الكنيسة الكاثوليكية و الواقع الجديد

 

مصطفي مسيحيان

 

     اثارت التطورات التي أدت الي انهيار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي و المعسكر الشرقي، من جديد النزعة السلطوية و روح المغامرة لدي الكنيسة الكاثوليكية . و رغم ان لهذه النزعة جذور تاريخية عميقة، الاّ ان تحركها و نشاطها في الفترة الاخيرة يعود الي التغيرات و التطورات التي أدت الي سقوط غورباتشيف و تفكك الاتحاد السوفيتي، حيث شعرت الكنيسة الكاثوليكية بأن الارضية قد مُهَّدت، و ان الفرصة قد حانت للثأر من الكنيسة الارثوذوكسية التي كانت تعاديها دائماً.

و كذلك نزلت الي الساحة بكل قواها و امكانياتها لتحدّ من نفوذ الكنيسة الارثوذوكسية و تعمل علي كسب اتباعها بشتي الوسائل، و ان تتهم قادتها بالتعاون مع الانظمة الشيوعية، الامر الذي ادى الي ظهور أزمات اجتماعية، سياسية و دينية كبيرة في هذه البقعة من الأرض، و ما تزال هذه الأزمات مستمرة و ستبقي آثارها و نتائجها سنين متمادية.

     اما الكنيسة الارثوذوكسية و بالاخص في شرق أوروبا فقد تمكنت رغم قلة إمكانياتها و النواقص و المشاكل التي كانت تعاني منها، ان تقف في وجه جميع مبادرات الكنيسة الكاثوليكية بالهزيمة النكراء. و لهذا حاولوا مرة اخري التقرب من الارثوذوكسيين عن طريق التملق و التأكيد علي ضرورة الحوار و الاتحاد بين المسيحيين، الا ان الأعمال التي قامت بها الكنيسة الكاثوليكية قد جعلت الارثوذوكسيين يسيئون الظن بالكاثوليكيين الي درجة كبيرة جداً.

     الي جانب ذلك بزرت علي الساحة قوة اخرى قضت علي جميع ادعاءات الكنيسة الكاثوليكية و طموحاتها التوسعية، و هي قوة الاسلام التي طرحتها وسائل الإعلام الغريبة و القادة العسكريون و عدد من القادة السياسيين في الغرب كخطر جديد بعد انهيار الشيوعية.

     و بما ان المد الاسلامي له سابقة طويلة تمتد جذورها حتي ابان الحكم الشيوعي، الا ان انتشاره الواسع و الشامل الذي بلغ ذروته في الفترة الاخيرة، قد بدأ في الواقع بعد الحوادث التي جرت بعد انتخابات الجزائر و انتصار الجبهة الإسلامية الساحق و هو ما جعل الغرب يحدد موقفه من المد الاسلامي، حيث قرر مجابهته.

 انهم و في الحقيقة قد بدأوا مجابهتهم العملية للإسلام متذرعين بمحاربة ما يسمونه بالاصولية الاسلامية و التطرف الديني.

     و من هنا و لأسباب مختلفة انتهزت الكنيسة الكاثوليكية هذه الفرصة و استغلتها اسوأ استغلال لتحقيق طموحاتها التوسعية التي افشلتها مقاومة الكنيسة الارثوذوكيسة اولاً، و لكي تتمكن من الثأر من دين (الاسلام) ثانياً، فهي تخشاه دائماً و ما تزال تشعر بالضعف و الهوان امام جاذبيته المعنوية، و ان تسدّد ما عليها من ديوان لتاريخ الغرب و ثقافته التي تعتبر نفسها جزءاً منه و تتمكن بذلك من ان تكسب مكانه سياسية جيدة في اوروبا المتحدة في المستقبل.

     كانت الكنيسة الكاثوليكية و ما تزال تسعي لتقدم نفسها بأنها الاب المعنوي للغرب و نموذجها الاخلاقي و الديني.

اما الغرب الذي لا يفكر إلاّ بمصالحه المادية فلا يجد اي معني للكلام عن الدين و الأخلاق الا في حالة واحدة و هو عندما يكون الكلام في خدمته و خدمة مصالحه المادية و السياسية. والحقيقة ان الكنيسة الكاثوليكية كانت و ما تزال تسعي اكثر من بقية الكنائس لأن تبسط نفوذها و تعيد مكانتها و قدرتها السابقة من خلال الكلام عن الدين و الاخلاق و خاصة بعد سقوط الماركسية الذس يمكن اعتباره ضربة قاصمة للكنيسة الكاثوليكيه؛ ذلك أنَّ الغرب كان يحاول دائماً استخدام الكنيسة كأداة رادعة للحدَّ من انتشار الشيوعية في العالم مما جعل الكنيسة تلعب دوراً في العالم السياسي، اما في الوقت الحاضر و بعد ان اندثرت الشيوعية و المذهب الماركسي لم يعد الغرب في حاجة اليها، و في الحقيقة فان سقوط الشيوعية انهي دور الكنيسة ككل و منها الكنيسة الكاثوليكية.

     ان الكنيسة الكاثوليكية و لأسباب عديدة تقف اليوم أمام الإسلام و بما انها تتذرع في الظاهر في مجابتها للإسلام بذارئع الغرب نفسها، أي مجابهة ما يسمونه بالأصولية الإسلامية، الا انها في الواقع تريد ان تجابه الاسلام بأسره حتي و لو كان الاسلام فاقداً للدواعي السياسية .

     ففي الفترة  الاخيرة  انتقد عدد كبير من مسؤولي الكنيسة  الدين الاسلامي بصراحة  في خطبهم و مقالاتهم. انتقدوه بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخنا المعاصر، فهؤلاء كقادة الغرب العسكريين، يرغبون في ان يعلنوا بان الإسلام هو خطر المستقبل، و قد كتبوا في هذا المجال كثيراً و هم يعلنون اليوم بصراحة بانه بعد انهيار النظام الاشتراكي، ينبغي اعتبار الاسلام خطر المستقبل و من اجل جلب رضا الغربيين و دعمهم ذهب بعض مسؤولي الكنيسة الي ابعد مما ذهب اليه القادة العسكريون، حيث اعلنوا بأن الإسلام هو البديل الواقعي للنظام الشيوعي السابق بل هو اخطر منه.

     و تهيمن هذه الفكرة في الوقت الحاضر علي الكثير من الصحف و وسائل الإعلام الكاثوليكية و خاصة تلك التابعة لمراكز قوة الكنيسة.

 اما الصحف و وسائل الاعلام المستقلة فهي بعيدة عن هذه الافكار و قلَّ ما تتطرق الي المواضيع التي تشير اليها الصحف التابعة للكنيسة الكاثوليكية. فعلي سبيل المثال نلاحظ ان موقف صحيفة (اونيره) التابعة لمنظمة مجلس الاساقفة الايطاليين من الاسلام اشد و اكثر عداءً من موقف بقية الصحف الكاثوليكية و هي تسيء و تهاجم الاسلام اكثر من بقية الصحف الايطالية، بحيث يبدو و كأن هذه الصحيفة ليس لها عمل سوي توجيه الانتقادات الحاقدة الي الشريعة، و كذلك الي الحكومات و الحركات الاسلامية.

اضف الي ذلك ان ما يجري في الكنيسة الكاثوليكية، حاليا و التصريحات العلنية التي يدلي بها كبار المسؤولين فيها يُعبر عن الموافقة الشاملة و المبدئية للهيكل الاصلي للكنيسة و قادتها علي جميع ما يقال ضد الاسلام.

     فقبل فترة استقبل «البابا» عدداً من قساوسة و اساقفة ايطاليا في مقره، و في الاجتماع القي احد مساعدي رئيس مجلس الاساقفة الايطاليين كلمة طلب فيها من جميع القساوسة و الاساقفة الحاضرين بأن يحذروا المجتمع المسيحي من تزويج بناتهم من المسلمين.

     قبل انهيار الشيوعية كان المسلمون يواجهون خطرين كبيرين الاول هو الامبريالية الغربية التي ما تزال في الوجود، و الثاني هو الامبريالية الشرقية التي يبدو ان الكنيسة الكاثوليكية ستكون بديتها.

و مما يثير الدهشة هو انه و رغم المفارقات الموجودة بين هذين النظامين فإنَّ هناك تشابهاً كبيراً بينهما.

ــــــــــــــ 

مجلة الوحدة العدد 168