من كتب الأدب المسيحي إلى اللغة السواحلية، كذلك بدأت مشروع كتابة السواحلية بالحرف اللاتيني.
وتطلب العمل في هذا المجال مبشرين على درجة عالية من الكفاءة، وكان يشترط فيمن يود العمل في وسط المسلمين أن يحفظ القرآن وان لم يكن قراءته بطلاقة.
يقول تقرير في عام 1905( ينبغي لكل مبشر يرغب في العمل وسط المسلمين أن يكون قادراً على الذهاب إلى الشوارع متأبطا القرآن تحت ذراعه وأن يقرأه بطلاقة كما يفعل المسلمون أنفسهم )
5ـ العمل على زيادة الحاجز النفسي بين العرب والأفارقة عن طريق الضرب على وتيرة أن العرب هم الذين بدأوا تجارة الرقيق في شرق أفريقيا.
كذلك لجأت الكنائس إلى مهاجمة نظام الرق في الإسلام، واتخذت الإرساليات اسلوب ما عرف بحلقات النقاش في الشوارع وكانت تطلب من الزعماء المسلمين الدخول في مناظرة مما أجج نيران الفتنة بين العناصر العربية والافريقية وبلغ من درجة هذه الفتن أن حلقات النقاش كانت تقام بالقرب من المساجد وأماكن الوعظ الإسلامي وبلغ من كثرة هذا النشاط أن السنة كانت تشهد حوالي 70 اجتماعا للمناظر بين رجال الإرساليات والمسلمين، كان يسبقها فترة الحشد والتعبئة النفسية.
6ـ لعبت الشركات الأوربية الالمانية خاصة الدوار الأكبر في تقديم المال لمشاريع التنصير والتي تجلت في:
أ ـ توظيف بعض السكان المحليين في وظائف هامشية
ب ـ نشاء معسكرات للمسيحين الفقراء تقدم لهم فيها بعض المعونات
ج ـ تشجيع كثير من عمال المزارع على ترك العمل فيها والانضمام لمعسكرات التحرير.
د ـ العمل بين نساء المسلمين، إذ جاءت ثلاث راهبات المانيات إلى ممباسا1898م وبدأن العمل بين النساء في مجالات صحة الامومة والطفولة وتحديد النسل، وكن يطفن على المنازل ووجدن قبولاً بين النساء الآسيويات، أما النساء المسلمات في الساحل فقد رفضن استقبال زيارات الراهبات.
ويبدو أن مجال العمل وسط النساء لم يلاق النجاح المؤمل وتوقف في سنــة 1909م بحجة قلة الراهبات الراغبات في العمل في شرق أفريقيا.
7 ـ السيطرة على الخدمات الطبية وقد سعت الكنائس الألمانية إلى فتح المستشفيات الريفية والمستشفيات الكبرى في المدن الرئيسية وأكبرها مستشفى ممباسا ـ دار السلام كانت هذه المستشفيات تقدم خدمات طبية متطورة بالمجان في محاولة التأثير على السكان المحليين.
8 ـ التأثير الثقافي على السكان المحليين عن طريق عروض السينما التي كانت تعرض أفلاماً قصيرة عن بعض مبادىء المسيحية، ويراعي فيها اظهار تفوق الحضارة الأوربية وأن المبشرين ما هم إلا رسل الحضارة الراقية إلى أفريقيا البدائية، كذلك لعبت الأندية الثقافية التي فتحت في المدن الكبرى دوراً هاماً في إيجاد مكان مناسب لبعض المتنصرين لبعض الطبقات المحلية العليا بالاجتماع دورياً أو أسبوعياً وحضور ممثلين من الكنيسة الالمانية إلى تلك الأندية للتفكير حول أساليب التنصير، ويذكر بعض العاملين في مجال التنصير، أن اجتماعات اللجنة الثقافية كانت تختم غالباً بخطبة دينية يقدمها أحد رجال الكنائس، كذلك وضح سعى الكنائس الالمانية بترجمة القرآن إلى اللغة السواحلية لمحاولة صرف المسلمين عن تعلم اللغة العربية.
9ـ سعت الكنائس الالمانية لانشاء المدارس العليا التي تقبل فيها أبناء الزعماء والقبائل الغنية وكانت ادارة هذه المدارس تركز على العلمانية كما يحدث في نفس الوقت الصرف عن أساليب الدينية التقليدية.
أما بقية الكنائس الآخر فقد سارت على هدى الكنيسة الألمانية وان لم تلاق نفس النجاح إذ لم تتوفر لها نفس المصادر المالية، ولكن مع ذلك شهدت هذه المرحلة ازدياد عمليات الكنائس الأخرى خاصة الكنائس الكاثوليكية ممثلا في جهود التبشير الكنسي(c. ms) وظهور الكنائس الإيطالية، وتركز معظم عمل هذه الكنائس في مناطق الكثافة السكانية مثل زنجبار ممباساـ دار السلام ولاقت هذه الكنائس قبولاً بين الهنود الآسيويون الذين ألحقوا أبنائهم بكثير من المدارس الإرسالية لمحاولة ضمان وظيفة في المستقبل، ونتيجة لهذا التنافس تظهر اتجاه إنشاء المدارس العليا بتخريج كوادر تعزز استمرار عمل الكنائس.
كان هنالك شبه اتفاق بين جميع الكنائس لمنع تدريس الثقافة الإسلامية في المدارس العامة ولاقى ذلك الاتجاه في البداية معارضة فكان أن عمدت معظم المدارس الإرسالية إلى تدريس الدين المسيحي كمادة اختيارية ليس فيها امتحان، لكن مع ذلك كان الإتجاه العام في المدارس صبغ الطلاب بالصبغة الأوربية المسيحية في مجال الزي والتكيّف على نمط دراسي معين يبدأ بنشيد مسيحي والصلاة في قاعات الطعام، وينتهي اليوم الدراسي بصلاة كما كانت معظم الأنشطة الثقافية في المدارس تتجه نحو زيادة تأثير الأنشطة التبشيرية.
المرحلة الأخيرة (الرابعة) 1914 ـ 1972 م
وهي فترة طويلة شهدت الهيمنة الأوربية سياسياً واقتصادياً على المجتمعات الإفريقية ثم بعد ذلك حركة التحرر الوطني والاستقلال، ويمكن دراسة تاريخ التنصير على ضوء هذا التقسيم.
أ ـ الفترة ما قبل الخمسينات
تتميز هذه الفترة باستمرار الهيمنة الأوربية سياسياً واقتصادياً على المجتمعات الإفريقية، في المحاولة لاستنزاف أكبر قدر لموارد المنطقة وتوظيفها في خدمة الدول الاستعمارية خاصة وأن الحرب قد استنزفت موارد مالية ضخمة واستوجبت وجود معدات وجيش وغيره، وقد تميزت هذه الفترة بالآتي:
1ـ شهدت اهتماماً خاصاً بإنشاء بعض البنيات الأساسية (طرق موانئ) في كثير من شرق أفريقيا ومحاولة ربط الساحل بالداخل والإهتمام بترقية الزراعة وتوجيه اقتصاد شرق أفريقيا لزراعة محاصيل مثل (القطن ـ زيت ـ النخيل ـ القرنفل ـ الكاوكو، وكان هذا الإهتمام يرجع في المقام الأول لزيادة الفرصة لاستنزاف موارد شرق إفريقيا، لم يكن موجهاً في البداية لتحسين أساليب الحياة للمواطنين.
2ـ ازداد نشاط الشركات التجارية الأوربية وزيد من احتكاراتها بل وأعطيت حق استخدام السكان المحليين ، وسارعت كثير من هذه الشركات في إنشاء جيوش خاصة لها لحماية استعماراتها الضخمة في مجالات الزراعة والتنقيب في المعادن، واستوجب هذا النشاط ازدياد الاوربيين القادمين إلى المنطقة.
3ـ لعل من أهم خصائص هذه المرحلة سيطرة الإرساليات القديمة على وسائل التعليم وذلك أن وزارات المستعمرات لمعظم الدول الاستعمارية أصدرت من القوانين ما أتاح للإرساليات حق إنشاء المدارس ووضع المناهج وإرسال الإرساليات نحو مدارس في الأرياف ولعل الكنائس البريطانية كان أكثر نشاطاً في هذا الاتجاه، وحرصت على ترغيب زعماء القبائل على إدخال أبنائهم في هذه المدارس وحرصت الإرساليات على اللغات الأوربية في تلك المدارس بعد المستوى الابتدائي.
4ـ استمرت الإرساليات في فتح المستشفيات والمراكز الصحية بحسبان أن الرعاية الطبية ضرورية لترغيب المجتمعات الإفريقية للتحول نحو المسيحية، كذلك ظهر اتجاه نحو بعض الإداريين الاستعماريين لدعم المشروعات الصحية بحسبان أن توفير الصحة تساعد على زيادة الإنتاج، وبلغ من درجة ازدياد هذا النشاط أن المدن الكبرى مثل: دار السلام وممباسا وزنجبار شهدت قيام أكثر من مستشفى كبير لاحدى الكنائس، وكان واضحاً إيجاد مستشفيات كبيرة كاثوليكية.
5ـ استمرار عملية تحطيم ركائز الثقافة الإسلامية العربية عن طريق تدريس اللغة العربية، ومضت الإرساليات أكثر من ذلك في محاولة تفريض اللغة العربية على الطبقات المتعلمة من الافارقـة وجعل التقييد بالحياة والاسلوب الأوربية ضروريا لتولي الوظائف ، كذلك اتفقت الارساليات على زيادة تحريض المجتمعات الافريقية بتشجيع بعض العادات الضارة مثل: الاعتقاد الخاطىء في السحر والشعوذة.
وعلى خلق حدود وهمية بين القبائل ومحاولة الإبقاء على النظام القبلي في افريقيا.
ويمكن القول بأن هذه الفترة فترة وضوح هيمنة أساليب التنصير ووضحت أكثر ما وضحت في التعليم وفي خلق أنماط ادارية خاصة من جانب بريطانية لادارة المستعمرات بطريقة الحكم غير المباشر عن طريق اعطاء زعماء القبائل بعض السلطات الإدارية والقضائية في محاولة خلق طبقة خاصة تهدف لخدمة أغراض المستعمر.
مرحلة التحرر والاستقلال
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بدأت الدول الاستعمارية تفكر في اعطاء مستعمراتها حق الاستقلال وتعتبر نهاية الخمسينات فترة بداية ظهور التحرر الافريقي، وشهدت الستينات استقلال ثلاث عشرة دولة افريقية، إلا أن عملية التحرر الوطني لم تعد في كثير من الأحيان قطع الصلات بفترات التنصير الاستعمار السابق.
ونتيجةً لهذه المتغيرات ظهور إتجاه جديد للتنصير في القارة الافريقية راعى الظروف الجديدة ويمكن تلخيص أهم الخصائص لهذا الاتجاه:
1ـ بدأ كثير من المتعلمين الأفارقة النظر للكنائس باعتبار أنها مواجهة للاستعمار ومن ثم ظهر اتجاه معادي للتنصير خاصةً في مناطق المسلمين في السواحل.
ونتيجة لذلك الإتجاه بدأت الأصوات تنادي بوجوب اتحاد المسلمين فظهرت بعض الحركات الدينية تحت قبائل الاسر الإسلامية مثل أسرة مزروعي في ساحل كينيا، وهي أسرة عمانية هاجرت إلى ممباسا، ولعبت دوراً كبيراً في نشر الوعي بين المسلمين، فلذلك بدأت الأندية السياسية تعميق الإحساس بوجوب الانعتاق الكلي عن المستعمر، فبدأت المناداة بأن يصبح الوطنين زعماء الكنائس وأن تلعب الكنيسة دوراً محلياً بعيداً عن التأثير الأوربي.
واختلفت درجات الشعور في هذه المنطقة وفي بعض الأحيان تمت السيطرة المحلية على الكنائس تدريجياً في بعض الأحايين طرد المبشرين الأجانب، نتيجة إصدار قوانين لمنع وجودهم في بعض البلاد الافريقية.
نتيجة لهذه المتغيرات لأن كثير من الكنائس (ان الوجه القديم للتنصير قد انتهى ) فقد استبدل أساليب جديدة ووضحت في لجوء كثير من المؤسسات الكنسية إلى إنشاء الجمعيات والهيئات الطوعية لتمارس عملية تقديم الاغاثة لمجتمعات شرق افريقيا، والتي ورثت مجتمعات ممزقة، ومجتمعات ذات موارد اقتصادية ضعيفاً.
وبدأ واضحاً زيادة أعداد هذه الهيئات في العمل على حشد الرأي العام الأوربي الذي يوفر لها هذا التمويل.
إضافة إلى ذلك أن السلطات الاستعمارية السابقة أبقت على كثير من صلاتها الثقافية مفتوحة مع المستعمرات السابقة فمثلا ارتبط أنشاء الجامعات في كينيا ويوغندا لأنها قامت منذ البداية بتشجيع من الجامعات البريطانية برأس مال الكنائس بل ان مجال الدراسات الافريقية عملوا في إدارات استعمار بريطانيا أنشأ الكومنولث وهذا الجمع مستعمرات بريطانيا السابقة على رعاية المصالح الاقتصادية والثقافية في هذه البلاد.
الفصل الرابع
التنصير في غرب أفريقيا
تعتبر منطقة غرب أفريقيا أكبر مناطق أفريقيا تعرضاً بعمليات التبشير والتنصير وهي منطقة واسعة ظل فيها الإسلام قوياً، إذ تنافست القبائل الرئيسية في اعتناق الإسلام ونشره مثل( ماندي ـ سريرـ هاوسا ـ فلانى الخ) كما ارتبط الإسلام بجهود بعض الاسر المحلية التي نجحت في اقامة دويلات وممالك قوية أهمها «مملكة مالي ـ وامارات الهوسا في نيجريا» يرتبط تاريخ التنصير في غرب أفريقيا بجهود فرنسا ذلك أن فرنسا كانت أكبر دولة استعمارية استطاعت أن تستولي على الجزء الأكبر من غرب أفريقيا، ولذلك يمكن دراسة تاريخ التنصير بمراحل تكوين الإمبراطورية الفرنسية.
يعتبر إقليم السنغال أول منطقة دخلها الفرنسيون وذلك 1677م عندما أسست شركة السنغال الملكية والتي أعطيت حق احتكار التجارة في المنطقة، ولا تجد دليلا على نشاط التبشير جاء مع تلك الشركة ، بل يرجّح انها قصّرت عملها على النواحي الاقتصادية والتجارية، وقد كان لأهداف الثورة الفرنسية وانشغال فرنسا بالشئون الأوربية أكبر الأثر في عدم اتجاه نحو أفريقيا، إلا أنه بعد حروب نابليون 1815م بدأت فرنسا تعيد اهتماماتها بالسنغال فازدادت من عدد قواتها في المنطقة ودخلت في المعاهدات مع الزعماء المحليين بدعوة محاربة تجارة الرق، ويعتبر توطيد السلطة الفرنسية في السنغال بداية المشروع الفرنسي الضخم للتوسع في غرب أفريقيا.
وقد اصيبت فرنسا بخيبة أمل بالغة بعد هزيمتها على يد ألمانيا 1870م فحاولت الحكومة الفرنسية تحويل ذلك الاحباط السياسي إلى إنجازات في مجال الاستعمار الخارجي فعينت جنرال «فيتصيرم » حاكماً على السنغال، وطلبت إليه وضع الخطط للتوسع السريع في المناطق المجاورة ، كانت مالي أول منطقة توسّع فيها الفرنسيون، ولم يأت مؤتمر برلين 1885م حتى كانت فرنسا قد استولت على مرتفعا فتاجالون ودخلت حوض النيجر الاعلى حيث بدأت التوسع في جايون وساحل غينيا وراهومي، كانت فرنسا عند انعقاد ذلك المؤتمر ثاني أكبر دولة استعمارية في أفريقيا بعد بريطانيا وكان واضحاً سعيها بأن تحصل على تأييد بريطانيا لاطلاق يدها في غرب أفريقيا مقابل ألا تعارض النفوذ البريطاني في مصر والسودان وشرق وجنوب القارة الافريقية، نتيجة لذلك بدأ التوسع الفرنسي الهائل والذي شمل معظم غرب القارة الافريقية إذ اكتملت المرحلة الاولى منه 1895م وهي الاستيلاء على الأقاليم الكبرى والدول الكبرى ثم بدأت مرحلة جديدة 1896م حيث بدأ اتجاه نحو منطقة بحيرتشاد «وداي» كذلك خضعت موريتانيا للسلطة الفرنسية ولم تأت بداية القرن العشرين الميلادي حتى كانت لفرنسا 12 مستمرة أفريقية هي (السنغال ـ مالى ـ جابون ـ ساحل عاج ـ غينيا ـ داهومي ـ فولتا العليا ـ النيجر ـ تشاد ـ موريتانيا) بالإضافة إلى بداية دخول الفرنسيين في بعض مناطق نيجريا المتاخمة مع الكامرون.
هذا بالإضافة إلى مناطق أخرى في شمال أفريقيا مثل «الجزائر» ومستعمرات في أفريقيا الاستوائية مثل «زائير» هذه المستعمرات الضخمة استعلت وضع سياسات بدائية لحكم تلك المناطق وكان أن عُين حاكم الفرنسي يقيم في داكار ويخضع مباشرة لوزير المستعمرات وله الحق في تعيين كبار الموظفين من الفرنسيين للمساعدة في الإدارة، وكانت القوانين الخاصة للمستعمرات تصدر عن البرلمان الفرنسية، إذ رأى البرلمان ضرورة الإشراف على وضع سياسات الخاصة في المستعمرات في مجالات خاصة في الصحة والتعليم، وهي خدمات التي دخل من خلالها التنصير، قامت سياسة حكم المستعمرات الفرنسية على تطبيق النظرية المعروفة بأسم سياسة الاستيعاب، وهي سياسة تهدف إلى فرض مظاهر الثقافة الفرنسية كاللغة، والنظم الاجتماعية والنظم السياسية على المستعمرات، وتسعى لخلق أفريقي يكون فرنسا أسوداً كانت هذه السياسة تقوم على بعض الشعارات البراقة الداعية للعدل والحرية إلا أن الدارس لآثار تلك السياسة يرى بأنها خلت من تلك الشعارات ولم تراع إلا مصلحة فرنسا في استنزاف موارد غرب أفريقيا إذ كانت السياسة تقوم على الركائز الآتية:
1ـ تعيين حاكم فرنسي لكل مستعمرة يكون خاضعاً لوزير المستعمرات في باريس ويكون لكل مستعمرة مجلس أعلى يتلقى القوانين والسياسات من البرلمان ويشرف على التنفيذ.
2ـ كان البرلمان الفرنسي صاحب الحق الوحيد في إصدار التوصيات «القوانين» الخاصة بالمستعمرات، ولم يترك لحاكم المستعمرة سوى إصدار الأوامر المحلية.
3ـ كان البرلمان هو المشرف على تعيين حاكم المستعمرة وكان له حق إرسال وفود للمراقبة أداء الحكام.
4ـ طبقت فرنسا سياسة تجميع مستعمراتها في وحدات إدارية فمثلا أفريقيا الغربية الفرنسية كانت وحدة ادارية ضمن السنغال وغينيا ومالى ـ داهومي ـ نيجر ساحل عاج.
كذلك كانت أفريقيا الاستوائية وحدة ضمنت «جابون ـ كونغو ـ تشاد ـ أفريقيا الوسطى وكان لكل وحدة إدارية حاكم عام يقيم في أكبر مدينة في الوحدة، فمثلا الحاكم العام في أفريقيا الغربية كان يقيم في داكار وأفريقيا الوسطى في برازافيل.
وكان الهدف من هذا التنظيم الإداري تسهيل مهمة الإدارة ومحاولة تطبيق نظام شمولي يضمن حسن تطبيق سياسة الاستيعاب، ولم يكن للأفارقة يشاركون حتى بداية الأربعينات إلا في الوظائف الهامشية حين بدأت بعض الأصوات تنادي بوجوب تمثيل أفارقة في الحكم الاداري.
تطور نظام الإدارة بظهور الدعوة لقيام الاتحاد الفدرالي، يدعو لاتحاد بين فرنسا ومستعمراتها، واعتبار جميع مواطني هذا الاتحاد مواطنين فرنسيين يحق لهم التمثيل في الجمعية الوطنية الفرنسية.
وتطور هذا النظام في عام 1958م ليصبح معروف بأسم الدستور «ديغول» والذي حيث رأى إصرار بعض المستعمرات الفرنسية على الاستقلال وطرح مشروعة الراعي لعدم قطع الصلة بين فرنسا ومستعمراتها وتكوين ما عرف بأسم الرابطة الفرنسية.
ركائز سياسة الاستيعاب
ترتكز سياسة الاستيعاب على الآتي:
1ـ محاولة فصل الإفريقي المسلم عن جذور الثقافة الإسلامية ذلك عن طريق محاربة اللغة العربية وتشجيع تعلم اللغة الفرنسية لتصبح اللغة الأساسية في محاولات التعليم والتخاطب الرسمي.
2ـ إعطاء البعثات الكاثوليكية الفرنسية حق الإشراف على التعليم والصحة وهما أهم مرفقين، وبدا واضحاً عدم الاهتمام بتعليم الأفارقة، وانحصر التعليم الاولى بتعليم الأولاد بنسبة لم تتعد 5 % حتى 1945م، كذلك قامت الإرساليات بأنشاء المراكز والمستشفيات بدرجة أن 80 % من خدمات صحة 950 ظلت تقدمها الإرساليات، واستطاعت الإرساليات من خلال التحكم بهذين المرفقين السيطرة على مناهج التعليم وعدم تشجيع النساء الإفريقيات على كثرة الإنجاب.
3ـ محاولة إيجاد موازنة بين نشاط المؤسسات الكنسية والمؤسسات الإدارية الاستعمارية عن طريق البرامج المشتركة بين الفئتين يشرف على تنفيذها الجانبان مثل انشاء الطرق، وبدأ واضحاً أن الإرساليات ساعدت في تنفيذ برامج الإدارة الاستعمارية الخاصة بالتحول الاقتصادي كتشجيع زراعة المحاصيل الجديدة (البنّ ـ كاكاو ـ الأخشاب) لخدمة الاقتصاد الفرنسي وتحطيم أنماط الزراعة التقليدية القائمة على زراعة الحبوب، فقد تولت الإرساليات الصرف على نفقات كثير من هذه المشروعات بتشجيع أفارقة للتحول لأنماط جديدة.
4ـ أعطيت الشركات الفرنسية صلاحيات ضخمة من المستعمرات للمساعدة في تنفيذ سياسات الاستيعاب، وبدا ذلك بإعطاء الشركات الأراضي الزراعية الجيدة بعد نزعها عن السكان دون أجر، وترتب على ذلك عدم الاهتمام بطبقة العاملين من الافارقة والذي ظلوا يتكدّسون في المدن الكبرى في مساكن غير صحية، وحتى ان أعطيت لهم أجور وهي كانت ضئيلة.
كذلك أعطيت الشركات حق الاستثمار الواسع في مجال الزراعة والتجارة كما أعطيت حق تكوين قوة من الجيش الخاصة بها بحجة حماية الاستثمارات.
الفصل الخامس
أساليب التنصير
سياسات التنصير في غرب أفريقيا(نموذجا)
تعددت أساليب التنصير تحت مظلة سياسة الإستيعاب الفرنسية.
ولعل من أهم مقومات سياسات التنصير مايلي:
1ـ دراسة المجتمعات الأفريقية الإسلامية لمحاولة وضع السياسات الخاصة بالوضع الثقافي.
2ـ تشجيع السلوك الأوربي في الحياة اليومية
3ـ تذويب العاطفة الوطنية الروحية للأفارقة.
4ـ طمس الذاتية المحلية.
5ـ تشجيع مرتكزات نظام القبلي.
6ـ مساندة بعض الطوائف الدينية على غيرها.
الاسلوب الأول
دراسة المجتمعات الافريقية الإسلامية
ركّزت معظم السياسات الفرنسية في التنصير على دراسة المجتمعات الافريقية دراسة واسعة عن طريق بعض المختصين الذين ركزوا على دور الإسلام في مجتمعات غرب أفريقيا، ويبدو من تقارير المنصّرين الاوائل اعترافهم بمكانة الثقافة العربية الإسلامية في كل غرب أفريقيا، وقد أوضح المنصّرين مكانة الثقافة الإسلامية ترجع إلى المقام الأول، أن الإسلام أصبح ظاهرة محلية، إذ أن الأفارقة تقبلوا الإسلام بحيث لم يحدث تناقض بينه وبين الاعراف المحلية في كثير من المجتمعات الإفريقية، ووجد السحر وبعض مظاهر الشعوذة إلى جانب الاهتمام بإخراج الزكاة والحج، كذلك أوضحت الدراسات الأولية تطور ما سمى بالإسلام الديني وهو الإسلام الذي نتج عن قيام ممالك عملت على نشر الإسلام واتخاذ العربية كلغة أساسية، وقيام عدد من المؤسسات الدينية التي لم توجد في بقية القارة الإفريقية، مثل المساجد التي كانت دوراً للعلم والجامعات، وحرصت الدراسات الأولية إلى ان قوة الشعور الديني في غرب أفريقيا يقتضي وضع برامج تنصيرية قوية فبدأت الكنائس الفرنسية منذ 1865 م تؤهل المنصّرين تأهيلا كبيراً للعمل في المجتمعات الإفريقية عن طريق تدريبهم اللهجات المحلية كذلك بدأت الكنائس فترات تدريبية عن الإسلام في غرب أفريقيا خاصة الإسلام الصوفي، وكانت حركة الشيخ عثمان دان فوديو أكثر حركات دراسة إذ أنها كانت حركة إصلاحية جهادية نجحت في إقامة كيان سياسي خاصة بها في شمال نيجريا والتي كانت تتبع لبريطانيا، وكان لها تأثير ضخم على كل غرب أفريقيا ذلك أن عثمان دان فوديو أفتى بوجوب الهجرة من البلاد الى دار الاسلام حيث تجمعت عليه عدد من المسلمين من كل غرب أفريقيا، فقام بهم الخلافة الإسلامية المعروفة بالخلافة السكتية وهي خلافة أتبعت النظم الإسلامية لادارة الدولة أحيت مبدأ الجهاد والشورى كما عملت على تشجيع الحياة الدينية، ورغم أن الحركة تعرضت لبعض الضعف إلا أنها ظلت محوراً أساسيا يجمع المسلمين، وبدا واضحاً اتفاق فرنسا مع بريطانيا على فصل تلك الحركة عن حركة الإمام المهدي التي قامت في السودان 1882م ونجحت في إقامة الدولة الإسلامية، ورغم ذلك قام نوع من الاتصال بين المهدية وحركة دان فوديو لدرجة أن كثيراً من القبائل «الفلاني ـ الهاوسا» هاجرت إلى السودان للانضمام للإمام المهدي المنتظر.
أما أهمية حركة الشيخ دان فوديو أنها جددت الإسلام وفتحت باب الهجرة أمام المسلمين، وجعلت الهجرة واجباً .
وتسببت في أن يخرج كثير من القبائل المسلمة من ديارها والاتجاه إلى شمال نيجريا أو إلى السودان أو إلى الحجاز بحثاً عن المكان الآمن يستطيعون فيه إقامة دينهم، واستطاعت الإرساليات دارسة حركة دان فوديو دراسة وافية، وبدأت تضع بعض السياسات لإضعاف آثار تلك الحركة عن طريق عرقلة الهجرة ومساندة بعض الفقهاء الذين بدءوا يهاجمون هذه الدعوة «الحكرة» ويرمونها بالبدعة كذلك رأت الإرساليات تشجيع السياسات الخاصة لإصدار القوانين التي تمنع الحج وذلك منع اتصال المسلمين في غرب افريقيا بمراكز الإشعاع الديني في (الحجاز ـ مصر).
الاسلوب الثاني:
تشجيع السلوك الأوربي في الحياة اليومية
لجأت الإرساليات بتشجيع السكان المحليين في غرب أفريقيا لمحاكاة السلوك الأوربي في المأكل والملبس والتصرفات الشخصية فقد صورت نظرية الإستيعاب الثقافة الفرنسية على أنها المثال الذي يجب أن يحتذى، وروجت الكنائس بهذه النظرية عن طريق الوعظ في الكنائس وعن طريق الندوات في الأندية الاجتماعية، كذلك لجأ الاستعمار الفرنسي لإجبار الموظفين المحليين الذين كانوا يتولون بعض الوظائف الصغيرة على الالتزام بآداب السلوك الأوربي، وفرض عليهم اللبس الإفرنجي كما ألزموا بدراسة اللغة الفرنسية، كما سمح لهم بتناول الخمر أثناء ساعات العمل ولزيادة تأصيل فكرة التأثير الأوربي كان يسمح لهم يوم واحد من الأسبوع الذهاب إلى الأندية الفرنسية، كذلك كان من مظاهر تشجيع السلوك الأوربي فتح المدارس الخاصة لتعليم اللغة الفرنسية بمصاريف رمزية، وكانت الكنائس في أغلب الأحيان تتولى دفع المصاريف لمن يعجز عن دفعها، كذلك لعبت الكنائس دوراً هاماً في التبشير بأصول الثقافة الفرنسية، فشجعت الاختلاط بين الجنسين، كما كانت بعض الصحف المحلية تشجع على تمجيد الثقافة الأوربية والدعوة لمحاربة الثقافة الإسلامية، ولعل أهم الموضوعات التي تركت في تلك الفترة هي موضوعات الطلاق وتعدد الزوجات والختان، وحاولت الكنائس تشويه صورة الإسلام مقارنة بالسلوك الأوربي.
أما في المجال النسوي فقد شجع السلوك الأوربي على تشجيع المرأة على السفور، وإنشاء مراكز الرعاية الأسرية التي تساند نظريات التنظيم والاسرة، هذا بالاضافة إلى تشجيع الجمعيات التي تقدم دروساً في تربية المنزل والخياطة، وكانت معظم هذه الجمعيات أماكن مناسبة لتقديم جرعات للتنصير، ويؤكد واحد من رجال الدين أن هذه الجمعيات تطورت لإنشاء الملاجئ لليتامى وتقديم المعونة للفقراء وأن بعض العاملين فيها كان من النساء الإفريقيات اللائي دخلن في خدمة الكنيسة.
أهم مراحل إدخال السلوك الأوربي كان في فترة ما بين الحربين حين زاد عدد المدارس الفرنسية وفتحت بعض المدارس العليا، وبدأ إرسال أبناء الزعماء إلى فرنسا للدراسة في الجامعات، وتعرض هؤلاء المبعوثون لعمليات التنصير المتواصلة جعلتهم في النهاية خير مبشرين بنظرية تفوق السلوك الأوربي خاصةً وسط المتعلمين، كذلك بدأ إلزام الطلاب الأفارقة بالزي الأوربي في المدارس ومنعت الحجاب وغطاء الرأس في البنات .
الأسلوب الثالث:
تذويب العاطفة الروحية والوطنية للمسلمين
اعتمد هذا العامل على التبشير بمفاهيم متضاربة فمثلا في الجانب الروحي حدث تشوية كبير لمفهوم الاخوة في الإسلام، إذ حاول المبشرون القضاء على هذا المفهوم عن طريق تشجيع الشعور القبلي وتزكية روح التنافس، يقول أحد التقارير الكنسية (ان المجتمعات الإفريقية المحلية تقوم على كثير من المفاهيم السمحة المتمثلة في احترام الكبير والعطف على الصغير وإكرام الضيف ومساعدة العاجز ولا بد من تذويب هذه المفاهيم لأنها في الأصل مفاهيم إسلامية).
حاولت الإرساليات محاربة المفاهيم السالفة عن طريق تشجيع وجوب الاعتماد الذاتية، وحاولت أن تصور أن الكرم مثلا ومساعدة الضعيف يساعد على إيجاد طبقة المتعطلين عن العمل، وأنه ليست مسئولية المجتمع مساعدة الفقراء بل هي مسئولية الجمعيات، كذلك حارب المبشرون فكرة القوميات وأدخلوا مكانها الفكر الوطني المسيحي الذي يدعو بوجوب نصرة المسيحي على غير المسيحي، وكانت نظرية فكرة المسيحي تعتمد على النيل من الإسلام عن طريق تصوير المسلمين بأنهم غير مستعدين للتقدم، وأن المجتمعات الإسلامية مجتمعات بدائية كما حاولت أن تصور مبادئ الفكر الوطني المسيحي بأنها مجتمعات الإخاء الصحيح التي تقدم التراحم بين المسيحيين، وشجعت على قيام جمعيات دراسة الإنجيل وترجمته للغات المحلية، ولعل أهم مقومات تكوين الفكر الوطني المسيحي الهيمنة الكاملة على التعليم إذ بلغ من درجة الترابط بين الكنائس والمدارس أن كل مدرسة قامت بها كنيسة صغيرة كان يقدم بها قداس الأحد وكل المناسبات الدينية، وكانت تقدم فيها بعض المساعدات المالية للمسيحيين لشراء الملابس الجديدة في الأعياد الدينية.
يقول تقارير أحد المبشرين في عام 1903 م(يجب التوافق بين التعليم والتنصير للمساهمة في فهم القضايا التاريخية في منطقة غرب أفريقيا وتطمع في أن يأتي ذلك التوافق بنتائج بعيدة المدى ونطمع في أن يأتي جيل من المبشرين الذين يتمحضون في فهم وتفسير الإحداث ليس على أسس دينية فحسب بل على أسس تراعي تاريخ المنطقة الإسلامية وان على الآباء المسلمين يجب ألا يتجاهلوا صلتهم بالإدارة الفرنسية، وان ما يزيد في هذه الصلة تقديم الخدمات الاجتماعية وإقامة السيطرة الكاملة على أساليب الثقافة والتعليم، ويمكن اعتبار التجربة في الجزائر أنموذج في هذا الاتجاه).
كذلك بدأت مظاهر تذويب العاطفة الوطنية لدى الأفارقة في محاولات تشجيع الهجرة إلى المدن الكبرى حيث تتوفر فرصة العمل.
وكان العمال الأفارقة يجبرون على ترك أسرهم في الريف مما أدى إلى تحطيم أواصل الأسرة ونشأ كثير من الأطفال في هذا الجو وفقدوا الصلة مع آبائهم كما لم يلتزموا بروح المجتمعات التقليدية، وبدأ واضحاً انهيار كثير من المبادىء الوثنية القائمة على تمجيد المجتمعات السابقة والاعتزاز بالنفس.
الأسلوب الرابع:
طمس الذاتية المحلية
ظلت معظم المجتمعات في غرب أفريقيا تتميز بخصائص أساسية كان أبرزها
استمرار وجود العادات المحلية جنباً إلى جنب مع الثقافة العربية الإسلامية، ولعل ذلك يرجع إلى الصيغة السلمية التي انتشر بها الإسلام في افريقيا، وباستثناء حركة الشيخ عثمان دان فوديو وحركة الشيخ عمر الفوتي» لم تظهر حركات تجديد تدعو إلى انقاذ المجتمعات الافريقية من العادات غير الإسلامية وقد فطنت وسائل التنصير والتبشير إلى مرونة الإسلام في المجتمعات الإفريقية، فحاولت أن تقضي على تلك المرونة عن طريق مشروع طمس الذاتية المحلية، بعيدة المدى تجلى في الأساليب التالية:
1ـ تقوية العادات المحلية وشجعت التنظيم القبلي القائم على اسكان كل قبيلة في مكان مخصص لها وقبول تعيين رئيس كل قبيلة.
وضعت بعض الأوامر المحلية لإعاقة المسلمين عن أداء فريضة الحج، وقد كان الحج من أهم المواسم الثقافية التي يتصل فيها مسلمي غرب أفريقيا بمسلمي المشرق ، وكان الحج وسط المسلمين في غرب افريقيا ظاهرة جماعية تخرج لادائها اعدد هائلة من المسلمين عن طريق الطرق البرية المعروفة، ويستغرق أداء الحج عدداً من السنوات إذ يتخلق كثيراً منهم في الشرق خاصةً في الحجاز ومصر للدراسة وظهور جلسات أو حلقات العلماء وظل الحج يلعب دوراً هاماً في تجديد الإسلام في قلب القارة الإفريقية عن طريق الاتصال المباشر مع المشرق.
2ـ تشجيع كتابة اللغات الإفريقية بالحرف اللاتيني في محاولة إزالة الأثر الإسلامي العربي فبدأت كتابة الهوسا بالحرف اللاتيني منذ السنوات الأولى من القرن العشرين الميلادي، وتبعها كتابة الفلاني والماندي وغيرها.
3ـ عرفت كثير من مناطق غرب أفريقيا نوعاً من حلقات الدراسة غير الرسمية كالتي وجدت في التفسير في مناطق نيجريا والسنغال والتي وضحت في تجمع المسلمين بين صلاة المغرب والعشاء لسماع دروس في الفقه أو في النحو أو التجويد، فصدرت الأوامر المحلية بمنع تلك التجمعات.
4ـ لجأت الإرساليات لترجمة الانجيل إلى اللغات المحلية وأقيمت جمعيات نشر الانجيل والتي أنشأت لها مكاتب بريق في المدن والارياف لايصال الانجيل المترجم إلى السكان وتوزيعه عليهم بالمجان
5ـ صدرت كثير من القوانين المحلية التي شجعت تربية الخنازير في المجتمعات الإفريقية كما أقيمت الجمعيات لعناية ذلك الحيوان وشجعت الأفارقة على تربية ذلك الحيوان وتناول لحمه بحسبان أنه أرخص أنواع اللحوم، كما صدرت بعض القوانين التي سمحت بفتح البارات وأباحت شرب الخمر حتى أثناء ساعات
العمل.
6ـ شجعت الإرساليات بعض العادات الاستعمارية الضارة (بحسبان أن البذخ يفسد القلب واستيذاكية الروح) وحاولت أن تنسب تلك العادات إلى الإسلام، ويبدو من تقارير الكنائس أن العادات الاستيذاكية هي التي شجعت المجتمعات الافريقية على العرى«عدم لبس الملابس»
7ـ حاولت الكنائس إظهار المجتمعات الإسلامية بأنها مجتمعات متدنية منحطة غير مستعدة لقبول فترة التقدم، ووصم كل موروث إسلامي في الثقافة والعقائد بأنه(خرافي يقوم على تصديق غيبيات بليدة) بينما صورت التراث المسيحي(بأنه أفضل الوسائل لحياة المجتمعات المطمئنة تقوم على التكافل ومساعدة الضعفاء).
8ـ تشجيع احتكار الشركات للتأمين خاصةً التأمين على الحياة والتي أنشئت أولا في داكار 1920م وصاحبت فتحها دعاية ضخمة تروج للتأمين على الحياة وأنه ضرورة في المجتمعات (الراقية) ويذكر أحد التقارير«أن التجار وطبقة المتعلمين سارعوا للتأمين على حياتهم وأنهم أصبحوا لا يطيقون العيش بدون تأمين»
9ـ إدخال مفهوم اضطراب النفسي لدى المسلمين بمعنى جعل الافريقي المسلم مضطرباً داخل المجتمع وذلك عن طريق ادخال المتناقضات في سلوك الاجتماع فمثلا المثقفين والمتعلمين شجعوا على العزلة وتربي فيهم نفور من المجتمعات المحلية ومالوا للالتزام بقواعد السلوك الأوربي، أما المتعلمون من المسلمين فلم يحضوا بنفس المكانة التي حضي بها المسيحيون ولم يفتح لهم باب العمل في مجال الطب أو التعليم، ولم يكن أمامهم سوى التعلم في المدارس الدينية غير الحكومية، أما الطب فلم يكن من الممكن ممارسته للمسلمين إذ يستوجب ممارسة المهنة الحصول على التصديق من السلطات الفرنسية.
10ـ العمل على إهانة وتحقير زعماء المسلمين بوضع شروط تقلّص من نفوذهم الديني والروحي، ولعل ذلك جاء نتيجة تجربة نجاح حركة عثمان دان فوديو في بلاد الهوسا، فكان على زعماء المسلمين الإلتزام بشروط خاصة تقيد من حركتهم، فلم يكن يمكنهم السفر خارج مناطقهم دون إذن من المفتش الفرنسي كما كان عليهم الحصول على الإذن من السلطات الفرنسية قبل إقامة الأعياد الدينية كإقامة صلاة العيدين وصلاة التراويح في رمضان واقامة حفلات الزواج وغير ذلك يضاف إلى ذلك عدم اعتبار تعدد الزوجات شرعياً في القانون الفرنسي.
محاربة مفهوم الأسر الإسلامي عن طريق فتح مراكز تنظيم الأسرة التي تشجع النساء على تحديد النسل واستولت الكنائس على هذه المراكز الصحية، فكانت النساء الإرساليات يقمن بالكشف عن الحوامل وتقديم الإرشادات الطبية المتمثلة في عدم تشجيع الإنجاب«بحسبان أن الظروف الاقتصادية الإفريقية لا تتوفر فيها الموارد المالية تمكن الأب من تربية أبنائه تربية مثالية».
11ـ أقيمت بعض المحاكم المدنية التي تقولت على سلطات المحاكم الشرعية فأصبحت تفصل في قضايا الاحوال الشخصية مثل الطلاق، وقضايا الميراث بقوانين الفرنسية.
وقد أبدى المسلمون عدم ارتياحهم من هذه المحاكم إلا أن القانون أجبرهم على المثول أمامها بدرجة أن تقرير الحاكم العام الفرنسي في السنغال 1944م يقول (إلغاء السلطات القضائية الإسلامية واجب أساسي في تحطيم المجتمعات الإسلامية).
والثابت أنه بعد 1950م ثبت للسلطات الفرنسية خطأ هذا الاتجاه فأعادت للمسلمين حق المثول أمام المحاكم الشرعية من قضايا الأحوال الشرعية.
الأسلوب الخامس:
تشجيع مرتكزات النظام القبلي
قام اسلوب الاستعمار الفرنسي على التأثير على زعماء القبائل باعتبار أنهم الفئة الاكثر تأثيراً على المواطنين، فأعطى الزعماء بعض السلطات الإدارية التي مكنتهم في السيطرة على المجتمعات، ومن أهم ركائز تشجيع القبيلة.
1ـ إصدار بعض القوانين المحلية التي أعطت زعماء القبائل سلطات جمع العشور والضرائب مع إعطائهم بعض الحرية في بنوك الصرف في بعض الأحيان وكانت بعض القوانين المحلية نعطى زعيم القبيلة المسيحي امتيازات أكبر من زعماء المسلمين، وقصد من وراء ذلك التأثير على المجتمعات المسيحية أو الوثنية، في كثير من الأحيان يذهب من تقارير الإداريين الفرنسيين أن زعماء المسيحيين أحبطوا بقدر أكبر من التقدير بأن أعطوا بعض الألقاب.
2ـ شجعت الإدارة الفرنسية كثير من زعماء القبائل على تعدد الزوجات في محاولة للربط أكبر عدد من القبائل خاصة عن طريق المصاهرات
3ـ شجعت الإدارة الفرنسية زعماء القبائل خاصة المسيحيين على اشراك أبنائهم في الإدارة، وبذلك أصبحت وظائف الزعماء في كثير من الأحيان شبه وراثيا مما ضمن أستقرار الإدارة فاستمرار ولاء الزعماء في السلطات الفرنسية.
4ـ أعطيت الإرساليات حق الإشراف على تعليم أبناء الزعماء وأنشئت المدارس الخاصة لذلك كما أرسل بعض هؤلاء الأبناء بمواصلة الدراسة في فرنسا، ورجع بعضهم بزوجات فرنسيات، وذلك أسهموا في الحفاظ على الأساليب في الإدارة الفرنسية، وتذكر المصادر أنه بعد الاربعينات (بعد) 1940 كان معظم الزعماء المحليين يجلسون في المجالس الإدارية جنباً بجنب مع الفرنسيين وأوكلت إليهم مهمة تنفيذ الأوامر المحلية الخاصة بتنظيم القرى ونظافة الشوارع وبناء مصارف المياه وقد شجع الزعماء المحليين على الحفاظ على الأنماط التقليدية في البناء في الأماكن التي خصصن للمسلمين، أما الأحياء المسيحية فقد شجع مظاهر البناء الحديث مما جعل تناقض يظهر في بناء المناطق الحديث، كذلك شجع العمران في المناطق الاستراحة مثل الأسواق ومناطق التركز دواوين الحكومة على النمط الأوربي، وأعطى المسيحيون كثير من الوظائف الهامشية في تلك المناطق
5ـ من مظاهر تشجيع المقومات القبلية إعطاء بعض الأراضي الزراعية للشركات الاحتكارية الأوربية والتي أعطيت حق تكوين جيش خاص بها بالتنسيق مع زعماء القبائل مما كرّس في تقوية السلطة القبلية خاصة في السنغال وجنوب نيجريا حيث أصبح العمل مع الشركات قائم على النمط القبلي.
6ـ شجعت الإرساليات على إحداث بعض التغييرات الاجتماعية في المجتمعات القبلية عن طريق عدم تشجيع الزراعة التقليدية القائمة على زراعة الحبوب وأدخلت زراعة بعض المحاصيل التي يحتاجها الاقتصاد الاوربي كالقطن والكاكاو والفول السوداني، وكان واضحاً تركيز زراعة هذه المحاصيل في المناطق الإسلامية لإحداث أكبر قدر من التغيير الاجتماعي وأدى ذلك تحطيم طبقة الزراع التقليديين، وبداية هجرة كثير من السكان من الأرياف إلى المدن.
7ـ من أهم مقومات التشجيع القبلية سعى السلطات الفرنسية ووسائل التنصير على الحفاظ على كثير من التقاليد القبلية القائمة على الإيمان بالسحر والشعوذة فبعض الأوامر المحلية في بعض مناطق نيجريا مثلاً تؤدي إلى تقوية تلك العادات عن طريق السماح للقبائل خاصة المسيحية منها في التجمع في بعض المواسم لممارسة هذه العادات.
الأسلوب السادس:
مساعدة بعض الطوائف الدينية (الصوفية) وغيرها
يعتبر انتشار المذاهب الصوفية في غرب أفريقيا ظاهرة أساسية من ظواهر انتشار الإسلام.
فبالرغم من أن الإسلام انتشر في البداية عن طريق التجارة والدعوة وجهود الحكام المحليين وفقهاء المذهب المالكي في شمال أفريقيا إلا أنه بعد تلك الفترة غير أن الطرق الصوفية تأخذ طريقها من المشرق إلى المغرب في أفريقيا ومن أهم هذه الطرق:
القادرية والتيجانية بفروعهما
القادرية والتي تنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني بدأت في العراق كمحاولة للتعبير عن قضايا الطبقات الفقيرة وانتشرت بسرعة وسط الطبقات الفقيرة في المجتمعات وسرعان ما أصبحت لها اتباع مريدون في شمال أفريقيا ولعلها بدأت بالتسرب هناك إلى غرب أفريقيا.
أما التيجانية فهي طريقة صوفية مغربية جاءت إلى غرب أفريقيا في القرن الثامن واستطاعت أن تنافس القادرية وأن تتفوق عليها في بعض المناطق مثل السنغال.
والراجح أن انتشار التيجانية شمل أجزاء من السودان الأوسط مما أدخل الطريقة إلى نيجيريا، ورغم أن الطريق الصوفي في البداية كان من عوامل الحفاظ على الإسلام في المنطقة لاهتمامها بفتح الخلاوي (جمع خلوة : مكان للعبادة) وتحفيظ القرآن إلا أنها في فترة السيطرة الأوربية أصبحت من عوامل الفرقة بين المسلمين لأن السلطات الاستعمارية عملت على مساعدة بعض هذه الطوائف على غيرها خاصة بعد انتشار السنوسية من نهاية القرن التاسع عشر من شمال أفريقيا إلى غرب أفريقيا وأصبحت من أهم عوامل النهضة الإسلامية ومناوأة الحكم الاستعماري فبدأت السلطات الفرنسية تقرّب رجال الطائفة التيجانية لتقضي على السنوسية ، ومن الوسائل التي اتخذها الفرنسيون:
إعطاء التيجانية حق احتكار التجارة في بعض السلع «الملابس» فتكونت من التيجانية كثير من الطبقات التجارية المحليين كما أتاحت لهم الإدارة الفرنسية حق اقامة شعائرهم الدينية وبلغ من درجة زراعة الفتنة بين المذاهب الصوفية أننا نجد أن هذه الطوائف لا تصلى مع بعضها بعض حتى في الأعياد كما أن الزواج بينها يبدو مستحيلا وزاد من مظاهر الفرقة أن كل طائفة صوفية وبإيحاء من الفرنسيين انعزلت في مكان خاص بها في المدن الرئيسية ولم يكن يسمح للمخالفين من رجال الطوائف الصوفية الاخرى السكن في المناطق، وكذلك ساعدت السلطات الفرنسية تشجيع بعض الطرق الصوفية ذات التعاليم الباطلة مثل الاحمدية والقاديانية وهي طرق نقلت من الهند إلى شرق أفريقيا أولا ثم إلى غرب أفريقيا حيث ساعدت في تردي أحوال المسلمين.
ملاحق
يحارب المنصّرون المسلمين على طريقة دس السم في العسل وفي ضوء الجهود الإسلامية الحثيثة كثّف النصارى نشاطاتهم الهدامة متخذين العديد من الوسائل منها:
1 - بناء كنيسة في كلّ المدن الرئيسية وكنيسة على الأقل في كلّ قرية تتبع تلك المدن بغض النظر عن حجم الكثافة السكانية.
2- بناء المدارس والمعاهد قرب الكنائس وإلحاقها بمعهد أو مدرسة لإرغام الطلاب على ممارسة الطقوس النصرانية وشحنهم بمعلومات خاطئة عن الاسلام والمسلمين.
3- بناء ملاجئ للأيتام واستقطاب المحتاجين من كافة الأديان والأجناس تحت ستار العمل الإنساني مع أن هدفهم هو تنصير أبناء المسلمين.
4- فتح عيادات طبية في جميع المدن والقرى لعلاج المرضى المقتدرين بالمقابل والفقراء مجانا متخذين دس السم في العسل هدفاً لاعمالهم.
5- منح مساعدات عينية للفقراء والعجزة لاستمالتهم.
6- ترويج المطبوعات المسيحية وتوزيعها مجاناً.
وثيقة رقم واحد
التغيّرات الطارئة على العمل التبشيري في الاراضي المحمدية
المستر (كيردتر)
(محاضرة القاها في مؤتمر رجال الكنيسة العاملين في البلدان الاسلامية، وذلك في عام (1909م) في أدنبرة/ بريطانيا).
«حضرات السادة: الرئيس، الاباء والاخوان (القساوسة):
السؤال المطروح هذا اليوم لا يتمثل في أين نجد الدليل على الحركة التحديثيّة في بلاد المسلمين، بل أين لا نجد مثل هذا الدليل.
نحن لا شكّ على علم تام بالحركة التحديثيّة الناشطة في الوسط الاسلامي في كل من تركيا ومصر وبلاد فارس والهند.
فجميع هذه الدول قد تأثرت بالافكار الاوربية، وقد تشكّلت فيها منظمات فكرية وسياسية.
وأثّرت هذه المنظمات بشكل مباشر أو غير مباشر على العقائد الدينية.
غير أنّ هذه الدول ليست هي الوحيدة من دول الاسلام المتأثرة بأفكار الغرب، ففي روسيا ونتيجة لاطلاق الحريات الدينية في 17 نيسان عام 1905م، وكما أعلمتني سيّدة روسية قامت بدراسة خاصة أنّ ما يزيد على 50000 من اتباع الكنيسة اليونانية عادوا الى اعتناق الاسلام، وقد تبعهم آخرون اعتنقوا هذا الدين لاول مرّة.
لاشكّ في أنّ مثل هذا الحدث سوف يحفّز «المحمديين» في روسيا الاوربية، في الفولغا في أواسط آسيا وحتى سيبريا حيث الافكار تسري بسرعة مثل التيار الكهربائي، وخاصة عندما تكون وسيلة النقل الجديدة: السكّة الحديدية، فالقطار عبر قزوين سوف يتّجه نحو روسيا وتركمانستان ثمّ الصين التركية وسوف ينقل الافكار الاسلامية، وهكذا تعود الخطوط التجارية التاريخيّة عبر وسط آسيا نحو الصين لتصبح العصب المنظّم والجهاز العضوي الاكثر فاعلية مما كان عليه قبلاً.
إذاً فدورنا الان يجب أن يتركّز في الصين.
وإذا كانت هناك دولة واحدة في العالم المحمدي ممن لا يتأثّر بالعالم الخارجي فهي الصين، والنموذج الصيني المسلم ليس من النوع الذكي، ومع ذلك فقد سمعنا بانتقال بعثة تركية مسلمة الى الصين لتقوم بدور التبليغ لاوّل مرة.
وأكثر ما يثير العجب أن يقوم ثلاثون طالباً صينيّاً من الذين يدرسون الاراء الغربية في جامعة اليابان، بتحرير مجلة فصلية باسم:
«أيّها المسلمون استيقظوا» وتوزّع هذه المجلة في عموم بلاد الصين، وعندما ننتقل الى ماليزيا حيث السفينة التجارية تقوم بمساعدة الاعداد المتزايدة من أهالي جاوة وسومطرة وجزر الهند الشرقية في التوجّه نحو مكّة لاداء فريضة الحج، وحيث يتعاظم بذلك تثبيت جذور الاسلام في هذه الدول، ومن ثمّ يصعب القضاء عليه، ونتّجه بعد ذلك نحو الجزيرة العربية نفسها حيث هناك قبر النبي في المدينة، وحيث تتردد صفارات القاطرات.
ومن الجزيرة العربية وبشكل غير مباشر جاءت أعظم حركة للسنوسيين إن لم تكن أحدثها، والتي يمكننا أن نلمس آثارها بسهولة في السودان وفي بحيرة تشاد وأقصى أطراف حوض الكونغو.
ومن جانب آخر فإن الحركة الاسلامية الممتدة بشكل مرعب في إفريقيا أساساً هي ردّ فعل لما قامت به الحكومات الاوربية (الاستعمارية) التي وضعت مؤسسات حكومية من النيل وحتى زامبيا، وأضعفت بذلك الروابط القبلية، وهيّأت مئات الاقنية لتوغّل الاسلام بشكل هادئ، وسنجد بعد قليل أنّ الاسلام هو هدية السماء لوحدة إفريقيا، والمعبّر الحقيقي عن الجنس الافريقي، وسوف يحصد المسلمون الجهود التي بذلها نصارى الحبشة.
إنّ هذه النظرة السريعة تؤكّد لنا ـ حتى من وجهة نظر الحركات التحديثيّة ـ مشكلة الوجود المحمدي الممتد في كامل العالم الاسلامي، وسوف اُقدّم في هذا المؤتمر العظيم ملاحظة أولية: إنّ مشكلة الاسلام هذه لا يمكن تجاوزها حتى في الظروف الاضطرارية التي لا يمكن وصفها، والتي تواجهنا في الشرق الاقصى.
والسبب أنّ الاسلام الان يقف على أعتاب دورنا من أقصى الساحل المغربي حيث يلامس حدود أوربا وحتى أعمدة هرقل ومدينته القسطنطينية.
إنّ هذه المشكلة هي مشكلتنا المركزية.
لنفكر بهذه الكتلة العظيمة من دول منطقة البحر المتوسط من شمال إفريقيا غرباً وحتى أواسط آسيا شرقاً سنجدها جداراً لا يمكن زحزحته، يمنع الغرب المسيحي من الوصول الى قلب الشرق الوثني.
أيّها الاباء والاخوة: تذكّروا حتى عندما تُحل مشاكلنا مع اليابان أو الكوريين أو المنشوريين أو الصينيين أو الهنود فإنّ الازمات الحالية يمكن تجاوزها، وعندما يلتقي نصارى الشرق الاقصى مع الكنيسة الكاثوليكية فإنّ الكتلة الضخمة المعادية سوف تشطر دولة الغرب النصراني الى شطرين، وتفصل بين التوأمين، وتعزل أحدهما عن الاخر، ولن تقيم خطاً عازلاً ممتداً بين الربّ والانسان فحسب، بل سوف تسبّب شرخاً في بنية الكنيسة الكاثوليكية العظيمة الخالية من الشروخ، والذي يتمثل بوجود المسلمين هناك، ويمكن كسبه الى جانب المسيح، وعليه لا يمكننا تأخير حل مشكلة الاسلام.
إنّها مشكلة كل يوم كما ترون فلنجعل هذا اليوم نفسه يوماً للحل والانعتاق.
إنّ واجبي أن أوضّح لاتباع الكنيسة القادمين من جميع أنحاء العالم الاوضاع العامة في ضوء الحركات التحديثية داخل بلاد المسلمين.
إنّ هدفنا الموحّد هو: اتخاذ الاجراءات الى أقصى حد في ضوء «المصادر المتوفرة لدينا» حيث يمكن بذلك فهم الواقع لتحقيق أهدافنا.
إنّ المصادر المتوفرة لدينا يمكن تفسيرها بوجهين، وعلينا أن نحتفظ في أذهاننا بهذين التفسيرين، ففي المعنى الضّيق، هذه المصادر غير كافية لمعالجة الواقع، غير أنـّها ـ من دون شك ـ موزّعة بشكل حكيم واقتصادي ومستغلّة بشكل جيد.
ومن جانب آخر في متناول أيدينا مصادر الاله الحي، وهذه الفكرة تجعلنا نتذكر دائماً أثناء هذا المؤتمر الدرس الاساس وهو الفهم الجديد «للاله الحي» الذي سوف يساعدنا في انجاز هذا العمل العملاق.
ليس لدينا الوقت الكافي لانّ نوضّح أين تتركز الازمة اليوم.
شعارنا اليوم: «العمل بحكمة»، وفي هذه القاعة وحول هذا الموضوع أؤكّد على هذا الشعار: «العمل بحكمة».
لنبدأ من «الامبراطورية العثمانية» حيث نجد هناك حركة يمكن وصفها بشكل كبير بالتوجّه نحو الحرية.
الحرية السياسية والحرية الثقافية.
انّ حركة مزدوجة من هذا النوع سوف تؤثّر بالتأكيد على الدين وإن كان بشكل بطيء.
فالتوجّه الداخلي للجيل التركي الجديد نحو التسامح الديني يسير بشكل جيد.
الحقيقة الوحيدة هنا:
أنّ المسيحية والمسيح الى حد بعيد متوغّل في عمق حركتهم، وسوف تأتي بنتائج مهمة، وها هي حرية الصحافة في معظم أنحاء الامبراطورية العثمانية وخاصة سوريا قد حققت نتائج جيدة، وها هم قادة الفكر الاسلامي يقعون في الحيرة بعد أن وجد بعضهم في القرآن الكثير من تعاليم المسيح.
أليست هذه الحقيقة جديرة بأن تجعلنا نناشد الجمعيات العاملة في الامبراطورية لكي تكون نشطة ومستعدة لجني الثمار واستغلال الموقف الى أقصى حد؟ هل سيأتي ذلك اليوم الذي يثأر فيه الارمن الذين تحمّلوا وصبروا، لشهدائهم؟ يجب أن يأتي ذلك اليوم بالتأكيد مادام هناك إله في السماء! ولذلك فإنّ الخطوات التالية تبدو ضرورية:
1 ـ تقوية العمل الناجح والرائع الذي تمارسه الكنائس الشرقية في الامبراطورية العثمانية.
2 ـ احتلال المناطق التي لا توجد فيها الجمعيات التبشيرية كما هو موضح في تقرير بعثة التبشير رقم (1).
3 ـ تعزيز الاعمال الادبية بشكل قوي ومؤكّد.
4 ـ الضغط المنظّم والمستمر على الحكومة العثمانية لاعطاء المساواة الدينيّة الكاملة والحرية في الامبراطورية العثمانية.
5 ـ العمل بحكمة وحذر واستمراريّة في أوساط المسلمين.
وفي مؤتمر كنسي عام عقد مؤخراً في بيروت وحضرته بنفسي استمعنا الى تقارير بعثات التبشير الواحد بعد الاخر حول الاعمال المنجزة.
وقد عبّر المؤتمرون في نهاية المؤتمر عن وجهة نظرهم بالشكل التالي:
1 ـ العمل التبشيري المستمر منذ عدّة عقود ـ سواء في سوريا أو فلسطين ـ هو اليوم ممكن أكثر من أي وقت مضى سواء عن طريق الزيارات، المحاورات، توزيع النشرات التبشيرية والاناجيل، البعثات الطبية ومدارس البنين والبنات.
2 ـ إنّ إعلان الدستور وخاصة في أوساط المتنوّرين قد سهّل عمل التبشير المباشر، وبموجب مبادئ الدستور حول المساواة بين الاديان سوف يزداد سهولة.
ومن جانب آخر نحن نقف اليوم وجهاً لوجه مع الاحياء الثقافي والديني المحمدي مما يستوجب زيادة العمل التبشيري.
3 ـ من الضروري وضع خطة حكيمة وسريعة تطبّق بدقّة للنشاط في الوسط الاسلامي في سوريا وفلسطين.
إنّ واجب جميع المنظمات الكنيسية أن تبدأ الخطوة الاولى في هذا الاتجاه.
أيّها الاباء والقساوسة: شعارنا «العمل بحكمة».
والان نصل الى مصر حيث هناك حرية دينية واسعة تجعل العمل الاسلامي المباشر غير محدد.
أصبحت القاهرة اليوم مركزاً للنشاط الفكري للاسلام.
وهي هكذا منذ سقوط بغداد والحكم العباسي.
عند هذه النقطة يجب التأكيد على ضرورة زيادة النشاط التبشيري دون تأخير، وأعني الزيادة في الكمية والنوعية عن طريق إعطاء المنح الدراسية للعاملين في العالم الاسلامي وخاصة في مناطق التنوير (الجامعات).
يجب أن تركّز هذه الدراسة على خطّين رئيسين حيث يمثل مسلمو القاهرة هذين الخطين:
الاول: هو المركز الديني التقليدي والفلسفي الذي تمثله جامعة الازهر.
والثاني: هو الحركة التحديثية التي تؤثر قليلاً أو كثيراً بكل الشباب المسلم الذي ـ كما ذكرت ـ يحاول أن يتجاوز الانجاز الاسلامي التاريخي ويفكّر بسياسة جديدة ومفهوم ديني وفلسفي جديد للقرآن، ولا يهتم بأيّ تراث مهما كان! هذه الحركة واضحة جداً في الهند ولها موقع ثابت في القاهرة حيث الشيخ محمد عبده يعمل ويجمع حوله الطلبة المؤيدين له.
أحد طلابه محرر جريدة «المنار» يحاول أن يؤسس في اسطنبول جامعة دينيّة سوف يذهب طلابها بعد التخرّج للتبشير بالاسلام في أقاصي المشرق.
وهكذا ترون أنّ الاهداف الجديدة للاسلام هي الانتشار والتبليغ، وكلا الخطين يتطلّبان قوّة في التبشير وسط طلاب الجامعات وبعدد أكبر ومستويات جامعيّة أعلى مما هي عليه الان.
واذا كانت الدراسة الاسلامية التقليدية قد اضمحلّت ـ وهذا احتمال ينتظر البرهان ـ فلا نقاش هناك في أنّ تدهور وضع الازهر وتأثيره خارج مصر ليس إلاّ ظلاًّ لما كان في السابق.
ومع ذلك فإنّ الدراسة التقليدية الاسلامية هي السائدة وسط الجماهير (المحمدية) الواسعة في العالم، وتبقى هذه الجماهير ذات استعدادات ضخمة! وعليه فالدراسة التقليدية بحاجة الى طلبة بشكل مستمر ومتزايد، وهؤلاء يجب أن يضيفوا إلى برامجهم مهمّة المراقبة والدراسة والالتقاء مع الاسلام الجديد ومع تناقضاته المتعددة! ولا أدري أين يجب أن تتم مثل هذه الدراسة في العالم العربي فيما عدا القاهرة! من الضروري إذاً تأسيس جامعة عربية تكون في خدمة التبشير في جميع أنحاء العالم الاسلامي.
أقول ذلك دون تحامل على الجامعات الاستشراقية والدورات التعليمية في بلادنا.
فهذه ولا شك مشاريع لها أهميّتها غير أنّ مهمّتها تكميلية ومساعدة لما اريد الاشارة إليه.
وعليه يجب أن تؤسس هذه الجامعة في القاهرة وعليكم التفكير بذلك حالاً(1).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من (التآمر الصليبي على بلاد المسلمين:عباس الكوراني) : مجلّة الطاهرة، العدد 41 ، 1413 هـ ـ 1993م.