نسبة التوراة للنبي موسى (عليه السلام)
نصـير الكعبي
كلية الآداب/ جامعة الكوفة
مجلة ينابيع العدد 8
يشمل مصطلح الكتاب المقدس على كتابي التوراة والإنجيل أو العهد القديم والعهد الجديد، والتوراة مقسم على تسعة وثلاثين سفراً أو سورة ضخمة، وأن أصل هذه التسمية يقتصر على الأسفار الخمسة الأولى منه، بيد أنه تجويزاً أو من باب إطلاق الجزء على الكل، أخذ تسميته هذه وعرف بها، وفي الحقيقة تعد هذه الأسفار أهم أجزاء العهد القديم، وتنسب بمجملها للنبي موسى (عليه السلام) بوحي من الله. ومن أجل الإحاطة والإطلاع على تلك الأسفار فيما يأتي عرض لأسمائها وأبرز محتوياتها، وبشكل مركز:
أولاً: سفر التكوين:
ويعرض لقصة خلق السماوات والأرض، وآدم ونسله، مروراً بالأسباط الاثني عشر، ويختتم باستقرار هؤلاء بأرض مصر عشية المجاعة.
ثانياً: سفر الخروج:
يحوي هذا السفر أحداث بني إسرائيل في مصر، وقيادة موسى لهم، ومستعرضاً بعض أحكام الشريعة اليهودية في العبادات والمعاملات والعقوبات، ويغلب طابع التفصيل والتفريع عليه.
ثالثاً: سفر التثنية:
سمي بالتثنية لأنه ثنى وأعاد ذكر التعاليم المفترض أن موسى تلقاها من ربه، ويشغل معظمه أحكام الشريعة اليهودية الخاصة بالحرب والسياسة والاقتصاد.
رابعاً: سفر اللاويين (الليفيين):
هو نسبة إلى لاوي أو ليفي أحد الأسباط أو الأبناء المنحدر عنهم موسى، واهتم هذا السفر بشؤون العبادة وطقوسها، ولاسيما المتعلق منها بطرق تقديم الأضاحي والقرابين.
خامساً: سفر العدد:
قدم هذا السفر إحصائيات عن قبائل بني إسرائيل وأعدادهم، وجيوشهم وأموالهم، وعدد الكثير من أمورهم لذا سمي بـ(العدد).
وقد أضحت اليوم العديد من المسلمات أو البديهيات أو كما حاول منشؤها أن ينعتوها بهذه الصفة، موضع مراجعة ونقد، مما أدى إلى تغيير وإعادة النتائج المترتبة عليها، وحصل ذلك بفعل تطور مناهج البحث العلمي وأدواته الشرطية الحديثة، فكانت نسبة التوراة للنبي موسى من بين ما مسه البحث العلمي الحديث، وأعاد القراءة فيه، إذ أظهرت البحوث والدراسات الحديثة أن التوراة كتبها مؤلفون، تباينت خلفياتهم وانتماءاتهم فلم تعد تلك الحقائق موقع تقبل واستقبال حتى من المؤسسات الدينية المشرفة على طبعات الكتاب المقدس، فقد تصدرت الطبعة الكاثوليكية الصادرة عام 1960هـ ، ما يوحي لذلك التأثير وضغطه إذ جاء فيها:
ما من عالم كاثوليكي في عصرنا، يعتقد أن موسى ذاته كتب كل التوراة، منذ قصة الخليقة، أو أنه أشرف حتى على وضع النص،لأن ذلك النص قد كتبه عديدون بعده، لذلك يجب القول: إن ازدياداً تدريجياً قد حدث، وسببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية.
وتتخذ نسبة التوراة (الأسفار الخمسة) إلى موسى بعداً عقائدياً وتاريخياً، فيلاحظ أن فيلون السكندري والمؤرخ اليهودي يوسفيوس، الذين عاصرا السيد المسيح، حاولا ترسيخ فكرة تأليف موسى للتوراة، ذلك ضمن إطار التنافس المحموم بين أتباع الديانتين.
بيد أن المدقق في نصوص التوراة، يشخص مجموعة غير قليلة منها تنافي تلك المعطيات، وتبين مدى الخلط والوهم الواقع فيها، فهناك عبارات تتعلق بموسى، يصعب من خلال طريقة عرضها وحوارها والكلام الموجه منها، أن تكون صادرة عن موسى ذاته، ففي الآية التي تقول: (وأما موسى فكان حليماً جداً أكثر من جميع الناس الذين على وجه الأرض) (عدد 12: 3) يظهر من هذا النص أن كاتبه شخص آخر يصف موسى وما حوله، ومثال ذلك الآية التي تقول: (وأيضاً الرجل موسى كان عظيماً جداً في أرض مصر، وفي عيون فرعون وعيون الشعب) (خروج 11: 3).
ويتمظهر بوضوح شديد التباين في خبر وفاة موسى (فمات هناك موسى عبد الله في أرض موأب حسب قول الله ودفنه في الجواء في أرض موأب) (تثنية 34: 5) فمن غير الممكن أن يكتب موسى بهذه الصيغة زمان موته ومكانه.
هناك مجموعة من القرائن التوقيتية المحددة زمانياً لوقوع الحدث التوراتي، اقترنت بالنصوص، وأوجدت نقطة ارتكاز لبيان زمانية تلك الحوادث وتشخيصها، وغالباً ما كانت القرينة عبارة (حتى اليوم)، على سبيل أن تسمية مدينة كذا بهذا الاسم وهذا اسمها (حتى اليوم)، يلحظ أن كل النصوص المقترنة بهذه العبارة، قد تمت بعد عصر موسى بقرون، فضلاً عن الفسحة الزمانية التي يضفيها هذا التعبير، مما يوسع الفجوة بين آنية الحدث التوراتي، وزمان تدوينه. (تكوين 35: 20/ تكوين 47: 36/ 48: 15/ خروج 10: 6/ عدد 2: 3).
إن المتابع للقصص التوراتي، يلمس مدى التكرار البين والملموس فيه، لكن الأهم من ذلك، الاختلافات الجوهرية والمفصلية في بنية ذلك .