أحلام وآلهة.. قراءة جديدة لرؤى يعقوب

 

يوسف الهادي

دأب قراء العهد القديم من محترفين وهواة على الالتقاء دوماً بالوعود المعطاة لانبياء بني اسرائيل بأرض موعودة تدرّ لبناً وعسلاً «خصبة جداً»، ويتكرر صدى تلك الوعود في بقية اسفار العهد القديم. وتقوم تلك الوعود على ثلاثة اركان:

1ـ هناك وعد بأرض لشعب كان يعيش جوّالاً يعبر البراري والقفار من مكان إلى مكان. هناك ربط بين «العبري» و«العبور» وأساس كل ذلك في قبائل ال «عبيرو».

2ـ هذا الوعد هو وعد الهي.

3ـ لا يتم تحقق هذا الوعد إلاّ عبر هجمات عنيفة تقوم بها تلك القبائل ضد السكان في الأرض الموعودة، يتم فيها ذبحهم وابادتهم رجالاً ونساءً واطفالاً. وتدمير ممتلكاتهم بما فيها الزروع والحيوانات «كما هي الوصايا المذكورة في سفر يشوع».

فلنلخص طبيعة تلك الوعود،بدءاً من النبي ابراهيم الذي يقول بنو اسرائيل انّه الجد الاكبر لقبائلهم، على الرغم من ان كثيراً من الباحثين المرموقين ينفون الصلة العرقية بينه وبين بني اسرائيل.(1)

يقول سفر التكوين وهو يتحدث عن هجرة ابراهيم من وطنه العراق «كان يسكن في اُور جنوب العراق» واقامته بعد ذلك في حاران. انّه ذهب مهاجراً إلى ارض كنعان، فوصل إلى هناك «والكنعانيون حينئذ في الارض. فتراءى الربّ لأبرام وقال: لنسلك اعطي هذه الارض».(2)

ولأن ابراهيم كان غريباً عن تلك الارض ولم يكن يرى له اي حق قانوني، فقد شكك في الامر وسأل

 

______________________________________

1- مفصل تاريخ العرب واليهود، ص 477 ـ 528.

2- التكوين2: 4ـ7.

 

الله ان يريه  دليلاً  ليطمئن إلى انّه سيملك الارض. فطلب إليه الرب طلباً غريباً هو ان يأتي بعجلة في سنتها الثالثة وعنزة في سنتها الثالثة وكبشاً في سنته الثالثة ويمامة وجوزلاً(1)، ثم يشطر كل منها إلى نصفين ولم يشطر الطائرين. ووضع شطر كل واحد من تلك الحيوانات. «فلما غابت الشمس وخيّم الظلام إذا بتنور دخان ومشعل نار يسيران بين تلك القطع «قطع اللحم». في ذلك اليوم قطع الرب مع ابرام «ابراهيم» عهداً قائلاً: «لنسلك اعطي هذه الارض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات. القينيين والقنزيين والقدمونيين والحثيين والفرزيين والاموريين والكنعانيين والجرجاشيين واليبوسيين».(2)

وفي الحكاية اعلاه غموض يحار فيه القارىء. فهناك وعد بقطعة ارض، يسأل ابراهيم متعجباً وقد رآها واسعة جداً: كيف يطمئن انّه سيحصل عليها. فطلب إليه الربّ ان يذبح الحيوانات.

الغموض سببه انعدام العلاقة بين السؤال وبين الدليل وهو ما لا نجده مدوناً بصورة صحيحة إلاّ في القرآن الكريم الذي يقول ان ابراهيم قد سأل ربه ان يريه رأي العين كيف يحيي الموتى. فطلب الله منه ان يذبح اربعة طيور ويضع كل كومة لحم منها على جبل ثم يدعوها بعد ذلك إليه فتعود اليها الحياة وتأتيه(3). فالسؤال كان متعلقاً بكيفية احياء الموتى والتجربة متعلقة به ايضا.

وبما ان التوراة قد عرّضت على مدى قرون متمادية للحذف والاضافة ودمج التقاليد «اليهودية والايلوهيمية والكهنوتية وتثنية الاشتراع»(4)، فان امثال تلك المواضيع الغامضة فيها تدلل على وجود حذف أو اضافة غالباً ما تكون ـ هذه الاضافة ـ من أحد الاساطير التي لدى الشعوب الوثنية المحيطة ببني اسرائيل، وستقوم الادلة على ذلك بعد مقدمة قصيرة.

 

الأساطير وأسفار العهد القديم

منذ ان بدأ عصر الاكتشافات الآثارية وفك رموز اللغات الهيروغليفية والسومرية وغيرهما، بدأ الباحثون يكتشفون كل يوم نصوصاً جديدة تدلل على عمق بصمات اساطير الشرق الادنى القديم على كتب العهد القديم. ومازالت الكشوفات الاثرية تأتي كل يوم بجديد يقيم دليلاً جديداً على مدى اقتباس العهد القديم من تلك الاساطير.

ويعترف علماء اللاهوت الكتابي بوجود هذا التأثير الاساطيري على التوراة.

نقرأ في الطبعة الجديدة من التوراة في المدخل إلى سفر التكوين: «لم يتردد مؤلفو الكتاب المقدس ـ وهم يرون بداية العالم والبشرية، ان يستقوا معلوماتهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من تقاليد الشرق الادنى القديم، ولاسيما من تقاليد ما بين النهرين ومصر والمنطقة الفينيقية الكنعانية. فالاكتشافات الاثرية منذ نحو قرن تدل على وجود كثير من الامور المشتركة بين الصفحات الاولى من سفر التكوين وبين بعض النصوص الغنائية والحكمية والليترجية الخاصة بسومر وبابل وطيبة واوغاريت».(5)

______________________________________

1- جمعها حوازل وهو فرخ الحمام.

2- التكوين 15: 7 ـ 10، 17 ـ 19.

3- سورة البقرة: الآية 260.

4- انظر حول التحريف في التواراة: مقدمتنا للرحلة المدرسية للشيخ البلاغي.

5- كتب الشريعة، ص 66.

 

ويقول الاب اسطفان شربنتييه وهو يعلل اقتباس العهد القديم من اساطير الشرق الادنى، بعد ان يمهد بنموذج لكيفية ذلك الاقتباس:

«يتساءل الانسان على سبيل المثال، ما يعني التجاذب الجنسي؟ أو كيف يحصل على الخصوبة؟

فيتصور عالماً خارجاً عن الزمن، كان الآلهة والإلاهات يحبون فيه بعضهم بعضاً ويتزاوجون ويولدون ويولّدون. وان كانوا خصبين، تكون ارضنا ومواشينا خصبة ايضاً، بما ان هؤلاء الآلهة ليسوا سوى نقل خيالي لوجودنا، فلابدّ من اكراههم على الاخصاب.

فالرتب تهدف إلى اكراههم على التزاوج. والاقتران بالبغايا المقدسة(1) في بابل أو في المشارف الكنعانية لم يكن نوعاً من القصوف، بل كان رتبة دينية تبعث على خصوبة الارض.

فكل هذه القصص الاسطورية هي في غاية الجدية. انها تفكير البشرية الاول. فلا عجب ان يكون الكتاب المقدس قد تبنى هذا المنهج للتعبير عن تفكيره الخاص، ولكنه حوله تحويلاً عميقاً. يمكننا ان نقول بسرعة انّه اتخذ رواية مصورة وجعل منها رواية نفسانية..

فالكتاب المقدس باستلهامه من هذه الاساطير الكبرى، ولاسيما في روايات خلق العالم، يعيد التفكير فيها وفقاً لايمانه بإله واحد يتدخل في تاريخنا ويريد ان يكون الانسان حراً».(2)

لقد حاول الاب شربنتييه اعلاه ان يخفف من وطأة ذلك الاقتباس الذي قام به مؤلفو العهد القديم من أساطير شعوب الشرق الادنى حين قال انّه قد حوّل على ايدي المؤلفين التوراتيين بما يخدم فكرة الإله الواحد الذي يحرّك التاريخ. إلاّ ان الحقيقة الواضحة في العهد القديم، انّه ان كان قد نجح فعلاً في عملية تكييف الاساطير تلك وفقاً لمفاهيمه العقائدية في موضع من التوراة، فانه قد اخفق اخفاقات هائلة في مواضع اخرى منها بقاء عقيدة ذبح الشعوب المغلوبة من رجال ونساء واطفال وذبح كل شيء يدب على الارض(3)، وهي عادة تمارس بشكل اقل بشاعة لدى الشعوب الوثنية. بل ان بعض اولئك الوثنيين كانوا اكثر رأفة ورحمة بأعدائهم من اليهود. وافضل مثل على ذلك الكنعانيون الذين قال الباحث الآثاري المعروف ميديكو:

«ان الكنعانيين لا يبالغون في التباهي بانتصاراتهم، بل يشفقون على المغلوب»(4).

وعن رواية خلق العالم الواردة في سفر التكوين «الفصل أو الاصحاحات من 1 ـ 11»، يقول الاب شربنتييه:

«لا تنتمي هذه الفصول إلى التاريخ، بل إلى اللاهوت المعبّر عنه بالصور. انها تفكير «الحكماء». يحاول الكاتب ان يجيب عن الاسئلة الكبرى التي يطرحها الانسان على نفسه في شأن الحياة والموت والحب

______________________________________

1- طقوس عهر كانت تمارس في بلاد ما بين النهرين والبلاد الكنعانية في فصل الربيع يتم خلالها زواج «اتصال جنسي» بين الملك وبين كبيرة الكاهنات. الهدف منه اثارة الطبيعة لتجود بالخصب. انظر طقوس الجنس المقدس عند السومريين.

2- دليل على قراءة الكتاب المقدس، ص 21..

3- يراجع سفر يشوع الذي اشتهر باسم سفر المذابح، للتعرف على نماذج مما قام به بنو اسرائيل من مذابح وتدمير واحراق في المدن والقرى التي دخولها فاتحين.

4- التوارة الكنعانية، ص 217.

 

ومبادىء العالم. وهو يقوم بذلك انطلاقاً من ايمانه بالله ومستخدماً اساطير قديمة».(1)

وحين ينتقل إلى الحديث عن النبي ابراهيم، وتحت عنوان بارز «حلقة ابراهيم» قال:

«لم نصل هنا إلى الفن التاريخي، بل نحن أمـام تقاليد اسطورية، مبنية على أسـاس تاريخي، ومؤوّلة دينياً للتعليم».(2)

ثم نصل إلى هذا النص الخطير للاب شربنتييه وهو يتحدث عن يعقوب النبي وتحت عنوان بارز هو «حلقة يعقوب» حيث يتحدث عن عملية دمج لاكثر من تقاليد «موروث شعبي» عشائري، ليصبحا قصة واحدة تكتب في العهد القديم، لتقرأ على انها لشخص واحد، وليس لاثنين:

«نحن امام الفن الادبي الذي وجدناه في حلقة ابراهيم. كانت هناك تقاليد من عشيرتين مختلفتين، عشيرة يعقوب وعشيرة اسرائيل، فدمجت هذه التقاليد ونسب الاسمان إلى شخص واحد اصبح حفيد ابراهيم».(3)

وبما ان الامر يتعلق في هذا البحث بالمواعيد بأرض الميعاد مما ينسب إلى ابطاله التقليديين ابراهيم ويعقوب واسحاق، فان النص اعلاه لعالم اللاهوت الكتابي الاب شربنتييه يكتسب اهمية خاصة. اذ يرى هذا الباحث ـ وكما يفهم من كلامه، انّه لم تكن هناك رابطة تربط بين تلك القبائل المهاجرة وبين تقاليدها، إلاّ ان تحالفهم معاً وعبادتهم لإله واحد جعلهم يصبحون اخوة. وبالتالي فقد جعلت منهم التقاليد والروايات التي كتبت فيما بعد، جعلت منهم اقرباء.

ان استفادة مؤلفي التوراة من اساطير شعوب الشرق الادنى لدى كتابتهم اسفارهم، يجعلنا نستعين بتلك الاساطير على فهم غوامض تلك الاسفار. اننا نقرأ مثلاً في سفر التكوين «35: 9 - 15» انّ الله تراءى ليعقوب في فدّان آرام وباركه وقال له: «لن تسمى بعد اليوم يعقوب، بل اسرائيل يكون اسمك. فسماه اسرائيل» ـ وعلينا ان نعرف ان اسرائيل لفظ عبري تعني: يجاهد إيل أو يصارع إيل واطلق على يعقوب لانه صارع الله(4) وتغلّب عليه «تكوين 32: 26 ـ 31» ـ ووعده بالأرض لنسله، تواصل التوراة قائلة:

«ثم ارتفع الله عنه في المكان الذي خاطبه فيه، فنصب يعقوب في المكان الذي خاطبه فيه نصباً من حجر، وسكب يعقوب عليه سكيباً وصب عليه زيتاً وسمى يعقوب ذلك المكان الذي خاطب الله فيه بيت ايل».

ان ايل المذكور اعلاه هو «الاله» لدى الساميين، وهو بالتحديد اله السماء الخيّر، يقابله اله الجو «بعل» المؤذي، وان وضع الحجارة نصباً هي عادة شائعة في البلاد الكنعانية. يقول سباتينو موسكاتي استاذ فقه اللغات السامية وآدابها في جامعة روما:

«في عبادة الحجارة، كانت الاحجار المخروطية تقام فوق مذابح تدعى بيت ـ إيل. ومعنى الكلمة (بيت الله)».(5)

______________________________________

1- دليل على قراءة الكتاب المقدس، ص 37.

2- نفس المصدر، ص 37.

3- نفس المصدر، ص 37.

4- في معجم اللاهوت الكتابي انّ معنى (اسرائيل) «على الارجح: الله يكافح، الله قوي» انظر ص 68.

5- الحضارة الفينيقية، ص 81. وانظر عن «ايل»: معجم الحضارات السامية.

 

الاسطورة تفسر التوراة

نقرأ في سفر التكوين مباركة يعقوب لابنائه وحين يصل إلى يوسف يخاطبه بهذا الشكل:

«يوسف غرسة خصيبة على عين

لها اغصان تسلقت السور.

تحداه اصحاب السهام ورموه واضطهدوه، لكن قومه ثبتت وسواعد يديه تشددت.

من يدي عزيز يعقوب.

من اسم الراعي، حجر اسرائيل.

من إله أبيك ـ فيلعنك ـ ومن القدير ـ فليباركك

بركات السماء من العلاء وبركات الغمر الرابض في اسفل. وبركات الثديين والرحم».

يعلق محقق الطبعة الجديدة فيقول عن الآية «24» (لكن قوسه ثبتت.. حجر اسرائيل) «فيما يتعلق بالآية 24، نتبع الترجمة اليونانية، لان النص العبري غير مفهوم. اما عبارة (حجر اسرائيل) فتعادل الصخرة التي كثيراً ما تدل على الرب في المزامير»(1).

والحقيقة فان الغموض ناتج عن سقوط كلمات من هذه الفقرات. فنحن نرجح ان تكون القطعة التي امتدح بها يوسف هي جزء من اغنية دوموزية مما كان ينشد سنوياً في شهر تموز من كل عام في بلاد ما بين النهرين بحق الإله السومري تموز أو دوموزي. واسمه الكامل هو دوموزي ابسو. اي الابن الحق لأبسو. وابسو هو إله المياه الجوفية (المياه العذبة).

ودموزي هو إله النبات في الديانة السومرية. ويعتبر ابناً لإله الارض المخصبة بالمياه العذبة.

عبد هذا الإله في مدينة باد ـ تيبيرا كإله للخصب وتجديد الحياة. ويطلق عليه في هذه المدينة القاب: «دموزي الراعي» و«محرك الاجنة في الارحام» و«منتج الحليب في الاثداء».(2)

فالنقارن بين يوسف كما وصفته الاغنية التوراتية وبين الاله السومري دوموزي:

 

 

وربما كان النص التوراتي الغامض «اسم الراعي، حجر اسرائيل» له صلة بالقصيدة السومرية «تزوجي الراعي الذي يتزين بحجر اونو وحجر شويا». اي ان النص التوراتي يمكن ان يكون محتوياً على حجرين وحذف احدهما وطال الحذف اسمي هذين الحجرين واستبدلا باسم اسرائيل على يد احد النساخ الورعين الذي كان يعرف اسمي الحجرين من الأغنية الدوموزية.

علينا أن لا ننسى ان عبادة الإله دوموزي أو تموز أو ادونيس وهي كلها اسماء لمسمى واحد كانت

______________________________________

1- كتب الشريعة، الهامش 9، ص 146.

2- معجم الحضارات السامية، مادة «دوموزي» و«ابسو».

3- طقوس الجنس المقدس عند السومريين، ص 105.

 

منتشرة في الاقوام السامية «في وادي الرافدين وسوريا، ثم أخذ الاغريق عنهم عبادته حوالي القرن السابع قبل الميلاد».(1)

وان هناك تداخلاً بين الوثنية الكنعانية في سوريا وفلسطين ولبنان وبين التراث اليهودي المسيحي. فضلاً عن التداخل القائم بين هذا التراث والتراث الوثني في بلاد الرافدين. يقول عالم اللغات السامية سيروس. هـ. جوردن:

«تمتاز الوثنية الكنعانية بمنزلة خاصة، وذلك لان الديانة الكتابية قد واصلت استمرارها من بعض الوجوه، وفي بعض آخر تحركت بعنف عن قصد ضدها. اذ يرجع التراث اليهودي المسيحي إلى كل من الاخذ والرد في اساسه الكنعاني».(2)

بعد هذه المقدمة نصل إلى النص التوراتي المتعلق بأرض الميعاد الذي ظل يتكرر فيها مع تنوع ابطاله واتساع الرقعة الجغرافية للارض الموعودة.

وكنا قد ذكرنا فيما مضى الوعد الذي قالت التوراة ان الله وعد فيه يعقوب باعطائه الاراضي الكنعانية له ولنسله. هذا الوعد الذي كان قد اعطي فيما مضى لابراهيم ـ كما قالت التوراة حين قال له الرب:

«ارفع عينيك وانظر من المكان الذي انت فيه شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً: ان كل الارض التي تراها لك اعطيها ولنسلك للأبد. واجعل نسلك كتراب الارض، حتى ان امكن احداً ان يحصي تراب الارض، فنسلك ايضا يحصى. قم فامش في الارض طولها وعرضها، فاني له أعطي».(3)

كما روت التوراة ان الله قال لابراهيم «.. واعطيك الارض التي أنت نازل فيها، لك ولنسلك من بعدك، كل ارض كنعان، ملكاً مؤبداً، وأكون لهم إلها».(4)

حلم يعقوب

يرتبط هذا الحلم ايضا بالارض الموعودة إلاّ ان فيه عناصر هامة من تراث بلاد ما بين النهرين والبلاد الكنعانية ومصر ـ كما سنرى:

«وخرج يعقوب من بئر سبع ومضى إلى حاران. واتفق انّه وجد مكاناً بات فيه، لان الشمس قد غابت. فأخذ بعض حجارة المكان فوضعه تحت رأسه ونام في ذلك المكان.

وحلم حلماً، فاذا سلّم منتصب على الارض ورأسه يلامس السماء، وإذا ملائكة الله صاعدون نازلون عليه، وإذا الرب واقف بالقرب من يعقوب، فقال: أنا الربّ إله ابراهيم أبيك وإله اسحاق. ان الارض التي أنت نائم عليها، لك أعطيها ولنسلك، ويكون نسلك كتراب الارض، فتنتشر غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، ويتبارك بك وبنسلك جميع عشائر الارض. وها أنا معك احفظك حيثما اتجهت، وسأردك إلى هذه الارض، فاني لا أتركك حتى أعمل بما كلمتك به.

______________________________________

1- ادونيس أو تموز، ص 18. وفي سفر حزقيال «8:14» أنّب حزقيل الذي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، نساء اورشليم اللواتي رآهن عند مدخل بيت الرب وهنّ يبكين على تموز.

2- اساطير العالم القديم، ص 159.

3- التكوين 13:14 ـ 17.

4- التكوين 17:7.

 

فاستيقظ يعقوب من نومه وقال: حقا ان الربّ في هذا المكان! ما هذا إلاّ بيت الله! هذا باب السماء!

ثم بكر يعقوب في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه واقامه نصباً وصب على رأس الحجر زيتاً وسمى ذلك المكان بيت ايل».(1)

لقد فسّر محقق الطبعة الجديدة للتوراة بان السلّم الوارد في حلم يعقوب مأخوذ من افكار بلاد ما بين النهرين. اضافة إلى قوله ان الرواية اعلاه هي عبارة عن مزيج بين تقليدين:

«في هذه الرواية يلتقي تقليدان: الاول: ايلوهي (حلم السلّم المؤدي إلى السماء، وهي فكرة من بلاد ما بين النهرين ترمز إليها الابراج ذات الطوابق (الآيتان 12 و17) ونذر يعقوب وانشاء معبد ايل (الآيات 18 و20 و21 و22).

والثاني يهوي (ظهور يهوه الذي يجدد ما وعد به إبراهيم وإسحاق فيعترف يعقوب بأنه الههُ».(2)

والحقيقة فان الاقتباس التوراتي في هذه المسألة من تقاليد واساطير الشرق الادنى القديم هو أوسع بكثير من ذلك. ففي الرؤيا التي قالت التوراة ان يعقوب رآها في حارات وما اضيف إلى الوعد بالأرض من اضافات متأخرة تتعلق بنوعية الارض التي ظل التعبير عنها بأنها تدر «لبناً وعسلاً»(3) هو الطابع المميز لها، فى كل ذلك يوجد من الاقتباسات، من الاساطير والتقاليد الشيء الكبير. وعليه فلا بأس بتقديم هذه النماذج لنعرف عمق تأثير تراث الشعوب المقيمة في الشرق الادنى القديم على التقاليد التوراتية.

حالمون شرقيون

1ـ من الشعر السومري الرائع الرؤيا التي رآها حاكم مدينة لجش الواقعة جنوبي سومر، وهو المدعو جوديا التي يعود تاريخها إلى حوالي العام 2100 ق. م. وهي قصيدة طويلة تبدأ بسفر الملك جوديا إلى مؤوّلة الاحلام لتفسر الحلم الذي رآه:

«في منامي رجل كالسماء في عظم جرمه، كالأرض في عظم جرمه، هو ـ رأسه رأس إله.

جناحاه جناحا طائر امدوجود.(4)

قائمتاه قائمتا عفريت طوفان.

عن يمينه وشماله أسدان يربضان.

أعطاني الامر بتعمير بيته.

لا أدري ماذا يريد؟

الشمس طلعت لي في الاُفق.

امرأة ـ من هي ليست تكون! من هي تكون؟

وضعت.. على الرأس.

امسكت قصبة اللوح الفضية المضيئة باليد.

______________________________________

1- التكوين 28: 10ـ19.

2- كتب الشريعة، هامش 2، ص 110.

3- في تثنية الاشتراع 6:3 «في أرض تدرّ لبناً حليباً وعسلاً» وكذلك في الخروج 3:7 ـ 8.

4- طائر خراي رأسه رأس اسد، لعب دوراً مهما في الاساطير والقصص الملحمية، ص 238 من طقوس الجنس المقدس.

 

اسندت لوح نجم على الركبة، تتشاور معه.

ثم، بطل، لوى الذرائع، امسك كتلة من حجر اللازورد.

للمنزل رسم مخططاً عليها..»

ففسرت المؤوّلة المسماة «امه نانشيه» الحلم بأن الرجل الذي هو كالسماء في عظم جرمه.. انما هو اخوها ننجرسو ـ هو إله العاصفة والحرب والسدود والقنوات والري وهو المكلّف بريح الجنوب وهو ابن الإله انليل ـ وانّه يأمره بأن يعمّر له معبد انينو.

والشمس التي طلعت من الافق هي الإله ننجش زيدا ـ اله تواحد فيما بعد مع دوموزي.

والعذراء التي امسكت باللوح وهي اختها ندابا ـ الإلاهة السومرية المتكفلة برعاية شؤون الادب والكتابة.

وفعلاً يشرع الملك ببناء معبد انينو كما طلب الإله.(1)

2ـ من اساطير بابل وآشور يوجد «حلم امير» وجد على لوح كبير يرجع عهده للقرن السابع قبل الميلاد. وبالتأكيد فان قصة الحلم تعود إلى تاريخ ابعد من هذا بكثير. تتحدث القصة عن امير آشوري اسمه كومايا كان يتوق لرؤية العالم الأسفل، ولهذه الغاية كان يقدم القرابين لاريشكيجال وزوجها نرجال ويرفع لهما الصلوات لتحقيق مراده وأخيراً تحققت امانيه، فرأى فيما يشبه النائم انّه هبط إلى الدار الآخرة.

«تمدد كومايا لينام مساء، فعرضت له رؤيا عجيبة: لقد رأيت روعته المخيفة، رأيت نمتار وزير العالم الاسفل وسيد اقداره، كان يمسك بيده اليسرى لبدة رجل جاث امامه، وبيده اليمنى كان يمسك سيفاً. رأيت نمتارتو زوجته، كان لها رأس الكوريو اما يداها وقدماها فكانت بشرية. اما إله الموت فكان له رأس تنين ويدان بشريتان وقدمان».

ثم يواصل حديثه عن وصف تلك المخلوقات الغريبة التي هي آلهة وعفاريت من العالم الاسفل، يصل بعد ذلك إلى رؤية نرجال الذي هو زوج اريشكيجال ويحكم معها مملكة الموتى فيقول:

«رفعت بصري وإذا بي في حضرة نرجال الصنديد جالساً على عرش جلالته، على رأسه العمة الملكية وبيديه الاثنين سلاحان رهيبان لكل سلاح رأسان. من ذراعين ينبعث البرق، وعلى يمينه وشماله جلس الانوناكي الآلهة الكبار في الخناء».

يحاول نرجال بعد ذلك ان يقتل الحالم المسكين هذا الا ان مستشار ينصحه بعدم قتله وتركه يصعد إلى الارض كي يتحدث عن عظمة نرجال. فيوافق هذا، ويعود الحالم إلى اارض. اذ يستفيق من رؤياه مذعوراً وينطلق كالسهم خارج بيته هائماً في شوارع المدن صارخاً: اوّاه، واحسرتاه. واخذ يحثو التراب على رأسه ويمضغه في فمه قائلاً لأهل آشور الذين تجمعوا حوله ان يخشوا اريشكيجال ونرجال ويفعلوا وفق اوامرهما(2).

3 ـ نقرأ في الادب الكنعاني اسطورة عثر عليها في مدينة اوغاريت. تشمل على قصيدة في مدح بعل وقوت.

______________________________________

1- التفصيل الكامل لهذا الحلم في «طقوس الجنس المقدس» عند السومريين، الصفحات 41 ـ 55.

2- انظر مغامرة العقل الاولى، ص 287 ـ 289.

 

«فبعل هو إله العاصفة والمطر. وموت إله الموت. فالمقصود هنا هو مشكلة الخصوصية المقلقة: وضع بعل نفسه في تصرف الناس فأخصب الارض بمطره. فابتلعه موت إله العالم الاسفل. فهل يبقى الماء رهينة الارض فيسبب الجفاف؟

في المقتطف التالي من القصيدة، ترى ايل، الاله الاعلى يشعر بان بعل سيولد ثانية وبان المطر سيعود إلى النزول. ويخبر احد بالحلم الذي سيحلم به ايل»(1).

«لو بعث (بعل) حياً وقام من بيت الاموات.

لو ان الامير سيد الارض هنا

يتخيل (إل) الرب الخالق ويرى في حلمه:

السموات تمطر سمناً والسواقي تجري عسلاً.

هكذا اعلم ان الامير سيد الارض هنا. العلي (بعل) قد قام من بين الاموات.

يتخيل الرب الخالق ويرى في حلمه:

السماوات تمطر سمناً، والسواقي تسيل عسلاً.

يبتهج الرب ويفرح. ويدق الارض بقدميه، ويذهب عنه عبوسه، والضحك يملأ فمه ويقول:

الآن يركن قلبي بين ضلوعي واستريح.

فالعلي (بعل) حي. الامير سيد الارض هنا»(2).

الكلمات الاساسية هنا هي (الحلم) و(السموات التي تمطر سمناً والسواقي تجري عسلاً) والامير بعل هو (سيد الارض).

بقي علينا الآن ان نبحث في الصعود إلى السماء الذي يشكل ركناً اساسياً في حلم يعقوب النبي ـ كما روي في التوراة ـ بقراءة نماذج من آداب الشعوب التي عاش بنو اسرائيل بين ظهرانيها أو جاوروها.

الصاعدون إلى السماء

1 ـ تحت عنوان «صعودا لفرعون للسماء» يقول العالم المعروف ميرسيا إلياد: «ان نصوص الاهرامات تفصح بصورة تكاد تكون مصرية عن المفاهيم المتعلقة بما بعد موت الملك.. مع ذلك فان غالبية العبارات ترجع للسفر السماوي للفرعون. انّه يطير تحت شكل طائر: حدأة، بلشون، اوزة متحشة، جُعل، أو جرادة، الرياح والغيوم. الآلهة يجب ان تأتي لمساعداته. احياناً يصعد الملك للسماء متسلقاً سلّماً»(3).

2 ـ من اساطير السومريين، تلك المتعلقة بصعود ايتانا إلى السماء. وايتانا هذا من ملوك الاسرة الاولى بعد الطوفان، واسمه اتانا الراعي، والمصدر الذي روى لنا تلك الاسطورة، ختم اسطواني يعود إلى الربع الاخير من الالف الثالث ق.م(4). وتبين الاسطورة كيف نزلت الملكية من السماء، وكيف نصب الآلهة ايتانا

______________________________________

1- دليل على قراءة الكتاب المقدس، ص 20.

2- اعتمدنا في ترجمة المقاطع اعلاه على ترجمة الاستاذ فائز مقدسي في كتاب «بعل وموت» ص 55. وقد آثر المؤلف ان يكتب اسم الإله «ايل» بـ «إل».

3- تاريخ المعتقدات والافكار الدينية 1: 122 ـ 123.

4- رحلة إلى بابل القديمة، ص 188. والعصور القديمة، ص 138.

 

اول ملك على البلاد. لكنه لما لم يكن له ولد يخلفه على العرش يصعد إلى السماء كلي يأتي معه بنبتة الولادة. فتوصل إلى هذا الغرض بالنسر الذي سبق له ان انقذه من وضع يائس. فحمله على ظهره حتى بلغ به إلى سماء آنو حيث يتقد انّه قد حصل على ما كان يبتغيه، يستفاد ذلك من قائمة الملوك التي تسمي ابنه خليفة لأبيه على العرش. تصف لنا الاسطورة وصفاً رائعاً كيف تقلصت الارض حتى بدت اخدوداً في بستان حين كان ايتانا والنسر يقطعان اجواز الفضاء فرسخاً بعد فرسخ»(1).

3 ـ لقد بقيت في حكاياتنا الشعبية في العراق اصداء لذلك الطيران. فنجد في قصة نمرود الملك الذي حاول ان يتحدى الرب ويصعد إليه ليصارعه. فاستعان بأربعة نسور لحمل محفّة صنعها وربط كل نسر إلى ركن من اركانها بعد ان وضع في سقف المحفة لحماً فكانت تحاول ان تنوشه دائبة، وهكذا كانت المحفة ترتفع إلى ان احس باسوداد السماء وتلبد الغيوم فقلب المحفة إلى اسفل، فهبطت به النسور إلى الارض.

الصراع على الملكية واختلاس البركة

تتحدث التوراة عن الصراع الكبير الذي تم بين يعقوب وبين الله سبحانه، الذي تغلب فيه يعقوب على من صارعه حتى اضطره اخيراً إلى ان يمنحه بركته. والنص كما ورد في سفر التكوين(32: 23 ـ 33) وتحت عنوان بارز هو «مصارعة الله» ـ كما في الطبعة الجديدة:

«وقام في تلك الليلة فأخذ امرأتيه وخادمتيه وبنيه الأحد عشر مغبر مخاضة يبّوق. اخذهم وعبّرهم الوادي وعبّر ما كان له. وبقي يعقوب وحده. فصارعه رجل إلى طلوع الفجر. وراى انّه لا يقدر عليه. فلمس حُقّ وركه، فانخلع حُق ورك يعقوب في مصارعته له. وقال: اصرفني، لانه قد طلع الفجر. فقال يعقوب: لا اصرفك أو تباركني. فقال له: ما كان اسمك؟ قال: يعقوب. قال: لا يكون اسمك يعقوب فيما بعد. بل اسرائيل. لانك صارعت الله والناس فغلبت.

وسأله يعقوب: عرّفني اسمك. فقال: لم سؤالك عن اسمي؟ وباركه هناك. وسمى يعقوب المكان فنوئيل قائلاً: اني رأيت الله وجهاً لوجه ونجت نفسي.

واشرقت له الشمس عند عبوره فنوئيل، وهو يعرج من وركه، ولذلك لا يأكل بنو اسرائيل عرق النّسا الذي في حُق الورك إلى هذا اليوم، لانه لمس حُقّ ورك يعقوب على عرق النسا».

لا ننسى ان إيل هو الإله المعبود لدى الساميين وان تعلقهم به قد جعلهم يضيفون اسماءهم واسماء بنيهم واسماء آلهتهم الاخرى إلى اسمه. فلا عجب ان يضاف اسم «اسرا) إليه ليصبح (اسرائيل) أو اضافة الرؤية ليصبح (فنوئيل). فهناك مثلاً(2) ايليا أو الياهو على اعتبار ان (ايل) هو (يهوه) نفسه. وهناك ميخائيل (شبيه الله)(3) وجبرائيل (رجل الله) وعمنوئيل (الله معنا) واسرائيل (يجاهد مع الله) ويشمعيل أو

______________________________________

1- ديانة بابل وآشور ص 120 ـ 121. وآنو المذكور اعلاه هو ابو الآلهة السومريين.

وانظر ايضاً صعود الاله السومري انكي إلى السماء حيث امتطى وحشاً مجنحاً وحلق في السماء. كما ظهر في نقش اسطواني آخر وهو يمتطي وحشاً مجنحاً ايضاً بينما ظهرت معه آلهة تمتطي وحوشاً مجنحة. وفي نقش اسطواني آخر يبدو مبحراً في قارب إلى السماء. كتاب: تاريخ حضارة وادي الرافدين 1: 436 ـ 438.

2- نقلنا قائمة الاسماء المرتبطة بـ «ايل» من معجم الحضارات السامية، مادة «ايل».

3- الاوفق ان يقال: الإلهي.

 

اسماعيل (يسمع الله) ونثنائيل (عطاء الله) ورفائيل (يشفي الله) وهزئيل (رأى الله) وبيت ايل (بتيل) وبابل (باب ايل) و(اربا ايلو) وإيلات (إلاهة).. الخ.

اوردنا كل ذلك لنشير إلى عمق الإله ايل في عقلية الشعوب السامية الذي دارت حوله عشرات النصوص الملحمية والطقوسية حيثما اقام الساميون.

فلنتقدم الآن خطوة اخرى نحو فهم اعمق لفكرة المصارعة واغتصاب البركة أو اختلاسها عن طريق الصراع في الآداب السامية.

يقول الباحث سيروس جوردن وهو يتحدث عن الاساطير الكنعانية: «من الموضوعات الرئيسية في الاساطير موضوع الملكية بين الآلهة. وكما انتزع زيوس ملكية الآلهة من كرونوس، وهذا الاخير من اورانوس. فكذلك انتزع بعل الملكية من اله البحر»(1).

ان إله البحر لدى الكنعانيين هو (يم). ويرى مرسيا الياد ان انتصار بعل عليه يعني انتصار المطر على البحر والمياه الجوفية للارض(2).

وبين الإله (بعل) وبني اسرائيل، كانت العلاقة وثيقة إلى الدرجة التي كانوا يعبدونه ويعبدون من معه من الآلهة في الفترات التي كان الشرك يستشري بينهم وتوجد في كتب التاريخ من العهد القديم عشرات النماذج من هذه العبادة. يقول معجم اللاهوت الكتابي (ص63) عن الشعب الاسرائيلي وتبنيه للتقاليد الوثنية الكنعانية:

«في الوقت الذي يقتبس فيه من الكنعانين اساليب الزراعة، يميل إلى تبني اخلاقهم الدينية والوثنية والمادية، إلى حد ان الله يصبح غالباً ما بالنسبة إليه بعلاً (سيد الارض) حارس الخصوبة وضامنها (قضاة 2: 11)».

وهناك الصراع الكبير الذي دار بين بعل وإله السماء ايل(3) وهو ما يسميه الباحث إلياد بـ«اغتصاب بعل لعرش ايل» و«اجبره ايضاً لان يلتجيء على طرف العالم، على مصب الينابيع في حفر المتاهات، والذي سيصبح محل اقامته منذئذ. لقد انتخب ايل واستغاث بأعوانه وكان يام (يم) اول من استجاب له واعطاه لكي يشرب شراباً قوياً. فباركه ايل ومنحه اسماً جديداً واعلنه خليفة. وعهد إليه اضافة إلى ذلك تشييد قصر، ولكنه حرّضه ايضاً على طرد بعل عن عرشه» وتبعاً للوحة اخرى من اللوحات الاوغاريتية فان يام قد طرد بعل عن عرشه، إلاّ ان هذا وبمعونة إلالاهة عناة والإله الحداد الالهي كوشارواز هينز قد سحق (يم) امير البحر وقطعه ونثر جيفته(4).

وبعل هذا قد امتد في تأثيره العقائدي حتى مصر التي اقام فيها بنو اسرائيل ردحاً من الزمن. حيث يقول الدكتور عبد الحميد يونس:

«عُبد بعل في مصر في عهد الاسرة الثامنة عشرة. بعد الحروب السورية. وفي عهد رمسيس الثاني (نحو

______________________________________

1- اساطير العالم القديم، ص 266.

2- تاريخ المعتقدات، 1: 193.

3- معجم الحضارات السامية، مادة «بعل».

4- تاريخ المعتقدات، 1: 192.

 

1301 ـ 1235 ق.م) كان هناك معبد لبعل في تانيس. وفي نص ادفو، نجد ان الإله بعل يعادل ست»(1).

اي ان بني اسرائيل قد عرفوا هذا الإله ليس في البلاد الكنعانية فحسب، بل في مصر اثناء اقامتهم فيها خاصة وانهم كانوا مستعبدين ومسخرين على عهد رمسيس الثاني الذي تم ظهور موسى في عهده ـ حسب اشهر الروايات.

ومن الاساطير الكنعانية ذات العلاقة بموضوعنا هذا صراع (بعل) و(موت) الذي يمثل الجفاف والموت والعماء الذي يحقق فيه (بعل) انتصاراً ساحقاً بمعونة ربة الشمس المسماة (شبش).

«ثم تلاحم البطلان:

طوراً ترجح كفة بعل. وطوراً ترجح كفة موت.

يتناطحان كعجول البرية. جولة لموت، وجولة لبعل.

كأفعى يلدغان بعضهما البعض. حيناً يغلب موت وحيناً يغلب بعل.

يترافسان كما تترافس الخيل.

مرة يقع موت. ومرة يقع بعل.

ومن الاعالي صاحت ربة النور (شبش) بـ(موت) وكلمته قائلة:

انصت اليّ يا موت، ولكلامي افتح اذنيك.

إن مضيت في قتال العلي (بعل)، يسقط عليك سخط الثور (إل) «اي ايل» ابيك.

فيقوض اركان ملكك ويقضي على عرش ملكوتك.

يحطم إلى الابد صولجان سلطتك.

فلما سمع (موت) كلاهما، ارتعد. اضطرب قلبه بين ضلوعه.

الرب العتيد الإله الذي اصطفاه إل، وقعت عليه الهيبة.

(نقص حوالي ستة اسطر).

(فأخذوا (بعل) وأقاموه على عرش ملكه.

ثبتوه على كرسي حكمه وسلطانه»(2).

نشير اخيراً إلى ان مسالة اغتصاب البركة أو الحصول على مكاسب من خلال التهديد والخداع هو من المواضيع السائدة في تراث شعوب الشرق الادنى القديم. فحين يريد (بعل) الحصول من (ايل) على قصر له اسوة ببقية الآلهة. وتتدخل الآلهة عنات في الامر، «وتؤكد لبعل بانها ـ إذا دعت الضرورة ـ فسوف تجبر ايل على ان يجيب الطلب بتهديدات العنف المروّع:

واعلنت عنات العذراء: ان الفحل إله ابي سوف يذعن. سوف يذعن من اجلي ومن اجل نفسه. لاني سوف ادوسه كالشاة في الارض واجعل شعره الاشمط يقطر دماً. واشمط لحيته بالدم، ما لم يهب لبعل بيتاً كالآلهة. نعم بلاطاً كأبناء اشيرة.

... وعمد ايل خوفاً من ابنته الوحشية فاختبأ في اقصى غرفة بالداخل، في الغرفة الثامنة من داخل

______________________________________

1- معجم الفولكلور، مادة «بعل».

2- بعل وموت، ص 59.

 

الغرفة.

يجيب ايل من سبع غرف، خارج ثماني مقاصير:

انني اعرفك عنيفة يا ابنتي.

اذ لا معوّق بين الآلهات.

ماذا تريدين ايتها العذراء عنات؟

وكان رجاء عنات مرسوماً بخطة دقيقة، اذ كانت اشيرة وابناؤها هناك ليضموا صوتهم إلى صوت عنات في الحصول على تفويض ايل ببناء قصر لبعل:

هناك تصيح اشيرة وابناؤها الآلهة والجماعة من اقربائها:

بعل ليس له بيت كالآلهة،

ولا بلاط كأبناء اشيرة(1).

ويذكّرون ايل صارخين بان لكل إله في الواقع قصراً الا بعل الذي اصبح الآن ملكاً. ولم يكن لدى ايل خيار الا ان يأذن بالبناء.

«بعث برسل اشيرة المقدسين المباركين إلى كافتور، حيث يملك كوثار وخاسيس مصنعه، وكان عليهما ان ينقلا إلى الصانع الالهي اوامر ايل ببناء القصر..»(2).

ويعلق الباحث المرموق جوردن على بناء قصر (بعل) هذا بقوله: «لقد كان انشاء بيت بعل الاسطوري طليعة لبناء هيكل يهوى التاريخي الاول في القدس. وتربط الروايتان في نقاطهما بسبب اشتراكهما في اسس ومواقف متطابقة. فان اهتمامات الإله في كلتا الحالتين قد بلغت حداً لا سبيل له فيه ان يظل بغير بيت. ويحدث الكتاب المقدس انّه لم يعد لائقاً ان يسكن ملك اسرائيل في قصر من شجر الارز، على حين يظل الإله مقيماً في خيمة (خيمة الاجتماع)»(3).

والحقيقة فان الاقتباس العبراني من اسطورة (بعل) و(ايل) هو اوسع من بناء هيكل على غرار قصر (بعل). فقد تطورت المسألة لتصبح مطالبة بأرض لشعب (ايل)، الشعب الذي اصطفاه (ايل) وجعله (شعبه المختار).

لماذا يكون لكل الآلهة من ابناءايل واشيرة، بينما يعيش (بعل) بلا بيت؟

لماذا تكـون ارض للكنعانيين والحثيين والاموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين، ارض تـدر لبناً حليباً وعسلاً(4)، بينما يعيش (شعب ايل المختار) هائماً متشرداً؟

______________________________________

1- اشيرة أو عشيرة ويرد اسمها في النقوش كذلك بصورة «اثيرة» إلهة اوغاريت: زوجة إيل ووالدة ابنائه السبعين. حين احتل «بعل» مكانة «ايل» واصبح خليفة له، غدت عشيرة زوجة لبعل. اما عناة فهي إلهة الحرب في اوغاريت: ابنة «ايل» واخت «بعل» وزوجته. اقتبس المصريون عبادتها ايام حكم الهكسوس واطلقوا عليها اسم انتا. واشتهرت عبادتها ايام رعمسيس الثاني وفي القرن الثالث عشر ق. م. انظر معجم الحضارات السامية، مادتا «عشيرة» و«عنت أو عناة».

اقول: لايفوتنا التذكير ان رعمسيس الثاني هو الفرعون الذي عاش بنو اسرائيل في ظله ايام عبوديتهم في مصر.

2- اساطير العالم القديم، ص 179 ـ 180.

3- نفس المصدر،  ص 181.

4- سفر الخروج 3:17.

 

اذن فليتصارع (يعقوب) مع (ايل) ليحصل على بركته مع قطعة ارض خصبة، كما تصارع (بعل) مع (ايل) ونال كل ما تمناه.

يعلق محقق الطبعة الجديدة للتوراة على الصراع الذي قال سفر التكوين(32: 23 ـ 33) انّه تم بين يعقوب والله (ونستغفر الله من ذلك) بقوله انّه كان صراعاً جسدياً اغتصب يعقوب في نهايته بركة ايل (الله)، فيقول:

«المقصود في هذه الرواية الغامضة ـ اليهودية ولا شك ـ هو الصراع الجسدي، اي صراع مع الله. يبدو فيه يعقوب الغالب اولاً. لكنه حين عرف طبيعة خصمه السامية، اغتصب بركته»(1).

ان الجدول الآتي يعطي مقارنة لتطبيق مفردات حلم يعقوب كما روته التوراة على ما وصلنا حتى الآن من تراث الشرق القديم:

ويستمر الزمن ويزداد الحالمون الموعودون بالارض والبركات وتشحذ سكاكينهم لذبح الشعوب المحيطة بهم من سكان الارض الاصليين الذين ابدعوا للعالم ارقى الحضارات واعمق الانجازات الفكرية، لنصل إلى عصرنا الذي ملأه الساسة بالاحباطات امام زحف الشعب الموعود الذي سمح له هذه المرة ولاة الامور من جيرانه بتوسيع الارض الموعودة عام 1948 و1967.

______________________________________

1- كتب الشريعة، الهامش 4، ص 118.

2- الذي جلس إلى يمين عليان بعل هو البناء الالهي الذي بنى قصر «بعل» بتكليف من «ايل» فأكرمه هذا بأن أولم له وليمة. انظر أساطير العالم القديم، ص 182.

 

 

مصادر البحث

الكتاب المقدس (كتاب العهد القديم والعهد الجديد):

طبعة دار المشرق ببيروت وهي طبعة محققة وضعت فيها مداخل للاسفار وحواش وتعليقات اسفل كل صفحة، حيث طبع العهد القديم ضمن مجاميع هي:

اولاً: كتب الشريعة الخمسة (التكوين، الخروج، الاحبار، العدد. تقنية الاشتراع). طبع بيروت 1984.

ثانياً: كتب التاريخ. وتضمنت (يشوع. القضاة. راعوت. صموئيل. الملوك. الاخبار. عزرا. نحميا. طوبيا. يهوديت. استير. المكابيون). طبع بيروت 1986.

ثالثاً: كتب الحكمة. وتضمنت (ايوب. المزامير. الامثال. الجامعة. نشيد الاناشيد. الحكمة. يشوع بين سيراخ). طبع بيروت 1987.

ادونيس أو تموز: جيمس فريزر. ترجمة جبرا ابراهيم جبرا. الطبعة الثالثة. بيروت 1982.

اساطير العالم القديم: نشر وتقديم صموئيل نوح كيريمر. ترجمة الدكتور عبد الحميد يوسف. القاهرة 1974.

بعل وموت (قصيدة اوغاريتية) تعريب فايز مقدسي. دمشق (دار الابجدية) 1990.

تاريخ حضارة وادي الرافدين: الدكتور احمد سوسة، بغداد 1983.

تاريخ المعتقدات والافكار الدينية: ميرسيا الياد. ترجمة عبد الهادي عباس. دمشق 1986.

التوراة الكنعانية ديل ميديكو، ترجمة جهاد هواش وعبد الهادي عباس. دمشق 1988.

الحضارة الفينيقية: سباتينو موسكاتي. ترجمة نهاد خياطة، دمشق 1988.

دليل إلى قراءة الكتاب المقدس: الاب اسطفان شربنتييه. ترجمة: الاب صبحي حموي اليسوعي. بيروت 1986.

ديانة بابل وآشور: س. هـ. هوك. ترجمة نهاد خياطة. دمشق 1987.

رحلة إلى بابل القديمة: ايفلين كلنيكل ـ براندت، ترجمة الدكتور زهدي الداوودي، دمشق 1984.

طقوس الجنس المقدس عند السومريين. صموئيل نوح كريمر. ترجمة نهاد خياطة. دمشق 1987.

العصور القديمة: جيمس هنري برايستد. ترجمة داود قربان. بيروت 1983.

معجم الحضارات السامية: هنري س. عبودي. بيروت 1988.

معجم الفولكلور: الدكتور عبد الحميد يونس. بيروت 1983.

معجم اللاهوت الكتابي: الاب كزافييه ليون دوفور اليسوعي. ترجمة لجنة تعريب خاصة. بيروت 1986.

مغامرة العقل الاولى: فراس السواح، دمشق 1989.

مفصل تاريخ العرب واليهود: الدكتور احمد سوسة. بغداد 1981.