الكتاب المقدس تحت المجهر
عودة مهاوش
(أبو محمد) الأردني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، رب السماوات والأرضين، والشكر له على ما أولانا من نعم ظاهرة وباطنة، عجز العادون عن إحصائها، وكلت الألسن عن وصفها، والصلاة والسلام على سادة الخلائق أجمعين، الهداة إلى صراط الحق المستقيم، الأنبياء والمرسلين، وخاصة أفضلهم أجمعين محمد المصطفى المختار وعلى آله الطيبين الطاهرين، سفن النجاة الراسين في رضوان أرحم الراحمين. أما بعد، فلقد وصل الانحطاط بالغالبية من بني البشر اليوم إلى أن جعل منهم آلات أو حيوانات لا تستفيد مما أغدق الله عليهم من نعم ومواهب.
وحقا إن الفرق بين الإنسان والحيوان هو ذاك العقل وما ارتبط به من أدوات تجمع له المعلومات التي يستفيد منها في الوصول إلى الحقائق، ومن ثم إلى السعادة الدنيوية والأخروية.
ونحن لو استقرأنا الفكر البشري اليوم لوجدنا الناس فرقا ثلاث:
فرقة ملحدة لا تؤمن بالله تعالى... وهذه الفرقة نشأت في عصرنا هذا عندما رأت ما جلبته بعض الديانات البشرية إلى الإنسان من اضطهاد وظلم وتأخر ويتعارض مع الروح التي تدعي هذه الديانات أنها أتت من أجلها.
صفحة 6
فبعض تلك الديانات دعت الإنسان إلى قبول الظلم وحرمت عليه الخروج على السلطان الظالم وبعضها طلبت منها الانصياع إلى إله غير عادل ـ حسب قولهم ـ وبعضها حكمت على العقل بالإعدام وعلى العلم والتفكر بالسجن المؤبد. والفرقة الثانية الموجودة في عصرنا الحاضر هذا وهي أكثر الفرق أتباعا وأفرادا، فهي تلك التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وإن زعمت أنها تقصدها وتنشدها.
فمن عابد بقرة إلى عابد عائلة خيالية فاسدة الأخلاق، أعني اليهود، إلى جماعة ـ وهي الطائفة المسيحية ـ أعدمت العقل واتخذت من كلمة الإيمان، حجابا يمنع أتباعها من حرية التفكر، ورؤية نور الحقيقة.
وأهل المسيحية رغم شدة ادعائهم الروحانية غلبت عليهم الدنيا إلى درجة أنك عندما تدخل في بحث موضوعي وبناء مع أحدهم لا تسمع منهم جوابا إلا القول:
إنه الإيمان !! ويتركك متحيرا.. ترى لماذا خلق الله لهؤلاء عقولا ؟ ألم يكن ذلك إلا لأجل إثبات الحجة عليهم ؟ والفرقة الثالثة هي الفرقة المحقة التي اتبعت الرسول الأمي (صلى الله عليه و آله و سلم) ودينه الحق، ثم وقفوا معه أينما وقف، وساروا إلى حيث سار، فسمعوا وصاياه، واتبعوا أوامره، وتمسكوا بالعروة الوثقى من بعده، آله الأطهار عليهم الصلاة والسلام فآمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن.
إن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم والذي تدين به عصابة اليهود وجماعة النصارى، والمسمى بالكتاب المقدس هو بلا شك غير ذاك الكتاب الذي جاء به موسى، وغير ذاك الإنجيل الذي نزل على عيسى(عليهما السلام).
صفحة 7
وبناء على هذا فقول بعض الناس أن الكتاب المقدس هو التوراة والإنجيل محرفين يعد خطأ فاحشا، إذ أن الحقيقة هي أن هذا الكتاب لا يعدو كونه كلام مؤرخين وأعمالا أدبية نقل بين ثناياها وطياتها كلمات أنبياء وقليل من الكلمات الموحاة، نقل معنى على لسان هذا وذاك، وهذا هو ما يتجلى لك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ورغم أننا قد بحثنا مسألة كون الكتاب المقدس غير كلام الله أو رسله، وبرهنا على أن الإنجيل العيسوي هو غير العهد الجديد المتداول اليوم، وأعطينا أمثلة على تناقضات الكتابات الواردة في هذا الكتاب، إلا أننا فضلنا إعطاء مثال واحد عن كل واحد من هذه المواضيع هنا في المقدمة لإتاحة الفرصة للقارئ لكي يأخذ فكرة عن محتويات الكتاب المقدس.
في المثال نجد في هذا المضمار أن العهد القديم يتكلم عن وفاة موسى (عليه السلام) ذلك النبي المقدس الذي كان من المفروض أن يكون صاحب هذا الكتاب نفسه... ولو كان هذا صحيحا فكيف يتكلم موسى عن كيفية موته، وتاريخه ؟ أهو حي ميت في آن واحد ؟ ! أم أنه عليه السلام عاد ثانية إلى الحياة وتكلم عن ذلك ؟ ! هذا ما لا نجده حتى عند اليهود والنصارى. تقول التوراة:
" وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو إلى رأس الفسجة فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب. ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت
صفحة 8
فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم. وكان موسى ابن مئة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته. فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يوما فكملت أيام بكاء مناحة موسى ". (سفر التثنية 34: 1 ـ 8) أما العهد الجديد، والمسمى اليوم بالإنجيل فهو حتما غير ذلك الإنجيل الذي نزل من عند الله تعالى على عيسى عليه السلام، فنحن نجد أن مؤرخي هذه المجموعة من الكتابات قد سجلوا كيف أن عيسى (عليه السلام) كان يجوب الأرض ليدعو إلى إنجيل كان عنده:
" وكان يسوع يطوف المدن كلها يعلم (الإنجيل) في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ". (متى 9: 35) وتجدر الإشارة ـ هنا ـ إلى أن كلمة " الإنجيل " قد أسقطت من هذه العبارة في أغلب الأناجيل العربية، بينما نجدها مثبته في أكثر الأناجيل المطبوعة باللغة الانجليزية مثل (King James Version) ومثل هذا الكلام ورد أيضا في (لوقا 20: 1). فكيف إذن يعلم الإنجيل الذي كتب فيه أنه كان يعلم في تلك الأيام ؟ إذا لا بد أن يكون الكتاب الذي بين أيدينا قد كتب في حقبة زمنية لا حقة لتلك التي كان الإنجيل الرباني الحق موجودا فيها، وبهذا يظهر أن الإنجيل الذي بين أيدينا هو ـ بالكامل ـ غير كتاب الله المنزل على عيسى (عليه السلام) وما تسمية العهد الجديد بالإنجيل إلا مغالطة واضحة.
صفحة9
وثمة نقطة أخرى لا بأس بلفت النظر إليها وهي أننا نجد مؤرخي العهد الجديد قد اختلفوا في عدد آباء عيسى (عليه السلام) الذي يربطونه بداود (عليه السلام). فقد ذكر كاتب " متى " أن عددهم هو (41) بينما يقول مؤلف " لوقا " أنهم كانوا (55)، وإليك نص ما قالاه في هذا المضمار:
كتاب ميلاد يسوع المسيح:
1 ـ ابن داود.
2 ـ ابن إبراهيم.
3 ـ ولد إسحاق.
4 ـ ولد يعقوب.
5 ـ ولد يهوذا وإخوته.
6 ـ ولد فارص وزارح من ثامار.
7 ـ ولد حصرون.
8 ـ ولد آرام.
9 ـ ولد عميناداب.
10 ـ ولد نحشون.
11 ـ ولد سلمون.
12 ـ ولد بوعز.
13 ـ ولد عوبيد.
14 ـ ولد يسى.
15 ـ ولد داود الملك.
صفحة10
16 ـ ولد سليمان.
17 ـ ولد رحبعام.
18 ـ ولد أبيا.
19 ـ ولد آسا.
20 ـ ولد يهوشافاط.
21 ـ ولد يورام.
22 ـ ولد عزيا.
23 ـ ولد يوثام.
24 ـ ولد أحاز.
25 ـ ولد حزقيا.
26 ـ ولد منسى.
27 ـ ولد آمون.
28 ـ ولد يوشيا.
29 ـ ولد يكنيا.
30 ـ ولد شألتئيل.
31 ـ ولد زربابل.
32 ـ ولد ابيهود.
33 ـ ولد إلياقيم.
34 ـ ولد عازور.
35 ـ ولد صادوق.
36 ـ ولد أخيم.
37 ـ ولد أليود.
صفحة11
38 ـ ولد اليعازر.
39 ـ ولد متان.
40 ـ ولد يعقوب.
41 ـ ولد يوسف. ثم قال متى عند ذكر اسم يوسف:
" رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح، فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا، ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلا ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا ". (متى 1: 1 ـ 19) وأما ما ورد في إنجيل " لوقا " فهو كما يلي:
" ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن " (هكذا وردت !).
1 ـ ابن يوسف.
2 ـ بن هالي.
3 ـ بن متثات.
4 ـ بن لاوي.
5 ـ بن ملكي.
6 ـ بن ينا.
7 ـ بن يوسف.
8 ـ بن متاثيا.
صفحة12
9 ـ بن عاموص.
10 ـ بن ناحوم.
11 ـ بن حسلي.
12 ـ بن نجاى.
13 ـ بن مآث.
14 ـ بن متاثيا.
15 ـ بن شمعي.
16 ـ بن يوسف.
17 ـ بن يهوذا.
18 ـ بن يوحنا.
19 ـ بن ريسا.
20 ـ بن زربابل.
21 ـ بن شألتيئيل.
22 ـ بن نيرى.
23 ـ بن ملكى.
24 ـ بن أدى.
25 ـ بن قصم.
26 ـ بن ألمودام.
27 ـ بن عير.
28 ـ بن يوسي.
29 ـ بن اليعازار.
30 ـ بن يوريم.
صفحة13
31 ـ بن متثات.
32 ـ بن لاوى.
33 ـ بن شمعون.
34 ـ بن يهوذا.
35 ـ بن يوسف.
36 ـ بن يونان.
37 ـ بن ألياقيم.
38 ـ بن مليا.
39 ـ بن مينان.
40 ـ بن متاثا.
41 ـ بن ناثان.
42 ـ بن داود.
43 ـ بن يسى.
44 ـ بن عوبيد.
45 ـ بن بوعز.
46 ـ بن سلمون.
47 ـ بن نحشون.
48 ـ بن عميناداب.
49 ـ بن آرام.
50 ـ بن حصرون.
51 ـ بن فارص.
52 ـ بن يهوذا.
صفحة14
53ـ بن يعقوب.
54 ـ بن إسحاق.
55 ـ بن إبراهيم. ومن الغريب حتى أن نسخ الإنجيل الانجليزية تحصر على الأغلب عددهم في " متى " بعشرين، وفي " لوقا " بخمسة وخمسين، ومن يدري فلعل القارئ الانجليزي لا يحب أن يعرف آباء الأنبياء كلهم ولهذا اختصر المترجمون الأسماء.
وأنا أدعوك عزيزي القارئ إلى مواصلة قراءة هذا الكتاب لتجد العجب العجاب في كتاب تدين به مجموعة كبيرة من الناس، ولعلك تعرف بعد دراسة هذا الكتاب السبب الذي جعل البشرية جمعاء تعاني من ظلم واضطهاد وتخلف (يسمى بالتحضر) من قبل أتباع الكتاب المقدس.
وستعرف أيضا سبب تحلل أتباع هذا الدين أخلاقيا، حتى أنهم أصبحوا وللأسف قادة الدعارة في العالم، وذلك عند مرورك بالفصل الثاني من فصول هذا الكتاب، والذي تكلمنا فيه عن التحلل الأخلاقي في الكتاب المقدس !! فهيا بنا الآن لنطالع الحقائق معا، والله من وراء القصد وهو يتولى الصالحين.
عودة مهاوش ـ الأردن
صفحة15
الفصل الأول
هل التوراة والإنجيل الرائجان كلام الله المنزل ؟
صفحة17
إن المتتبع لعبارات الإنجيل يجد أنها بعيدة كل البعد عن كونها مصداقا لما يمكن أن يسمى بكلام الله عدا بعض الجمل التي يمكن أن تكون قد نقلت حكاية كما ينقل أي مؤرخ بعض آيات القرآن الكريم.
والكتاب المقدس لا يتعدى كونه كتابات أدبية وتاريخية، وقصصية، قام بها مؤرخو القرنين الأولين بعد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وأدخل عليها ـ على مر العصور ـ تعديلات وتطويرات جعلت من النسخ الأدبية الأولية مخطوطات ليس لها من أثر في يومنا هذا إلا ما قل وندر.
يقول الأستاذ جعفر السبحاني في موسوعته مفاهيم إسلامية ج 1 ص 273 في هذا الصدد:
" أما الأناجيل الأربعة الفعلية فليست معتبرة إطلاقا، إذ لا تشبه الوحي بل تدل طريقة كتابتها على أنها من بقايا أدب القرن الأول والثاني الميلاديين وهذا يعني عدم كونها متعلقة بفجر المسيحية حقيقة ".
والباحث في طيات الكتاب المقدس بقسميه التوراة والإنجيل يجد أن أعظمه ينطوي على معلومات تاريخية كتبت بأسلوب قصصي على الغالب، إلا أن هناك خمسة أنواع من الجمل والمعلومات يمكن حصرها وإعطاء الأمثلة عليها من كتاب اليهود والنصارى، وهذه الأقسام هي:
أولا: ما يمكن أن يكون كلاما موحى إن بعض الجمل الإنجيلية التالية يمكن أن تكون كلمات موحاة
صفحة18
من جانب الله تعالى إلى المسيح (عليه السلام) أو إلى أنبياء سبقوه.
وهذه الجمل التي ستمر عليك إن شاء الله يمكن معرفة حالها عند مقارنتها بالقرآن الكريم.
نعم قد يعترض معترض بأن هذه الجمل وردت ضمن كلام السيد المسيح (عليه السلام) إلى حوارييه مثلا، فكيف يمكن أن تكون موحاة ؟ والحق أنها كذلك إلا أن السيد المسيح (عليه السلام) حكاها ضمن كلامه إليهم تماما كما يتكلم أحدنا، ويستشهد في طيات كلامه بالقرآن الكريم كما سبق، وقلنا.
إسمع الحوار التالي بين المسيح (عليه السلام) وتلاميذه:
أ ـ " فتقدم التلاميذ وقالوا له (لعيسى (عليه السلام) لماذا تكلمهم بأمثال ؟. فأجاب:
لأنهم مبصرين (1) لا يبصرون. وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون فقد تمت فيهم نبوة أشعياء القائلة:
تسمعون سمعا ولا تفهمون ومبصرين ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ ". (إنجيل متى 13: 10 ـ 15).
عند التحقيق في هذا النص يظهر أن عيسى (عليه السلام) قد استشهد بكلام نبي من قبله، هو " أشعيا " الذي لا بد وأن يكون قد حكى عن كتاب موحى، وهذا الكلام أعني:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا وردت في نسخة العهدين المطبوعة المتداولة والصحيح هو: لأنهم مبصرون. سامعون.
صفحة19
" لأنهم مبصرين لا يبصرون. وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون ". وهو يطابق آيات القرآن الكريم تماما ويقاربها في اللفظ مع بعض المغايرة. يقول الله تعالى في سورة الأعراف:
(ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) " الأعراف ـ 179) هذا مع أنك تجد في نص الإنجل تقديما للبصر على السمع تماما كما فعل القرآن الكريم، وما في ذلك من حكمة إلهية بالغة من أن رؤية العين لحقائق الأمور أبلغ وأعمق من مجرد السماع المطلق المجرد عن البصر، وهذا يذكر بقول الإمام علي بن أبي طالب حيث قال:
" أما أنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع، الحق أن تقول:
رأيت والباطل أن تقول: سمعت " (1).
ب ـ المثال الثاني من هذا القبيل هو بعض الأحكام التي وردت في العهد القديم، ومنها أحكام القصاص التي أيدها القرآن، أي أيد كونها موحاة من عند الله سبحانه إلى موسى عليه السلام، ونحن نجد في بعض " التثنية " أنه (عليه السلام) كان يعلم بني إسرائيل بعد نزوله من الجبل أحكام دينهم،
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة الخطبة 141.
صفحة20
وهو يقول في سفر التثنية 19 ـ 21 ما هذا نصه:
" لا تشفق عينك، نفس بنفس عين بعين.
سن بسن. يد بيد رجل برجل ". إلا أن من الواضح هنا أن هذا الكلام نقله أحد المؤرخين عندما نقل وقائع عودة موسى (عليه السلام) من الجبل كما قلنا، فهو بلا شك ليس كلاما نقل بالنص، بل هو استنباط لحكم شرعي من كلام موحى على الأرجح، وهذا يفهم من سياق الإصحاح بكامله. وهذا نص يؤيد القرآن وجود مثله في التوراة، فالنص صريح. يقول تعالى حول التوراة في هذا الصعيد:
(وكتبنا عليهم فيها أن: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص) (المائدة ـ 45) إلا أن القرآن الكريم يثبت أن ما ورد في التوراة الحقيقة يخالف نص الكتاب المقدس الذي نقلناه هنا، فالنص التوراتي يخرج أحكام الأنف والأذن، كما أنه لا يثبت ما يثبته القرآن من أحكام الجروح. لذا فإن مما لا شك فيه هو أن هذه الأحكام إما حذفت فيما بعد، أو أن موسى (عليه السلام) كان في صدد بيان أحكام قصاص النفس والعين والسن دون غيرها، وهو ما لا دليل عليه، فيستنتج من ذلك كون هذا النص ناقصا إلا أن فيه ما يشير إلى كونه يمت إلى كلام موحي بصلة.
ج ـ ورد في إصحاحات " أشعياء " ما يلي:
" أليس أنا الرب ولا إله آخر غيري.
صفحة21
إله بار ومخلص ليس سواي التفتوا إلي وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأني أنا الله وليس آخر. بذاتي أقسمت خرج من فمي الصدق كلمة لا ترجع أنه لي تجثو كل ركبة يحلف كل لسان ". (أشعياء 45: 21 ـ 23) ويظهر من هذا الكلام جليا أنه حكي عن طريق أحد الأنبياء، وهو أقرب ما يكون إلى كلام موحى لأنه موجه من قبل الله تعالى إلى الخلق أولا، وثانيا لأنه يطابق عدة آيات من القرآن العظيم مثل: (الله لا إله إلا هو) (قل هو الله أحد) (الله الصمد) وكقوله تعالى:
(ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة) (النحل ـ 48) فقول التوراة:
" انظروا إلي، وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض ". يقارب معنى قول الله تعالى في سورة التوحيد:
(الله الصمد) أو قول تعالى في سورة البقرة الآية 256:
صفحة22
(الحي القيوم) فهما يوحيان بكون الله تعالى قيوما على كل شئ، مطلعا على كل شاردة وواردة. وأما قول التوراة: " بذاتي أقسمت خرج من فمي الصدق كلمة لا ترجع ". فإنه يشبه قوله تعالى: (فالحق والحق أقول) (ص 84) أو قوله تعالى:
(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) (الإسراء ـ 23) والقضاء ـ هنا ـ يفهم من قول التوراة:
" كلمة لا يرجع ". أما " جثو كل ركبة، وحلف كل لسان " فهما يوحيان بأنهما يوافقان ما ذكره القرآن الكريم من أن كل من في السماوات والأرض، يسجد لله تعالى، وحلف كل لسان بذلك يساوق قول الله تعالى في القرآن الكريم: (طوعا أو كرها). ولعل مثل هذا الكلام في الكتاب المقدس وهو قلما يوجد فيه، وهو الوحيد الذي وصل إلينا من وحي الله تعالى إلى أنبياءه عليهم السلام، وأن مما يدعو إلى الأسف الشديد أن هذه التعاليم لا يتمسك بها ـ على الإطلاق ـ أولئك الذين يدعون إتباع الكتاب المقدس، والأنبياء الواردة أسماؤهم فيه، بل يخالفون شرائعه كلها على ما سيمر عليك مستقبلا إن
صفحة23
شاء الله.
د ـ لقد أخبرنا الباري عز وجل في كتابه المنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن الأنبياء بشروا ـ من قبل ـ بمجئ رسول من بعدهم يختم الرسالات ويثبت أسس التوحيد، ويعدل الشرائع حسب قانون الله تعالى. ونحن نجد في سفر " التثنية " ما يلي:
" أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه ". (التثنية 18: 18) وهذا الكلام كان موجها من عند الله تعالى إلى نبيه موسى (عليه السلام). وعلى رغم أن النصارى يدعون أن ذلك النبي هو المسيح (عليه السلام) إلا أنه وعند مراجعة بسيطة للنص نجد أن من المستحيل أن يكون المقصود منه غير النبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). فقوله:
" أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم " يحتم أن يكون هذا النبي من أولاد إسماعيل وليس من أولاد إسحاق، لأنه لو كان المقصود هو عيسى (عليه السلام) فإنه لا أب له، أو أن أمه هي من ذرية إسحاق (عليه السلام) فكان حريا به إذن أن يقول ـ لو كان المقصود هو عيسى (عليه السلام) ـ من وسطهم بدل إخوتهم، ومحمد (صلى الله عليه و آله و سلم) هو من أولاد إسماعيل (عليه السلام) وقد أقامه الله من العرب الإسماعيليين إخوة اليهود الإسحاقيين.
صفحة24
وأما كون هذا النبي مثل موسى (عليه السلام) فإننا عند مقارنة موسى (عليه السلام) بالنبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) وبعيسى (عليه السلام) نخلص إلى أنه يجب أن يكون هذا النبي هو خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). فموسى ولد من أب وأم، وكذلك محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) بخلاف عيسى الذي خلقه الله من دون أب. ورسالة موسى كانت عامة وكذلك محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) بخلاف عيسى الذي أرسل إلى بني إسرائيل خاصة. وقد عمت رسالة موسى (عليه السلام) بني إسرائيل وأهل مصر، فكانت بذلك لا تختص بقبائل إسرائيل. ورسالة موسى كانت مستقلة جديدة ولم تكن مكملة لرسالات سابقة، وكذلك الرسالة المحمدية. نعم هذا لا يمنع من أن تصحح هاتان الرسالتان رسالات سابقة، أي تعدل ـ حسب الرغبة والمشيئة الإلهية ـ رسالات نبوية سابقة. أما رسالة عيسى (عليه السلام) فقد كانت رسالة متممة لرسالة موسى (عليه السلام)، وهذا ما لا ينكره أحد من النصارى، وقد صرح به القرآن الكريم. وأما قوله:
" واجعل كلامي في فمه " فهذا هو معنى الوحي الذي أثبته القرآن الكريم إذ يقول تعالى:
(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (النجم ـ الآية: 4) هذا على أن قوله: " فيكلمهم بكل ما أوصيه به ".
صفحة25
يؤيد كون هذا النص ورد في المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم)، لأنه أولا لم يلتحق بالرفيق إلا بعدما نزلت الآية الكريمة:
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة ـ 3) فإن الآية الكريمة هذه تصرح بعدم مغادرته (صلى الله عليه و آله و سلم) الحياة الدنيا إلا بعد أن وفى بكل ما أوحى به الله تعالى إليه. إلا أن الجميع يتفق على أن المسيح عليه السلام سيعود ليتم رسالته لأنه لم يعط الفرصة الكاملة من قبل اليهود، بل رفعه الله إليه. إذن فعيسى لم يكتم شيئا مما أوحى الله به إليه، إلا أنهم لم يعطوه الفرصة من قبل أنفسهم لسماع كلامه. وبعبارة أخرى فقد كلم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قومه بكل ما أوحى الله به إليه، على خلاف عيسى (عليه السلام) الذي لم يعط الفرصة الكاملة لتبليغ ما أوحي إليه، لا لأنه أراد ذلك بل لأنه رفعه الله إليه ووعد بعودته لئلا يصبح في تعداد الأنبياء الذين قتلهم بنو إسرائيل ولم يعطوهم الفرص الكاملة لتبليغ رسالاتهم كما ينبغي. وعلى هذا فلا بد أن يكون هذا النص من النصوص التي أبت القدرة الإلهية إلا أن تثبت في كتب اليهود والنصارى ليكون حجة على القوم، ودليلا على أن المقصود بهذا النبي هو ذلك الذي مثل موسى (عليه السلام) أعني محمد المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم). وسنفرد فصلا للنصوص التي وردت تبشر بمجئ النبي محمد فيما بعد، ونفصل هناك إن شاء الله تعالى.
صفحة26
ه: يذكر الكتاب المقدس أن الله تبارك اسمه خاطب بني إسرائيل من خلال موسى (عليه السلام) قائلا:
" أنا هو الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك آلهة أخرى أمامي. لا تضع لك تمثالا منحوتا صورة مما في السماوات من فوق وما في الأرض من أسفل وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور ولا تنطق باسم الرب إلهك باطلا، لأن الرب لايبرئ من ينطق باسمه باطلا. احفظ يوم السبت لتقدسه كما أوصاك الرب إلهك ". (التثنية: 5: 6 ـ 12) لقد عودنا القرآن الكريم أن يذكرنا بآلاء الله ونعمه علينا قبل أن يدعونا إلى الانصياع إلى أوامره عز وجل، وما ذلك إلا لندرك أن الله تبارك وتعالى أهل للعبادة والتوحيد، وأننا لسنا إلا فقر تجسد في صورة آدميين.. فقر إلى الله الغني غنى مطلقا، لذلك فإن إطاعتنا له، وانصياعنا لأوامره تعالى أمور طبيعية ونتائج لا بد منها، بسبب وجود هذه العلاقة، علاقة العبد الفقير بربه الغني. يقول تعالى:
(الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم
صفحة27
فيها سبلا لعلكم تهتدون. والذي نزل من السماء ماء بقدر فانشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون. والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون. لتستووا على ظهوره، ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون. وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين) (الزخرف ـ 10 15) فعند مراجعة هذه الآيات الشريفة نجده سبحانه يذكرنا بنعمه المتتالية الدائمة، التي تعم كل شئ، ثم إنه عندما يصل إلى قوله تعالى (لتستووا على ظهوره) يقول سبحانه (ثم تذكروا نعمة ربكم) وذكر النعمة يلازمه الشكر عليها، لا أن قوله تعالى (وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا) هو نتيجة لذكر النعمة بل هو شئ مغاير له. وبعبارة أخرى، أن ذكر النعمة يلازمه الشكر عليها، وهو غير تسبيح البارئ عز وجل وهو تنزيهه عما سواه، ونفي الشريك أو القرين عنه، فيكون ذكر النعم الذي ورد في الآيات السابقة مقدمة لأمرين وهما:
أولا: ذكر نعم الله وشكره عليها.
ثانيا: توحيد الله وتنزيهه عما سواه من خلال التسبيح، وهذا بما لحقه من آيات القرآن الكريم، فإننا نجده سبحانه بعد أن أمرنا بتنزيهه بعد شكره على النعم يذم قوما " قد جعلوا له من عباده جزءا " الأمر الذي ينافي التوحيد، وتنزيه البارئ عز وجل.
صفحة28
وقد ورد عن الحسين بن علي (عليه السلام) أنه رأى رجلا يركب دابة فقال: (سبحان الذي سخر لنا هذا) فقال (عليه السلام): أبهذا أمرتم ؟
فقال: وبم أمرنا ؟
قال: بأن تذكروا نعمة ربكم (1). فالإمام عليه السلام أنكر على الراكب التسبيح لله في هذا المورد لا بمعنى أنه نهاه عن ذلك، بل إنه بين له أن وظيفته عند الركوب هي ذكر النعمة، الأمر الذي يلازمه الشكر لله كما سبق وإن قلنا. وكتاب الله العزيز (القرآن الكريم) ملئ بأمثلة على هذا الأسلوب من الخطاب. هذا، وعند مراجعة نص الكتاب المقدس نجده يتبع نفس الأسلوب فهو أولا يذكر بنعمة الله على بني إسرائيل بإخراجهم من أرض مصر أرض العبودية والتسلط الفرعوني، ثم إنه بعد ذلك يأخذ في إلقاء الأوامر باتباع طريق توحيده تعالى، والابتعاد:
أولا: عن إشراك آلهة أخرى معه.
وثانيا: عن اتخاذ الأصنام مهما كان مصدرها.
وثالثا: عن السجود للأصنام والتماثيل بعنوان أنها آلهة غير الله تعالى.
ورابعا: بعدم الافتراء على الله تعالى.
وخامسا: بوجوب حفظ مقررات يوم السبت التي أوصى الله تعالى
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الميزان ج 18 ص 88.
صفحة29
بها بني إسرائيل. ونحن لو بحثنا في كل واحدة من هذه التوصيات لوجدناها مؤيدة بالقرآن الكريم، ولا داعي للخوض في بحر التفصيل، وعلى هذا يحتمل قويا أن يكون كلام الكتاب المقدس هذا، موحى من عند الله تعالى إلى موسى (عليه السلام) نبيه. على أن هذا لا يعني أنه نفس نص الكلام الموحى، إذ أن التوراة قد نزلت بالعبرية القديمة، والأناجيل الموجودة بين أيدينا اليوم قد مرت بعدد كبير من الترجمات منذ كتبت أولا إلى يومنا هذا. أضف إلى ذلك أن هذا النص الذي أخذ من سفر " التثنية " كان حسب الكتاب المقدس نفسه كلام موسى (عليه السلام) الذي استنبطه مما أوحي إليه عند صعوده إلى الجبل. و ـ ومما يمكن أن يكون قد أخذ من كلام الله المنزل ما ورد في رسالة بولس إلى كورنتس (1). والحقيقة أن الأمثلة على ما يمكن أن يكون كلام الله في الكتاب المقدس قليلة بالنسبة إلى غيرها من العبارات التاريخية والمذكرات الشخصية، إلا أن بعض الأحكام والوصايا لا زالت تطابق شرائع الرسالات الإلهية، لكن القوم طرحوها جانبا، وجعلوا منها " أحكاما تتنافى مع الحضارة " فعطلوها، واتهموا من يحترمها بالرجعية.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): حيث قال: " كما كتب ما لم تره عين ولا سمعت به أذن ولا خطر على قلب بشر ما أعده الله للذين يحبونه " 2: 9 فمتن الواضع يقارب الآية الشريفة الواردة في هذا المضمار. ويظهر هذا جليا من قول بولس " كما كتب " إلا أنه لم يشر إلى أين كتب، فلعل ذلك يكون إشارة إلى الإنجيل الأصلي المفقود اليوم.
صفحة30
ومن هذه الأحكام حرمة أكل لحكم الخنزير وشرب الخمر، ومثل وجوب الالتزام باللباس الشرعي للنساء، وجواز التزوج بأكثر من امرأة. وسيمر عليك فصل مستقل إن شاء الله تعالى بهذا الشأن.
ثانيا: ما يمكن أن يكون كلام رسل، أو ما يوازي الروايات والأحاديث النبوية. وهذا القسم من الكلام التوراتي والإنجيلي وإن كان يمكن أن يكون كلام رسل وإن قل، إلا أنه يأبى أن يكون كلام الله تعالى، والسبب في ذلك أن المؤرخين بالأخص أولئك الذين أرخوا وقائع دينية، كان لا بد لهم من أن يستشهدوا بكلام الرسل والأنبياء، كلما استطاعوا. والمتتبع لأعمال المؤرخين الذين دونوا تاريخ الأنبياء والرسل وملوك بني إسرائيل وسموا تواريخهم " توراة وإنجيلا " يجد أنهم بدأوا رسائلهم أو مؤرخاتهم هذه ـ عادة ـ بكلام نسبوه إلى الرسل، فمثلا:
أ ـ نجد أن مؤلف سفر " التثنية " ينسب عادت إلى موسى(عليه السلام)غفل فذكر أن موسى (عليه السلام) قال:
" ودعا موسى جميع بني إسرائيل وقال لهم:
إسمع يا إسرائيل الفرائض والأحكام التي أتكلم بها في مسامعكم اليوم وتعلموها واحترزوا لتعملوها ".
(التثنية 5: 1) وهذا خلاف المتبع كما أنه غير منطقي:
إذ أنه لو كان المؤلف هو النبي موسى (عليه السلام) فإن ذلك يستوجب آمرين:
صفحة31
الأول: اعتراف اليهود والنصارى بأن الكتاب المقدس ليس كلام الله وإنما هو كلام نبي الله.
الثاني: أن لا يقول موسى (عليه السلام) عن نفسه:
ودعا موسى (عليه السلام) بل يقول:
ودعوت جميع إسرائيل وقلت لهم. وعلى كلا التقديرين فهناك اعتراف صريح من قبل أتباع الكتاب المقدس بأنه يتضمن على الأقل كلاما غير كلام الله عند نسبتهم الأسفار الخمسة الأولى إلى موسى (عليه السلام). إلا أن التدقيق في سفر " التثنية " الإصحاح الخامس فما بعد يظهر أنه قد يكون مأخوذا من كلام موسى (عليه السلام) لأنه يتضمن في الواقع أحكاما إلهية كثيرة، توافق في أغلبها أحكام شريعتنا الإسلامية السمحة، وتحكي عن وجوب توحيد الله تعالى، وعدم إشراك أحد معه على خلاف ما يؤمن به اليهود والنصارى، إذن فلا مانع من أن تكون الوصايا في هذا السفر قد نقل بعضها عن موسى (عليه السلام) لكن يبقى الكلام في أن هل هذه الأحكام والوصايا نقلها بعض علماء بني إسرائيل، فتكون بمنزلة الفتيا، أو أنها حكيت عن موسى (عليه السلام) فتكون بمنزلة الحديث النبوي ؟ الذي يبدو هو أن المؤرخ نقل قول موسى عندما قال:
وقال لهم موسى: " اسمع يا إسرائيل... الخ " فيكون بمثابة الحديث !!
ب ـ ومما يجوز أن يكون من كلام الرسل هو ما ورد في القصة الثانية التي أوردها " مرقص " في سفره من العهد الجديد، حيث قال هذا المؤرخ:
" ثم أرسلوا إليه (أي إلى عيسى) قوما من الفريسيين، والهيرودوسيين لكي يصطادوه
صفحة32
بكلمة. فلما جاؤوا قالوا له: يا معلم نعلم أنك صادق ولا تبالي بأحد لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس، بل بالحق تعلم طريق الله. أيجوز أن نعطي جزيت لقيصر أم لا. نعطي أم لا نعطي. فعلم رياءهم وقال لهم:
لماذا تجربوني، إيتوني بدينار لأنظره. فأتوا به فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة. فقالوا له لقيصر:
فأجاب يسوع وقال لهم: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فتعجبوا منه ". (مرقس 12: 13 ـ 17) إن الذي يظهر جليا من هذه القصة التي اعتبرتها الكنيسة الكاثوليكية أساسا لفصل الدين عن السياسة هو أن عيسى (عليه السلام) كان يدعو ـ من خلال دعوته إلى الله تعالى ـ إلى مقارعة فرعون زمانه:
قيصر، وعندما أيقن أعداؤه بموقفه هذا قرروا أن يكيدوه وينصبوا له فخا يصطادونه به، ويجعلونه عرضة لإذلال قيصر فقرروا أن يسألوه عن أمر لا بد وأن يكونوا قد عرفوا مسبقا رأيه فيه وهو:
حرمة إعطاء الجزية والضرائب لقيصر، وإلا فما معنى أن يحاول أعداء المسيح عليه السلام أن يقودوه إلى القول بعدم جواز ذلك إذا لم يكونوا يتوقعون مثل هذا الجواب منه ؟ ثم ما معنى تعجبهم عند قوله لهم:
أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله،
صفحة33
الأمر الذي فهموا منه أنه قال بجواز إعطاء الجزية إلى قيصر ؟ ألا يعني أنهم تعجبوا من موقفه المخالف لما عرف عنه سابقا والأمر الثاني الذي يظهر هنا هو أن المسيح عليه السلام قد استعمل التورية في نطاق التقية، إذ أنه قال لهم:
" أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله " فهذا وإن فهم منه أعداء المسيح جواز إعطاء الجزية لقيصر، إلا أنه من الواضح عدم قصده (عليه السلام) لمثل هذا المعنى، فلا يفهم حقيقة من هذه الجملة سوى أن ما لقيصر الحق في أخذه فأعطوه له، وهذا لا يعني ـ مطلقا ـ أن الجزية من حقه، بل إن الأموال كلها لله تعالى، فيكون (عليه السلام) قد استعمل التورية للتخلص من شر الأعداء الذين عرف شرهم، أي أنه استعمل التقية بعدم تصريحه بحرمة إعطاء مثل هذه الأموال إلى فرعون زمانه. وهذا الكلام المنسوب إلى المسيح (عليه السلام) يحتمل جدا أن يكون من كلامه لما فيه من دقة في التعبير أولا، ولأن المؤرخ " مرقس " نقل عن المسيح عندما قال:
" فأجاب يسوع وقال لهم ". نعم لمعترض أن يقول:
بما أن الغالبية العظمى من الكتاب المقدس ما هي إلا من جعل الجاعلين، فإن الاحتمال الأقوى هو كون هذا الكلام مفتعلا، ومنسوبا إلى المسيح (عليه السلام) إلا أن في كلامنا الذي سبق قريبا ما يرجح كون هذا النص مستنبطا أو مأخوذا من كلام عيسى (عليه السلام) والله أعلم !! ح ـ وقد وردت بعض التنبؤات في الإنجيل نسبت إلى المسيح (عليه السلام) كما جاء سفر مرقس حيث قال:
" وفيما هو (أي المسيح) خارج من الهيكل قال
صفحة34
له واحد من تلاميذه:
يا معلم انظر ما هذه الحجارة وهذه الأبنية ؟ فأجاب يسوع وقال له: أتنظر هذه الأبنية العظيمة. لا يترك حجر على حجر لا ينقض ". (مرقس 13: 1 ـ 3) وهذا القول يعقل أن يكون قد صدر عنه عليه السلام لأنه إخبار بالغيب أولا، فهو يخبر بأن مدينة القدس ستدمر كاملا في يوم ما. وثانيا فلأن هذا التنبؤ مدعوم بآي من القرآن الكريم حيث يقول تعالى: (وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة) (الإسراء: 58) فلا مانع من أن تكون هذه الكلمات وردت عن نبي الله عيسى عليه السلام على ضوء هاتين النقطتين. د ـ ومن المعايير الأخرى التي يمكن من خلالها تشخيص بعض كلمات الكتاب المقدس، ووصفها بأنه يحتمل في شأنها أن تكون كلمات رسل، هو أن نعرضها على ميزان الحق، ومناط الشريعة الصحيحة فإذا وافقته، فهي كذلك وإلا فلا. فمثلا نجد أن " مرقس " ينسب إلى السيد المسيح عليه السلام قوله:
" فنظر يسوع حوله وقال لتلاميذ: ما أعسر دخول ذوي الأموال في ملكوت
صفحة35
الله. وقال لهم:
يا بني ما أعسر دخول المتكلين على الأموال على ملكوت الله. مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله ". (مرقس 10: 18 ـ 27) وهذه المفاهيم مما أثبتت صحتها سنة الله في الخلق، فإننا نجد أن الأثرياء كانوا غالبا هم الذين يقاومون الدعوات الإلهية الحقة، وإن الأنبياء ـ كلهم ومن دون استثناء ـ حوربوا أشد ما حوربوا من قبل المتكلين على أموالهم الناسين لله عز وجل ولليوم الآخر. أضف إلى ذلك أن كتاب الله (القرآن الكريم) يؤيد ما ورد في هذه الكلمات المنسوبة إلى السيد المسيح (عليه السلام) من عدة وجوه:
1 ـ أن القرآن الكريم نسب عناد المعاندين لرسالات الحق إلى المترفين في غير موضع، فقال تعالى:
(الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة، وأترفناهم في الحياة الدنيا) (المؤمنون ـ 33) ( لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه) * (الأنبياء ـ 13) * (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين) *(هود ـ 116)
صفحة36
(وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) (سبأ ـ 34) 2 ـ إنا نجد طريقة تمثيل السيد المسيح (عليه السلام) يشبه طريقة تمثيل القرآن الكريم عند بيان استحالة حدوث شئ ما، إذ مثل على غرار القرآن لاستحالة حصول شئ بأنه أيسر منه مرور جمل من سم الخياط (أي ثقب الإبرة). فإن مرقس نسب إلى السيد المسيح (عليه السلام) قوله:
" مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله ". ويقول كتاب الله المنزل على خاتم أنبياء الرسل (صلى الله عليه و آله و سلم):
(إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين) (الأعراف ـ 40) فعند مقارنة هذه الآية الشريفة أولا بالآيات التي ذمت المترفين والأغنياء ونسبت الكفر إليهم نجدها تتحد مع تلك الآيات الشريفة في ذم المكذبين، والمستكبرين والمجرمين، وهؤلاء أقل ما يمكن أن يقال عنهم أن من مصاديقهم الأغنياء المترفين، ولا نجد داعيا إلى الخوض في هذا المجال، والتدليل عليه والبرهنة على صحته إذ أنه أظهر من الشمس. والملاحظة الثانية هي أن القرآن الكريم يقارن بين استحالة
صفحة37
دخول الأغنياء والمترفين في ملكوت الله، ـ وهو عدم انفتاح أبواب السماء ودخول الجنة ـ وبين دخول الجمل في سم الخياط، وكذلك الأمر في الكلام المنسوب إلى المسيح (عليه السلام) حيث أنه عليه السلام قارن بين دخول المترفين ملكوت الله وهو الإيمان الذي نتيجته تفتح أبواب السماء لهم ومن ثم دخول الجنة، وبين دخول الجمل في ثقب الإبرة. وعلى هذا فلا مانع من أن ينسب معنى هذه الكلمات إلى السيد المسيح (عليه السلام).
ه ـ ومما يمكن أن يصح كونه قد صدر من جانب موسى (عليه السلام) ولا يحتاج إلى كثير بيان هو قول مؤلف سفر " التثنية " أنه (عليه السلام) حكى عن قصة مكوثه في الجبل أربعين ليلة قائلا:
" وأنا (موسى) مكثت في الجبل كالأيام الأولى أربعين نهارا وأربعين ليلة، وسمع الرب لي تلك المرة أيضا ولم يشأ الرب أن يهلكك ثم قال لي الرب قم اذهب للارتحال.. ". وبعد ذلك يشرع (عليه السلام) بإسداء النصح لبني إسرائيل مما يناسب أغلبه أن يكون كلام رسل. (التثنية 10: 10 ـ 13)
ثالثا:
هو جل ما يتضمنه الكتاب المقدس من معلومات وأقوال، وأعني بذلك أقوال المؤرخين، والتأليفات التاريخية التي صدرت عنهم أنفسهم. فالمراجع المدقق لكتاب اليهود والنصارى يجد أن كل واحد من
صفحة38
أناجيل العهدين القديم والجديد قد كتب من قبل واحد من المؤرخين. والعجيب أن أرباب الإنجيل أنفسهم قد ذكروا قائمة بأسماء المؤلفين لهذه الأناجيل. والأعجب من ذلك أنهم قد اعترفوا بعدم معرفة أسماء الكثير ممن ألف هذه الأناجيل، ومع ذلك يعودون ليقولوا أن الكلام المقدس هو كلام الله !! فقد ذكر (41 ,) collins , r. s. v في الصفحات 12 ـ 17 ما يلي (والكلام هو عين ما قاله):
أسماء مؤلفي الأناجيل:
التكوين: المؤلف: واحد من كتب موسى الخمسة.
الخروج: ينسب بشكل عام إلى موسى.
اللاويين: ينسب بشكل عام إلى موسى.
العدد: ينسب بشكل عام إلى موسى.
التثنية: ينسب بشكل عام إلى موسى.
يشوع: معظمه ينسب إلى يشوع.
القضاة: المؤلف:يحتمل أن يكون صموئيل.
راعوث: المؤلف: ليس معروفا حقا إلا أنه يمكن أن يكون صموئيل.
صموئيل الأول: المؤلف: غير معروف.
صموئيل الثاني:المؤلف: غير معروف.
الملوك الأول:المؤلف: غير معروف.
الملوك الثاني:المؤلف: غير معروف.
صفحة39
أخبار الأيام الأول: المؤلف: غير معروف. ويمكن أن يكون جمع وحرر من قبل عزرا.
أخبار الأيام الثاني: المؤلف الأرجح أنه جمع وحرر من قبل عزرا.
عزرا: يحتمل أن يكون كتب أو حرر من قبل عزرا.
أستير: المؤلف: غير معروف.
أيوب:المؤلف: غير معروف.
المزامير: مبدئيا داود، إلا أنه يوجد مؤلفون آخرون.
الأمثال: المؤلف: مشكوك في أنه من هو ؟ ولكن عموما ينسب إلى سليمان.
أشعيا: أغلبه منسوب إلى أشعياء وأقسام منه ربما كتبت من قبل آخرين.
يونان:المؤلف: غير معروف.
حبقوق:المؤلف: لا شئ معروف عن مكان أو تاريخ تولده.
إلى غير ذلك مما كتبه محققو النصرانية أنفسهم كما رأيت. أوقات المواليد والوفيات في العهدين !! وثمة أمر آخر لا بد من ذكره هنا وهو أن هؤلاء المؤرخين اتبعوا ـ على الأغلب ـ أسلوب مؤرخي القرنين الأولين بعد ميلاد نبي الله عيسى عليه السلام، فتجد أنهم كثيرا ما يذكرون أيام ولادة وتواريخ وفيات الأشخاص الذين تتضمنها كتبهم التاريخية هذه، علاوة على الأسلوب القصصي الذي اتبعوه كغيرهم من أدباء مؤرخي تلك الحقبة من تأريخ بني الإنسان وإليك الأمثلة على ذلك الأسلوب القصصي.
صفحة40
1 ـ " وحدث بعد هذه الأمور أن إبراهيم أخبر وقيل له هو ذا ملكه قد ولدت هي أيضا بنين لنا حور أخيك. (تكوين 22: 20)
2 ـ وكانت حياة سارة مئة وسبعا وعشرين سنة من سني حياة سارة وماتت سارة في قرية أربع التي هي حبرون في أرض كنعان... ". (تكوين 23: 1 ـ 2)
3 ـ " ثم أخذ العبد عشرة جمال من جمال مولاه ومضى وجميع خيرات مولاه في يده وذهب إلى آرام... ". (تكوين 24: 3 ـ 11)
4 ـ فجاء أهل قرية يعاريم وأصعدوا تابوت الرب وأدخلوه إلى بيت أبيناداب في الأكمة وقدسوا العازار ابنه لأجل حراسة تابوت الرب، وكان من يوم جلوس التابوت في قرية يعاريم أن المدة طالت وكانت عشرين سنة. (صموئيل الأول 7: 1 ـ 2)
5 ـ كان منسى ابن اثنتي عشرة سنة حين ملك وملك خمسا وخمسين سنة في أورشليم. واسم أمه حفصيبة. وعمل الشر في عيني الرب حسب رجاسات الأمم الذين طردهم الرب من أمام بني إسرائيل. وعاد فبنى المرتفعات التي أبادها حزقيا أبوه
صفحة41
وأقام مذابح للبعل وعمل سارية كما عمل أخآب إسرائيل وسجد لكل جند السماء وعبدها. وبني مذابح... ". (الملوك الثاني 21: 1 ـ آخره).
6 ـ إنجيل متى منذ البداية: " كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود.. (ثم ذكر آباء المسيح). أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا. لما كانت مريم مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى في الروح الأمين.. ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية من أيام هيرودس الملك... وفي تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهودية حينئذ جاء يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه... ولما رأى الجموع صعد إلى الجبل... ". (إنجيل متى 1: 1 ـ آخر). ولا بد من التذكير مرة أخرى بأن هؤلاء المؤرخين قد تعارضت تسجيلاتهم للتاريخ حتى في عدد آباء المسيح عليه السلام كما مر عليك، وستأتي تفصيلات أكثر حول تناقضات الإنجيل إن شاء الله تبارك وتعالى.
صفحة42
رابعا:
المذكرات الشخصية:
أو كتابة مجريات حدثت لبعض الأشخاص بأقلامهم كان لها حظ وافر من الكتاب المقدس. ومن هذه المذكرات إليك الأمثلة التالية:
أ ـ يقول لوقا:
" إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة. رأيت أنا أيضا إذ تتبعت كل شئ من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به ". وهنا عدة ملاحظات لا بد من تسجليها حول هذا الكلام:
1 ـ أن سفر " لوقا " لم يدرج في تعداد الرسائل في آخر الكتاب المقدس على رغم قوله " أن أكتب على التوالي إليك " مما يوحي بأن " ثاوفيلس " كان حاضرا عند " لوقا " إلا أن الثاني قرر كتابة مذكراته وإعطائها إلى تلميذ " على التوالي ".
2 ـ أن " لوقا " يشير بصراحة إلى كيفية بدء الأناجيل الموجودة في يومنا هذا إذ يقول:
" إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة ". فهو بهذا أشار أولا إلى أن بعضا ممن كان قبله كتبوا أناجيل معينة،
صفحة43
وأدرجوا فيها ما قبلوه هم، وخالفهم فيه غيرهم، فهو يشير إلى أن هؤلاء سلموها إلى لوقا وأمثاله، وأنها متيقنة عنده. وهذا دليل على أن هذه الأمور كانت موضع خلاف بينه وبين غيره... فبينما هو يتيقن بصحة أشياء ويرفض أو يشك في أخرى، فإنه لا بد من وجود طائفة أخرى تشك فيما يتيقن، وتتيقن بما يشك فيه أو يرفضه من الأساس. وثانيا صرح بأن إنجيله قد كتب في حقب لاحقة، وأن هناك من سبقوه إلى كتابة أناجيل أخرى إذ يقول. " كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين ".
3 ـ وأما قوله لثاوفيلس: " لتعرف صحة الكلام الذي علمت به ". فإنه يدل على أن " لوقا " لم يكن معتقدا بصحة كل ما ورد في الأناجيل التي وردت في أيام زمانه، ناهيك عن رفضه أو شكه في معلومات أخرى كانت تطرحها مدرسة مسيحية أخرى انقرضت الآن كما لا يخفى على أحد.
ب ـ ومنها:
" ولما انفصلنا عنهم أقلعنا وجئنا متوجهين بالاستقامة إلى كوس وفي اليوم التالي إلى رودس... ومن هناك إلى باترا. فاذا وجدنا سفينة عابرة إلى فينيقية صعدنا إليها وأقلعنا. ثم أطلعنا على قبرس وتركناها يسرة وسافرنا إلى سورية... ". (أعمال الرسل 21: 1 ـ 4)
صفحة44
وجدير بالذكر بأن " أعمال الرسل " هذه قد تلت حقبة المسح عليه الصلاة والسلام، وعلى رغم أن أغلبها كان محاولات أدبية، إلا أنها ـ وكما يظهر بوضوح ـ لم تتعد كونها مذكرات شخصية، وهذا يتجلى أكثر
في المثال التالي:
ج ـ " ولما وصلنا إلى أورشليم قبلنا الأخوة بفرح. وفي الغد دخل بولس معنا إلى يعقوب وحضر جميع المشايخ فبعدما سلم عليهم طفق يحدثهم شيئا فشيئا ". (أعمال الرسل 21: 17 ـ 19) فأي شئ هذا سوى مذكرات شخصية كتبها أحد المشاركين في السفر حول محيط الأبيض المتوسط، إتخذت فيما بعد مصدرا تاريخيا ثم نسبت إلى الله تعالى ذكره. د ـ " أحشائي أحشائي. توجعني جدران قلبي. يئن في قلبي. لا أستطيع السكوت... نظرت إلى الأرض وإذا هي خربة وخالية وإلى السماوات فلا نور لها. نظرت إلى الجبال وإذا هي ترتجف وكل الآكام تقلقلت. نظرت وإذا لا إنسان وكل طيور السماء هربت... ". (أرمياء 4: 19... 25)
صفحة45
ه ـ " سمعت فارتعدت أحشائي من الصوت رجفت شفتاي. دخل النخر في عظامي وارتعدت في مكاني لأستريح في يوم الضيق ". (حبقوق 3: 16). وهذا الكلام لا يعقل أن يكون كلاما موحى به من قبل الله تعالى، ولا كلام رسل لأن حبقوق هذا لم يعرف مكان أو تأريخ تولده، كما اعترف به أرباب اليهود والنصارى (41. Collins R. S. V ص 12 ـ 17) فضلا عن كونه نبيا أو مؤرخا. فهو بناء على ذلك ليس بكلام مؤرخ معروف. إذا فلا يعدو هذا الكلام كونه مذكرات شخصية لشخص غير معروف. و ـ ويلحق بالمذكرات الشخصية رؤيا يوحنا التي ختم بها الكتاب المقدس.
خامسا:
رجال الدين الذين أتوا في الحقب اللاحقة لعهد المسيح (عليه السلام) إلى أهل مدن مختلفة في ذلك العصر، تشكل القسم الأخير من الكتاب المقدس، وعدد هذه الرسائل عشرون رسالة وردت إلى المدن، والأشخاص التالية أسماؤهم:
1 ـ الرسالة الأولى إلى أهل رومية وهي رسالة من بولس المبشر المسيحي وهي تتضمن مواعظ وحكما وأحكاما، إضافة إلى رد على يهود زمانه بعض عقائدهم وأحكامهم، مثل مسألة الختان التي لم يكن يؤمن بها
صفحة46
مسيحيو القرنين الثاني والثالث بعد المسيح (عليه السلام) إلا أنهم عادوا ففرضوها طبيا في أيامنا هذه.
2 ـ رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس وعلى رغم نسبتها إلى بولس وحده إلا أنه يظهر من الجملة:
" بولس المدعو رسولا ليسوع المسيح بمشيئة الله وسوستانيس الأخ إلى كنيسة الله التي في كورنثوس ".
(رسالة بولس إلى أهل كورنثوس 1: 1) أقول يظهر أن سوستانيس قد شاركه في كتابة هذه الرسالة التي تحتوي أيضا على مواعظ وأحكام ونهي عن الاختلافات بين أتباع الكنيسة، وهي على ما يبدو أول رسالة تكلم فيها هذا النصراني عن مسألة الصليب بإسهاب، إذ أنه لا يوجد في الإنجيل ثمة إشارة إلى الصليب بهذا المعنى كما وجدت هنا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكنيسة الكاثوليكية قد قررت قبل سنين عديدة وبعد اشتداد وطأة الصهيونية، الاعلان عن برائة اليهود عن قتل المسيح (عليه السلام)، ونحن إذ نوافق على ذلك القول، لأن المسيح عليه الصلاة والسلام لم يصلب أصلا بل رفعه الله إليه، نجد أن إعلان الكنيسة هذا يخالف ما قاله بولس في رسالته حول هذه المسألة، عدا ما ورد في غير مكان في الإنجيل من لوم اليهود. يقول بولس:
" نحن نكرز بالمسيح مصلوبا لليهود عثرة... ". (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 23) هذا ويشير " بولس " في هذه الرسالة إلى نزاعات وانشقاقات
صفحة47
حدثت بين قادة الكنيسة آنذاك، وذلك في الإصحاحين الثالث والرابع فما بعد، علاوة على تشديده في كل رسائله على وجوب ترك الخبائث، وخاصة اللواط بين أتباع الكنيسة مما يعني أن هذه المشكلة كانت متفشية ومستفحلة بينهم منذ العصور الأولى، ولم تنحصر في العصر الحاضر فقط. وعند الانتقال إلى الإجابة على أسئلة أهل كورنثوس لنا ملاحظات أولها:
أنه يبدو أن بولس هو الذي بدأ فكرة الفتيا بالاستحسان أو " القول بالرأي " وذلك أنه قال:
" وأما العذارى فليس عندي أمر من الرب فيهن، ولكني أعطي رأيا كمن رحمه الرب أن يكون أمينا. فأظن أن هذا حسن لسبب الضيق الحاضر أنه حسن للانسان أن يكون هذا. أنت مرتبط بامرأة فلا تطلب الانفصال ". (الإصحاح 7: 25 ـ 27). وهنا تبدو الملاحظة الأخرى التي أردنا الإشارة إليها، وهي أن الطلاق في المسيحية لم يكن محرما، إلا أنه كان مكروها فقط. وهذا يفهم من قول بولس " أن هذا حسن للانسان أن يكون هكذا ". أما الملاحظة الثالثة فهي أن رهبانية الرجال والنساء لم يبدأها أحد سوى بولس هذا، وفي رسالته هذه بالتحديد عندما قال:
" غير المتزوج يهتم في ما للرب كيف يرضي الرب.
صفحة48
وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف يرضي امرأته. إن بين الزوجة والعذراء فرقا. غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسدا وروحا وأما المتزوجة فتهتم في ما للعالم كيف ترضي رجلها ".
(الإصحاح 7: 33 ـ 35) إلا أنه وعلى الرغم من فهم هؤلاء معنى الرهبانية من قوله هذا، ص 48:
فإننا نجده ينفي وجوب أتباع هذه النصيحة التي أعطاها حسب رأيه و ذلك عندما قال:
" إذا من زوج فحسنا يفعل ومن لا يزوج يفعل أحسن ". (الإصحاح 7: 38).
3 ـ رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس والتي اشترك معه في كتابتها تيموثاوس، وهذه الرسالة تتضمن غير مدحة لنفسه، جدالا مع اليهود ومقارعه كلامية لهم. ثم إننا نجده يعود فيعطي رأيه الخاص في مسائل الإنفاق و الصدقة في الإصحاح الثامن من هذه الرسالة. ويظهر لنا هنا سؤال وهو:
ما معنى قول " بولس " في الإصحاح العاشر:
" ثم أطلب إليكم بوداعة المسيح وحمله أنا نفسي بولس الذي في الحضرة ذليل بينكم وأما في الغيبة فمتجاسر عليكم " ؟ ! أو قوله:
" ليتكم تحتملون غباوتي قليلا " في أول الإصحاح الحادي
صفحة49
عشر. هذا وبولس صاحب هذه الرسائل يعتبر مؤسس المسيحية الموجودة اليوم.
4 ـ رسالة بولس إلى أهل أفسس، وهي تتضمن دعوة إلى إتباع النصرانية، وبعض المواعظ.
5 ـ رسالة بولس إلى أهل فيلبي والتي شاركه في كتابتها تيموثاوس. والملاحظة الأساسية هنا هي أن بولس أشار إلى وجود معارضين لمدرسته المسيحية هذه، كانوا يؤمنون بغير ما يؤمن به كما ورد في الإصحاح الأول: 15.
6 ـ رسالة بولس إلى أهل كولوسي والتي شاركه فيها تيموثاوس، وكتبت بيد تيخيكس وانسمس، ولم يقدم بولس بنفسه على كتابتها كما أنها أرسلت من مدينة رومية، وهي تتضمن مجموعة من الأحكام والوصايا.
7 ـ رسالة بولس الأولى إلى تسالونيكي والتي شاركه فيها كل من سلوانس وتيموثاوس، وهي أيضا مجموعة من العبر والوصايا.
8 ـ رسالة بولس الثانية إلى تسالونيكي والتي شاركه فيها سلوانس وتيموثاوس أيضا، وهي حث لأهل تلك المدينة على الصبر عندما سألوه عن وقت مجيئ المسيح (عليه السلام). وبهذا تكون قد انتهت المجموعة الأولى من رسائل بولس، وهي موجهة إلى مدن مختلفة. والملاحظ فيها كلها أن بولس كان يدعو فيها إلى نفسه، وإلى إتباع مدرسته، وأنه يبدو من كلامه في الرسالة التي أرسلها إلى أهل فيلبي
صفحة50
أنه لاقى نجاحا كبيرا في مقابل المدارس المسيحية الأخرى.
9 ـ رسالة بولس الأولى إلى تيموثاوس. وهذه هي وصيته إلى تلميذه هذا يحثه فيها على الثبات على مذهبه، ويعلن فيها أن بعض تلاميذه قد عارضوه و كفروا بما جاء به، وقد سمي منهم هيمينايس والإسكنـدر
(الإصحاح الأول). ووصيته هذه تتضمن أحكام رجال المسيحية الاساقفة وغيرها، وبعض المواعظ والحكم.
10 ـ رسالة بولس الثانية إلى تيموثاوس وفيها يشير " بولس " إلى ارتداد قوم آخرين من أتباعه وتركهم مذهبه. وقد سمى منهم هنا أيضا:
فيجلس وهو موجانس وديماس وكريسكيس وتيطس. وهنا أيضا قال ما يلي عن أسكندر:
" اسكندر النحاس أظهر لي شرورا كثيرة. ليجازه الرب حسب أعماله فاحتفظ منه أنت أيضا لأنه قاوم أقوالنا جدا ". (الإصحاح 4: 14 ـ 15) ثم إنه يبين أن " لوقا " قد بقي، ويطلب من تلميذه هذا إحضار " مرقس " معه. وبهذا يظهر بوضوح لنا أنه (أي بولس) قد أسس مدرسة فكرية مسيحية قاومها تلامذته الآخرون، ولم يبق معه إلا من نرى أناجيلهم اليوم. وأما باقي رجال الدين فقد انقرضت كتاباتهم بسبب سيطرة
صفحة51
مدرسة " بولس " على أتباع النصرانية.
11 ـ رسالة بولس إلى تيطس: وهي رسالة إلى ممثل مذهبه في جزيرة كريت وتتضمن بعض الوصايا والحكم.
12 ـ رسالة بولس إلى فليمون، والتي شاركه في كتابتها تيموثاوس، وكتبها أنسيمس الخادم من رومية. والغريب أنه قد ورد فيها ما يلي: " أنا بولس كتبت (هذه الرسالة) بيدي ". ثم إنها ختمت بما يلي: " كتبت من رومية على يد انسيمس الخادم ".
13 ـ رسالة كتبت على يد تيموثاوس من إيطاليا إلى العبرانيين، وهي وصايا وعبر، ورد على اليهودية في ذلك الزمان..
14 ـ رسالة يعقوب المبشر إلى الاثنى عشر من تلاميذه المبشرين في الآفاق، وهي مجموعة وصايا.
15ـ رسالة بطرس الأولى إلى تلاميذه في مدن مختلفة. وعجيب ما ورد في آخر هذه الرسالة حيث قيل:
" بيد سلوانس الأخ الأمين كما أظن كتبت إليكم ". (الإصحاح 5: 12) إذ أنها قد تعني أن بطرس هذا لم يدر حتى ما أدرج في هذه الرسالة التي كتبت باسمه !!
16 ـ رسالة بطرس الثانية إلى تلاميذه.
17 ـ رسالة يوحنا الأولى إلى تلاميذه وفيها حث على مقارعة
صفحة52
مبشرين كذبة (حسب رأيه) انتشروا في البلاد يومئذ.
18 ـ رسالة يوحنا الثانية إلى كيرية وأولادها.
19 ـ رسالة يوحنا الثالثة إلى غايس يحذره فيها من تلميذه ديوتريفس الذي انكر عليه عقائده وأقواله، واصبح يطرد كل من يقول بأقوال يوحنا، من الكنيسة.
20 ـ رسالة يهوذا وأخي يعقوب إلى التلاميذ. وخلاصة أمر هذه الرسائل أنها تحكي عن نزاعات شديدة بين رجال الكنيسة حول معتقدات ومواقف دينية لم يعلن منها إلا رأي من سمحت أغراض الكنيسة ـ الشخصية بإدراج كتاباتهم الأدبية في " الكتاب المقدس " !!!
صفحة53
الفصل الثاني
الكتاب المقدس !! بين القدسية والافساد
صفحة54
الكتب السماوية التي أنزلها الله سبحانه على عباده الذين اصطفى كان الهدف منها ولا يزال قيادة بني البشر وإيصالهم إلى عالم الفضيلة، والتحفظ على الأخلاق، ولا يمكن لأحد أن يدعي أن كتابا يحتوي على قصص الانحلال، والدعوة إلى الانخراط وراء الشهوات ويحكي عن التجرد عن الفضيلة ناسبا ذلك إلى أولياء الله، بل إلى البارئ سبحانه وتعالى علوا كبيرا، أنه كتاب مقدس. وبناء على هذا فإن أي منصف مدقق في الكتاب المقدس لا بد له من أن ينفي عنه صفة القدسية، ويرفض كونه كلام الله المنزل لما فيه من دعوات وقصص تنزه الكتب العادية نفسها عن إدراجها بين طياتها، فكيف بكتاب يصف نفسه بأنه مقدس. هذا ومن حسن الحظ أن أتباع الكتاب المقدس قد وقعوا في فخ نصبوه لأنفسهم، وذلك عندما طلبت إحدى دور النشر من مجلس مراقبة المطبوعات في جنوب أفريقيا أن تبدي رأيها في قصة سنذكرها هنا، فما كان من المجلس المذكور إلا أن منع نشرها لما فيها من الانحلال، ومن كلام غير مرغوب فيه. غير ملتفتين إلى أن هذه القصة هي بعينها وبكل كلماتها هي من صميم ما يسمى بالكتاب المقدس !! والغريب أن نفس أعضاء المجلس المذكور قد تحولوا إلى القول بأن " هذا كلام الله المقدس " عند معرفتهم بأن هذه القصة توراتية محضة،
صفحة55
وهم الذين منعوا نشرها بالأمس لما فيها من الانحلال (1). وإليك فيما يلي القصة كما وردت في الكتاب المقدس بعد الإشارة إلى أن دوائر الإشراف على التوراة والإنجيل قد قامت بتغيير بعض الكلمات إلى أخرى أكثر قبولا عند الناس. إن القصة تحكي عن امرأتين كانتا لله (استغفر الله)، وهاتان المرأتان اسم أولاهما " أهوله " والأخرى " أهوليبة ". " وزنت أوهلة من تحتي وعشقت محبيها أشور الأبطال اللابسين الاسمانجوني ولاة وشحنا كلهم شبان شهوة فرسان راكبون الخيل، فدفعت لهم عقرها لمختاري بن أشور كلهم وتنجست بكل من عشقتهم بكل أصنامهم. ولم تترك زناها من مصر أيضا لأنهم ضاجعوها في صباها وزغزغوا ترائب عذرتها، وسكبوا عليها زناهم، لذلك سلمتها ليد عشاقها ليد بني أشور الذين عشقتهم. هم كشفوا عورتها. أخذوا بنيها وبناتها وذبحوها بالسيف فصار عبرة للنساء وأجروا عليها حكما. فلما رأت أختها أهوليبة ذلك أفسدت في عشقها أكثر منها، وفي زناها أكثر من زنا أختها. عشقت بني أشور الولاة والشحن الأبطال
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) القائد ـ صوت الشعب المجلد 115 العدد 31 تاريخ الصدور 9 8 1985.
صفحة56
اللابسين أفخر لباس فرسانا راكبين الخيل كلهم شبان شهوة. فرأيت أنها قد تنجست ولكلتيهما طريق واحدة، وزادت زناها، ولما نظرت إلى رجال مصورين على الحائط صور الكلدانيين مصورة بمغرة، منطقين بمناطق على أحقائهم عمائمهم مسدولة على رؤوسهم كلهم في المنظر رؤساء مركبات شبه بين بابل الكلدانيين أرض ميلادهم عشقتهم عند لمح عينيها وأرسلت إليهم رسلا إلى أرض الكلدانيين فأتاها بنو بابل في مضجع الحب ونجسوها بزناهم فتنجست بهم وجفتهم نفسها. وكشفت زناها وكشفت عورتها فجفتها نفسي كما جفت نفسي أختها. وأكثرت زناها بذكرها أيام صباها التي فيها زنت بأرض مصر. وعشقت معشوقيهم الذين لحمهم كلحم الحمير (1)، ومنيهم كمني الخيل وافتقدت رذيلة صباك بزغزغة المصريين ترائبك لأجل ثدي صباك " !!! وبعد أن يذكر الكتاب المقدس (!!) كيف أن الله عاقبهما بإعطائهما للزناة يقول:
" هم الذين لأجلهم استحممت وكحلت
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) تجدر الإشارة ـ هنا ـ إلى أن نسخ الكتاب المقدس (!!) باللغة الانجليزية تصرح بأكثر من هذا فتقول بدل كلمة " لحمهم " (genitals أي أعضاءهم التناسلية راجع () * (Bible , New lnterna tional version)
صفحة57
عينيك وتحليت بالحلي وجلست على سرير فاخر أمامه مائدة منضضة ووضعت عليها بخوري وزيتي ". (حزقيال 23) وأنا لا يسعني إلا أن أقول لا لوم على أتباع الكتاب المقدس إذا ما كانوا معروفين بالإنحلال الخلقي، والفساد الجنسي على مر العصور، وكتابهم يصرح هكذا بأن زوجات آلهتهم تزني. والغريب أنك عندما تطرح هذا الموضوع على أتباع " الكتاب المقدس " وبخاصة أتباع الإنجيل يقولون:
" إيمان " أي لا بد أن نؤمن ولا نناقش !! هذا على أن الكتاب المقدس مملوء بمثل هذه الخرافات والقصص الخليعة إلى حد أنهم وبعد نسب هكذا قصص إلى الله تعالى علوا كبيرا عما يصفون نجدهم لم ينسوا حظ أنبياء الله تعالى من نسبة الانحلال والزنا إليهم. فمثلا نجد أن " داود " (عليه السلام) (حسب قولهم) قد قتل قائد جيشه وزنا بامرأته ثم تزوجها وولدت له ولدا فيما بعد اسمه " سليمان " !!! (راجع صموئيل 2: 12)
" وكان عند تمام السنة في وقت خروج الملوك أن داود أرسل يوآب وعبيده معه وجميع إسرائيل فأخربوا بني عمون وحاصروا ربه وأما داود فأقام في أورشليم. وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من
صفحة58
على السطح امرأة تستحم. وكانت المرأة جميلة المنظر جدا. فأرسل داود وسأل عن المرأة فقال واحد أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي. فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود وقالت إني حبلى. فأرسل داود إلى يوآب يقول أرسل إلي أوريا الحثي. فأرسل يوآب أوريا إلى داود. فأتى أوريا إليه فسأل داود عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب. وقال داود لأوريا أنزل إلى بيتك واغسل رجليك. فخرج أوريا من بيت الملك وخرجت وراءه حصة من عند الملك. ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل إلى بيته. فأخبروا داود قائلين لم ينزل أوريا إلى بيته. فقال داود لأوريا أما جئت من السفر. فلماذا لم تنزل إلى بيتك. فقال أوريا لداود أن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي. وحياتك وحيوة نفسك لا أفعل هذا الأمر. فقال داود لأوريا أقم هنا اليوم أيضا وغدا أطلقك.
صفحة59
فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داود فأكل أمامه وشرب وأسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده وإلى بيته لم ينزل. وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يوآب وأرسله بيد اوريا. وكتب في المكتوب يقول. اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. وكان في محاصرة يوآب المدينة أنه جعل أوريا في الموضع الذي علم أن رجال الباس فيه. فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب فسقط بعض الشعب من عبيد داود ومات أوريا الحثي أيضا. فأرسل يوآب وأخبر داود بجميع أمور الحرب. وأوصى الرسول قائلا عندما تفرغ من الكلام مع الملك عن جميع أمور الحرب. فإن اشتعل غضب الملك وقال لك لماذا دنوتم من المدينة للقتال. أما علمتم أنهم يرمون من على السور. من قتل أبيمالك بن يربوشث. ألم ترمه امرأة بقطعة رحى من على السور فمات في تاباص. لماذا دنوتم من السور. فقل قد مات عبدك أوريا الحثي أيضا. فذهب الرسول ودخل وأخبر داود بكل ما أرسله فيه يوآب. وقال الرسول لداود قد تجبر
صفحة60
علينا القوم وخرجوا إلينا إلى الحقل فكنا عليهم إلى مدخل الباب. فرمى الرماة عبيدك من على السور فمات البعض من عبيد الملك ومات عبدك أوريا الحثي أيضا. فقال داود للرسول هكذا تقول ليوآب. لايسوء في عينيك هذا الأمر لأن السيف يأكل هذا وذاك. شدد قتالك على المدينة واخربها. وشدده. فلما سمعت امرأة أوريا أنه قد مات أوريا رجلها ندبت بعلها. ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنا. وأما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب ". (صموئيل الثاني 12: 1 ـ 16) إذن فإن نبي الله المرسل يزني ويقتل أحد أكثر قادته إخلاصا له، بل إنه يسقيه الخمر حتى يسكر لكي يأتي امرأته فيغطي جريمته، إلا أنه في النهاية يقرر قتله... وقائده يوآب يعرف أن الملك داود لن يهدأ إلا بعد أن يعرف بأن أوريا قد قتل !!! سبحانك اللهم وتعاليت، وتنزه رسلك وأنبياؤك عن هذه الافتراءات والأباطيل، وحاشاك أن يكون هذا الكتاب كلامك المنزل. على أن أهل الكتاب المقدس هؤلاء قد تعدوا إلى أبعد من هذا حيث نسبوا إلى النبي " لوط " أنه زنى بإبنتيه، وأنهما ولدتا منه ولدين. وإليك ما قاله الكتاب المقدس في هذا المضمار:
" وصعد لوط من صوغر وسكن في الجبل
صفحة61
وابنتاه معه لأنه خاف أن يسكن في صوغر. فسكن في المغارة هو وابنتاه وقالت البكر للصغيرة:
أبونا قد شاخ وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض. هلم نسقي أبانا خمرا ونضطجع معه. فنحيي من أبينا نسلا. فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة. ودخلت البكر واضطجعت مع أبيها. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. وحدث في الغد أن البكر قالت للصغيرة إني قد اضطجعت البارحة مع أبي. نسقيه خمرا الليلة أيضا فادخلي اضطجعي معه فنحيي من أبينا نسلا. فسقتا أباهما خمرا في تلك الليلة أيضا وقامت الصغيرة واضطجعت معه. ولم يعلم باضطجاعها ولا بقيامها. فحبلت ابنتا لوط من أبيهما. فولدت البكر ابنا ودعت اسمه موآب. وهو أبو الموآبيين إلى اليوم والصغيرة أيضا ولدت ابنا ودعت اسمه بن عمي وهو ابو بني عمون إلى اليوم ". (تكون 19: 3 ـ 38) وكذلك نجد سليمانهم ـ حاشا نبي الله سليمان أن يكون كذلك ـ يتخذ سبعماءة من النساء والسيدات وثلاثماءة من السراري، حتى وصل
الأمر به إلى أن سجد للأصنام عند رغبة نساء في ذلك (الملوك 1: 3 ـ 6). ونجد أن إبراهيم عليه السلام الذي وصفته الروايات الإسلامية
صفحة62
بأنه كان من الغيرة بحيث أنه كان يضع زوجته في صندوق في حال السفر لئلا يراها أحد (1)، نجده عندهم يسلم " سارة " إلى فرعون مصر، ويقول له:
أنها أخته، ويعطي فرعون لإبراهيم قدرا من البهائم والأنعام مقابلها، ولكن فرعون هذا لما يعرف أن سارة زوجة إبراهيم يتركها، ويلوم إبراهيم على فعله هذا، ففرعونهم اتقي، وأفضل من خليل الله إبراهيم !! سبحانه الله.. أجل هذا هو كتابهم المقدس !! وإذا كان الأنبياء أنفسهم هكذا فلا عجب أن يكون أبناؤهم أكثر إنحلالا وتفسخا. ولا عجب أن نجد أبناءهم يغتصبون أخواتهم، وأن نجد الحكماء جدا (!!!) يسدون النصيحة إلى أبناء الأنبياء بأن يفعلوا هذه القبائح، فلقد ورد في الكتاب المقدس (!!) ما يلي:
" وجرى بعد ذلك أنه كان لأبشالوم بن داود أخت جميلة اسمها ثامار فأحبها أمنون بن داود. وأحصر آمنون للسقم من أجل ثامار أخته لأنها كانت عذراء وعسر في عيني أمنون أن يفعل لها شيئا. وكان لأمنون صاحب اسمه يوناداب بن شمعى أخي داود وكان يوناداب رجلا حكيما واحدا. فقال له لماذا يا ابن الملك أنت ضعيف هكذا من صباح إلى صباح. أما تخبرني. فقال له
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): الروضة من الكافي ص 370 ـ 373.
صفحة63
أمنون إني أحب ثامار أخت أبشالوم أخي. فقال يوناداب اضطجع على سريرك وتمارض وإذا جاء أبوك ليراك فقل له دع ثامار أختي فتأتي وتطعمني خبزا وتعمل أمامي الطعام لأرى فآكل من يدها. فاضطجع أمنون وتمارض فجاء الملك ليراه فقال آمنون للملك دع ثامار أختي فتأتي وتصنع أمامي كعكتين فآكل من يدها. فأرسل داود إلى ثامار إلى البيت قائلا اذهبي إلى بيت آمنون أخيك واعملي له طعاما. فذهبت ثامار إلى بيت أمنون أخيها وهو مضطجع. وأخذت العجين وعجنت وعملت كعكا أمامه وخبزت الكعك وأخذت المقلاة وسكبت أمامه فأبى أن يأكل. وقال أمنون أخرجوا كل إنسان عني. فخرج كل إنسان عنه. ثم قال أمنون لثامار إيتي بالطعام إلى المخدع. وقدمت له ليأكل فأمسكها وقال لها تعالي اضطجعي معي يا أختي. فقالت له لا يا أخي لا تذلني لأنه لا يفعل هكذا في إسرائيل. لا تعمل هذه القباحة. أما أنا فأين أذهب بعاري وأما أنت فتكون كواحد من السفهاء في إسرائيل. والآن كلم الملك لأنه لا يمنعني منك فلم يشأ أن يسمع لصوتها بل تمكن منها وقهرها واضطجع ". (صموئيل الثاني 13: 1 ـ 15).
صفحة64
والغريب أننا نجد في هذه القصة أن بنت النبي تقول لأخيها أن أباها النبي لن يمنع أخاها من إتيان أخته إذا ما طلب ابنه ذلك !! وللمنصفين أن يحكموا بأنفسهم على هذا الكتاب الآن. فهل يعقل أن يكون كتاب الله المنزل ؟ وهل يعقل أن يكون مثل هؤلاء أنبياء الله، وأبناء الأنبياء ؟ وهل يصح لأحد أن يلوم أتباع هذا الكتاب على كونهم أرباب الفساد والإنحلال، وأصحاب الخلاعة والدعارة ؟ ! إذن فليترك علماء الاجتماع الغربيون نظرياتهم وبحوثهم حول أسباب هذا الانحلال وليعلنوا بكل شجاعة أن دينهم ـ دين الفضيلة ـ هو السبب في كل هذا الفساد والتحلل. هذا من ناحية الدعارة المنسوبة إلى ساحات مقدسة جليلة الشأن، عظيمة الخطر. أما ورد في غيرهم سواء أكانوا أناسا يقدسهم القوم، أو مجرد بشر عاديين، فإنه لا يكاد يخلو منه سفر من أسفار الكتاب المقدس، ونحن لا نشعر بأية حاجة لإيراد مثل تلك القصص الفاسدة.
أضف إلى ذلك أن مسألة الفساد في كتاب العهدين (التوراة والإنجيل) قد تعدت مسألة التعدي على الأعراض لتشمل شرب الخمر وتعري الأنبياء إلى غير ذلك مما يندى له الجبين.
1 ـ قصة شرب " نوح " الخمر وتعريه، التي وردت في سفر التكوين، وقد ذكرت هذه القصة بألفاظ مختلفة في نسخ مختلفة من الأناجيل، فمثلا ورد في الكتاب المقدس (طبعة دار المشرق) المترجم ما بين الأعوام 1876 ـ 1879 ما يلي:
صفحة65
" وابتدأ نوح يحرث الأرض وغرس كرما. وشرب من الخمر فسكر وتكشف داخل خبائه ". (تكوين 9:
20 ـ 21). أما ما نشرته دار الكتاب المقدس في العالم العربي فقد ذكر القصة بنفس المعنى ولكن بلفظ مختلف: " وابتدأ نوح يكون فلاحا وغرس كرما. وشرب من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه " وعلى كل حال فجميع نسخ الكتاب المقدس تتحدث عن تعري نوح عليه السلام بعد شربه الخمر وسكره، وهذا يتنافى قداسة الأنبياء وتنزهه عن أقل الأخطاء وأصغر الخطايا، فضلا عن السكر وغيره.
2 ـ وقصة تعري الأنبياء هذه قد تكررت في نبوة " أشعياء " حيث مشى هذا النبي (!!) عاريا ثلاثة أيام هكذا:
" في ذلك الزمان تكلم الرب على لسان أشعياء بن آموص قائلا اذهب وحل المسح عن حقويك واخلع حذاءك عن رجليك. ففعل هكذا ومشى معرى وحافيا. فقال الرب كما مشى عبدي أشعياء معرى وحافيا ثلاث سنين آية وأعجوبة على مصر وعلى كوش. هكذا يسوق ملك أشور سبي مصر وجلاء كوش الفتيان والشيوخ عراة وحفاة ومكشوفي أستاههم فضيحة لمصر ".
3 ـ ويبدو أن التعري صار معيارا لنبوة الأنبياء عند بني إسرائيل
صفحة66
حتى أنهم يقولون أن شاول بين الأنبياء لأنه تعرى:
" فذهب إلى هناك إلى نايوت في الرامة فكان عليه أيضا روح الله فكان يذهب ويتنبأ حتى جاء إلى نايوت في الرامة، فخلع هو ايضا ثيابه وتنبأ هو أيضا أمام صموئيل وأنطرح عريانا ذلك النهار كله وكل الليل. لذلك يقولون:
أشاول أيضا بين الأنبياء ". (صموئيل الأول 19: 23 ـ 24) وقد تعدى الفساد في الكتاب المقدس كل الشرائع الإلهية حتى نسب إلى الأنبياء ارتكاب المجازر، وقتل الأطفال، والنساء والشيوخ، بل والأنعام، وهذا قد يفسر السبب وراء تاريخ أتباع الكتاب المقدس الأسود. فما من حرب قامت على وجه الأرض إلا وكان لهم يد في إضرام نارها حتى أن البارئ جل ذكره قد نسب إشعال نيران الحروب إليهم في القرآن الكريم، ومع ذلك فإن المستشرقين وجهوا تهمة القساوة إلى المسلمين على رغم اعتراف أربابهم وعلمائهم بعدم وجود أي دليل في القرآن الكريم ينسب إلى المعبود أنه أمر بتجاوز قيم العدل والرحمة الانسانية (1). وعلى رغم أن كتابهم المقدس هو صاحب مثل تلك القساوات والمجازر التي لم يفتأوا يرتكبونها حتى يومنا هذا.. وإليك الأمثلة من الكتاب
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) اعتذار لمحمد والقرآن ـ جون ديفن بورت ص 142.
صفحة67
المقدس (!!) وهي تثبت ما نقول:
أ ـ " وأخذها هي وملكها وسائر مدنها وضربوها بحد السيف وحرموا كل نفس بها ولم يبق باقيا كما صنع بحبرون كذلك فعل بدبير وملكها، وكما فعل بلبنة وملكها. وضرب يشوع جميع أرض الجبل والجنوب والسهل والسفوح وجميع ملوكها لم يبق باقيا بل ابسل كل نسمة كما أمر الرب إله إسرائيل، وضربهم يشوع من قادش برنيع إلى غزة وجميع أرض جوشن إلى جبعون ". (يشوع 10: 38 ـ 42)
ب ـ " والآن فاسمع صوت كلام الرب هكذا يقول رب الجنود. إني قد افتقدت ما عمل عماليق بإسرائيل حين وقف له في الطريق عند صعوده من صمر. فآلان اذهب واضرب عماليق وحرموا كل ماله ولا تعف عنهم بل اقتل رجلا وامرأة طفلا ورضيعا. بقرا وغنما، جملا وحمارا ". (صموئيل الأول 15: 1 ـ 3) والغريب أننا نجد أن شاول عندما رفض قتل " خيار الغنم والبقر والثنيات والخراف والجيد " نجده تعرض لسخط الله على رغم قتله للنساء،
صفحة68
والأطفال الرضع. فقد ورد في نفس السفر. " وكان كلام الرب إلى صموئيل قائلا:
ندمت على أني قد جعلت شاؤل ملكا لأنه رجع من ورائي ولم يقم كلامي ". (صموئيل الأول 15: 10 ـ 11)
ج ـ " هكذا تصنع بجميع المدن البعيدة منك جدا التي ليست من مدن أولئك الأمم هنا. وأما مدن أولئك الشعوب التي يعطيها لك الرب إلهك نصيبا فلا تستبق منها نسمة ما. بل أبسلهم إبسال الحثيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين، والحويين واليبوسيين كما أمرك إلهك ". (تثنية 20 ـ 15 ـ 18) والذي يلاحظ هنا هو أن كلمة نسمة قد ترجمت بكل ذي نفس في بعض الأناجيل وخاصة الانجليزية منها. وقد ذكر " جون ديفون بورت " في حاشية كتابه " اعتذار الى محمد والقرآن " ص 142 أن المبشرين الإسبانيين قد تحججوا بنصوص الإنجيل لقتل مليون هندي أحمر، وهو ينقل عن " سبلوفيدا " أنه كتب:
" معتبرين بتصرف بني إسرائيل نحو الكنعانيين (قام هؤلاء بقتل 12 مليون هندي أحمر) ولقد رأيت في جزيرتي منت ديمنقو وجمايكا أن أعمدة نصبت لصلب 13 هنديا أحمرا اكراما للثلاثة عشر حواريا، ورأيت أطفالا صغارا يرمون إلى الكلاب لتمزقهم وهم على قيد الحياة ". نعم هذا هو الكتاب المقدس (!!) وهؤلاء هم أتباعه.
صفحة69
الفصل الثالث
عيون الكتاب المقدس تناقضات.. حذوف..
صفحة71
عندما يجوب الباحث في طيات الكتاب المقدس تتمثل أمامه عشرات التناقضات والاختلافات بين التراجم، وتنهال عليه المفارقات كما ينهال المطر في البلاد الإستوائية. وهذه الحقيقة اعترف بها علماء المسيحية واليهودية على مر العصور، وأثبتها الواقع فهي ليست إذن تهمة نوجهها إلى كتاب الملايين من الناس. وإليك بعض أقوال علماء الكتاب المقدس في هذا المضمار: يقول ياركز (YARKZ) أن عدد أخطاء الكتاب المقدس يبلغ (000 30) ويقول:
القسيس ميل انها (000 100) ونيفا. دائرة المعارف البريطانية والفرنسية:
ما يقارب المليون خطأ، وقد اعترف بهذه الأخطاء والاختلافات كل من:
اكهارن، كسير، هيس، ديوت، ويز، نرش (1). إلا أن آخر اعتراف من قبل أرباب المسيحية في هذا المضمار ورد في مجلة (Awake) الصادرة في نيويورك بتاريخ 8 8 57 حيث تقول المجلة:
" قرر أحد خبراء الإنجيليزية منذ عام 1720 م أن الإنجيل
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): البشارات والمقارنات لمحمد الصادقي ص 408.
صفحة72
يحتوي على 000 20 خطأ (في العهد الجديد فقط) إلا أن طلاب اللاهوت المعاصرين يحتملون أن العدد يصل إلى (000 50) خطأ. وهذه الأخطاء تبدأ بالاختلافات بين أقوال المؤرخين (أصحاب الأناجيل المختلفة) وتمر بالفروق بين الترجمات وغيرها إلى أن تصل إلى الحذوف التي قررتها الكنائس ليتمشى الإنجيل مع التطور الحضاري الصاعد !! وقد اخترنا لك ـ أيها القارئ الكريم ـ عددا من هذه الأخطاء بادئين أولا بمجموعة الاختلافات والتناقضات:
1 ـ التناقض الأول هو بين إنجيل متى (21: 1 ـ 8) وبين مرقس (11: 1 ـ 8). ففي إنجيل " متى " قال المسيح لاثنين من تلاميذه: " إذهبا إلى القرية التي أمامكما فللوقت تجدان أتانا مربوطة، وجحشا معها فحلاهما وأتياني بهما ". وأما مرقس فقد ذكر أنه (عليه السلام) قال:
" اذهبا إلى القرية التي أمامكما فللوقت وأنتما داخلان إليها تجدان جحشا مربوطا لم يجلس عليه أحد من الناس فحلاه وأتيا به ". وقصة الجحاش هذه لم تنته هنا، فلقد أوجدت تناقضا آخر بين إنجيلي لوقا (19: 35) ويوحنا (12: 14) فالأول يقول:
" وأتيا به إلى يسوع وطرحا ثيابهما على الجحش وأركبا المسيح ".
صفحة73
بينما نجد أن يوحنا يقول إن المسيح ركب الجحش من تلقاء نفسه:
" ووجد يسوع جحشا فجلس عليه كما هو مكتوب ". وإذا كان الإنجيل لا يستطيع التوفيق بين عدد الجحاش ومن ركبها، وكيف ركبها فهل يعقل أن يكون كلام الله ؟
2 ـ ورد في سفر التكوين أن الله تعالى قد قضى عمر الإنسان أن يكون (120 سنة) عقابا له على اتخاذ النساء الحسناوات:
" وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس إنهن حسنات. فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا. فقال الرب لا يدين بروحي في الإنسان إلى الأبد لزيغانه هو بشر وتكون أيامه مئة وعشرين سنة ". (تكوين 6: 1 ـ 5) وهذا الكلام مردود بوجهين:
أولا: أنه يخالف الواقع الخارجي حيث أن أعمار الناس تتراوح بين يوم واحد ومئات السنين وربما الآلاف كما اتفق جميع بني البشر على ذلك.
وثانيا: أنه يخالف الكتاب المقدس نفسه، حيث ذكر أن عمر " نوح " بلغ 950 سنة: " وعاش نوح بعد الطوفان ثلاث مئة سنة وخمسين سنة فكانت كل أيام نوح تسع مئة
صفحة74
وخمسين سنة ومات ". (تكوين 9: 38 ـ 29) " وكانت كل أيام متوشالح تسع مئة وتسعا وستين سنة ومات ". (تكوين 5: 27) أما لامك فكانت 182 سنة: " وعاش لامك مئة واثنتين وثمانين سنة ".
(تكوين 5: 31) إلى غير ذلك من أعمار الشخصيات التوراتية والإنجيلية المتفاوتة كثيرا.. راجع (سفر التكوين) تجد العجب العجاب.
3 ـ ويبدو أن كتبة التوراة والإنجيل قد اختلفوا فيما بينهم ولم يستطيعوا أن يميزوا بين الله تعالى ذكره وإبليس اللعين، فنجدهم يختلفون في أن الذي فرض على " داود " عد وإحصاء بني إسرائيل هل كان " الله " أم عدوه اللدود " إبليس "، وفي هذا المضمار نجد أنهم يقولون:
" وعاد فحمي غضب الرب على إسرائيل فأهاج عليهم داود قائلا إمض وأحص إسرائيل ويهوذا ".
(صموئيل الثاني 24: 15) ويعودون فينسبون هذا الغضب إلى (إبليس كما في بعض النسخ) وإلى الشيطان بشكل عام في بعض النسخ الأخرى. " ووقف الشيطان ضد إسرائيل وأغوى داود ليحصي إسرائيل ". (أخبار اليوم الأول 21: 1)
صفحة75
ونجد في الحالة الأولى أن " داود " يرسل يوآب ليحصي إسرائيل، بينما يرسل معه رؤساء الشعب في الحالة الثانية عندما يأمره الشيطان بعد إسرائيل، وهذه وقاحة واضحة من قبل الكتاب المقدس !!
4 ـ وثمة اختلاف واضح بين عمر الملك يهوياكين، ومدة ملكه بين سفر الملوك الثاني، وسفر أخبار الأيام الثاني، فبينما يقول الأول: " كان يهوياكين ابن ثماني عشرة سنة حين ملك، وملك ثلاثة أشهر في أورشليم ". (الملوك الثاني 24: 8)
يقول الثاني: " كان يهوياكين ابن ثماني سنين حين ملك، وملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام في اورشليم " !!
(أخبار الأيام الثاني 26: 9)
5 ـ ذكر صاحب " البشارات والمقارنات " (ص 410) أن أصحاب الأناجيل اختلفوا في تاريخ بناء بيت المقدس، وهذا نص ما قاله: " في الملوك الأول 6: 8 وكان في سنة الأربعمائة والثمانين لخروج بني إسرائيل من أرض مصر، في السنة الرابعة لملك سليمان على إسرائيل، في شهر زيور وهو الشهر الثاني:
أنه بنى البيت للرب ". وهذا التاريخ غلط، أجمع على خلافه المؤرخون، وإن اختلفوا فيما بينهم كما يلي:
آدم كلارك يكتب عند شرح هذه العبارة التوراتية: إن المؤرخين
صفحة76
مختلفون في تاريخ بناء البيت. ففي المتن العبراني (480) واليوناني (440) وعند كليكاس (330) وكيوركانوس (590) ويوسي فس اليهودي (592) وسلبي سيوس سعريروس (588)... إلى ان قال: فلو أن النسخة العبرانية كانت إلهامية لما تعارفته الترجمة اليونانية، وعسكر المؤرخين الكاتبين، فهي إذا ليست إلهامية ولا صحيحة مهما كانت " (1).
6 ـ وعند مقارنة النصين التاليين تجد العجب العجاب في كتاب وصفوه (بل وسموه) بأنه مقدس. فقد اختلفت أقوال هذا الكتاب في عدد من قتلهم داود عليه السلام من آرام، واختلفت أقواله أيضا في أن الذين عددهم أربعين ألفا هل كانوا خيالة أم راجلين.. قارن بين العبارتين:
" اصطف داود للقاء أرام في الحرب فحاربوه وهرب أرام من أمام إسرائيل وقتل داود من أرام سبعة آلاف مركبة وأربعين ألف راجل وقتل شوبك رئيس الجيش ". (أخبار الأيام الأول 190: 17 ـ 18) " فاصطف أرام للقاء داود حاربوه. وهرب أرام من أمام إسرائيل، وقتل داود من أرام سبع مئة مركبة وأربعين ألف فارس، وضرب شوبك
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) البشارات والمقارنات لمحمد الصادقي ص 410 ـ 411.
صفحة77
رئيس جيشه فمات هناك ". (صموئيل الثاني 10: 17 ـ 19)
7 ـ الأعداد والأرقام تنفي قدسية الكتاب مرة أخرى، فقد اختلف سفر صموئيل الثاني مع الأيام الأول في عدد بني إسرائيل ورجال يهوذا فقال الأول:
" فدفع يوآب جملة عدد الشعب الى الملك فكان إسرائيل ثمان مئة ألف رجل ذي بأس مستل السيف ورجال يهوذا خمس مئة ألف ويهوذا أربعماءة وسبعين رجل مستلي السيف " (1). (صموئيل الثاني 24: 9) وقال الثاني:
" فدفع يوآب جملة عدد الشعب إلى داود فكان كل إسرائيل ألف ألف ومئة ألف رجل مستلي السيف ". (أخبار الأيام الأول 20: 5) فيكون عدد بني إسرائيل قد اختلف بين السفرين ب (000 200) وعدد رجال يهوذا ب (000 30).
8 ـ والذي يبدو جليا ان الكتاب المقدس ـ ونقصد كتبته ـ قد أخطأوا في عدد خيول ومركبات سليمان أنهم كتبوا في أخبار الأيام الثاني:
" وكان لسليمان أربعة آلاف مذود خيل ومركبات واثنا عشر ألف فارس فجعلها في مدن المركبات ومع الملك في أورشليم ". (9: 25)
صفحة78
وقالوا في الملوك الأول:
" وكان لسليمان أربعون ألف مذود لخيل مركباته واثنا عشر ألف فارس ". (4: 26) وما عليك إلا الرجوع إلى هذين السفرين لتتأكد من أن القصة واحدة مع اختلافات كثيرة في كيفية سردها.
9 ـ ونجد أيضا أنهم اختلفوا فـي عدد الحمامات (بث) التي صنعها سليمان في البحر !! فقد قالوا في الملوك الأول (7: 26): "... وغلظه شبر وشفته كعمل شفة وكأس بزهر سوسن. يسع ألفي بث ". وكلمة " بث " هذه ترجمت إلى (Bath) في النسخ الإنجليزية للكتاب المقدس وهي تعني حمام. بينما ارتفع عدد هذه الحمامات في سفر أخبار الأيام الثاني (4: 5) إلى ثلاثة آلاف. " وغلظه شبر وشفته كعمل شفة كأس بزهر سوسن يأخذ ويسع ثلاثة آلاف بث ".
10 ـ ورد في أخبار الأيام الثاني (22: 2) ما يلي:
" كان أخزيا ابن اثنتين وأربعين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة في أورشليم واسم أمه عثليا بنت عمري ". وورد في الملوك الثاني 8: 26.
صفحة79
" كان أخزيا ابن اثنتين وعشرين سنة حين ملك، وملك سنة واحدة في أورشليم. واسم أمه عثليا بنت عمري ملك إسرائيل ". فعلاوة على الاختلاف بين النصين في عمر الملك نجد أنه إذا صح النص الثاني، وإذا علمنا أن عمر يهورام والد الملك أخزيا عندما مات كان 40 عاما فلا بد أن يكون ابنه أكبر منه بسنتين، وهذا من معجزات الكتاب المقدس المفضوحة. وهذا نزر يسير من التناقضات والاختلافات الفاضحة التي شوهت وجه الكتاب المقدس، بحيث أنه لا يعقل أن يكون إنسان ذو بصيرة يعتبره مقدسا فعلا. والأغرب من ذلك أن بعض الرهبان اعترفوا بعدم كون الكتاب المقدس كلام الله، ومع ذلك تمسكوا به، وجعلوه أمامهم في الدنيا والآخرة.. وستأتي بعض اعترفاتهم إن شاء الله في فصل قادم. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإننا نجد أن مترجمي العهدين (التوراة والإنجيل) قد وقعوا في أخطاء واضحة عند القيام بهذا العمل، وبعد ملاحظة الأمثلة التالية عن الأخطاء الموجودة في ترجمتين:
إحداهما عربية، والأخرى إنجليزية، نذكر بأن الإنجيل ترجم أكثر من (6000 مرة) فكيف يسلم من الأخطاء مع فقدان النسخة الأصلية منه.
1 ـ تكوين 1: 27: " فخلق الإنسان على صورته ". وترجمت هذه الجملة بالشكل التالي إلى الانجليزية:
صفحة80
So Gad Create man in his own image فنلاحظ أن مترجمه إلى الإنجليزية قد أضاف كلمة (OWN) إلى متن الكتاب ليؤكد أن الإنسان خلق على هيئة الله تعالى، وهذا يخالف المتن العربي الذي قد يفهم منه (كما ورد في بعض الروايات) إن الله خلق الإنسان على صورته (أي صورة الإنسان)، الموجود في اللوح المحفوظ،
وهذا يخالف مبدأ أمانة الترجمة، على الأقل.
2 ـ تكوين 2: 25 النص العربي:
" وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته وهما يخجلان ". أما المترجمون بالإنجليزية فقد غيروا كلمة آدم إلى man، أي الإنسان بدون أن يضعوا الحرف الأول (m) مكبرا، ليدل على أن المقصود هو أن (الرجل) أو آدم، وهذا يجعل المقصود من النص الانجليزي عموم الناس. وقد يفسر هذا بعض الانحلال الموجود بين أتباع الكتاب المقدس اليوم وعلى مر العصور.
3 ـ التكوين 3: 8 " وسمعا صوت الرب الإله ماشيا في الجنة عند هبوب ريح النهار ". فترجمت جملة " عند هبوب الريح " إلى. In the cool of the day أي " في خلال برودة اليوم " وهذا اختلاف واضح في المعنى.
صفحة81
4 ـ تكوين 3: 15 " وأضع عداوة بينك وبين المرأة وبين نسلك ونسلها. وهو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه " وفي نسخة " فهو يسحق رأسك وأنت ترصدين عقبه ". وترجمت كلمة " يسحق " إلى كلمة bruise التي تعني يخدش أو يكدم أو يرض، وهذه الحالات أخف بكثير من حالة السحق.
5 ـ تكوين 4: 13 " فقال قايين للرب:
ذنبي أعظم من أن يحتمل ". أما في الانجليزية فقد ترجموا كلمة " ذنبي " إلى: MY Punish Ment التي تعني " عقابي " وشتان بين المعنيين. 6 ـ تكوين 6: 9: " كان نوح رجلا بارا كاملا في أجياله. وسار نوح مع الله ". ومعنى سار " نوح " مع " الله " ـ كما يفهم من تفاسير الإنجيل، والأناجيل الأخرى تعني أن نوحا عاش في الأيام التي رزقه الله إياها (1)، وسلك طريق رضوانه، وهذا المعنى ورد في إنجيل دار المشرق حيث بدلت كلمة بكلمة " سلك مع الله " وهي أقرب إلى الصحة من سار أو مشى.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع: Every mans taimud by Rev. Dr. cohen اليهودي وما قاله في هذا المضمار.
صفحة82
إلا أن أهل الانجليزية ترجموا السير هذا إلى (Walked) أي مشى مع الله. 7 ـ تكوين 7: 12: " ورأى الله الأرض فإذا هي قد فسدت إذ كان كل بشر قد أفسد طريقه في الأرض ". بينما ترجمت كلمة " رأى " إلى " نظر إلى " ((looked upon، وكلمة " فسدت " الى أنها " فاسدة " (It was corrupt) وكلمة " بشرية " إلى كلمة (all Flesh) أي كل شئ " ذي لحم " وهذا أعم من الإنسان. وهذا المعنى ورد في بعض الأناجيل العربية الأخرى، ولكن بدل كلمة " بشر ": " كل جسد ". 8 ـ تكوين 8: 1: " ثم ذكر الله نوحا وكل الوحوش ". وذكر هنا لا تعني " تذكر " بل تعني أنه عطف عليهم برحمته، خلافا للترجمة الانجليزية التي تقول: (remembered) أي تذكر. 9 ـ تكوين 11: 2: " وحدث في ارتحالهم شرقا أنهم وجدوا بقعة في الأرض... ". وأما الانجليزية فقد ذكرت أن ارتحالهم كان من الشرق أي غربا حيث قالوا (they journeyed from east) وفرق بين إلى الشرق ومن الشرق. وورد في إنجيل دار المشرق:
صفحة83
" وكان أنهم لما رحلوا من المشرق وجدوا بقعة من الأرض ". 10 ـ تكوين 1: 26: " وقال الله لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا ". أما في الأناجيل الانجليزية فقد وردت هكذا: (Our liken ess) فترجمت كلمة " المثل " إلى المثال أو بالعكس، وثمة فرق كبير في المعنى، والنتيجة، بين المثل والمثال. فالمثال يوافق أن يكون لآدم مثال موجود في اللوح المحفوظ، خلافا للمثل أي مثل الله تعالى. وهذا المعنى أي معنى المثال تـؤيده الروايات الشريفة الموجودة عندنا فالله منزه عن مثل هذا التشبيه أي تشبيهه بالانسان
(راجع الاختلاف الأول). ونضيف إلى هاتيان المجموعتين من أنواع التناقضات والاختلافات في الأناجيل (كتب العهدين) وبين ترجماتها، مثالين عن الحذوف التي طرأت على هذه الكتابات تاركين أمر التعليق حول سبب حدوث مثل هذه الحذوف المفصلة، إلى مكان آخر. فالأول حصل في سفر " حزقيال " وفي العبارة رقم 43 الإصحاح 23 حيث حذفت الكلمة الأخيرة من هذه العبارة، ولا زال مكانها متروكا خاليا إلى الآن في أغلب الأناجيل (نسخ العهدين) إلا تلك التي طبعت أخيرا لتغطي على هكذا أخطاء، وإليك نص العبارة:
صفحة84
" فقلت عن البالية في الزنا الآن يزنون زنا معها وهي " حذفت الكلمة ". (حزقيال 23: 43) (1). وقد قام ناشروا الإنجيل (العهدين) الانجليزي ((King games version بوضع كلمة (معهم) بعد لفظة وهي بالخط المائل، أي انهم أضافوها معترفين بذلك لملء الفراغ !! إلا أن الذي يبحث في الإصحاح الثالث والعشرين الذي ورد فيه هذا الحذف يخلص إلى أن الكلمة التي حذفت كانت من البذاءة بمكان، بحيث لم تسوغ لأرباب الكتاب المقدس أنفسهم تركها، فعمدوا إلى حذفها. أما الحذف الثاني فهو أكثر فصاحة من الأول، وأكثر وضوحا، فقد أثبت في الأناجيل الإنجليزية ومن ضمنها(King games Version) في العبارة 20 من الإصحاح السابع عشر من التكوين ما يلي:
" وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه. ها أنا هو أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا يلد، وأجعله أمة كبيرة ". وأثبتت هذه الآية في بعض نسخ العهدين العربية، إلا أنها حذفت تماما من بعض نسخ العهدين الأخرى لما تبينه من فضل إسماعيل (عليه السلام) والأئمة الأطهار الاثني عشر من ولده عليهم السلام.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع الكتاب المقدس الصادر عن دار الكتاب المقدس في العالم العربي.
صفحة85
الفصل الرابع
دسائس " العهدين " والعقائد المنحرفة.
صفحة87
لقد وردت روايات عديدة في كتب بعض الطوائف الدينية غير المسيحية واليهودية حول عدم عصمة الأنبياء، والجبر والتجسيم وحول عقيدة مهادنة الملوك والسلاطين الجائرين، وحرمة القيام ضدهم، وحول فصل الدين عن السياسة... ونحن نورد هنا أمثلة على جذور هذه العقائد من التوراة والإنجيل، ونحيل القارئ إلى كتابنا: " الاسرائيليات " الذي استوفينا فيه البحث عن هذا الموضوع:
أولا:
عدم عصمة الأنبياء. قد مرت عليك في الفصل الثاني ص 54 بعض القصص المنسوبة إلى داود وسليمان ونوح ولوط (عليه السلام) سابقا، والتي تطعن في عصمتهم، وتتهمهم بارتكاب الكبائر والفضائح والرذائل التي تشمئز منها نفوس العاديين من الناس، وترفضها عقولهم فضلا عن النابهين. والآن نبحث في عدة نصوص أخرى تنسب هكذا فضائح إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
1 ـ إننا نجد أن سليمان (عليه السلام) ـ حصب التوراة ـ يذهب وراء نساءه، ويتخذ المئات منهن، ثم يرضخ لطلبهن في اتباع الأصنام على رغم ترائي الرب له مرتين، حتى وصل الأمر به إلى أن غضب على نبيه (عليه السلام). فقد ورد في الملوك الأول (11: 3 ـ 6) ما يلي:
صفحة88
" وكانت له (لسليمان) سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئة من السراري فأمالت نساؤه قلبه. وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه. فذهب سليمان وراء عشتورت إله الصيدونين وملكوم رجس العمونيين. وعمل سليمان الشر في عيني الرب ". وورد في نفس الإصحاح أيضا:
" فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين ". (الملوك الأول 11: 9).
2 ـ نجد أن جبرئيل يعاقب زكريا بأن يمنعه من الكلام ثلاثة أيام متتالية وذلك لأن نبي الله لم يصدق كلام الوحي، كما ورد في الإنجيل:
" فقال زكريا للملاك كيف أعلم هذا لأني أنا شيخ وامرأتي متقدمة في أيامها. فأجاب الملاك وقال له:
أنا جبرائيل الواقف قدام الله وأرسلت لأكلمك وأبشرك بهذا. وها أنت تكون صامتا ولا تقدر أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون فيه هذا لأنك لم تصدق كلامي الذي سيتم في وقته ". (لوقا 1: 18 ـ 20).
صفحة89
وهل يعقل أن يكون نبيا مرسلا من يشك في صدق رسول الله الحامل بالوحي إليه !! سبحانك اللهم وتعاليت وتعالى رسلك عن هذه الأقوال.
3 ـ هذا على أن بطل الكتاب المقدس المغالى فيه عيسى بن مريم عليه السلام لم يسلم هو أيضا من مطاعنهم، فقد ذكروا أنه لاقى ما لاقى من عناد ومشقة لأنه كان مذنبا. " اذكر يسوع المسيح المقام من الأموات من نسل داود حسب إنجيلي الذي فيه احتمل عيسى (عليه السلام) المشقات حتى القيود كمذنب ". (رسالة بولس الرسول الثانية إلى تيموثاوس).
4 ـ وكذلك سرت هـذه الفضائح إلى شيخ الأنبياء نوح عليه السلام حين نسب إليه شرب الخمر ثم التعري
(تكوين 9: 20 ـ 21).
5 ـ وسجلت التوراة اعترافا من قبل داود (عليه السلام) أنه أخطأ جدا !! وانحمق لذلك: " فقال داود لـلرب لقد أخطأت جدا في ما فعلت والآن يا رب أزل إثم عبدك لأني انحمقت جدا ". (صموئيل الثاني 24: 10 ـ 11). هذا والشواهد في هذا المضمار لا حصر ولا حد لها كنسبة اتخاذ العجل من قبل هارون (عليه السلام) ، وكمقارعة داود وصرعه للرب... الخ.
صفحة90
وكما قلنا فإن أتباع بعض المذاهب ممن ينتسبون إلى رسالات سماوية اتبعوا روايات مدسوسة بعينها من التوراة والإنجيل، فقالوا بعدم عصمة الأنبياء، بل إنهم نسجوا على منوال هذه الأباطيل الإنجيلية روايات وقصصا فسروا بها كتبهم المقدسة، واتخذوها مصدرا بل مصادر لعقائدهم المنحرفة، لمآرب أوردناها في كتابنا: " الاسرائيليات " كما أسلفنا فراجع.
ثانيا:
الإنسان مسير ليس مخير. بيد أن الأمر لم يقف عند هذا الحد فقد تجاوز القوم مواقف اليهود والنصارى في العقائد المنحرفة الأخرى، لذا نجدهم اتحدوا معهم في أن الإنسان مجبر على فعل السيئات وارتكاب القبائح، ومع ذلك فهو يعاقب على هكذا أعمال لم يكن للانسان خيار فيها، ولا قدرة على تجنبها، فهم نسبوا بذلك الجور والظلم إلى الله تعالى عن ذلك علوا كثيرا كيف لا، وهم يقولون:
الله يخلق أعمالنا، بل يخلقنا أشقياء فنعمل السئ رغم أنوفنا ثم يعذبنا على ذلك !!.
والكتاب المقدس ملئ بنصوص تصرح بهذا المعنى فمنها أن أيوب (عليه السلام) قال: " ويسير (الإنسان الخير) متحدا مع فاعلي الإثم وذاهبا مع أهل الشر. لأنه قال لا ينتفع الإنسان بكونه مرضيا عند الله ". (أيوب 34: 9). فهو ينفي أن يكون التزام الإنسان وإتباعه لرضوان الله تعالى
صفحة91
نافعا له عند ربه إذا كان مقضيا عليه بغير ذلك.
2 ـ إن التوراة تنسب صنع الشر إلى الله تعالى، لا أن الإنسان بإرادته وباتباعه لأوامر الشيطان هو الذي يفعل الشر وغير المرضي. فقد ورد في أشعياء 45: 7. " أنا الرب وليس آخر مصدر النور وخالق الظلمة صانع السلام، وخالق الشر. أنا الرب صانع كل هذه ".
3 ـ ومثل هذا أيضا ما ورد في مراثي أرميا 3: 37 ـ 38: " من ذا الذي يقول فيكون والرب لم يأمر. من فم العلي ألا تخرج الشرور والخير ".
4 ـ وكذلك إدعت التوراة أن كل أعمال الإنسان خيرها وشرها من الله تعالى، ولم تنسب شيئا من ذلك إلى انسياق بني البشر وراء شهواتهم ولا إلى اتباعهم لخطوات الشيطان فتقول التوراة: " من الرب خطوات الرجل ". (أمثال 21: 24).
5 ـ وهي تثبت أيضا أن الإنسان لا يميز بين الخير والشر، وأن كل ما يفعله فهو من الله تعالى. فعل هذا لو قتل إنسان أخاه متعمدا ومن غير عذر، فإنه لا يلام على ذلك لعدم معرفته أن ذلك شرا، بل إن الله قد دفعه إلى ارتكاب هكذا جريمة سبحان الله. أضف إلى ذلك أن الإنسان إذا حاول أن يفعل خيرا فليس الأمر بمتروك له إذا كان قد كتب في عداد الأشقياء.
صفحة92
" لأن هذا كله جعلته في قلبي وامتحنت هذا كله أن الصديقين والحكماء وأعمالهم في يد الله. الإنسان لا يعلم حبا ولا بغضا الكل أمامهم. الكل على ما للكل. حادثة واحدة للصديق وللشرير للصالح وللطاهر وللنجس ". (جامعه 9: 1 ـ 2). 6 ـ بل لقد ذهب الكتاب المقدس إلى أكثر من هذا حتى قال إن الأبرار يدفعهم الله تعالى إلى أن يذنبوا حتى ولو كانوا أبرارا وكاملين في ذاتهم كما خلقهم سبحانه. " إن كان من جهة قوة القوي يقول ها أنذا. وإن كان من جهة القضاء يقول من يحاكمني. إن تبررت يحكم علي فمن. وإن كنت كاملا يستذنبني ". (أيوب 9: 19: 20).
7 ـ وقد وصل الأمر بالظلم إلى درجة أن نبي الله أيوب (عليه السلام) اضطر إلى الاعتراض على البارئ جل ذكره لعدم قبوله لهكذا وضع، فهو يقول ـ حسب الكتاب المقدس طبعا ـ !!. " قد كرهت نفسي حياتي، أسيب شكواي. أتكلم في مرارة نفسي، قائلا لله لا تستذنبني. فهمني لماذا تخاصمني. أحسن عندك أن تظلم أن ترذل عمل يديك وتشرق على مشورة الأشرار... (إلى أن قال:) في علمك أني لست مذنبا ولا منقذ
صفحة93
من يدك ". (أيوب 10: 1 ـ 6).
8 ـ إلا أن الكتاب المقدس يعود فيسلم الأمر إلى الله ويعترف بأن:
" السعي ليس للخفيف، ولا الحرب للأقوياء ولا الخبز للحكماء، ولا الغنى للفهماء ولا النعمة لذوي المعرفة لأنه الوقت والعرض يلاقيانهم كافة ". (جامعه 9: 11).
9 ـ فيلومنا هذا الكتاب المقدس معارضا نفسه على عدم قبول هذا الوضع المنافي للعدالة الإلهية قائلا. " أالخير نقبل من عند الله والشر لا نقبل ". (أيوب 2: 10). 10 ـ ثم يدفع بنا إلى التسليم لفعل الشر والمنكرات مخبرا إيانا. " إن البلية لا تخرج من التراب والشقاوة لا تنبت من الأرض ولكن الإنسان مولود للمشقة كما أن الجوارح لارتفاع الجناح ". (أيوب 5: 6). وهكذا تنتهي قصة الإنسان الذي في الكتاب المقدس... تنتهي بنا إلى القول بأننا عندما نفعل الآثام والشرور فمن ذا الذي يلومنا على ذلك والله هو الذي يدفعنا إلى ارتكابها رغم أنوفنا. وكما قلنا فقد نسج على هذا المنوال أتباع مذاهب دينية أخرى
صفحة94
بعد تسرب سفاسف الكتاب المقدس هذه إلى كتب تفاسيرهم وحديثهم.
ثالثا:
الله كواحد من بني إسرائيل:
وتجرأ الكتاب المقدس أكثر من هذا إذ تعدى حدود تنزيه الله تعالى ليجعله كواحد من بني إسرائيل، بل أن ملك بني إسرائيل داود (عليه السلام) يصرع الله تعالى في مباراة رياضية يكون فيها داود غضبانا. فنحن نجد الله تعالى في الإنجيل يعد بأن يسكن مع بني إسرائيل ويسير بينهم:
1 ـ " كما قال الله إني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم آلها وهم يكونون لي شعبا ". (2 كورنثوس 6: 16).
2 ـ وهذا منوح وامرأته وآخرين يرون الله، فمنوح يقول لامرأته. " نموت موتا لأننا قد رأينا الله ". (قضاة 13: 22). وآخر يقول: " رأيت السيد (الله جل ذكره) جالسا على كرسي عال... فقلت ويل لي لأن عيني قد رأتا الملك رب الجنود ". (أشعياء 6: 1 ـ 5).
3 ـ أما داود (عليه السلام) فهو لا يهتم لرؤية الله تعالى، بل هو يقول:
" أما أنا فبالبر أنظر وجهك. أشبع إذا استيقظت بشبهك ". (مزامير داود 17: 15).
صفحة95
4 ـ وبينما يرى البعض الله تعالى." قدر رأيت الرب جالسا على كرسيه وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره ". (الملوك الأول 22: 195).
5 ـ ويراه دانيال فيصفه لنا، ويصف لباسه وهيئته: " كنت أرى أنه وضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار، وبكراته نار متقدة ". (دانيال 7: 9).
6 ـ هذا على أن الله تعالى ـ حسب التوراة ـ موجود فقط في السماء، فهو محدود، وبعيد عن خلقه، وهذا يذكر بعقيدة القائلين بعقيدة " الله في السماء " المنحرفة:
" لا تستعجل فمك ولا يسرع قلبك إلى نطق كلام قدام الله. لأن الله في السماوات وأنت على الأرض ". (جامعة 5: 2). وهكذا عرفنا أن الرب في الكتاب المقدس ما هو إلا مخلوق كامل الصفات، جميل يلبس الأبيض، ويجلس على كرسيه، وأنه سيأتي يوم القيامة ليسكن مع اليهود ويسير معهم، تعالى الله عن ما يقولون علوا كبيرا. وبعدما اطلعت على هذه العقيدة المنحرفة وبعد أن عرفت أيضا
صفحة96
أن أصحاب بعض المذاهب قالوا بما قالت به اليهود والنصارى نبين لك أيها القارئ العزيز بطلان هذه العقيدة فنقول:
كتب الشيخ المظفر في عقائد الإمامية ص 64. " ونعتقد أن صفاته تعالى الثبوتية الكمالية أنه عادل غير ظالم فلا يجوز في قضائه، ولا يحيف بحكمه، يثيب المطيعين وله أن يجازي العاصين (( وهذه العبارة الأخيرة إشارة إلى رحمة الله ومغفرته )) ولا يكلف عباده ما لا يطيقون ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقون... ". وقد احتج رضوان الله عليه لاستحالة فعل الظلم على الله تعالى في نفس المكان بقوله:
" فلو كان يفعل الظلم والقبيح تعالى عن ذلك فإن الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:
1 ـ أن يكون جاهلا بالأمر فلا يدري أنه قبيح.
2 ـ أن يكون عالما به ولكنه مجبور على فعله وعاجز عن تركه.
3 ـ أن يكون عالما به وغير مجبور عليه ولكنه محتاج إلى فعله.
4 ـ أن يكون عالما به وغير مجبور عليه ولا يحتاج عليه. فينحصر في أن يكون فعله تشهيا وعبثا ولهوا. وكل هذه الصور محال على الله تعالى وتستلزم النقص فيه وهو محض الكمال فيجب أن نحكم أنه منزه عن الظلم وفعل ما هو قبيح ". والمعنى الصحيح في مجال أفعال العباد هو أن أفعالنا وإن كانت صادرة عنا ونحن أسبابها الطبيعية، فعلناها باختيارنا وقدرتنا غير مجبرين عليها، ولهذا فنحن إذا عوقبنا على ما قبح منها لا يكون ذلك ظلما لنا إلا أن هذه الأفعال داخلة تحت سلطانه تعالى، وهي من جملة مقدوراته لأن
صفحة97
الله سبحانه وتعالى هو مفيض الوجود ومعطية، ونحن بكل ما يرتبط بنا داخلون تحت سلطانه، وعلى هذا فإن خلق أفعالنا ليس مفوضا إلينا كما ليس خارجا من سلطان الله، بل إن الأفعال نحن نفعلها بتلك القدرة التي أعطانا الله، وخيرنا بين استعمالها في الخير أو في الشر، لكن بقيت القدرة مفاضة من الله تعالى ذكره، وإلى هذا أشار الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بقوله:
" لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين " (1). ولم نجد بيانا أفضل لهذا الموضوع من خطبة أوردها العلامة الطبرسي (رض) في كتابه المسمى بالإحتجاج، لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في هذا المضمار لما فيه من شمول وتبيان واضح للعقيدة السليمة أولا، وسرد للحجة البالغة ثانيا:
قال عليه الصلاة والسلام:
" لا يشمل (الله تعالى) بحد " أي لا تحده الحدود المادية ولا المنطقية المركبة من الجنس والفصل، وذات البارئ عز وجل خالية من التركب، أو من الحدود والأبعاد الهندسية لأنها من لوازم الأجسام وهو تعالى ليس بجسم. " ولا يحسب بعد ". إشارة إلى أن الله تعالى واجب الوجود ليس له مماثل فهو لا يتعدد. " وإنما تحد الأدوات نفسها ". لأنها من الأجسام، والأجسام مشمولة للحدود والأبعاد الهندسية. " وتشير الآلات إلى نظائرها ".
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) التوحيد للصدوق باب الجبر والتفويض.
صفحة98
لأنها محدودة، والمحدود قابل للتعدد، ويحتمل وجود الشبيه والمثيل، وبهذا يكون مشيرا إلى مثله الممكن. " لا تجري عليه الحركة والسكون وكيف يجري عليه ما هو أجراه ". وهذا من أبلغ الكلام واضحه، فهو عليه السلام قد دلنا على أن الله سبحانه لو كان يجري عليه ما صنع لكان خاضعا لخلقه، وبذلك لا يكون إلها، وبما أنه خلق الحركة والسكون وابتدأهما، فكيف يصح أن يجري عليه ما هو برأه وخلقه وهذا ما عناه بقوله:
" ويعود إليه ما هو أبدأه ". ثم أنه عليه السلام تطرق إلى حقيقة أخرى وهي أنه إذا كان الله محدودا فإنه لا بد وأن له أمام ووراء، ولكان ناقصا، وأذن لطلب التمام تبع لسنة الخلق الذي يسعى إلى الكمال لنقصانه، واعتماده على غيره، وهو الله تعالى. فإذن المحدودية تلازم النقصان والنقصان يتطلب السعي وراء الكمال لتحصيله، والكمال يحصل من الأكمل، فلا بد أن يكون إذن من هو أكمل من الله، وهذا محال. أضف إلى ذلك أن المحدود الناقص إذا سعى وراء الأكمل فلا بد في النهاية من أن يكون مصنوعا لشئ، والمصنوع يدل على الصانع وقدرته وعبقريته، فإذا كان الله جسما، فإنه محدود والمحدود كما قلنا ناقص، وبما أن الناقص مصنوع، فإن الله يكون ـ لو كان جسما ـ دالا، وآية على غيره، وهذا ما يخالف الحق، ويتعارض مع الواقع وينافي تنزيه البارئ جل ذكره.
صفحة99
وكل هذا أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما قال:
" وكيف... ويحدث فيه ما هو أحدثه، إذا لتفاوتت ذاته... ولكان له وراء إذا وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه " (1). وخطبة أمير المؤمنين هذه من أجمع ما رأيته في العلوم والمعارف التوحيدية فراجعها تزدد علما، ووقوفا على الحق. وبهذا نكون قد بينا بطلان عقيدة التجسيم، وبينا ـ على أثر ذلك ـ بطلان كل ما ورد في الكتاب المقدس في هذا المضمار، ويستلزم هذا كون هذا الكتاب أي شئ غير كلام الله المنزل لما فيه من منافاة للحق، وتنزيه البارئ جل ذكره. رابعا:
مهادنة الملوك الظلمة لقد نادى الكتاب المقدس (!!) أتباعه إلى مهادنة الملوك، وحرمة القيام ضد السلاطين الظلمة، وقرر عقيدة فصل الدين عن السياسة التي أصبحت الدول الاستكبارية تتمسك بها اليوم متحججة بأن الدين علاقة المرء بربه، والسياسة هي علاقته بالآخرين من بني نوعه. وعلى رغم إمكانية صحة ما ورد هنا من نصوص في هذا المضمار، إلا أن استعمالها كان في غير محلة، والذي استنبط منها خالف هدفها
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الاحتجاج للطبرسي، إحتجاجه (عليه السلام) في ما يتعلق بتوحيد الله وتنزيهه ص 201 ـ 202 الطبعة اللبنانية.
صفحة100
الأصلي، فمثلا:
1 ـ ورد في الإنجيل أن المسيح (عليه السلام) قال:
" سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر. من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين ". (متى 5: 38 ـ 41) أما النص فإنه لا بد وأن يكون منسوبا بالزور والبهتان إلى السيد المسيح (عليه السلام) لما فيه من إبطال لقانون القصاص الذي أثبتته التوراة، وهي الجزء الأكبر من الكتاب المقدس، وأيد ذلك القرآن الكريم. وإذا لا يعقل أن يكون نبي الله عيسى (عليه السلام) قد رفض قانونا من قوانين التوراة ذا حكمة بالغة، وفائدة عظيمة. وعلاوة على ذلك فإن جمل " لا تقاوموا الشر " و " اذهب معه اثنين " ونظائرها مما تدعو إلى الاستسلام للظلم، بل الانقياد التام للظلمة تنافي روح الديانات السماوية التي لم تأت لتدعو الناس إلى قبول عبودية غير الله بل أتت لتعلن أن بني البشر أحرار مستقلون لا ينبغي لهم عبادة أحد غير الله الواحد الأحد. ويمكن وصف النص التالي بكونه ممكن الصدور عن السيد المسيح (عليه السلام) لما فيه من تورية وتقية استعملها عليه السلام ليتجنب اضطهاد الظالمين، وبطش القياصرة، وهذا ما بحثناه في أول الكتاب
صفحة101
فراجع. أما النص الآخر فهو:
" فعلم (عيسى) رياءهم وقال لهم لماذا تجربونني. ايتوني بدينار لأنظره. فأتوا به فقال لهم لمن هذه الصورة والكتابة وقالوا له لقيصر. فأجاب يسوع وقال لهم أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ". (مرقس 12: 15 ـ 17) وكما قلنا آنفا فقد بنت الكنيسة الكاثوليكية والدول العلمانية الأوربية والغربية الأخرى سياستها المعروفة بفصل الدين عن السياسة على هذا القول معتبرين إياه أوضح نص في هذا المجال. وقد أثبتنا في أول الكتاب أن هذا النص لا يعني بأي وجه فصل الدين عن السياسة، بل إن مقصود السيد المسيح (عليه السلام) هو تجنب اضطهاد القياصرة والابتعاد عن ظلمهم. وثمة نقطة أخرى وهي وأن النصوص التي وردت لتمنع تدخل العباد، ورجال الدين خاصة منهم من التدخل في أمور الناس العامة، توجد في الإنجيل دون التوراة، ولعل ذلك يرجع إلى أن اليهود حصروا دين النصارى الجديد الذي هدد دينهم بين جدران الكنائس، وبأيام الآحاد وفي الطقوس العبادية دون غيرها، وأرادوا للنصارى ترك أمور الاقتصاد والسياسة إلى اليهود أنفسهم أو إلى الحكام الذين ينصبونهم، وهذا ما يحكيه الواقع اليوم في أغلب أقطار العالم. وقد ذهب الكتاب المقدس إلى أكثر من هذا فقد جعل الخروج
صفحة102
على السلاطين الظلمة خروجا على الله تعالى لأنهم ـ حسب الكتاب المقدس نفسه ـ ترتيب الله في الأرض، وهم بذلك غير ملتفتين إلى أنه لو صح أن الله نصب السلاطين الظلمة في الأرض وأوجب طاعتهم لكان ذلك يعني أن الله يريد الظلم ويحب الجور، ويرفض التوحيد، وذلك لأن إطاعة الظلمة توجب الخروج على الشرائع، والأحكام الإلهية، فعندها يكون المرء ملزما باتباع أحكام غير الله على أنها واجبة الإتباع، ومخالفتها يعتبر أمرا حراما، وهذا ربما يقال عنه أنه نوع من الشرك المعنوي، فضلا عن كونه تناقضا من قبل الله تعالى. وما ورد في الإنجيل في هذا المضمار هو ما يلي:
" لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة لأنه ليس سلطان إلا من الله والسلاطين الكائنة هي مرتبة من الله. حتى أن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة ". (رومية 13: 1 ـ 3) أما التوراة فقد ذهبت إلى أبعد من ذلك حين جعلت من سب الملوك والسلاطين، بل حتى الإنكار القلبي عليهم عملا منافيا للشريعة مغايرا لأمر الله تعالى، فقالت:
" لا تسب الملك، ولا في فكرك ولا تسب الغني في مضجعك. لأن طير السماء ينقل الصوت وذو الجناح يخبر بالأمر ". (جامعة 10: 20)
صفحة103
والملاحظ هنا إلحاق التوراة للأغنياء بالملوك، وقد يكون السبب في ذلك أن أغلب إقطاعيي العالم كانوا من اليهود، فأرادوا إسباغ نوع من الحصانة والقدسية على أعمالهم مهما كانت، وكيفما خالفت الحق وتنافت معه. ولا يخفى على أحد بطلان مثل هذه العقيدة لمنافاتها للهدف الذي جاء من أجله الأنبياء، وهو إخراج الناس من العبودية لغير الله إلى عبادة الله وحده، ومن ثم تحرير الناس كافة من قيود الإذلال، والاستسلام لغيره سبحانه كما أسلفنا. وبهذا يظهر لنا كيف أن الكتاب المقدس قد دعى إلى عقائد انحرافية كانت أساسا للشرك، والاستسلام، وإخراج العبد من تنزيه البارئ جل ذكره إلى وصفه بصفات يأنف الإنسان أن يصف بها الناس. فيستحيل ـ في ضوء هذه النتيجة ـ أن يكون الكتاب المقدس. مقدسا، أو كلام الله. وكما قلنا مكررا حذى بعض المذاهب الدينية حذو بني يهود في هذا المضمار، فقالت بكل ما قالوا.. نعم احتفظوا باسم دياناتهم الأصلية غير ملتفتين ـ ولعلهم ـ إلى ما في ذلك من نقض لعقيدتهم، ونفي لشريعتهم الأصلية. وعقائد الجبر والظلم والاستسلام الواردة في كتب اليهود والنصارى هي التي حدت بالملحدين، وأعداء الديانات إلى تسمية ووصف الدين بأنه " أفيون الشعوب " ونحن إذ نوافق هؤلاء في أقوالهم هذه، إلا أننا ننكر عليهم تعميم هذا الكلام، والوصف، لأن الدين الإسلامي الحنيف السائر على خطى أهل بيت النبوة (عليه السلام) هو حقا دين رفض
صفحة104
العبودية، ونفي الاستسلام إلا للذي خلقنا ورزقنا، وهو مولانا في الدنيا والآخرة. فعند مراجعة عقائدنا تجد أن عقيدة الجهاد، والاستقلال من أهم وأشرف العقائد، وحكمهما من أقوى الأحكام عرى، وأشدها ظهورا.. وبالنتيجة فإن الدين الذي هو أفيون الشعوب هو ذاك الدين الذي نادى به الكتاب المقدس وأتباعه ومن حذى حذوهم، لا الدين المحمدي الذي أتانا عن طريق أهل البيت (عليه السلام). وهناك كلمة وجيزة أوجهها إلى رجال الدين المسيحي خاصة، وهي أن الظلم والجور الذي ترونه في جنوب ووسط إفريقيا وآسيا من قبل الدول، وما تلاحظونه من تأييد الفاتيكان للدول الظالمة إنما هو بسبب هكذا نصوص في كتابكم المقدس (!!) لذلك فإنني أدعوكم للاطلاع بعين الإنصاف على عقائد الإسلام الحقة، تلك العقائد التي جعلت من المسلمين أمة معروفة بحب الحرية، ورفض العبودية والسير نحو تحصيل ذلك، غير مهتمين للثمن، بل إنهم يعتبرون الموت في سبيل تحطيم قيود العبودية لغير الله أشرف درجة يستطيع الإنسان الحصول عليها، وأخص في المنادين بكلماتي هذه الشباب المتعطش إلى الحرية والكمال، سواء أكانوا مسيحيين أو منتمين إلى غير ذلك من مذاهب وعقائد دينية.
صفحة105
الفصل الخامس
هل صلب المسيح (عليه السلام) ؟
صفحة107
هل صلب المسيح (عليه السلام) ؟ ماذا يقول الإنجيل عن ذلك ؟ أولا وقبل كل شئ يجب علينا أن نقدم مقدمات عديدة حول بعض عقائد ومقالات النصارى، لنستطيع بعدها أن نبحث في ذلك النصوص التي وردت حول قصة صلب المسيح المسيح (عليه السلام) فنتبين من ثم أن هذه النصوص لا تدل فقط على عدم صلبه (عليه السلام) بل إنها تذهب إلى حد نفي صلبه (عليه السلام). أما المقدمة الأولى فهي أن عقيدة النصارى هي أنه وبعد موت الإنسان، لا يعود جسدا قط، وإنما يتحول إلى روح ملائكية صرفة (1) بعيدة عن كل متطلبات ولوازم الجسم. وهذا ظاهر ـ بجلاء ـ من عدة نصوص منها ما ورد في إنجيل " لوقا " من أن قوما من الصدوقيين الذين يقاومون أمر القيامة حضروا
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) والسبب في ذلك أنهم يعتقدون بأن الجسد هو آلة الخطايا، فلا بد أن يخرج الإنسان من آلة الخطايا ليدخل ملكوت الله. يقول الفتى بسام ميخائيل مدني مدير ساعة الاصلاح في كتابه " تعاليم الكتاب المقدس " ص 198 " فإذا نحن واثقون كل حين وعالمون أننا ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان فنثق ونسر بالأولى أن نتغرب عن الجسد ونستوطن عن الرب. لذلك نحترص أيضا مستوطنين كنا أو متغربين أن نكون مرضيين عنده ".
صفحة 108
وسألوه (أي المسيح) قائلين:
" يا معلم كتب لنا موسى إن مات لأحد أخ وله امرأة ومات بغير ولد يأخذ أخوه المرأة ويقيم نسلا لأخيه. فكان سبعة إخوة. وأخذ الأول امرأة ومات بغير ولد. فأخذ الثاني المرأة ومات بغير ولد. ثم أخذها الثالث وهكذا السبعة. ولم يتركوا ولدا وماتوا وآخر الكل ماتت المرأة أيضا. ففي القيامة لمن تكون زوجة لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب وقال لهم يسوع:
أبناء هذا الدهر يزوجون ويزوجون. ولكن الذين حسبوا أهلا للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ولا يزوجون. إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة ". (لوقا 20: 27 ـ 37) وبهذا يكون قد أثبت المسيح (عليه السلام) حسب قول " لوقا " أن الأموات عندما يحشرون إلى الجنة فهم لا يتعدون كونهم أرواحا بدون أجساد ولا مادة. وأما المقدمة الثانية فهي أن الإنجيل بنفسه يصرح بأن الحواريين قد تركوا المسيح (عليه السلام) عند إلقاء القبض عليه وهربوا، وبذلك لم يكونوا شهود عيان لعملية الصلب المزعومة، بل إنهم قد سمعوا عن صلب
صفحة109
سيدهم المسيح(عليه السلام) على الأخشاب من أفواه الناس، وإليك قصة اعتقال المسيح، وهرب الحواريين:
" وللوقت فيما هو يتكلم أقبل يهوذا واحد من الاثني عشرا ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ. وكان مسلمه قد أعطاهم علامة قائلا الذي أقبله هو هو (أي هو المسيح فخذوه). أمسكوه وامضوا به بحرص. فجاء للوقت وتقدم إليه قائلا يا سيدي يا سيدي. وقبله. فألقوا أيديهم عليه وأمسكوه. فاستل واحد من الحاضرين السيف وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع أذنه. فأجاب يسوع وقال لهم:
كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني، كل يوم كنت معكم في الهيكل أعلم ولم تمسكوني، ولكن لكي تكمل الكتب فتركه الجميع وهربوا. وتبعه شاب لابسا إزارا على عريه فأمسكه الشبان فترك الإزار وهرب عريانا. فمضوا بيسوع إلى رئيس الكهنة فاجتمع معه رؤساء الكهنة والشيوخ والكتبة. وكان بطرس قد تبعه من بعيد إلى داخل دار رئيس الكهنة وكان جالسا بين الخدام يستدفئ عند النار، وكان رؤساء الكهنة والمجمع كله يطلبون
صفحة110
شهادة على يسوع ليقتلوه فلم يجدوا ". (مرقس 14: 43 ـ 56) " وأما بطرس فقد أنكر المسيح (عليه السلام) عندما عرفته جارية.. أنكره وأصبح يلعنه ويحلف إنه لا يعرف ذلك الرجل... " (مرقس 14: 66 ـ 73) ثم إنه هرب واختفى مع الباقين كما ورد في مرقس 16: 7. المقدمة الثالثة:
إن الإنجيل نفسه يصرح بأن شهادات شهود عيان قد توالت حول رؤيتهم المسيح حيا، وليس ميتا بعد قصة الصلب، وإليك بعض الشهادات:
أ ـ " وبعدما قام باكرا في أول الأسبوع ظهرا ولا لمريم المجدلية التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين. فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون، فلما سمع أولئك أنه حي وقد نظرته لم يصدقوا ". (مرقس 16: 9 ـ 11).
ب ـ " وبعد ذلك ظهر بهيئة أخرى لاثنين منهم وهما يمشيان منطقين إلى البرية وذهب هذان وأخبرا الباقين فلم يصدقوا ولا هذين ". (مرقس 16: 12 ـ 13).
ج ـ " أخيرا ظهر للأحد عشر وهم متكئون ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنهم لم يصدقوا
صفحة111
الذين نظروه قد قام ". (مرقس 16: 14). المقدمة الرابعة:
إن الإنجيل يصرح بأن المسيح (عليه السلام) قد ارتفع إلى السماء إلى جوار ربه جل ذكره، وذلك حين يقول: " ثم إن الرب (المسيح (عليه السلام) وتعالى الله عما يقولون) بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء وجلس عن يمين الله ". (مرقس 16: 19). بعد هذه المقدمات الواضحة والتي لا تقبل الجدل بقي أن نبين بأن المسيح عليه السلام عندما انضم إلى الحواريين بعد قصة الصلب حاول جاهدا ـ حسب الإنجيل نفسه ـ أن يثبت لهم إنه ليس بروح ولا شبح خرج بعد الموت، إنما هو لا زال ذاك الإنسان الذي تركوه وحيدا، وفروا. وقد قلنا في المقدمة الأولى أن المسيح (عليه السلام) نفسه ـ حسب إنجيل لوقا ـ قد أثبت أن الأموات بعد خروجهم من الموت لا يتعدون كونهم أرواحا بلا أجساد، لذلك فهم لا يتزوجون وطبعا لا يأكلون ولا يشربون، ولا يمكن لمسهم ولا جسهم، كيف وهم أرواح، الأرواح كائنات شفافة لا تحصرها قوانين المادة، ونواميس الطبيعة التي تسيطر على الأجساد، وهي في الوقت ذاته لا تحتاج إلى طعام وشراب، فضلا عن عدم قدرتها على تناولهما، فهي بذلك كالملائكة، أو موجودات ملائكية حسب ما جاء في إنجيل لوقا نفسه، وما أوردناه في المقدمة الأولى من هذا الفصل. أضف إلى ذلك أن الإنجيل نفسه يقول أن المسيح نفسه قد رجع ووقف بين الحواريين وخاطبهم.
صفحة112
يقول " لوقا " في إنجيله:
" وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم سلام عليكم.
فجزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحا. فقال لهم ما بالكم مضطربين ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم انظروا يدي ورجلي أني أنا هو جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه. وبينما هم غير مصدقين من الفرح، ومتعجبون قال لهم أعندكم هاهنا طعام. فنالوه جزءا من سمك مشوي وشيئا من شهد عسل فأخذ وأكل قدامهم ". (لوقا 24: 36 ـ 43). إذن ـ وبعبارة أخرى ـ فإن المسيح نفسه قدر رجع وحاول إثبات كونه لم يقم من الموت، وأن خوفهم واضطرابهم، وظنهم إنه كان روحا قد كان باطلا لأنه لم يصلب أساسا ولذلك لم يتحول إلى روح، بل هو نفسه ذاك المسيح (عليه السلام) الذي تركوه، فهو يحاول إن يثبت لهم أنه احتفظ بنفسه، ولم يصبه أذى أبدا، واتبع طرقا منها.
1 ـ أنه قال لهم إن الأرواح لا يمكن أن تحس لأنه ليس لها لحم وعظم، وأما هو فإنه له لحما وعظما، وطلب منهم أن يجسوه ويديه ورجليه.
2 ـ أثبت أنه غير روح عندما اتبع أسلوبا آخر يثبت أنه ليس بروح أو شبح خرج من الموت عندما طلب منهم أن يعطوه سمكا
صفحة113
وعسلا، فأكل قدامهم، فإن الأرواح ـ وكما قلنا مرارا، وكما أثبت المسيح (عليه السلام) نفسه ـ لا تسري عليها قوانين المادة ولا تحتاج إلى الغذاء والشرب. وقد علق " سكسليليميكر " العالم النصراني المعروف على الحادثة بقوله:
إذا كان المسيح قد أكل ليظهر أنه يستطيع الأكل، بينما هو لا يحتاج إلى التغدية لذلك فإن هذا لا يعدو كونه تظاهرا ومغالطة (1). فهذا العالم المسيحي كتب قبل حوالي القرنين هذه المقالة حول صلب المسيح (عليه السلام) مشككا في القصة بأكملها. وعلى هذا يكون قد شهد شاهد منهم على أنه (عليه السلام) حاول، وأصر على أنه لم يصلب ولم يخرج بعد صلبه روحا ليظهر أمام القوم فيخيفهم ثم يختفي مرة أخرى. والملفت للنظر أن " لوقا " أيضا قد ذكر بعد هذه الحادثة أن المسيح (عليه السلام) قد رفع إلى السماء كما ورد في القرآن الكريم وكما هي عقيدة المسلمين حول عيسى روح الله (عليه السلام). يقول لوقا: " ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأصعد إلى السماء ". (لوقا 24: 50 ـ 51).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) بحث عن المسيح التاريخي لمؤلفه شواريز ص 64، قال هذا الكلام عام 1819 م.
صفحة114
ماذا يقول القرآن الكريم عن المسيح ؟ لقد بين لنا القرآن الكريم ـ كتاب الله المنزل ـ أن قصة الصلب هذه قد وقعت، لكن الذي كان ضحيتها هو شخص غير المسيح (عليه السلام). فأولا من يضمن أن " يهوذا " عندما قبل الشخص كعلامة على أنه المسيح لم يخطئ فيكون قد قبل شخصا يشبه المسيح عليه السلام. والحقيقة أن الإنجيل نفسه يذكر ردود فعل من الشخص المصلوب تنافي حتى شخصية عيسى (عليه السلام) الانجيلية، وذلك أنه عندما صلب هذا الشخص أخذ يصرخ:
" ونحو الساعة التاسعة " " بصوت عظيم قائلا إيلي إيلي لما شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني ". (متى 27: 46). فهل يجوز أن يكون نبي الله (أو ابن نبي الله كما يدعون) ينادي معترضا على ربه (أو وأبيه) ظانا منه أنه تركه، وجفاه ؟ ثم إذا كان عيسى (عليه السلام) ـ كما يدعون ـ سيعود من الموت، فلماذا ينادي هكذا ويعترض ؟ ألا يليق به أين يصبر ثلاثة أيام حتى يرجع مرة أخرى، ثم يرتفع إلى السماوات العلى ؟ ! إذن لا بد أن يكون الشخص المصلوب غير السيد المسيح عليه السلام، ولا شك في أنه شخص لم يكن إيمانه من القوة بمكان بحيث يصبر على العناء والمشقة، ولم يكن يؤمن بأنه سيعود بعد ثلاثة أيام ثم يرتفع إلى جوار ربه.
صفحة115
وأما من يكون ذاك المسكين المصلوب فهذا ما أخبرنا به الإنجيل نفسه حين قال:
" وفيما هم خارجون وجدوا إنسانا قيروانيا اسمه سمعان فسخروه ليحمل صليبه ولما أتوا إلى موضع يقال له جلجثة وهو المسمى موضع الجمجمة أعطوه خلا ممزوجا بمرارة ليشرب. ولما ذاق لم يرد أن يشرب ولما صلبوه اقتسموا ثيابه ". (متى 27: 32 ـ 35). فسمعان هذا الذي حمل الصليب عنوة ولم يذكر الإنجيل أنه قد حول الصليب إلى كتفي المسيح (عليه السلام) بل كل ما قاله الإنجيل هو أنه عندما وصل إلى موضع الجمجمة فإنه صلب هناك وتقاسموا ملابسه. فالذي وقع إذن هو أن الأمر تشابه عليهم مرتين، مرة عندنا قبل " يهوذا " ذلك الشخص المعتقل ظانا بأنه المسيح، فقام القوم باعتقاله، ومرة أخرى عندما أجبروا سمعان على حمل الصليب وصلبوه دون إرجاعه إلى كتفي المسيح (عليه السلام) كما لمح إليه الإنجيل. وهذا هو عين ما أورده القرآن الكريم حول حادثة الصلب، فقال تعالى مكذبا قول اليهود بأنهم قتلوا المسيح (عليه السلام) أو صلبوه:
(وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا). (النساء ـ 157).
صفحة116
لقد رد الله تعالى على مزاعم النصارى من خلال هذه الآية في عدة نقاط:
1 ـ نفى الله تعالى أن يكونوا قد قتلوا المسيح عيسى (عليه السلام) على الإطلاق.
2 ـ نفى الله تعالى أن يكونوا قد صلبوه أساسا فليس لأحد أن يقول مثلا أنهم صلبوه لكنه أفلت من خشبة الصليب.
3 ـ بل إن الذي صلب كان رجلا يشبه المسيح (عليه السلام) خلقا، وهو غير عيسى (عليه السلام) يقينا.
4 ـ أما الذين اختلفوا في المسيح (عليه السلام) وهم أهل المذاهب النصرانية. فهم في شك من أمر الصلب، وقد ذكرنا في طيات كتابنا هذا أسماء بعض من شكك في حادثة الصلب من علماء النصرانية. وقد أدرج العالم النصراني الشهير " البيرت شسوايز " قائمة بأسماء بعض هؤلاء العلماء الذين شككوا في حادثة الصلب في كتابه " بحث عن المسيح التاريخي ".
5 ـ وأما قوله تعالى (ما لهم به من علم) فهو قد يكون إشارة إلى أن واحدا من الحواريين لم يكن حاضرا حين عملية الصلب، فهم عندما بكوا على المسيح لم يفعلوا ذلك إلا رد فعل على ما تناقله الناس من أنه عليه السلام قد صلب، لأنهم سمعوا رجال السلطة يقولون أنهم قد صلبوه. ومن المسلم أن ظهور المسيح (عليه السلام) لهم بعد ثلاثة أيام بجسده وكما هو قد قلل من ظنهم بأنه قد صلب أن لم يكن بعضهم (كما هو الحال في إنجيل برنابا) قد أيقن أنه لم يصلب أبدا.
صفحة117
وعلى هذا يظهر لنا أن النصارى ـ علماءهم ـ ليسوا متيقنين من صلب المسيح (عليه السلام) وأن اليهود الذين كانوا موالين للسلطة لم يكونوا متقنين أيضا من صلبهم للمسيح (عليه السلام) نفسه. ولعلنا نفرد لهذا البحث كتابا في المستقبل إن شاء الله، ونعرض الكثير من أبحاث علماء النصارى أنفسهم وأقوالهم حول هذه المسألة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن القرآن الكريم قد بين أن المسيح (عليه السلام) كان نبي الله المكرم ورسوله المعصوم المطهر. قال تعالى:
(يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله...). (النساء: 171 ـ 172). فهو سبحانه وتعالى قد بين لنا أن المسيح (عليه السلام) عبد مطيع له، فهو لن يستنكف أن يكون عبدا لله، وبما أننا قد وصلنا إلى هذه النقطة. وهي قول النصارى إن المسيح هو ابن الله ـ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ـ فلنرى ماذا يقول الإنجيل حول هذا المعنى فنقول:
من الواضح أن الإنجيل لم يخص عيسى (عليه السلام) بهذا العنوان (أعني ابن الله) فقد وردت هذه النسبة في غير مكان من كتاب النصارى.
صفحة118
فمثلا ورد في إنجيل " لوقا " ما يلي:
" ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي بن متثاث بن لاوي بن ملكي بن ينا بن يوسف (ثم يسمي أسماء آباء عيسى إلى أن يصل إلى) قينان بن انوش بن شيث بن آدم ابن الله ". (لوقا 3: 23 ـ 38). فمن الواضح هنا أن " لوقا " أعطى هذا العنوان إلى أكثر من خمسة وخمسين رجلا من ضمنهم آدم (عليه السلام) أبو البشر، مما يجعل كل آدمي يستحق هذا العنوان. فلماذا يصر النصارى على حصر هذه التسمية في عيسى (عليه السلام) وجعلها ميزة له دون غيره معتبرين ذلك أساسا لعقيدتهم بأنه ابن الله المكفر عنهم سيئاتهم لأنهم قتلوه ؟ ! وثمة نصوص أخرى في الكتاب المقدس تؤكد قولنا هذا... فمنها:
" وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات ". (تكوين 6: 1 ـ 2). ومنها: " قال الرب لموسى عندما تذهب لترجع إلى مصر أنظر جميع العجائب التي جعلتها في يدك واصنعها قدام فرعون، ولكني أشدد قلبه حتى له
صفحة119
يطلق الشعب. فتقول لفرعون هكذا يقول الرب إسرائيل إبني البكر فقلت لك أطلق إبني ليعبدني فأبيت أن تطلقه. ها أنا أقتل ابنك البكر ". (خروج 4: 21 ـ 123. ومنها: "... لأني صرت لإسرائيل أبا وأفرايم هو بكري ". (ارميا 31: 9). ومنها قول داود في المزامير: " إني أخبر من جهة قضاء الرب قال لي أنت إبني. أنا اليوم ولدتك ". (المزامير. المزمور 2: 7). وبعد أن عرفنا أن كلمة (ابن الله) لم يخص بها الكتاب المقدس عيسى (عليه السلام) بل أطلقها على كثيرين على ما اتضح جليا من النصوص السابقة، يجب علينا أن نعرف ما الذي عناه هذا الكتاب من هذا اللفظة وهذا أمر يسير عندما نراجع بعض النصوص في هذا المضمار، ومن جملتها النص الذي أوردناه لتونا على لسان داود (عليه السلام)، فإننا نجده سبحانه يقول لداود:
أنت إبني. أنا اليوم ولدتك، عندما ظهر أنه (عليه السلام) كان الوحيد الذي سلك طريق الأبرار، فهو حينئذ ـ وعندما أعلن عن تسليمه المطلق لله تعالى ـ استحق هذا المعنى.
فهذا إذن من قبيل القول: إن فلانا ابن الدنيا، أي أنه متعلق بها ناس للآخرة. أو القول: فلان ابن العلم، ويقصد منه أنه محب للعلم
صفحة120
متعلق به أشد التعلق، جاد في تحصيله تمام الجدية. وعلى ذلك يكون معنى (فلان ابن الله) أنه جاد في تحصيل رضاه، مجد في عبوديته له تعالى. وهذا المعنى يؤيده الكتاب المقدس في مكان آخر حيث يقول: " لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله ". (رسالة بولس إلى أهل رومية 8: 14). بل لقد ورد في إنجيل " يوحنا " تعريف أوضح لا يترك للجدل مجالا في هذا المضمار حين قال: " أما جميع الذين قبلوه فقد أعطاهم سلطانا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه ". (يوحنا 1: 12). فبهذا نستنج أن المقصود من كون المسيح ابن الله الوارد في الإنجيل، هو أنه مطيع لله، منقاد لأوامره كغيره من الأنبياء والمرسلين والصالحين، ولا يعني أن الله ولده لتكون هناك علاقة أبوة وبنوة كما يدعيها النصارى، واقعين ـ بذلك ـ في مصيدة الشرك الشيطانية. وقد يكون السبب في مغالاة النصارى في نبي الله عيسى (عليه السلام) هو مولده من غير أب، ناسين أن هذه المعجزة هي نصف معجزة " آدم " عليه السلام الذي خلقه الله من دون أب وأم، بل قال له كن فكان. " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون". (آل عمران: 59).
صفحة121
فإن كان ميلاده عليه السلام من غير أب يوجب له هذا المقام المستحيل عقلا، ونقلا، فإن " آدم " أولى به منه. إذن ليس هذا العنوان ـ كما قلنا ـ إلا اصطلاح يراد منه الملتزم بأوامر الله ونواهيه كغيره من الاصطلاحات التي ذكرها الإنجيل، وعنى بها أشخاصا آخرين، ومنهم:
" المولود من جديد " أي التائب، فلا يشك أحد سواء كان من النصارى أو من غيرهم في أن الإنجيل لم يقصد أن الذي يتوب فإنه يرجع إلى بطن أمة ثم تلده من جديد، بل أنه قصد منه أنه بسبب توبته هذه تمحى ذنوبه جمعاء حتى يصبح كأنه ولد من جديد. ومثل هذه الاصطلاحات وردت كثيرا في الكتاب المقدس فراجع. بقي أن نعرف شيئا وهو أن عيسى (عليه السلام) إذا كان ابن الله، أو كان آلها في ثلاثة فإنه لا بد وأن يكون ذاتي القدرة، أي أنه لا يستمد قدرته من أي أحد آخر، لأنه إذا كان كذلك يكون محتاجا إلى غيره، وكل من يحتاج إلى غير ذاته فهو مخلوق مألوه فقير إلى خالقه، وقد ذكر الإنجيل في غير مكان أو المسيح (عليه السلام) قد صرح بأن قدرته معطاة له من جانب الله تعالى، وليست قدرة ذاتية. منها هو يصرح أنه بروح الله يخرج الشياطين لا من ذاته. " ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين " (متى 12: 28). وها هو يقول أيضا:
" فتقدم يسوع وكلمهم قائلا دفع إلي كل سلطان في السماء وعلي الأرض ". (متى 28: 18).
صفحة122
فمن ذا غير الله دفعة إلى المسيح (عليه السلام) وهلا يعني ذاك أن عيسى (عليه السلام) قد اكتسب قوته من الله، ولم يكن ذاتي القدرة ؟ ولعل النص التالي أوضح وأكثر صراحة من النصين السابقين في هذا الصعيد إذ أن المسيح (عليه السلام) يعلن وبصوت عال قائلا. " أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا ". (يوحنا 5: 30). فأي إله هذا الذي لا يستطيع أن يفعل من تلقاء نفسه شيئا، وأي ابن إله ذاك الذي يفتقر إلى غيره ؟ أفلا يكون ابن الاله كأبيه مستقلا، وقادرا على كل شئ بقدرة ذاتية ؟ ! تعالى الله علوا كبيرا عما يصف الظالمون وحاشاك يا سيدي يا عيسى بن مريم إن تكون قد دعوت الناس إلى وصفك بأنك ابن الله... بل أنت عبد الله المخلص، تماما كما قال الله تعالى إنك ستعلن ذلك بصراحة يوم القيامة عندما تقف كغيرك أمام الله فيسألك. قال الله تعالى:
(وإذ قال الله يا عيسى بن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد). (المائدة: 116 ـ 117).
صفحة123
صفحة125
الفصل السادس
لمحات من معالم باقية من:
الشريعة الموسوية والعيسوية الأصلية
صفحة127
لقد ذكرنا في مقدمة الكتاب أن بعض كلمات الرسل استطاعت أن تصمد أمام الهجمات التحريفية والتغييرية المتتالية على أصل التوراة والإنجيل، بل إن ما وصل إلينا اليوم لا يعدو كونه مجموعة أعمال أدبية وصلت إلينا من القرنين الأولين بعد ارتفاع السيد المسيح (عليه السلام) إلى السماء. ومن خلال بعض الأقوال هذه وصلت إلينا معالم مجموعة من الأحكام التي لم تستطع أيدي التغيير أن تأخذ حظها منها. من هنا فإن من دواعي إتمام العمل أن نوضح بعض تلك الأحكام مستشهدين على ذلك بنفس نصوص الكتاب المقدس.
وفي البداية لا بد من وضع قاعدة أساسية نعمل على وفقها، وهي أن ما جاء به موسى (عليه السلام) والأنبياء من بعده، لم يأت عيسى (عليه السلام) ليغيره، ويأتي بأحكام جديدة، بل أتى لتثبيتها، وبثها من جديد حسب قول الإنجيل نفسه، فقد ورد في إنجيل " متى " ما يلي:
" لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل ". (متى 5: 17). وكلمة " لأكمل " هنا ترجمت في الأناجيل الانجليزية إلى كلمة " " fulfill أي ليحقق أو يبلور إلى الواقع العملي، وهي أصح وأوضح من " أكمل " هنا لما جاء في تكملة نفس الإصحاح من أنه (عليه السلام) قال:
إن
صفحة128
الناموس كامل، فكيف يكمل ما هو كامل أساسا ؟ وبعبارة أخرى:
أن ما جاء به الأنبياء الماضون من أحكام وشرائع لم يأت عيسى (عليه السلام) ليغيره، بل جاء ليثبته ويحوله إلى حكم عملي معمول به. والآن تعال عزيزي القارئ لكي نرى أحكام عدة أمور ادعى أرباب اليهودية والنصرانية أنهم يخالفوننا فيها، فنوضح لهم أن كتبهم توافقنا بينما تخالف تطبيقاتهم لها. ونعرض أولا إلى مسألة الخنزير وحلية أكله، فنقول:
أ ـ الخنزير:
لقد وافقنا اليهود إلى يومنا هذا على حرمة أكل لحم الخنزير، فهم يتجنبونه ويعتبرونه نجسا، وعندهم تقريبا نفس الأحكام التي عندنا نحن أتباع الشريعة المحمدية الحقة، إلا أن النصارى هم الذين قالوا بحلية أكله، والاستفادة من كافة أجزائه. ولكن ماذا قال الكتاب المقدس حول لحم الخنزير ؟ إن من الواضح الصريح أن الكتاب المقدس قد حرم الخنزيز واعتبره نجسا، هذا ما يتجلى لنا من خلال النص التالي:
" إلا هذه فلا تأكلوها... والخنزير لأنه يشق ظلفا ويقسمه ظلفين لكنه لا يجتر. فهو نجس لكم. من لحمها لاتأكلوا وجثتها لا تلمسوا. إنها نجسة لكم ". (لاويين 11:1 ـ 8). وجاء أيضا في سفر التثنية:
" لا تأكل رجسا ما. هذه في البهائم التي
صفحة129
تأكلونها... والخنزير لأنه يشق الظلف لكنه لا يجتر فهو نجس لكم. فمن لحمها لا تأكلوا وجثتها لا تلمسوا ". (تثنية 14: 3 ـ 8). والملاحظ أن هذه النصوص واردة في العهد القديم، وعلى رغم أن " مرقس " يصرح بأن قطيعا من الخنازير قد أبيد عن آخره في زمن السيد المسيح (عليه السلام) وعلى يديه. إلا أن ما يجعلنا نقول بحرمة الخنزير حتى للنصارى هو القول الذي أوردناه في مقدمة هذا الفصل من أن المسيح (عليه السلام) صرح بأنه لم يأت ليغير الشرائع السابقة بل ليطبقها عمليا، فما الذي يجعل الخنزير محللا عند النصارى ؟ ! وعلاوة على ذلك فقد اعترف عدد كبير من أرباب النصرانية أن االخنزير مضر ومحرم إلا أن المصالح الاقتصادية تحتم الاستفادة منه !! يقول الدكتور ى. ا. وايدمر في مقالته " الخنزير، الإنسان، والمرض ":
" الخنزير، وعلى رغم كونه واحدا من الأغذية المتعارفة، إلا أنه من أكثرها ضررا، ولم يحرم الله على العبرانيين أكل لحم الخنزير فقط ليثبت سلطته، بل لأنه ليس عنصرا غذائيا مناسبا للانسان " (1) وهذا اعتراف صارخ من هذا الكتابي بأن الخنزير ليس فقط محرم دينيا، بل أنه أيضا ممنوع لما فيه من ضرر ومساوئ على الإنسان.
ب ـ الخمر:
يجب القول أولا أن اليهود والنصارى قد غرقوا في أنهار
ـــــــــــــــــــــــــ
(1):. 1. *(good Health Vo. 96. (NO
صفحة130
الخمور، فأصبحت واحدة من أكبر المشاكل التي تواجه مجتمعاتهم في عصر التقدم !! هذا والإحصائيات المعطاة اليوم لا تكاد تصدق لعلوها، عن كثرة المتأثرين بسموم الخمر هذه. يقول صاحب كتاب " الكحول ". " تظهر الاحصائيات أن في مقابل كل 000 \10 إنسان يقتلون بسبب تناولهم للمشروبات، يموت شخص واحد بعضة كلب غضب مع ذلك فإن " القانون " يحتم قتل الكلب ويمنح محلات بيع الخمور رخص البيع، فأي تبرير يوجد لهذا " ؟ ! ولو أن القوم راجعوا كتابهم المقدس والتزموا به لما عانوا ما عانوه من مشاكل جمة لا يعرف مداها إلا الله تعالى، فكتابهم يقول: " الخمر مستهزئة. السكر عجاج. ومن يترنح بهما فليس بحكيم ". (أمثال 20 ـ 1). وفي مكان آخر: " محب الخمر والدهن لا يستغنى ". (أمثال 21: 17). و: " لا تكذبين شريبي الخمر بين المتلفين أجسادهم.لأن السكير والمسرف يفتقران ". (أمثال 23. 20). " لمن الويل لمن الشقاوة لمن المخاصمات لمن الكرب لمن الجروح بلا سبب لمن ازمهرار
صفحة131
العينين. للذين يدمنون الخمر الذين يدخلون في طلب الشراب الممزوج. لا تنتظر إلى الخمر إذا احمرت حين تظهر حبابها في الكأس وساغت مرقوقة. في الآخر تلسع كالحية وتلدغ كالأفعوان ". (امثال 23: 29 ـ 32). وورد في العهد الجديد:
" فقال له الملاك لا تخف يا زكريا لأن طلبتك قد سمعت وامرأتك اليصابات ستلد لك ابنا وتسميه يوحنا. ويكون لك فرح وابتهاج وكثيرون سيفرحون بولادته لأنه يكون عظيما أمام الرب. خمرا ومسكرا لا يشرب ". (لوقا 1: 13 ـ 15). إضافة إلى هذه النصوص التوراتية والإنجيلية فإننا نأتي باعترافين ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ من اعترافات القوم، يؤكدان أن الخمور ضارة، ويعترفان بأن الإسلام قد ضرب مثلا أعلى في التقدم والأحقية بتحريمه الخمر. يقول ديفدم. كي:
" إن نجاح الإسلام في إقناع أتباعه بالامتناع عن تناول الخمور يعد إنجازا قابلا للملاحظة " (1). ويقول المطران كار بينتر: " لقد ضرب الإسلام مثالا في الرصانة إلى العالم، وحفظ أتباعه من
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الكحول (بالإنجليزية) ص 146.
صفحة132
وباء الشراب الذي يحطم قوى الشعوب " (1). وبهذا يتضح لنا أن الخمر محرمة لدى اليهود والنصارى حتى حسب كتابهم المقدس الذي يعتمدون عليه اليوم، وحسب اعترافات رجالات دينهم بقدرة الإسلام على حفظ أتباعه من ذلك الخطر الكبير.
ج ـ مسألة الحجاب وتغطية الرأس. مما لا بد منه هو أن نذكر أن مسألة التكشف والتعري التي تعاني منها المجتمعات الغربية اليوم لم تبدأ إلا بعد الثورة الصناعية في أروبا من بعد الانحطاط الاقتصادي التي عانت منه أمريكا الشمالية في الثلاثينات، إذ أصبحت النساء مجبرات على الخروج العمل في المزارع، وكان لا بد لهن من نزع لباس الأنوثة، ولبس سراويل الرجال لكي تتسنى لهن الحركة السهلة، ثم سرت هذه العادة إلى الأوساط الأخرى وساعد على ذلك الحرية (!!) التي منحت للنساء في المجتمعات الغربية، فأصبحن يعملن جنبا إلى جنب مع الرجال، وكان لا بد لهن من التكشف والتعري بحجة التطور، وسهولة الحركة. ثم تطور الأمر ليشمل الراهبات، وذلك عندما سمحت الكنيسة الكاثوليكية لهن بالتكشف في أوائل السبعينات الميلادية، وبهذا تكون مسألة التعري والتكشف مسألة طارئة أتت بها الحضارة الغربية، لتصبح وبالا على الشعوب كافة إلا الملتزمة منها بالاسلام. أما اليهود فإنهم لا زالوا يوجبون التحجب على نسائهم على رغم
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الكحول (بالإنجليزية) ص 146.
صفحة133
ما نراه من دعوة الصهيونية لليهود إلى الانحلال والفساد، وهذا مشاهد في غير الصهاينة من اليهود الملتزمين بمذهبهم ودينهم. ولكن ماذا يقول الإنجيل، والعهد الجديد بالذات عن مسألة الحجاب ووجوب تستر المرأة ؟ لقد ذكر بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنتس ما يلي:
" وأما كل امرأة تصلي أو تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها لأنها والمحلوقة شئ واحد بعينه. إذا أن المرأة إن كانت لا تتغطى فليقص شعــرها وإن كان قبيحا بالمرأة أن يقص شعــرها أو يحلق فلتتعظ ". (رسالة بولس الأولى إلى أهل كورنتس 11: 5 ـ 7).
د ـ وما دمنا هاهنا، أي ما زلنا نبحث حول مسائل المرأة، فلا بأس بأن نبحث في مسألة الزواج من غير مرأة فهل صحيح أن النصرانية تحرم تعدد الزوجات. للإجابة على هذا السؤال نقول:
إعلم أولا أن اليهود يشرعون تعدد الزوجات بلا حد وتوراتهم مليئة بالنصوص التي تحل لهم ذلك. واعلم ثانيا أنه ليست كل فصائل النصارى تحرم الزواج من أكثر من واحدة فالمورمانيين والكويكرز يحلون الزواج من أربعة، وهؤلاء هم طوائف مسيحية تعيش في شمال وشرق أمريكا. إلا أن الغالبية العظمى من نصارى عصرنا الحاضر يحرمون على الرجال الزواج من غير زوجة واحدة في وقت واحد، وهذا يخالف كتابهم المقدس مخالفة صريحة وصارخة إذ أننا نرى الإنجيل نفسه يصرح بأن
صفحة134
أنبياء الله لم يحللوا تعدد الزوجات فحسب، بل أنهم اتخذوا لأنفسهم زوجات عدة. فداود (عليه السلام) مثلا رزقه الله نساء سيده، كما ورد في صموئيل الثاني:
" وأعطيتك بيت سيدك ونساء سيدك في حضنك (أو دفعتهن إلى حجرك). (12: 8) وسليمان (عليه السلام): " كانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئة من السراري ". (الملوك الأول 11: 3 ـ 6) ولامك: " واتخذ لامك له امرأتين اسم إحداهما عادة والأخرى هلة " وإبراهيم (عليه السلام) طبعا كان له هاجر وسارة ". وموسى (عليه السلام). " وتكلمت مريم وهارون في موسى بسبب المرأة الحبشية التي تزوجها لأنه كان قد اتخذ زوجة حبشية " (1). (عدد 12: 10) وكان (عليه السلام) متزوجا من ابنة شعيب.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) وفي بعض التراجم الأخرى للعهدين: المرأة الكوشية.
صفحة135
ونرى الكتاب المقدس يضع قوانين وشرائع لحفظ حقوق الزوجات فيقول:
" وإن تزوج (أي الرجل) بأخرى فلا ينقصها من طعامها وكسوتها وأوقاتها ". (خروج 21: 10) إلا أننا نرى الإنجيل يصرح وبلسان " بولس " أنه وفي وقته كان من الأفضل عدم الزواج بأكثر من واحدة، بل كان يفضل عدم الزواج على الإطلاق لضرورة ذاك الزمان. " فأظن أن هذا حسن لأجل الضرورة الحاضرة إنه حسن للانسان يكون هكذا. أأنت مقيد بامرأة فلا تطلب الانفصال أأنت مطلق من امرأة فلا تطلب امرأة لكن. إن تزوجت لم تخطأ وإن تزوجت العذراء لم تخطأ ".
ص 135:
وفي نفس الفصل يبين لنا " بولس " مرارا أن هذه هي آراؤه، وآخر تصريحاته في ذلك عندما يقول:
" بحسب مشورتي ". (رسالة بولس الأولى إلى كورنتس: 7: 26 ـ 40) وهكذا ظهر لنا أن النصرانية إنما حبذت في وقت ما عدم تعدد الزوجات إذا أراد أتباعها الالتزام بكتابهم المقدس. وقد اعترف بعض رجالات دينهم المعروفين بأن تعدد الزوجات كأم أمرا متبعا ومعترفا به حتى من قبل الكنيسة.
صفحة136
فهذا هو القديس " كريستوم " يقول حول قصة زواج إبراهيم الخليل (عليه السلام) من هاجر وسارة:
" كانت هذه الأمور غير محرمة " (1). ويقول القديبس اغوستين:
لقد كانت هنالك عادة غير مذمومة في أن يتزوج الرجل عدة نساء. وقد يكون ذلك من قبل الوظيفة والمسؤولية في ذلك الزمان. إلا أن هذا الأمر لا يتم إلا بترخيص ـ أي من الكنيسة ـ لأنه ومن أجل تكثير الذرية، لا يوجد قانون يحرم تعدد الزوجات (2). وعندما سأل " بونيفيس " البابا قرقوري عام 726 م عن الظروف التي تسمح للرجل بالزواج من أكثر من امرأة أجاب الأخير في 22 11 76 بما يلي:
" إذا أصيبت المرأة بمرض يجعلها غير صالحة للجماع عندما يصح للزوج أن يتزوج بأخرى، ولكن في هذه الحالة يجب عليه أن يوفر لزوجته المريضة كل الضروريات والمساعدة " (3). وأخيرا يقول " جون ديفن پورت " في كتابه: " اعتذار إلى محمد والقرآن " ص 155:... بعد ذلك (أعاد) الإمبراطور " فلانتينيان " تحليل (الزواج المتعدد) من خلال فتوى أصدرها تقول بأن كل أعضاء الإمبراطورية إذا
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) و (2). grotives Dejure , u. I. P xi 154. quoting " An Apoley to Muhammad " P
(3): المصدر السابق ص 157.
صفحة137
أرادوا، فلهم الحق في التزوج بعدة زوجات. ولم يظهر من تأريخ تلك الأيام أن البطارقة قد أظهروا أي اعتراض على تلك الفتوى " (1). أما في أايامنا هذه فقد قال الدكتور " بيلي گراهام ". " لا تستطيع المسيحية إلا أن تتراجع في مسألة تعدد الزوجات، إذ لا تستطيع المسيحية المعاصرة فعل ذلك، فإن هذا الأمر سيكون لضررها. لقد أحل الإسلام تعدد الزوجات كحل للأمراض الاجتماعية، وترك مجالا معينا للبعد الإنساني ولكن في ضمن حدود القانون المضبوطة. وعلى رغم أن الدول المسيحية تتظاهر بالعظمة حول مسألة تحديد الزوجات إلى واحدة، إلا أن الواقع هو أن تعدد الزوجات متبع فيها ولا يوجد أحد يدرك دور العشيقات في المجتمعات الغربية والحق أن الإسلام دين أمين ويعمل على حسب القاعدة عند معالجته لهذه القضية وسماحه للمسلم بأن يتزوج بامرأة وثانية " (2). إذا فالمسألة (أي تحديد الزوجات) ليست أمرا جاء به الإنجيل الموجود بين يدي النصارى، إنما هي مسألة أحدثها بعض الأفراد، ولذلك نجد رجالات دينهم القادة يطالبون اليوم وبأصوات مسموعة بإعادة تشريع هذا القانون، صيانة لمجتمعاتهم وحفظا للفضيلة وقيمها... ولكن هيهات فقد سبق السيف العذل، ولا مجال لهم إلا اعتناق الدين المحمدي الحنيف، لأن المسألة لا تقتصر على تحليل الزواج المتعدد، بل إنها تتعدى الأحكام إلى العقائد التي لا بد من الالتزام بها. وبهذا ظهر للقارئ الكريم كيف أن بعض الأحكام السماوية
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) :المصدر السابق ص 155.
(2): وضع المرأة في الإسلام نقلا عن " تعدد الزوجات " للحاج أحمد شريف ص 40.
صفحة138
الصحيحة لا زال وميضها يضئ طريق الحق، إلا أن أعداء الحقيقة يرفضون المسير على هذا الطريق الواضح، وبهذا فلابد لهم من مواجهة المصير الأسود والأوبئة والمشاكل اللامتناهية... ولهم إن أرادوا أن يسموا ذلك كله:
حضارة وتطورا. الكتاب المقدس ماذا يقول عن مجئ النبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) ؟ إن الكتاب المقدس الذي بين أيدينا ـ كما قلنا ـ لا يعدو كونه أعمالا أديبة تسربت إليها بعض معالم الشرائع السماوية الصحيحة... ومن هذا الأشياء التي سلمت من التحريف (تقريبا) بعض النصوص التي بشرت بمجئ نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) وفيما يلي عدة من هذه النصوص:
أولا: جاء في إنجيل يوحنا. 16: 5 ـ 15. " وأما الآن أنا ماض إلى الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني إلى أين تنطلق (1). لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن انطلق. لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. ومتى جاء ذلك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): وفي ترجمة أخرى تمضي.
صفحة139
وأما علي بر فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضا. وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين. إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه،
ص 139:
بل كان ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. هو يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم ". والآن لنتفحص جمل هذه العبارات ونضع النقاط التالية:
1 ـ يقول علماء الإنجيل أن المقصود بالمعزي هنا هو روح القدس. ولكن هل يصح هذا ؟ طبعا لا، كيف وهم يقولون إن المسيح (عليه السلام) يقول:
" لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي ". والمعروف أن المسيح (عليه السلام) كان منذ ولادته مؤيدا بروح القدس ومصحوبا به. إذا ما معنى كون روح الحق لا يأتي إلا بعد ذهاب المسيح (عليه السلام) وهو معه منذ البداية ؟ إن هذا يحتم كون المعزي غير روح القدس.
2 ـ ما معنى " إذا ذهبت أرسله ـ وفي بعض النسخ ـ أرسلته إليكم " ؟ يبدو جليا أن معنى هذا الكلام هو أن ذهابي شرط لقدومه، وهذا
صفحة140
يفهم من قرينة الكلام السابق، وهو من قبيل:
غروب الشمس جلب إليكم الظلمة، إذ لا يفهم أحد أن غروب الشمس قد أحضر الظلمة بنفسه بما هو موجود خارجي، بل إن المعنى الظاهر من هذا الكلام هو أنه بما أن الشمس قد غربت كانت النتيجة الطبيعية لغروبها مجئ الظلمة. وبعبارة أخرى:
أن المسيح لا يرسل المعزي، بعنوان أن المسيح هو المرسل والمعزي رسول المسيح (عليه السلام)، بل المعنى هو أن ذهاب عيسى (عليه السلام) شرط لمجئ المعزي. وبذلك نستنتج أن المعزي مرسل في زمان لاحق للزمان الذي أرسل فيه عيسى (عليه السلام)، وأما من هو المرسل فهذا ما يجيبنا الإنجيل عليه حين يقول:
" وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم ".
(يوحنا 14: 26). فرئيس العالم إذا هو نفسه المعزي الذي بشر المسيح (عليه السلام) بمجيئه، وهو أعلى درجة من المسيح (عليه السلام) لأنه أولا وصفه برئيس العالم، هو رسول الله كما أثبتنا، فهو ليس بالله تعالى، وهو كما قلنا ليس:
بروح القدس، ولا يمكن أن يكون روح القدس، لأن روح القدس ليس برئيس العالم. ومن الملاحظ هنا أن المسيح (عليه السلام) قد صرح أنه عندما يجئ المعزي ـ رئيس العالم ـ فإنه لن يكون المسيح (عليه السلام) في هذا العالم شئ، أي بقية من رسالته الأصلية، أو أتباع حقيقيين، ولذلك يتبع كلامه هذا بإعلان أنه قد فعل ولا زال آنئذ يفعل ما أمره وأوصاه به الله تعالى، ولا
صفحة141
يهمه إذا الناس لم يلتزموا بما أوصاهم به. 4 ـ وأما في قوله:
" متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية ". ففيه النقاط التالية:
1 ـ " يرشدكم إلى جميع الحق "، يدل على أن رسالة المعزي أكمل وأشمل الرسالات فلن تحتاج إلى رسالة تأتي بعدها لتكملها فما دام صاحبها يرشد إلى جميع الحق فلا داعي لتكملة الطريق، فصاحب هذه الدعوة هو خاتم المرسلين لا محالة لشمولية وكمال رسالته.
2 ـ و " هو لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به " وهذا يدل على أن المعزي يتلقى رسالته عن طريق السمع، والإيحاء المباشر، فهو لا يرى رسالته عن طريق المنام، كحال إبراهيم (عليه السلام) وهو لا ينطق عن هواه ورغبته أو رأيه الشخصي، بل ما يقوله هو عين ما يسمعه من ناقل رسالة الله تعالى إليه، وهذا المعنى تماما هو ما جاء في القرآن الكريم:(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)(سورة النجم الآية 4)
3 ـ إن المعزي مخلوق يسمع ويدرك وينقل، أي يتكلم بما يسمعه، ويخبر بأمور آتية، فهو بلا شك غير روح القدس، بل إن هذه الصفات إنما هي صفات البشر دون غيرهم. 4 ـ وقد قام رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بتمجيد المسيح (عليه السلام) عندما نزهه
صفحة142
وبرأ رسالته من أقاويل المشركين، ونسب الكاذبين إليه، وإلى أمه الطاهرة العذراء. وأي تمجيد أعلى وأرقى من هذا ؟ فالمعزي يأخذ مما للمسيح، ويتكلم عن المسيح، وما للمسيح هو ما جاء به حقا. وبعبارة أخرى فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عندما بين الإلتباسات والتشويهات التي حدثت وأحدثت حول رسالة المسيح (عليه السلام) وشخصه، كان بذلك قد مجده وأحيا ذكره الحق، كما يعتقده المسلمون في يومنا هذا، وإلى يوم يبعثون. هذا على أن في البحث كلاما آخر، وهو الكلام حول لفظة " المعزي " فنقول:
إعلم أولا أن " يوحنا " قد كتب إنجيله باليونانية (1) ومعنى كلمة " معزي " في اليونانية هو:
ياراكلتيوس. وهذه الكلمة قريبة جدا من كلمة ياركلتيوس التي تعني أحمد أو حمود. وكان مسيحيو الجزيرة العربية يستعملون بدل كلمة " معزي " كلمة " فارقليط " اليونانية. وعلى هذا فلابد أن المترجمين ـ ولسبب ما ـ غيروا هذه الكلمة إلى كلمة ياراكليتوس. وفي هذا المضمار تقول دائرة المعارف الفرنسية الكبيرة في جزئها (23) ص 4174 عند شرحها لكلمة محمد (صلى الله عليه و آله و سلم):
" محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) هو مؤسس الدين الإسلامي ومبعوث الله وخاتم
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) أصول العقائد ص 209 مجتبى موسوي لاري.
صفحة143
الأنبياء، وجاءت كلمة محمد من الحمد، واشتقاقها من حمد يحمد الذي هو معنى التمجيد والتجليل، ومن الصدق العجيبة أن هناك اسما آخر مشتقا من الحمد وهو مرادف للفظ " محمد " وهو كلمة " أحمد " التي يغلب على الظن أن المسحيين في الجزيرة العربية كانوا يستعملونها مكان " فارقليط ". وأحمد معناه المحمود كثيرا والمحترم جدا وهو ترجمة لكلمة پريكلتيوس " التي أخطأوا فوضعوا مكانها كلمة " پاراكليتوس... " (1). وبهذا عزيزي القارئ يتضح لك من دون أدنى شك أن المقصود من هذه العبارات الانجيلية هو عين ما عناه القرآن الكريم حيث قال:
(وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التورية ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) (الصف: 6) إلا أن الأمر لا ينحصر في هذه النقاط فعند مراجعة النص مرة أخرى نفهم أن " المعزي " هذا ينقل ما يسمع شفهيا. فهو أولا لا يأتيه الوحي بالشكل المكتوب وثانيا فهو يوصل رسالات الله إلى قومه عن طريق المشافهة. وهذا يدل بوضوح على أن
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): عند مراجعتي لأحد الأناجيل الاسكندنافية المتداولة اليوم، والتي طبعت قبل حقبة من الزمن بالنرويجية، وجدت أن كلمة أحمد لا زالت موجودة بالشكل التالي " amat " وهذا الاسم لا زال يستعمل إلى يومنا هذا من قبل الأمريكيين نرويجيي الأصل، ويكتب بالشكل التالي: Amodt، وهذه الكلمة موجودة في نفس الإصحاح المذكور أعلاه بالنرويجية فراجع. المؤلف
صفحة144
المعزي هذا ليس من أهل القرائة مثل موسى (عليه السلام) الذي أعطي الألواح، ولم يكن من الذين يعطون الصحف فيقرأونها لقومهم كما في الحال في نبي الله إبراهيم (عليه السلام) فالمعزي إذا يمكن اعتباره أميا على هذا المستوى، أي على مستوى الكتابة والقرائة. وبعبارة أخرى أن المعزي الذي سيرسله الله ـ وقد أرسله ـ بعد ارتفاع السيد المسيح (عليه السلام) هو أمي لا يقرأ ولا يكتب إنما ينطق بما يسمع من الوحي، وقد أخبرنا القرآن الكريم أن التوراة والإنجيل قد بشرا بنبي أمي سيأتي برسالة كاملة قال تعالى:
(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر...) (الأعراف: 157). ونختم الكلام حول عبارات الإنجيل هذه بإيراد ما كتبه فخر الإسلام صاحب " أنيس الأعلام " حيث قال:
" لقد وصلت إلى درجة الأسقفية، وكنت محبوبا جدا لدى أستاذي الأسقف الأعلى وفي أحد الأيام لم يذهب الأستاذ إلى الدرس بسبب المرض، وكلفني بالذهاب إلى المدرسة لأخبر الطلاب بمرضه. وبعد أن أديت وظيفتي رجعت إليه، فسألني عن البحث الذي كان يدور بين الطلاب فأخبرته بأنهم كانوا يتباحثون حول كلمة " فارقليط " وأنها تعني روح القدس. عندها قال لي الأستاذ:
أن معنى هذه الكلمة لا يفقهه إلا أساتذة المسيحية المحققين والمتبحرين، وهم يقولون إن معناها هو أحمد نبي المسلمين. ثم أمرني أن
صفحة145
أحضر إنجيلا كان يحتفظ به في مكان خاص، وكان قد كتب قبل مجئ الإسلام، وفيه كانت كلمة أحمد موجودة بدل كلمة فارقليط " (1). ثانيا لقد أوردنا ـ عزيزي القارئ في الفصل الأول ما قاله الله تعالى ذكره لموسى (عليه السلام) ـ حسب التوراة ـ في سفر التثنية، وناقشناه هناك نقاشا وافيا وللفائدة، وتسهيلا للأمر عليك نعيد ما قلناه باختصار فنقول:
جاء في سفر التثنية أنه سبحانه قال لموسى (عليه السلام) ما يلي:
" أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به أنا أطلبه ". وكما أسلفنا فإن النصارى قد ادعوا كون هذا النبي عيسى (عليه السلام) لكن من غير الممكن أن يكون هذا النبي إلا محمد المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم). وهذا الأمر يتضح بعد إتمام المقارنة التالية بين موسى، عيسى، ومحمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، وذلك أن النص يقول:
مثلك (يا موسى) فنقول:
1 ـ كان موسى (عليه السلام) من ولد إسحاق (عليه السلام) ولو كان المقصود هو المسيح (عليه السلام) لكان أولى أن يقال:
أقيم لهم نبيا من وسطهم ذلك لأن اليهود ـ حالهم حال موسى (عليه السلام) ـ المخاطبين بهذه الكلمات كانوا من أولاد إسحاق أيضا. وعلى هذا الأساس فإن النبي هذا يجب أن يكون من ولد إسماعيل (عليه السلام) حتى يتحقق صدق كونه من وسط إخوة الإسحاقيين أي من الإسماعيليين.
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): راجع كتاب " أنيس الأعلام " لفخر الإسلام وبحثه لهذا الموضوع.
صفحة146
2 ـ (أ) لقد أتى موسى (عليه السلام) برسالة شاملة، فرسالته عمت بني إسرائيل وأهل مصر، ولم يكن المهدوف الاسرائيليين فقط وكذلك الرسالة المحمدية التي كانت عامة وشاملة لكل البشر. (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا). (الأعراف 158) بخلاف رسالة السيد المسيح التي إنما أتت إلى بني إسرائيل دون غيرهم كما لا يخفى على أحد، ولا يخالفه فرد.
(ب). أن رسالة موسى (عليه السلام) أتت بكتاب جديد، ولم تكن مكملة لرسالات سابقة، والشريعة السابقة لم تقتبس من الكتب السماوية الأخرى، وكذلك الرسالة المحمدية التي أتت بالقرآن الكريم والشريعة الإسلامية السمحة التي لم تقم على شرائع سابقة. نعم قد تجد توافقا بين هذه الشرائع، ولكن هذا لا يعني كونها أخذ بعضها من بعض، بل يعني أن مصدرها واحد، وهو الله تعالى ذكره. أما رسالة عيسى (عليه السلام) فقد أتت لتكمل رسالة موسى (عليه السلام) ولم تأت بتشريع جديد مطلقا، فقد مر عليك أن عيسى (عليه السلام) قد صرح بأنه لم يأت ليغير القانون بل ليطبقه وهو يعني بذلك قانون موسى (عليه السلام).
3 ـ إن موسى (عليه السلام) قد ولد لأب وأم، وكذلك محمد بن عبد الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بخلاف عيسى (عليه السلام) الذي خلقه الله تعالى من أم دون أب، مثله في ذلك مثل آدم (عليه السلام) الذي قال له تعالى كن فكان.
4 ـ هذه العبارات التوراتية تصرح بأن النبي الذي هو مثل
صفحة147
موسى (عليه السلام) سيكمل تبليغ رسالته " فيكلمهم بكل ما أوصيه به ". وهذا يطابق الرسالة المحمدية دون العيسوية فالكل متفق على أن عيسى (عليه السلام) سيعود ليكمل رسالته، إلا أن محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يقبضه الله العلي إليه إلا بعد أن نزل الوحي قائلا: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). (المائدة: 3).
5 ـ بقي أن نشير إلى أن معنى قوله " فأجعل كلامي في فمه " هو ما ورد في القرآن الكريم حين قال عز من قائل: (وما ينطق عن الهوى. أن هو إلا وحي يوحى) (النجم: 4). وعند مقارنة هذا النص التوراتي بالنص الإنجيلي الذي سبق نجد كليهما يقولان: " فهو يرشدكم إلى جميع الحق ". وتقول التوراة: " فيكلمهم بكل ما أوصيه به ". فالنصان يدلان على أن المسل في كلا الحالتين صاحب رسالة عامة وشاملة والسبب في ذلك حسب النصين هو إما النص الأول فيقول: " لأنه لا يتكلم من نفسه بل ما يسمع يتكلم به ". وإما حسب النص الثاني أي التوراتي: " واجعل كلامي في فمه ".
صفحة148
ففي كلا الحالتين يكون هذا المرسل موحى إليه وكل ما ينطق به فهو من عند الله تعالى فيظهر جليا أن المقصود من النبي والمعزي شخص واحد، وكما أثبتنا في كلا الحالتين هو النبي محمد بن عبد الله المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم). وقد أيد هذا المعنى (كون المعزي والنبي واحدا) النص الذي جاء في سفر أعمال الرسل حيث جاء:
" فتوبوا وارجعوا لتمحي خطاياكم حتى تأتي أوقات الراحة من قبل الرب ويرسل يسوع المسيح المبشر به من قبل. الذي ينبغي أن تقبله السماء إلى الأزمنة التي يرد فيها كل ما تكلم الله عنه على أفواه أنبيائه القدسيين منذ الدهر. فإن موسى قد قال سيقيم لكم الرب إلهكم نبيا من بين إخوتكم مثلي فله تسمعون في جميع ما يكلمكم به. وكل من لا يسمع لذلك النبي تقطع تلك النفس من بين الشعب. وجميع الأنبياء من صموئيل ومن بعده كل من تكلم منهم قد أنبأ بهذه الأيام. فأنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد الله به ابناءنا قائلا لإبراهيم ويتبارك في نسلك جميع عشائر الأرض.
صفحة149
فإليكم أولا أرسل الله فتاه (أي عيسى (عليه السلام) بعدما أقامه ليبارككم بأن يرد كل واحد منكم عن شرور ". (أعمال الرسل 3: 19 ـ 26). فالإنجيل يصرح بأن جميع الأنبياء بدءا بموسى ومرورا بصموئيل والأنبياء من بعده، وانتهاءا بعيسى (عليه السلام) قد بشروا بمجئ ذاك النبي، ويعلن أيضا أن المعزي الذي وعد المسيح بإرساله هو نفس النبي الذي بشر موسى (عليه السلام) بمجيئه. وهذا هو واضح جدا ولا يحتاج إلى أي تفسير وتبيين. وبهذا يظهر أيضا أن النبي الذي بشر به موسى (عليه السلام) ليس هو المسيح (عليه السلام) لأن المسيح قد بشر هو أيضا بمجئ ذاك النبي، كما هو واضح في هذا النص، والنصوص السابقة. بل يظهر جليا أن من بشر به موسى (عليه السلام) هو نفس الذي بشر عيسى (عليه السلام) بمجيئه، وحينئذ يبطل أيضا قول القائلين بأن من بشر به عيسى هو روح القدس لأن النص الذي بين أيدينا جعله نفس الذي بشر به موسى، وبما أن موسى (عليه السلام) قد بشر بنبي من وسط أخوة اليهود فلا بد أن يكون الذي بشر به عيسى (عليه السلام) إنسانا رجالا إسماعيليا نبيا مرسلا. وبعبارة أخرى، فإن النص الذي بين أيدينا يظهر ومن دون أي مجال للشك النقاط التالية:
1 ـ إن الذي بشر به عيسى (عليه السلام) هو نفس من أخبر موسى (عليه السلام) بمجيئه لذلك فهو غير عيسى (عليه السلام).
صفحة150
2 ـ وبما أن موسى (عليه السلام) قد بشر بمجئ نبي مرسل إسماعيلي، فإن الذي بشر به عيسى (عليه السلام) ـ لأنه نفس ذلك النبي ـ لا يمكن أن يكون روح القدس.
3 ـ إن جميع الرسل، ومنهم موسى وعيسى ومن بينهما، قد بشروا بمجئ هذا النبي، كامل الرسالة، شامل الدعوة.
4 ـ وقوله: " فإليكم أو لا أرسل فتاه " يظهر أكثر أن الذي بشر به موسى (عليه السلام) هو شخص يأتي بعد المسيح (عليه السلام) وهو عينه ذلك النبي الذي بشر به موسى (عليه السلام) ومن ثم عيسى (عليه السلام) لقوله " فإليكم (أولا) أرسل... ".
5 ـ إن ما جاء حول أن جميع عشائر الأرض تتبارك بنسل إبراهيم، سنوضحه في نهاية الفصل إن شاء الله تعالى. ثالثا: إن الإنجيل يصرح ـ بعد أن عرفنا أن المقصود من المعزي هو النبي الذي عناه موسى (عليه السلام)، بأن المعزي أي ذاك النبي خالد الرسالة دائم الدعوة إلى الأبد، فقد ورد في الإنجيل " يوحنا " ما يلي: " وأنا أسأل الأب فيعطيكم معزيا آخر ليقيم معكم إلى الأبد ". (يوحنا: 14 ـ 16) وإلى هنا أكتفي عزيزي القارئ بهذه النصوص الواردة في الكتاب المقدس (العهدين القديم والجديد) والخص منها النقاط التالية:
1 ـ إن المعزي هو غير روح القدس.
2 ـ إن المعزي هو النبي الذي بشر بمجيئه موسى.
3 ـ إن المعزي الذي بشر به عيسى هو نفس النبي الذي بشر به موسى لذلك، فإن النبي الذي بشر به موسى ليس هو المسيح (عليه السلام) بل هو
صفحة151
نبي يأتي من بعد عيسى (عليه السلام) كما ورد في " أعمال الرسل ".
4 ـ إن المعزي نبي مرسل إسماعيلي لأنه من وسط أخوة اليهود.
5 ـ أن المعزي أمي، وإن الايحاء إليه يكون عن طريق المشافهة
6 ـ إن المعزي صاحب رسالة خاتمة بشربها جميع الأنبياء.
7 ـ إن المعزي صاحب رسالة خالدة شاملة وكاملة وعامة.
8 ـ إن المعزي معصوم لأنه لا ينطق إلا بما يسمع من الله تعالى.
9 ـ إن المعزي قبل رحيله، سيكمل رسالته، ويتكلم بكل ما يوصيه الله به.
10 ـ إن المعزي سيحيي رسالات الأنبياء السابقين (عليه السلام) وقد أثبتنا بما لا يقبل الشك أن الرسول محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) هو الوحيد الذي يمكن أن تنطبق عليه هذه الشروط والأوصاف. بقي الآن أن نشير إلى معنى قول الله تعالى لإبراهيم (عليه السلام): " ويتبارك في نسلك جميع عشائر الأرض " (أعمال الرسل 3: 25) فنقول: إن المقصود من هذا الكلام الإنجيلي هو ما ورد في العهد القديم: " وإبراهيم سيكون أمة كبيرة مقتدرة ويتبارك به جميع أمم الأرض. وقد علمت أنه سيوصي بنية وأهله من بعده بأن يحفظوا طريق الرب ليعملوا بالبر والعدل حتى ينجز الرب لإبراهيم ما وعده ". (تكوين 18: 18 ـ 19)
صفحة152
وما وعد الله تعالى به خليله إبراهيم (عليه السلام) قد سبق في نفس السفر حين جاء. " وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه وها أنذا أباركه وأنميه وأكثره جدا جدا ويلد اثني عشر رئيسا وأجعله أمة عظيمة ".
(تكوين 17: 20) فالوعد إذا هو أن الله تعالى سيجعل من نسل إسماعيل اثني عشر رئيسا وأمة عظيمة. وقد يحاول مكابر أن يدعي أن الوعد المقصود هنا هو أن يجعل الله عهد إبراهيم (عليه السلام) مع إسحاق (عليه السلام) إلا أن هذا واضح الفساد. تعال بنا لنقارن ما جاء في تكوين 18: 18 ـ 19 حول الوعد، فقد قال: " إبراهيم سيكون أمة كبيرة مقتدرة ويتبارك به جميع أمم الأرض ". وجاء حول إسماعيل: " وأما إسماعيل فقد سمعت قولك فيه... وأنميه وأكثره جدا جدا ويلد اثني عشر رئيسا وأجعله أمة عظيمة ". فنحن نجد أن إبراهيم سيكون أمة عظيمة بواسطة إسماعيل ابنه (عليه السلام) وأما ما ورد حول إسحاق (عليه السلام) فكل ما فيه هو أن العهد سيبقى معه، وهذا لا ينكره، فلم يقل أحد إن الله تعالى قد أخذ العهد منه لأنه نبي مرسل انتقلت النبوة إلى أبنائه (عليه السلام) حتى وصلت إلى عيسى (عليه السلام)، ولا
صفحة153
يوجد في أي مكان من الكتاب المقدس ما يحكي عن أن ذرية إسحاق عليه السلام ستكون أمة عظيمة، أو أن نسله سيكون كثيرا جدا. أضف إلى ذلك أن مراجعة بسيطة للنصوص السابقة تظهر أن الله تعالى لم يعد إبراهيم (عليه السلام) بأن يجعل العهد مع إسحاق، بل أن صيغة العبارات التوراتية تظهر أن ذلك لم يكن وعدا بل قضاءا نافذا على عكس ما ورد حول إسماعيل (عليه السلام) حين وعد الله تعالى أن يجعل ذريته عظيمة ويجعل منه اثني عشر رئيسا. ما معنى " اثني عشر رئيسا " ؟ لقد أوضحنا فيما سبق أن النبي المعزي الذي وعد به الأنبياء هو إسماعيلي وهو محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) وبينا أيضا أن الله تعالى سيبارك أمم الأرض بذرية إبراهيم (عليه السلام) من خلال ابنه إسماعيل (عليه السلام). والملاحظ من النص الذي أوردناه حسب " أعمال الرسل " إن ثمة صلة موجودة بين الاثني عشر رئيسا وذاك النبي المبشر به، فإننا نجد أن صاحب السفر يذكر أولا أن جميع الأنبياء بشروا به، ثم إنه يربط بين أيام ذاك الرسول، وبين الايفاء بعهد الله لإبراهيم بمباركة جميع عشائر الأرض بنسله. وبما أن النبي المعزي إسماعيلي، وبما أن عهد الله لإبراهيم كان هو أن يبارك جميع عشائر الأرض بنسل ابنه إسماعيل بتكثير جدا ويجعل 12 رئيسا من ذريته، ولأن الايفاء بعهده تعالى لإبراهيم يبدأ في أيام ذاك النبي الإسماعيلي المعزي، لذلك فالإثنا عشرة رئيسا لا بد وأن يكون زمان مجيئهم بعد مجئ ذاك النبي المعزي.
صفحة154
هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى فإننا نجد أن المسيح (عليه السلام) قد وعد الحواريين أصحابه بأنه سيدعو الله تعالى يرسل لهم المعزي ليبقى معهم إلى الأبد. (يوحنا 14: 16) فالأبدية هذه لا بد لها من أن تتبلور في وجهين:
أولا: بخلود رسالته، ودعوته، ثانيا بخلود ذرية النبي المعزي، فنحن نجد أن اليهود يعتبرون خلودهم وبقاءهم الأبدي من خلال وجود أولادهم وذرياتهم من بعدهم. فالبقاء الأبدي هنا لا بد وأن يكون له نفس المعنى الذي تبناه الكتاب المقدس في أغلب أسفاره، وعلى هذا فبقاء هذا النبي المعزي بين بني البشر إلى الأبد يكون لا محالة من خلال بقاء نسله وذريته. وبما أن عهد الله تعالى لإبراهيم (عليه السلام) كان بأن يلد ابنه إسماعيل اثني عشر رئيسا بعد مجئ النبي المعزي كما أوضحنا ـ فإن هؤلاء الرؤساء هم لا شك من ذرية ذاك النبي المعزي وأقاربه، ولا بد أن يكونوا رؤساء في أزمنة تمتد من بعد مجئ ذاك النبي إلى يوم القيامة حتى يصدق الإنجيل بقوله:
إنه سيبقى معكم (أي المعزي) إلى الأبد. وعند التفحص والتطبيق نجد أن المقصود من هؤلاء الرؤساء الاثني عشر هم الأئمة الأطهار من آل الرسول محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). وبهذا يكون قد تبين لك عزيزي القارئ أن التوراة والإنجيل قد بشرا ـ بدون شك ـ بمجئ النبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، وبقيام اثني عشر رئيسا، وإماما من بعده من آله وذريته، يباركون جميع عشائر الأرض لما يجلبونه عليهم من هداية وقيادة إلى طريق الرحمان جل ذكره.
صفحة155
ويبدو من سفر " ارميا " أن التوراة قد أخبرت بانتقام صاحب الزمان (عليه السلام) من قتلة الحسين سيد الشهداء عليه السلام حيث قالت:
" أعدوا المجن والترس وتقدموا للحرب. أسرجوا الخيل، واصعدوا أيها الفرسان وانتضبوا بالخوذ. أصقلوا الرماح. البسوا الدروع. لماذا أراهم مرتعبين ومدبرين إلى الوراء، وقد تحطمت أبطالهم وفروا هاربين ولم يلتفتوا. الخوف حواليهم يقول الرب. الخفيف لا ينوص والبطل لا ينجو. في الشمال بجانب نهر الفرات عثروا وسقطوا. من هذا الصاعد كالنيل كأنهار تتلاطم أمواجها... " (إلى أن تقول: ) " اصعدي أيتها الخيل وهيجي المركبات ولتخرج الابطال. كوش وفوط القابضان المجن واللوديون القابضون القوس. فهذا اليوم للسيد رب الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم ". ثم تذكر التوراة أن السبب في هذا الانتقام من الأعداء هو ما يلي: " لأن للسيد رب الجنود ذبيحة في أرض الشمال عند نهر الفرات ". (ارميا 46: 2 ـ 11) وقد أورد صاحب كتاب " البحث عن الحقيقة " ص 49 بالإنجليزية هذا النص أيضا كأحد أدلة التوراة على خروج صاحب الزمان، وقتل أعداء الله فراجع.
صفحة156
آيات قرآنية تتعلق بالبحوث السابقة:
نورد فيما يلي عدة آيات قرآنية تناولت المواضيع آنفة الذكر، ونحن نوردها في طيات البحث لئلا يكون لأحد حجة في أن البحث لم يكن ليقتصر على أقوال الكتاب المقدس، وعلمائه. وليكن إيراد هذه الآيات القرآنية الشريفة هنا من قبيل إعطاء المجال للباحث لكي يطلع على نظر القرآن الكريم في هذه المواضيع:
1ـ (ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون * الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون * قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (الأعراف: 156 ـ 158)
2ـ (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني
صفحة157
رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) (الصف: 5)
3 ـ * (اليوم أكملت لـكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لك الإسلام دينا)*(المائدة: 3)
4 ـ * (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) * (الدخان: 58)
5 ـ * (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) * (النجم 3 ـ 4)
6 ـ * (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا * قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا * فحملته فانتبذت به مكانا قصيا * فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت
صفحة158
نسيا منسيا * فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا * وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا * فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا * فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا * يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا * فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتيني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا * ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون * وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) * (مريم: 15 ـ 36).
7ـ * (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله * ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن
صفحة159
تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون * وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءاقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون * أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون * قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * (آل عمران: 78 ـ 85).
8 ـ * (يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم) * (آل عمران: 45).
9 ـ * (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) * (آل عمران: 59).
10 ـ * (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا
صفحة160
تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملئكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) * (النساء: 171).
11 ـ * (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب. ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد) * (المائدة: 116 ـ 117).
12 ـ * (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت
صفحة161
التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) * (البقرة: 127 ـ 129).
والمدقق في هذه الآيات القرآنية العظيمة يجدها ترفع عيسى وأمه مريم عليها الصلاة والسلام عما وصفهما به الإنجيل نفسه، فمن المحال أن يكون عيسى (عليه السلام) قد قال: " مالي ولك يا امرأة ".(يوحنا 2: 4). مخاطبا الصديقة مريم (عليها السلام)بل ما يليق بمقامه عليه السلام هو ما قاله عنه الله تعالى في الكتاب الحكيم (القرآن) من أنه قال: * (وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا) * (مريم: 32). كما وترفع عيسى (عليه السلام) من أن يدعو الناس إلى عبادته وأمه من دون الله، ويلاحظ أيضا أن الآيات الشريفة تذكر نقطتين هنا. أولاهما أن إبراهيم وإسماعيل (عليه السلام) قد دعوا الله أن يرزقهما ذرية مسلمة، وأن هذه الذرية ـ لكي يصدق عليها أن تكون من ذرية إبراهيم وإسماعيل معا، فإنه لا بد أن تكون ذرية إسماعيل (عليه السلام) بن إبراهيم الخليل (عليه السلام). وثانيتهما:
أنهما (عليه السلام) قد طلبا من العلي القدير أن يبعث في ذرية إسماعيل (عليه السلام) رسولا منهم.
صفحة162
وهذا يلفت النظر إلى ما ورد في التوراة حين ذكرت أن الله تعالى وعد بإرسال رسول من أخوة أبناء إسحاق وهذا لا يصدق إلا بإرسال نبي إسماعيلي فتتحقق بذلك نبوءات التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، وتتفق نصوصها في هذا المضمار. ويبدو جليا أن ما جاء به الكتاب المقدس من أن ذاك النبي المعزي سيقول ما يسمع فقط، وأن الله سيجعل كلامه في فمه فهذا تؤيده الآية الشريفة عندما تقول:
* (فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون) * (الدخان: 58). وعلى كل حال فالآيات القرآنية الكريمة تشرح لنا كيف ينطبق وصف النبي المرسل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) على ما قالته التوراة والإنجيل حوله (صلى الله عليه و آله و سلم). * * *
صفحة163
الفصل السابع
نقاش مع علماء الكتاب المقدس
صفحة164
لقد قامت مجموعة من الأساقفة الكاثوليك بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية بمساعدة الأديب إبراهيم اليازجي، وقد تمت هذه الترجمة عام 1879 م وانتشرت في البلدان بعد أن فاق عدد نسخها 23245 نسخة عام 1899، وفازت بمدالية معرض باريس الذهبية عام 1878. وقد قام علماء التوراة والإنجيل بوضع مقدمات وتعليقات على كل سفر على حدة، وعلى المجموعات بشكل عام أحيانا ونحن بدورنا هنا سنقوم بتوجيه أسئلة معينة إلى اللجنة الأسقفية الكاثوليكية هذه وإلى بعض علماء الكتاب المقدس الآخرين، ونقوم بالإجابة على هذه الأسئلة بما قالوه بأنفسهم ذاكرين المصدر لكل كلام نورده هنا. وقد فضلنا هذا الأسلوب لتسهيل وصول القارئ إلى النتيجة بنفسه.
س 1: نوجهه إلى السيد اكستائن: بصفتك أحد علماء التوراة والكتاب المقدس بشكل عام فهل لك أن تخبرنا ماذا يقول العلماء ـ علماء الكتاب المقدس ـ حول إمكانية تحريف التوراة ؟
ج: " إن العلماء الأقدمين يعتقدون بأن اليهود حرفوا التوراة لكي يقضى على الترجمة اليونانية، ضدا للمسيح وشريعته ـ كان ذلك في
صفحة165
(130) م " (1).
س 2: السيد نورتن: إننا نحن المسلمون نعتقد أن التوراة الأصلية هي كتاب الله المنزل على نبيه ورسوله موسى (عليه السلام) فهل التوراة الموجودة اليوم هي نفس توراة موسى (عليه السلام) ؟
ج: " لقد أثبت في كتابي الضخم وبأدلة كثيرة أن التوراة الموجودة ليست من موسى الرسول (عليه السلام) بل هي مختلفة، مجهولة (2).
س 3: السادة الأساقفة أعضاء اللجنة الكاثوليكية لترجمة الكتاب المقدس تنسب الأسفار الخمسة الأولى المعروفة بالپانتاتيك إلى موسى (عليه السلام) فهل تعتقدون ذلك، وهل أضيفت أشياء فيما بعد إلى الكتاب المقدس أم لا ؟
ج: كثير من علامات التقدم تظهر في روايات هذا الكتاب وشرائعه مما حمل المفسرين من كاثوليك وغيرهم على التنقيب عن أصل الأسفار الخمسة الأدبي. فما من عالم كاثوليكي في عصرنا يعتقد أن موسى ذاته قد كتب كل الپانتاتيك (أي الأسفار الخمسة الأولى من التوراة). بل يجب القول ـ مع لجنة الكتاب المقدس البابوية (1948) أنه يوجد " ازدياد تدريجي في الشرائع الموسوية سببته مناسبات العصور التالية الاجتماعية والدينية، تقدم يظهر أيضا في الروايات التاريخية " (3).
س 4: هل هناك إذا، ـ يا حضرات الأساقفة ـ تصرفات شخصية
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): البشارات والمقارنات للصادقي ص 92.
(2): أنيس الأعلام ج 1 ص 274.
(3): مقدمة الكتاب المقدس ج 1 ص 4.
صفحة166
في الكتاب المقدس ؟
ج: "... ما جاء من حوار وتفاصيل مؤثرة بغية إعادة الحياة إلى مشهد تاريخي، فهذا من نوع حرية التصرف التي توجبها الرواية الشفهية " (1).
س 5: الأساقفة الكرام، هل توجد تناقضات في الكتاب المقدس ؟ وهل لكم أن تعطوننا مثالا على ذلك ؟
ج: نعم " في الفصل الرابع عشر من سفر (الخروج) ينسب الناقدون مادة للتقليد (اليهوي) التي تقول إن يهوه أرجع إلى الوراء مياه البحر بواسطة ريح شرقية بينما ينسبون إلى التقليد (الكهنوتي) الرواية القائلة بأن موسى شق المياه بإشارة من يده.أما المقاطع الآتي فيها ذكر ملاك الله فقد تكون من التقليد(الالهيمي) "(2). س 6: هل انتقلت التوراة الينا مكتوبة ام ماذا ؟
ج: " ل " قد تحقق النقاد أن التراث الموسوي قد انتقل جزء منه شفهيا وجزء كتابة بواسطة التقليد " (3). س 7: هل أقسام التوراة كلها تعود إلى فترة زمنية واحدة، أعني: هل تتفاوت أجزاء التوراة من حيث كتابتها ومستواها الفكري ؟
ج: " المصدر الأخير من مصادر سفر العدد الثلاثة الرئيسة (مثلا) هو أحدثها شكلا وأكثرها اهتماما بالتنسيق الفكري " (4).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): مقدمة سفر التكوين ج 1 ص 7.
(2): مقدمة سفر الخروج ج 1 ص 96.
(3): مقدمة سفر العدد ج 1 ص 222.
(4): المصدر السابق.
صفحة167
س 8: هل تدعون أن التوراة كاملة وصلت إلينا بالشكل الذي كانت عليه منذ أول يوم، أرجو إعطاء مثال لجوابكم على كل حال ؟
ج: " إن النص (نص سفر التثنية) كان مجهولا حتى أيام الاصلاح الديني الذي قام به يوشيا الملك التقي، فاكتشف النص حينئذاك في مخبأ في هيكل أورشليم " ملوك أول " (22 ـ 23) واتخذ كمنهاج لتجديد ديني هام بعد عهد انحطاط سابق " (1).
س 9: هل تدعون إذا أن هذا السفر لم يتعرض للإضافة أو التغيير مدى فترة الانحطاط هذه ؟
ج: لا، لأنه ورد أن من الممكن أن يكون قد أضيف على النص تتمات ملهمة أيضا مدى سبي بابل (2). س 10: دعنا الآن نسأل اللجنة بتفصيل عن بعض الأسفار خاصة فنقول: من هو مؤلف سفر يشوع.
ج: " المؤلف المقدس نجهل اسمه وعصره (3).
س 11: إذا كيف تعرفون أنه مقدس إذا كنتم لا تعرفون عنه شيئا ؟
ج: الصمت التام.
س 12: فيما يتعلق بجوهر قصة راعوث ـ أي سفر راعوث ـ هل هو كلام الله المنزل أم أن من المحتمل أن يكون المؤلف (!!) كتبها بنفسه
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): مقدمة سفر التثنية ج 1 ص 296.
(2): المصدر السابق.
(3): ج 1 ص 360 مقدمة سفر يشوع.
صفحة168
؟ هلا يمكن أن تكون القصة مجرد ذكريات شخصية ؟
ج: " من المحتمل أن يكون الكاتب قد استعان في البدء بذكريات تقليدية غير واضحة الظروف، تماما، ثم أضاف إليها عددا من التفاصيل ليجعل الرواية أكثر حياة ويعطيها قيمة أدبية " !! (1).
س 13: ما رأيكم في قول البعض بأن مؤلف أسفار الملوك هو ارميا ؟
ج: " الرأي القائل بأن المؤلف هو ارميا بالذات انما هو رأي صبيانى (2).
س 14: إذا الأسفار هذه ـ أسفار الملوك ـ ليست كلام الله ؟
ج: لا بل " من المحتمل أن يكون المؤلف أحد تلاميذ ارميا " (3).
س 15: أي نهج اتبع المؤلف المجهول لهذه الأسفار في كتابة هذا الجزء الكبير من الكتاب المقدس !! ؟
ج: " النهج الممل الذي يتبعه معظم مؤرخي الحوليات " (4).
س 16: لقد قلتم سابقا أن إضافات قد دخلت على الكتاب المقدس، فهل هناك أشياء من الممكن أن تكون قد حذفت ولم تحفظ ؟
ج: " قد يكون " أخبار الملوك " في الأصل أطول مما هو عليه اليوم بفضل أجزاء لم يحتفظ بها في النص الحاضر. نجد في سفر الأخبار ذكر وثائق عديدة لم تحفظ، ونتحقق مرارا من استعمال أسفار صموئيل والملوك. ويضيف إليها المؤلف تفاصيل عديدة استنادا إلى مصادر أخرى ووفقا لمقصده (أي مقصد المؤلف) الخاص " (5).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): ج 1 ص 450 سفر راعوث.
(2)و (3): ج 1 ص 460 أسفار الملوك
(4): المصدر السابق.
(5): ج 1 ص 671 أخبار الملوك.
صفحة169
س 17: هل من الممكن أن تكون هناك تأليفات منحولة في التوراة نسبت إلى بعض الأنبياء ؟
ج: " ينسب إليه (عزرا) تأليف منحولة قد عرفت باسم سفري عزرا الثالث والرابع " (1)
س 18: هل ألف عزرا سفره بنفسه ؟ هل هو كلام الله ؟ أم هل هو من تأليف شخص ثالث ؟
ج: " إن نوع تأليف سفر الأخبار ـ عزرا يشير إلى أن الذي جمعها كان يخدم في الهيكل وقد قام بعمله هذا في عهد بعد عهد عزرا، في أثناء الحكم الفارسي " (2).
س 19: هل كل الكتب المقدسة واحدة من حيث المحتوى والمضمون، أم أن هناك فروقا بينها حسب اللغات والشعوب مثلا ؟
ج: " يتلو في توراتنا عزرا ونحميا ثلاثة مؤلفات روائية قصيرة وهي:
طوبيا، يهوديت، واستير، ثالثهم فقط موجود في التوراة العبرية بينما الآخران موجودان في التوراة اليونانية وسائر صور التوراة المستعملة لدى المسيحيين " (3).
س 20: هذه الأسفار المؤلفة الثلاثة، أعني طوبيا ويهوديت واستير، أين كتبت ؟
ج: " أما سفر طوبيا فلا يمكننا التفكير إلا في تاريخ قريب العهد قد يكون في منتصف الجيل الرابع أو في الجيل الثالث، واغلب الظن أن
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): ج 1 ص 786 عزرا.
(2): ج 1 ص 786 عزرا.
(3): طوبيا ج 1 ص 831.
صفحة170
كاتبه كان يعيش خارج فلسطين. وأما سفر يهوديت فهو حديث التأليف. أما صفته التاريخية فإثباتها صعب جدا. والصعوبة هنا هي أكبر منها في سفر طوبيا كأن ما ورد من الأخطاء التاريخية والوقائع البعيدة الاحتمال قد ضوعفت إنما قد لا يكون هذا ـ السفر الموجود الآن ـ نصا طبق الأصل بل شرحا له. وأما سفر استير، فتاريخية التفاصيل وجوهر السفر أيضا، فتعرضهما صعوبات جمة. (و) لا نعلم ما هو قديم في هذا الجزء الديني. أما تاريخه، وهو حديث دون شك، فقد يرجع إلى الجيل الثاني قبل المسيح " (1).
س 21: هل من الممكن أن تكون أشياء قد أضيفت إلى النص الأصلي لسفر أيوب ؟
ج: نعم، حيث ورد "... ثم يقبل خطيب رابع (ف) قد أضيف دون شك إلى النص الأصلي " (2) ؟
س 22: لقد قلتم قبلا أن بعض الإضافات اقتضتها الضرورات الأدبية، فهل يمكن أن تكون التوراة مجرد روايات نثرية أو حتى شعرية ؟ وهل يمكن لنا أن نعتبر التوراة حتى كوثائق تاريخية صحيحة ؟
ج: " إن الروايات النثرية (في سفر أيوب) شأن الجزء الشعري لا تقتضي أن نعتبرها كوثائق تاريخية صحيحة " (3).
س 23: إذا كان سفر أيوب بعضه شعرا، فليس من المحتمل أن
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): مقدمات الأسفار الثلاثة ج 1 ص 831، 852، 877.
(2): ج 1 ص 5 سفر أيوب.
(3): ج 1 ص 5 سفر أيوب.
صفحة 171
يكون كلام الله المنزل، فمن هو المؤلف إذا ؟
ج: " أغلب الظن أنه من أبناء الجيل الخامس " (1).
س 24: هل يعقل أن تكون أشياء أو أجزاء قد دخلت الكتاب المقدس بصفة غير قانونية ؟
ج: " لقد دخلت مثل هذه المؤلفات (المزامير) مرارا عديدة في صفحات الكتاب المقدس، كنشيد الأولاد الثلاثة في دانيال، ونشيد تعظم نفسي الرب، ونشيد مبارك إله إسرائيل في إنجيل لوقا، وخارج قانون الكتاب المقدس " (2).
س 25: إذا متى أصبح هذا السفر جزءا رسميا عندكم في الكتاب المقدس ؟
ج: " هذا السفر هو مجموعة أصبحت عاجلا أو آجلا رسمية " (3).
س 26: الذي يبدو من سفر الأمثال، أن بعضها (أي الأمثال) لا صفة دينية لها، فهل تعترفون بذلك ؟
ج: " إن عددا كبيرا من هذه الأمثال لا صفة دينية لها (4)
س 27: هل يمكن القول بأن بعض الأسفار كانت خليطا من مؤلفات عديدة ؟
ج: " اعتقد الكثيرون أن سفر الجامعة خليط من تآليف مختلفة الأصل " (5).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1): ج 1 ص 5 سفر أيوب.
(2) و (3): ج 2 ص 52 و 53 المزامر.
(4) ج 1 ص 166 الأمثال.
(5) ج 2 ص 209 الجامعة.
صفحة172
س 28: سفر نشيد الانشاد الذي نسمعه يتردد دائما في الكنائس هل هو كلام الله المنزل، أم ماذا ؟
ج: " إنه منذ القديم، فكر بعضهم مع تودوروس الموبسيوستي بأن النشيد في الأصل أقلة هو قصيدة ذات معنى علماني قد نظمت لتنشد مثلا في الأعراس، أعراس الملوك أو غيرهم " (1).
س 29: إذا كيف أصبح السفر جزءا من الكتاب المقدس ؟
ج: " إنها (أي القصيدة) أعطيت معنى دينيا رمزيا من قبيل المطاوعة " (2) ؟
س 30: من هو مؤلف سفر الحكمة ؟
ج: " إن هوية المؤلف مجهولة " (3).
س 31: لكنه من أهم أسفار التوراة فما هي الأسفار التي تعلمون مؤلفيها وهوياتهم ؟
ج: إنه (أي سفر يشوع بن سيراخ) السفر الوحيد تقريبا في العهد القديم الذي يمتاز بالارتقاء إلى مؤلف معين بدون شك ". " يمكننا أن نستنتج من ملاحظات حفيده (أي حفيد المؤلف) في المقدمة أنه عاش وكتب سفره المذكور في المقدمة بخمسين سنة أي حوالي السنة 180 م ". " لكنهم (اليهود) لم يدخلوه في كانون الكتاب المقدس، وبعد الجيل العاشر طمسه النسيان. وقد بقي بين الأسفار القانونية المتأخرة في ترجمة
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) ج 2 ص 226 نشيد الانشاد.
(2) المصدر السابق.
(3) ج 1 ص 236 سفر الحكمة.
صفحة173
يونانية ولاتينية وسريانية،... وقد أضيف إليه بعض الشئ في اللاتينية " (1).
س 32: إذا ليس فقط الكتاب المقدس لا يصدق عليه أنه كلام الله، بل إن أكثر مؤلفيه ـ غير واحد في التوراة ـ مجهولين ولا نعرف عنهم شيئا. لكن من الواضح أيضا أن النظام التاريخي لا أقل لم يراع في التوراة. وهذا أوضح في أسفار الأنبياء فإلى ماذا تعزون ذلك ؟
ج: " (إن) عدم النظام التاريخي الوارد في عدة أسفار نبوية مصدره التلاميذ الذين جمعوا الأقاويل النبوية المشتتة وادخلوا خلال هذه المجموعات بعض التراجم " (2).
س 33: بما أنكم قلتم مرارا أن الأسفار هي من تأليف أشخاص غير معروفين، وأنها ترجمت إلى لغات مختلفة، فهل من الممكن أن توجد أغلاط في الترجمة، وإذا كان الجواب إيجابيا، فماذا تثبيت هذه الحقيقة. أرجو إعطاء مثال واحد ليس أكثر ضمن الجواب على هذا السؤال:
ج: سفر المكابيين الأول. (حيث) أن إنشاءه وبعض الأغلاط في الترجمة تثبت أن النص الأصلي، وهو على الأرجح قليل الانتشار جدا كان بلغة سامية... " (3).
س 34: ماذا تعني على الأرجح ؟ هل تقول إنك لست متأكدا بأي لغة كتب أصلا !! من هو المؤلف ؟
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) ج 2 ص 266 يشوع بن سيراخ.
(2) ج 2 ص 337 الأنبياء.
(3) ج 2 ص 769 المكابيين الأول.
صفحة174
ج: وأما المؤلف فيظهر !! أنه عاش في فلسطين " (1).
س 35: هذه الأسفار التوراتية، وبعد أن عرفنا أنها كتابات أشخاص غير معروفين هل تدعون أنها وصلت إلينا على الشكل الذي كتبه هؤلاء المؤلفون، أم من المحتمل إضافة إلى الإضافات والحذوف التي قلتم أنها حصلت أن يكون بعض الأشخاص قد تصرفوا بها على مجال واسع، لطفا أجيبوني بمثال واحد ليس إلا ؟
ج: " إن المؤلف (مؤلف سفر المكابيين الثاني) يخبرنا أنه قام بتلخيص مؤلف ذي خمسة أجزاء من وضع جازون القيرواني الذي لا نعرف عنه شيئا آخر " (2).
س 36: لقد تبين لنا من خلال اعترافاتكم أيها السادة الأساقفة أن التوراة هي من مؤلفات أشخاص غير معروفين، وأن فيها تناقضات وأغلاطا، ودخلت عليها إضافات، وحذفت منها بعض الأجزاء، ولخصت في أماكن أخرى، بل لقد قلتم إن هناك أسفارا توجد في التوراة اليونانية. مثلا لا توجد في العبرية إلى غير ذلك، فإذا عرفتم كل هذا، وبالأخص إنكم لا تعرفون المؤلفين ولا شيئا عنهم فعلى أي أساس تسمون الكتاب المقدس مقدسا علما بأنه ليس بكلام الله المنزل ولا حتى من مؤلفات أنبياء تعرفونهم ؟ ج:
إن هذه الأسفار ألهمت إلى مؤلفيها لذلك فهي مقدسة !!
س 37: الالهام درجة رفيعة لا ينالها إلا أولياء الله، فإذا أردنا أن
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) ج 2 ص 769 المكابيين الثاني.
صفحة175
نعلم أن ثمة شخصا ملهم أم لا ؟ فعلينا أولا أن نتيقن من أنه من أولئك الذين يستحقون تلك الدرجة أم لا وهذا يستلزم أن نكون عالمين ومحيطين بتفاصيل شخصية ذاك الشخص، ناهيك عن أصله ونسبه وخصوصيات حياته، وهذا ما اعترفتم بأنكم عاجزون عنه في غير واحد من المواضع. وبعبارة أخرى فإنكم اعترفتم وبكل صراحة أن جميع مؤلفي أسفار التوراة ـ وغير واحد ـ ليسوا معروفين، ولم تدروا ـ على الأغلب ـ بأية لغة كتبت هذه الأسفار... فكيف يمكن لكم أن تسموها مقدسة، وأنتم لا تعرفون كتابها فضلا عن قداستهم ؟ والآن تعالوا بنا لندرس العهد الجديد أي الإنجيل الذي تؤمنون به دون اليهود، أرجو أن تجيبوا على الأسئلة التالية:
هل الإنجيل هو كتاب الله المنزل على عيسى (عليه السلام) ؟
ج: لا
س 38: هل هو إملاء المسيح (عليه السلام) شخصيا على تلاميذه ؟
ج: لا
س 39: هل هو من تأليف المؤلفين ؟
ج: نعم، فإنجيل متى كتبه " متى "، وكذلك كتب " مرقس " إنجيله، ولوقا، و " يوحنا " كل كتب إنجيله.
س 40: هل كتبوا أناجيلهم خلال حياة المسيح حتى نعلم أنه يوافق على كل ما جاء فيها ؟
ج: الحق أنهم لم يكتبوها خلال وجود المسيح على الأرض.
س 41: إذا متى كتبوها ؟
ج: أما متى: " (ف) كانت كتابته له في السنة الثامنة بعد صعود
صفحة176
الرب إلى السماء " (1). وأما مرقس: (ف) " كتب إنجيله حين كان في رومية مع بطرس هامه الرسل نحو السنة الثانية عشرة لصعود المسيح " (2). وأما لوقا: " فكتبه بعد صعود المسيح بأربع وعشرين سنة " (3). وأما يوحنا: " كتب في أواخر عمره.. وذلك في أواخر القرن الأول للكنيسة " (4).
س 42: إذن الأناجيل كانت من الأعمال الأدبية للقرن الأول بعد ميلاد السيد المسيح (عليه السلام) فهل كتبت كلها بلغة واحدة ؟
ج: أما إنجيل متى فقد " كتبه باللغة السريانية الكلدانية " (5). وأما مرقس " فيظن قوم أنه كتبه باللغة اللاتينية ولكن الراجح عند أهل التحقيق أنه كتبه باللغة اليونانية " (6). وأما لوقا: " فقد كتبه باللغة اليونانية " (7).
س 43: هل كان هؤلاء من تلاميذ المسيح (عليه السلام) أم ماذا كانت أعمالهم، وأين كتبوا أناجيلهم ؟
ج: أما متى ف " هو أحد تلاميذ المسيح ورسله الاثني عشر وكان قبل ما دعاه الرب عشارا في مدينة كفرناحوم، وضعه لفائدة اليهود
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) ص 468 العهد الجديد (حاشية على العهد الجديد).
(2) ص 474 الحاشية على العهد الجديد.
(3) ص 476.
(4) ص 478.
(5) ص 468.
(6) ص 474.
(7) ص 476.
صفحة177
الذين في أرض فلسطين " (1). وأما مرقس فكان " تلميذا للقديس بطرس، ويقال إنه كان من جملة تلاميذ المسيح الاثنين والسبعين وليس بثبت. كتب إنجيله حين كان في رومية " (2). وأما لوقا:
" كان طبيبا (ولد في أنطاكية) وكان مقيما باكائية (فكتب إنجيله هناك) " (3). وأما يوحنا:
فكان في جزيرة بطمس وقيل في أفسس " (4).
س 44: هل كتبوا أناجيلهم من أجل أن تتخذ ككتب تاريخ، أم لأغراض معينة ؟
ج: لقد وضع متى إنجيله " لفائدة اليهود الذين في أرض فلسطين، وكان غرضه أن يثبت لهم أن يسوع الناصري هو المسيح ". ومرقس كتب إنجيله " سأله ذلك المؤمنون من الرومانيين ". ولوقا كتب إنجيله برأي بولس الرسول. ويوحنا كان غرضه من تأليف (إنجيله) إثبات أن يسوع الناصري هو اليسوع ابن الله وحصنا للبدع التي كانت حينئذ قد أخذ يدب فسادها في الكنيسة... (الذين كانوا) يفترون على لاهوت المسيح عز وجل " (5).
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر السابق.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر السابق حاشية على العهد الجديد.
صفحة178
س 45: إذا هذه الأناجيل كانت مؤلفات متنوعة كتبت كرسائل لأغراض معينة. ولكن ماذا تعنون من أن هناك بعض من كان يفتري على لاهوت المسيح ؟
ج: إنهم كانوا لا يقولون بأنه إله.
س 46: يعني أنه في عهد الكنيسة الأول كان البعض يقول بأن المسيح ليس إلا رسول الله ونبيه، ولم يكن إلها، وعلى هذا فلا يجوز أن يكون ابن الله الاله. لكن أين كتابات ومؤلفات هؤلاء الذين خالفوكم في رأيكم ؟ لماذا لا نرى منها شيئا.
ج: هذه المؤلفات موجودة في مكتبات الفاتيكان الخاصة، ومنها إنجيل " برنابا " الذي ذكر فيه أن المسيح هو رسول الله، وقد قال أيضا إنه (عليه السلام) قد بشر بأحمد نبي الإسلام. لكن هذا الإنجيل يخالف إجماع
ص 178:
الكنيسة اليوم، فنحن لا نعترف به على رغم أن " برنابا " قد كتبه (1).
والآن نوجه الخطاب إلى القارئ العزيز:
لقد عرفت إذا أن الكتاب المقدس ليس بكلام الله، ولا كلام رسل أو أنبياء، بل إن الغالبية العظمى منه لا تعدو كونها مؤلفات متناقضة لمؤلفين مجهولين. وأنا الآن عزيزي القارئ أوجه إليك الأسئلة التالية راجيا منك
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) راجع مقدمة: * ((THE BIBLE OF BARNABOS
صفحة179
أن تجيب عليها بكل أمانة وصدق، وبضمير حي، بعيدا عن التعصب الأعمى، وحب الدنيا. هذا بعد أن تكون قد قرأت هذا الكتاب بدقة وتفحص وتحقيق من أن كل ما ورد فيه فهو مؤيد بالوثائق والمصادر المسيحية واليهودية المدرجة في طياته:
1 ـ هل أيقنت أن الكتاب المقدس ليس بكلام الله ؟
2 ـ هل عرفت أن الكتاب المقدس قد أضيف إليه، حذف منه. ولخص في أغلب أسفاره.
3 ـ ما معنى كون توراة العبرية تختلف عن توراة اليونانية ؟ وأي واحدة منها صحيحة ؟
4 ـ ما معنى أن تبقى أشياء من الكتاب المقدس ـ كنشيد الانشاد ـ لها صفة غير رسمية، لكنها تضاف إلى الكتاب المقدس لتصبح مقدسة ؟
5 ـ بعد أن ثبت أن الخمر والخنزير حرام أكلهما وأن التحجب واجب على النساء، وذلك حسب الكتاب المقدس، وأن الزواج بأكثر من واحدة محلل، فلماذا نصر على حلية الأوليين، ولا نعتني بالثالثة، ونحرم الأمر الأخير ؟
6 ـ هل راجعت بدقة الفصل الذي يبحث حول أكذوبة صلب المسيح (عليه السلام) فلماذا الإصرار على أنه صلب ؟ أليس عقيدة الإسلام بأنه رفعه الله أكثر إكراما له ؟ أولا نظن أن الله ـ إذا سلم ابنه للمجرمين ـ فسيكون مجرما سفاكا للدماء ؟ سبحان الله وتعالى عن ذلك.
7 ـ هل قرأت بدقة البشارات التي أتت حول المعزي وبحث هذا
صفحة180
الكتاب فيها، واعترافات الأساقفة بأن المعزي هو النبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) وليس غيره ؟ راجع الفصل مرة أخرى، ثم اسأل نفسك: لماذا لا تتبع محمدا صلى الله عليه وعلى آله الأطهار ؟
8 ـ بعد أن رأيت لجنة الأساقفة تعترف بأنه في بدء تاريخ الكنيسة قد انشق رجال الكنيسة إلى قسمين، قسم يقول بأن المسيح هو إله وابن إله وقسم يقول بأنه (عليه السلام) نبي الله المرسل المكرم وليس باله، فأين القسم الثاني، وأين كتبه، ومن هو الأحق قولا وفعلا ؟ وما هو الأصح عقلا ومنطقا ؟
9 ـ والآن أجب نفسك بحق وصدق: لماذا لا اعلن إسلامي بكل شجاعة بعد أن رأيت وعلمت بما لا يقبل الشك بأن محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) هو ذاك النبي الإسماعيلي الذي بشر به موسى ومن بعده عيسى (عليه السلام) ؟
10 ـ هلا أضفت قصة هدايتك إلى القصص التي وردت في الكتاب في الفصل التالي ؟
صفحة181
الفصل الثامن
ومضات على طريق الهداية
صفحة183
كثيرون هم الذين عرفوا الحق فاتبعوه، ولو لا التضليل وحملات التعتيم على الحق لما بقي على الأرض من يتبع الضلال. ويتنكب طريق الهداية إلا من تغلب الشيطان على قلبه، فجعله جنديا مخلصا ووفيا للشر وعمله. وتظهر الاحصائيات أن الإسلام هو أسرع الأديان انتشارا في العالم بينما تعد النصرانية من أسرع الديانات خسرانا لاتباعها لما فيها من لا منطقية ولا عقلانية. وقد رأينا أن نذكر بعض قصص الهداية الكثيرة جدا، لكي تكون أمثلة حية على ما نقول، ولما في بعض منها من إظهار للعناية الإلهية، وأحقية دين الله العظيم: الإسلام.
1 ـ لقد كنت طالبا جامعيا في الولايات المتحدة وتعرفت هناك على أحد الأشخاص أسميه " مصطفى " حفاظا عليه. مصطفى قال لي: إنه إيطالي، كان طالبا لاهوتيا يدرس في الفاتيكان، وأضاف: أن قسما معينا من مكتبات الفاتيكان سرية، ويمنع دخول غير الأساتذة وطلاب اللاهوت إليها. وقد دخلت هذه المكتبات فوجدت فيها أناجيل ممنوعة النشر منها أناجيل بارنابا، ولاحظت دعوة عجيبة وملحة في هذه الأناجيل إلي نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). فأوجد ذلك عندي الشك
صفحة184
مما دفعني إلى ترك الدراسة اللاهوتية، والمجئ إلى أمريكا لدراسة الصيدلة. وبالفعل فقد بدأت الدراسة هنا وفي نفس الوقت تابعت المطالعة حول الإسلام، وفي النهاية كان لا بد لي أن اعتنق هذا الدين الحنيف. لقد عشت مع مصطفى ـ كنا جيران ـ لمدة ست سنوات تقريبا، ولقد خدم الإسلام خدمة عظيمة، وفي يوم من الأيام ودعنا قائلا:
إن أمه في إيطاليا على فراش الموت ولا بد له من أن يزورها. وبعد مدة وجيزة عاد مصطفى فهرعنا إلى استقباله، ولكن فوجئنا بأنه كان مستبشرا فرحا مما جعلنا نظن أن والدته قد شفيت، إلا أن الأمر كان غير ذلك. لقد بقيت عند سرير أمي ـ يقول مصطفى ـ أدعوها إلى الإسلام حتى نطقت بالشهادتين ثم فارقت الحياة. وبما أنها ماتت مسلمة فأنا أكثر فرحا مما لو عاشت والدتي كافرة. والحمد لله رب العالمين. ولم تقتصر العناية الإلهية على هداية مصطفى بنفسه، بل إنه كان سببا في هداية الكثير من رجال ونساء، إلى طريق الإسلام النير.
2ـ ذهبت ذات مرة إلى أحد المساجد في أمريكا، فوجدت في الساحة رجلا كهلا ياباني الأصل يعمل على تصليح سيارات بعض الأخوة، فذهبت إليه وسألته عن هويته إذ أنني لم أره من قبل. قال الرجل الكهل:
اسمي (محمود، اسم مستعار) وأنا فلان الطبيب الياباني المعروف والمتخصص بوخز الإبر. إن زوجتي صديقة قريبة من زوجة الرئيس الامريكي ريغان. وقد أصبت قبل أشهر بحالة سرطانية شديدة، وعلى رغم إنني طبيب وأعرف خطر هذا المرض، إلا أنني عرضت نفسي على أخصائي السرطان، فقالوا
صفحة185
لي أنه لا سبيل إلى شفائي، وأنني لا محالة ميت بعد مدة قصيرة. بعد أن عرفت زوجتي بهذه القصة قامت بطلاقي، فتوجهت إلى ميامي واشتريت منزلا خشبيا صغيرا وسكنت فيه انتظر موتي. ولكنني صممت أن أجرب الأديان المختلفة ـ لعدم وجود أي عمل آخر عندي ـ فجربت الهمهمات البوذية، والصلوات النصرانية، والأدوية الصينية لكن دون جدوى ولم يبق أمامي إلا الإسلام. فوقعت بيدي نسخة مترجمة من الصحيفة السجادية، وبعدها دعوت بأدعيتها وجدت أني شفيت، لذلك ظهر لي جليا أن الإسلام هو الدين الحق فاعتنقته. قلت له: لكن لماذا لا تمارس الطب وتفضل أن تكون مكيانيكيا ؟
قال: الذي لديه الصحيفة السجادية لا يحتاج إلى الطب الآدمي.
3 ـ يقول (عبد الرحيم):
لقد كان أبي ولا يزال أستاذا في الاقتصاد في جامعة شيكاغو، وأمي أستاذه علم النفس الصناعي، وتعمل كمستشارة لعدة شركات كبرى، وأنا ابنها الوحيد، ولكثرة مشاغلهما لم يكونا يهتمان بي كثيرا، فشغلت نفسي لمدة بالمطالعة، والانكباب على الكتب في إحدى المكتبات العامة. بعدها استطعت أن أحصل على عمل كموظف في فندق كبير، وشاءت الإرادة الإلهية أن رجلا كبير السن نسبيا أتاني يوما، وهو أحد نزلاء الفندق وطلب من أن أحصل له على أحد الكتب الإسلامية القديمة من المكتبات العامة وقال لي ذاك الرجل:
لقد أخبرت أنك تعرف الكثير عن الكتب وهذا عنواني في أمريكا، أرجو منك إرسال الكتاب إلى عنواني هذا، وناولني ثمنه وذهب.
صفحة186
بعد مدة استطعت أن أحصل على الكتاب المذكور ودفعني حب المطالعة إلى قراءة بعض فصوله، فانشددت إليه جدا، مما دعاني إلى الاتصال بالعنوان الذي أعطاني إياه، فأتاني الجواب:
لقد سافر الشيخ إلى المغرب ـ موطنه ولكنه طلب مني أن أخبرك أن الكتاب لك، وترك أيضا عنوانه هناك. فما كان مني إلا أن بدأت التخطيط لرحلتي إلى المغرب حتى وفقت أخيرا، وسافرت إلى هناك، وتوجهت إلى العنوان المذكور لأجد أن الشيخ كان أستاذا في مدرسة دينية في إحدى مدن المغرب. فرحب بي وقال:
لقد كنت أعرف أنك ستأتي. فأقمت عنده مدة، تعلمت فيها العربية وتلقيت بعض العلوم الإسلامية، بعد أن اعتنقت الإسلام. وبعد أن عملت كمشرف على مكتبة المدرسة لمدة طويلة هاجرت إلى لندن، وأنا الآن أعمل في إحدى دور النشر الإسلامية ـ نقلا عن مجلة " أفكار " اللندنية الصادرة في شهر آب عام 1987 م 4 ـ كنت متوجها إلى بناية النشاطات الطلابية حينما وجدت طالبا جامعيا أمريكيا يقف في وسط الغرفة التي يتخذها الطلاب المسلمون كمسجد أيام الجمعة. فتوجهت إليه بالسؤال عن سبب وجوده هناك ودارت بيننا محادثة حيث أظهر لي أنه منذ مدة وبعد قراءة نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام وجد في نفسه رغبة شديدة في الاطلاع أكثر على الدين الإسلامي، ولذلك فهو يتردد على هذا المكان للحصول على بعض الكتب.
صفحة187
قال لي أنه سمى نفسه يحيى، وأنه قد أسلم بعد أن اطلع على ما في نهج البلاغة من إخبارات غيبية تحقق أكثرها. وأخذ يلزم نفسه بحضور التجمعات التي يقيمها الطلاب المسلمون في المناسبات المختلفة.
5 ـ سألت (موسى) مرة عن كيفية إسلامه فقال لي:
لقد كنت جنديا مع القوات الخاصة الامريكية، وحاربت في فيتنام ورأيت هناك العجائب. وعندما رجعت القوات الامريكية مدحورة أصبت بحالة شديدة من اليأس لأنني فوجئت بضميري يصر علي أن أعرف ليس فقط سبب عيشي في هذه الدنيا، بل أيضا لم حاربت ولم سأعيش في المستقبل. لقد كنت أعرف أن هنالك آلها واحدا في الوجود، ولم أكن أؤمن بالنصرانية على رغم كون والدي " پروتستانتيا "، فقررت أن أذهب إلى الأشجار القريبة واستسلم لتأنيب ضميري، وقررت بجدية أن أتحر، ولكن بعد أن وصلت إلى هناك انتابتني حالة غريبة من السكون فخاطبت الإله قائلا:
إنني أعرف أنك موجود، ولكني لا أدري من أنت ؟ ما هو دينك ؟ والذي أدركه هو أنك رحمان، وإلا لكنت قد سمحت بموتي في الحرب التي قتلت 60 جندي أمريكي، هذا فقط حسب الإحصائيات المعلنة، فأنا أرجو منك كآلة لي أن تدلني على طريقك وتعرفني عليك وعلى دينك، وأنا يا إلهي أعطي نفسي يومين فقط لأهتدي إلى الحق وإلا فإني سأقتل نفسي. فخرجت من بين الأشجار ـ كما يقول موسى ـ وعندما وصلت إلى الشارع صادفت أحد الأصدقاء القدامى فحييته ولم يطل بنا الحديث
صفحة188
حتى عرفت عن إسلامه، ومن هنا بدأت حياتي تتحول حتى اعتنقت الدين المحمدي الشريف. أقول:
لقد عشت مع موسى حوالي العام الواحد ونصف العام، ووجدت منه وفاء ورأيت إخلاصا والتزاما بالدين الإسلامي والشريعة وأحكامها.
6 ـ كنت واقفا أمام المسجد في المدينة انتظر وقت الافطار، فإذا بأحد الأفراد يأتي إلي ويبدأني بالكلام ويجر الحديث إلى الصوم. وبعد أن بينت له فلسفة الصوم، وبعض الآراء الفقهية المتعلقة به تركته ولم أره بعد ذلك. عامان مرا، وعلى بعد عشرة آلاف ميل من تلك المدينة كنت في أحد الفنادق في القارة التي احتضنت أرضنا من الناحية الأخرى لمدينة ذلك الشخص. وبينما أنا أحدث بعض الأشخاص إذ أقبل علي رجل وعانقني بشوق، وعندما رأى علامات التعجب والاستفهام على وجهي لعدم معرفتي به خاطبني قائلا:
أنا أعلم أنك لا تذكرني، ولكن هل تذكر قبل عامين عندما رأيتك أمام المسجد فتحدثنا عن الصيام ثم افترقنا من بعدها ؟
قلت: نعم. قال ذاك الشخص، وبعد أن كان اسمه فلان، أصبح الآن أخاك في الدين: " حسين "، نعم، فقد جرتني تلك المحادثة إلى البحث أكثر حول الدين الحنيف إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من إتباع الإسلام. و " حسين " اليوم من العاملين في خدمة الإسلام ودعوة الناس إليه، ومن أكثر الناس إدراكا للحق، والتزاما بأحكامه.
7 ـ يقول صاحب كتاب " البحث عن الحقيقة ":
لقد كان أبي أسقفا كبيرا، وداعيا إلى النصرانية في الهند، وقد شاءت القدرة أن أعمل في نفس الطريق حيث تنصر الكثيرون من الهندوس على أيدينا. وفي يوم من الأيام صادفت أستاذ الإلهيات في الجامعة، ودخلت معه في حوار طويل معه سجلته في الكتاب " البحث عن الحقيقة " حول الإسلام. ولا أطيل الكلام عليك حول البحث فعليك بكتابي، إقرأه لتعرف كيف اعتنقت الإسلام. وكان من الصعب جدا علي أن أصرح لأبي عن اعتناقي لهذا الدين الذي طالما حاربناه، لكن كان لا بد لي من فعل ذلك. وجاءت المفاجأة عندما قال لي:
لا تظن يا بني أني لم أطلع على الإسلام ولم أبحث عن الحقيقة، وقد أخفيت عنك بحثي هذا حتى وصلت إلى نتيجة ما، ولن أعلن إسلامي الآن لسبب معين، ولكن إذا أردت أن تعلن إسلامك فأنت حر في ذلك. أقول: كتاب " البحث عن الحقيقة " انتشر في البلدان باللغة الانجليزية، وهو كتاب قيم يبحث عن الإسلام وأحقيته. وصاحب قصتنا هو مؤلف ذلك الكتاب والقصة ذكرناها هنا باختصار وبتصرف.
8 ـ يقول يعقوب: لقد كان أبي رئيس أحد القبائل في ليبريا، وكان رجلا معروفا وذا نفوذ.
صفحة190
وأمي لا زالت امرأة معروفة وهي ذات منصب عال في المدينة، فهي المشرفة على بيع الآلهة إلى القبائل المختلفة. وكنت أنا بالطبع على دينهم، إلا أنني تربيت على يد رجل كبير السن اسمه أحمد وكان له تأثير قوي على نفسيتي. إلا أنني وبعد أن كبرت واصبحت يافعا تركت بلادي واتجهت إلى الهند. هناك اعتنقت إحدى الديانات واصبحت احتل منصب ضارب الطبول في المعبد. ثم عدت وسافرت إلى ألمانيا حيث اطلعت على المسيحية. إلا أن أحد الأصدقاء دعاني إلى السفر إلى سوريا حيث تعرفت على بعض المسلمين هناك. بعد أن أعلنت إسلامي قررت أن أتلقى بعض الدراسات الإسلامية، وارجع إلى بلادي لكي أنشر الدين الإسلامي الحنيف وأنقذ قومي من عبادة الأصنام.
أقول: يعقوب هذا كان رفيقا لي لمدة أربع سنوات، وبالفعل عاد الآن ليخدم بني قومه، ويخرجهم من الظلمات إلى النور.
9 ـ كنت أستمع بشوق لمحاضرة البروفيسورة حول الفضاء في إحدى قاعات الجامعة الكبرى وعندما وصل البحث بها إلى مسألة توسع الفضاء المطرد، تطرقت إلى الأديان قائلة:
" بلا أدنى شك أن أصدق ما ورد من تحليلات حول الفضاء هو ما ورد في قرآن المسلمين. إذ يقول الدكتور (فلان) وهو أحد علماء الفضاء، وبالصدفة زوج أستاذتنا أن البعض يقول إن هناك آية في القرآن الكريم تتحدث عن التوسع المطرد للفضاء، ولعله يعني الآية التي يقول فيها قرآن المسلمين:
إن الله خلق السماء " وإنا لموسعون " وهذا فيه إيحاء بهذه
صفحة191
النظرية. ومرت سنوات ـ حوالي الخمس على ما أتصور ـ وإذا أنا بالبروفيسور في أحد الفنادق، تكلمت معه ولا بد أن اعترف أنه لم يذكرني وذلك بسبب وجود حوالي " 1200 " طالب على المعدل في محاضراته. ولكن بعد أن تطرقنا إلى الإسلام قال لي: لقد رأيت وعلمت الكثير عن الإسلام وأنا أحب أن أعلن إسلامي، فما هو السبيل إلى ذلك ؟
قلت: إن بعض الأصدقاء من المراسلين يتواجدون في الفندق الآن. فإذا لا تمانع فإنني أحب أن ينقلوا قصة إسلامك.
قال: لا مانع عندي. وبالفعل أعلن إسلامه، وتناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام قصته، كان ذلك عام 1983 م.
10 ـ وأخيرا أنقل إليك عزيزي القارئ حادثة وقعت عندما كنت
وبرفقة أحد المسلمين الجدد الذي كان مسيحيا كاثوليكيا قبل ذلك أوزع بعض الكتب الإسلامية في الجامعة. جاء إلينا رجل وعرف نفسه أنه يهودي وأنه يعتقد بأن آباء البشر هم القردة، وذلك حسب نظرية دارون، ووجه السؤال إلى ذلك المسلم الجديد قائلا: ماذا تعتقدون أنتم ؟ هم تظنون أن آباءنا نحن قردة ؟ وكان يعني (بنحن) بني الإنسان. فأجاب الأخ قائلا: نعم، نحن المسلمون نعتقد أنكم أيها اليهود أبناء القردة لأن
صفحة192
القرآن الكريم يصرح بذلك. أما نحن كمسلمين فلسنا إلا أبناء آدم. عند ذلك هاج غضب اليهودي، فرد على الأخ قائلا: لكن ألا تعترف أن آباءك بربريون ؟ وكان ابن اليهودية يشير إلى أن العرب كانوا في عصر الجاهلية غير متحضرين.
لكن عاد عليه الأخ مرة أخرى بجواب جعله يفارقنا خاسئا، حيث قال: نعم، لقد اعتنقت الإسلام قريبا، فآبائي كانوا بربريين لعدم إتباعهم الحق، أما أنا الآن فمسلم والحمد لله رب العالمين.
الكتاب المقدس تحت المجهر
عودة مهاوش
(أبو محمد) الأردني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، بارئ الخلائق أجمعين، رب السماوات والأرضين، والشكر له على ما أولانا من نعم ظاهرة وباطنة، عجز العادون عن إحصائها، وكلت الألسن عن وصفها، والصلاة والسلام على سادة الخلائق أجمعين، الهداة إلى صراط الحق المستقيم، الأنبياء والمرسلين، وخاصة أفضلهم أجمعين محمد المصطفى المختار وعلى آله الطيبين الطاهرين، سفن النجاة الراسين في رضوان أرحم الراحمين. أما بعد، فلقد وصل الانحطاط بالغالبية من بني البشر اليوم إلى أن جعل منهم آلات أو حيوانات لا تستفيد مما أغدق الله عليهم من نعم ومواهب.
وحقا إن الفرق بين الإنسان والحيوان هو ذاك العقل وما ارتبط به من أدوات تجمع له المعلومات التي يستفيد منها في الوصول إلى الحقائق، ومن ثم إلى السعادة الدنيوية والأخروية.
ونحن لو استقرأنا الفكر البشري اليوم لوجدنا الناس فرقا ثلاث:
فرقة ملحدة لا تؤمن بالله تعالى... وهذه الفرقة نشأت في عصرنا هذا عندما رأت ما جلبته بعض الديانات البشرية إلى الإنسان من اضطهاد وظلم وتأخر ويتعارض مع الروح التي تدعي هذه الديانات أنها أتت من أجلها.
صفحة 6
فبعض تلك الديانات دعت الإنسان إلى قبول الظلم وحرمت عليه الخروج على السلطان الظالم وبعضها طلبت منها الانصياع إلى إله غير عادل ـ حسب قولهم ـ وبعضها حكمت على العقل بالإعدام وعلى العلم والتفكر بالسجن المؤبد. والفرقة الثانية الموجودة في عصرنا الحاضر هذا وهي أكثر الفرق أتباعا وأفرادا، فهي تلك التي لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وإن زعمت أنها تقصدها وتنشدها.
فمن عابد بقرة إلى عابد عائلة خيالية فاسدة الأخلاق، أعني اليهود، إلى جماعة ـ وهي الطائفة المسيحية ـ أعدمت العقل واتخذت من كلمة الإيمان، حجابا يمنع أتباعها من حرية التفكر، ورؤية نور الحقيقة.
وأهل المسيحية رغم شدة ادعائهم الروحانية غلبت عليهم الدنيا إلى درجة أنك عندما تدخل في بحث موضوعي وبناء مع أحدهم لا تسمع منهم جوابا إلا القول:
إنه الإيمان !! ويتركك متحيرا.. ترى لماذا خلق الله لهؤلاء عقولا ؟ ألم يكن ذلك إلا لأجل إثبات الحجة عليهم ؟ والفرقة الثالثة هي الفرقة المحقة التي اتبعت الرسول الأمي (صلى الله عليه و آله و سلم) ودينه الحق، ثم وقفوا معه أينما وقف، وساروا إلى حيث سار، فسمعوا وصاياه، واتبعوا أوامره، وتمسكوا بالعروة الوثقى من بعده، آله الأطهار عليهم الصلاة والسلام فآمنوا بالتوراة والزبور والإنجيل والقرآن.
إن الكتاب الذي بين أيدينا اليوم والذي تدين به عصابة اليهود وجماعة النصارى، والمسمى بالكتاب المقدس هو بلا شك غير ذاك الكتاب الذي جاء به موسى، وغير ذاك الإنجيل الذي نزل على عيسى(عليهما السلام).
صفحة 7
وبناء على هذا فقول بعض الناس أن الكتاب المقدس هو التوراة والإنجيل محرفين يعد خطأ فاحشا، إذ أن الحقيقة هي أن هذا الكتاب لا يعدو كونه كلام مؤرخين وأعمالا أدبية نقل بين ثناياها وطياتها كلمات أنبياء وقليل من الكلمات الموحاة، نقل معنى على لسان هذا وذاك، وهذا هو ما يتجلى لك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
ورغم أننا قد بحثنا مسألة كون الكتاب المقدس غير كلام الله أو رسله، وبرهنا على أن الإنجيل العيسوي هو غير العهد الجديد المتداول اليوم، وأعطينا أمثلة على تناقضات الكتابات الواردة في هذا الكتاب، إلا أننا فضلنا إعطاء مثال واحد عن كل واحد من هذه المواضيع هنا في المقدمة لإتاحة الفرصة للقارئ لكي يأخذ فكرة عن محتويات الكتاب المقدس.
في المثال نجد في هذا المضمار أن العهد القديم يتكلم عن وفاة موسى (عليه السلام) ذلك النبي المقدس الذي كان من المفروض أن يكون صاحب هذا الكتاب نفسه... ولو كان هذا صحيحا فكيف يتكلم موسى عن كيفية موته، وتاريخه ؟ أهو حي ميت في آن واحد ؟ ! أم أنه عليه السلام عاد ثانية إلى الحياة وتكلم عن ذلك ؟ ! هذا ما لا نجده حتى عند اليهود والنصارى. تقول التوراة:
" وصعد موسى من عربات موآب إلى جبل نبو إلى رأس الفسجة فمات هناك موسى عبد الرب في أرض موآب حسب قول الرب. ودفنه في الجواء في أرض موآب مقابل بيت
صفحة 8
فغور ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم. وكان موسى ابن مئة وعشرين سنة حين مات ولم تكل عينه ولا ذهبت نضارته. فبكى بنو إسرائيل موسى في عربات موآب ثلاثين يوما فكملت أيام بكاء مناحة موسى ". (سفر التثنية 34: 1 ـ 8) أما العهد الجديد، والمسمى اليوم بالإنجيل فهو حتما غير ذلك الإنجيل الذي نزل من عند الله تعالى على عيسى عليه السلام، فنحن نجد أن مؤرخي هذه المجموعة من الكتابات قد سجلوا كيف أن عيسى (عليه السلام) كان يجوب الأرض ليدعو إلى إنجيل كان عنده:
" وكان يسوع يطوف المدن كلها يعلم (الإنجيل) في مجامعها ويكرز ببشارة الملكوت ". (متى 9: 35) وتجدر الإشارة ـ هنا ـ إلى أن كلمة " الإنجيل " قد أسقطت من هذه العبارة في أغلب الأناجيل العربية، بينما نجدها مثبته في أكثر الأناجيل المطبوعة باللغة الانجليزية مثل (King James Version) ومثل هذا الكلام ورد أيضا في (لوقا 20: 1). فكيف إذن يعلم الإنجيل الذي كتب فيه أنه كان يعلم في تلك الأيام ؟ إذا لا بد أن يكون الكتاب الذي بين أيدينا قد كتب في حقبة زمنية لا حقة لتلك التي كان الإنجيل الرباني الحق موجودا فيها، وبهذا يظهر أن الإنجيل الذي بين أيدينا هو ـ بالكامل ـ غير كتاب الله المنزل على عيسى (عليه السلام) وما تسمية العهد الجديد بالإنجيل إلا مغالطة واضحة.
صفحة9
وثمة نقطة أخرى لا بأس بلفت النظر إليها وهي أننا نجد مؤرخي العهد الجديد قد اختلفوا في عدد آباء عيسى (عليه السلام) الذي يربطونه بداود (عليه السلام). فقد ذكر كاتب " متى " أن عددهم هو (41) بينما يقول مؤلف " لوقا " أنهم كانوا (55)، وإليك نص ما قالاه في هذا المضمار:
كتاب ميلاد يسوع المسيح:
1 ـ ابن داود.
2 ـ ابن إبراهيم.
3 ـ ولد إسحاق.
4 ـ ولد يعقوب.
5 ـ ولد يهوذا وإخوته.
6 ـ ولد فارص وزارح من ثامار.
7 ـ ولد حصرون.
8 ـ ولد آرام.
9 ـ ولد عميناداب.
10 ـ ولد نحشون.
11 ـ ولد سلمون.
12 ـ ولد بوعز.
13 ـ ولد عوبيد.
14 ـ ولد يسى.
15 ـ ولد داود الملك.
صفحة10
16 ـ ولد سليمان.
17 ـ ولد رحبعام.
18 ـ ولد أبيا.
19 ـ ولد آسا.
20 ـ ولد يهوشافاط.
21 ـ ولد يورام.
22 ـ ولد عزيا.
23 ـ ولد يوثام.
24 ـ ولد أحاز.
25 ـ ولد حزقيا.
26 ـ ولد منسى.
27 ـ ولد آمون.
28 ـ ولد يوشيا.
29 ـ ولد يكنيا.
30 ـ ولد شألتئيل.
31 ـ ولد زربابل.
32 ـ ولد ابيهود.
33 ـ ولد إلياقيم.
34 ـ ولد عازور.
35 ـ ولد صادوق.
36 ـ ولد أخيم.
37 ـ ولد أليود.
صفحة11
38 ـ ولد اليعازر.
39 ـ ولد متان.
40 ـ ولد يعقوب.
41 ـ ولد يوسف. ثم قال متى عند ذكر اسم يوسف:
" رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح، فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا، ومن داود إلى سبي بابل أربعة عشر جيلا ومن سبي بابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا ". (متى 1: 1 ـ 19) وأما ما ورد في إنجيل " لوقا " فهو كما يلي:
" ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن " (هكذا وردت !).
1 ـ ابن يوسف.
2 ـ بن هالي.
3 ـ بن متثات.
4 ـ بن لاوي.
5 ـ بن ملكي.
6 ـ بن ينا.
7 ـ بن يوسف.
8 ـ بن متاثيا.
صفحة12
9 ـ بن عاموص.
10 ـ بن ناحوم.
11 ـ بن حسلي.
12 ـ بن نجاى.
13 ـ بن مآث.
14 ـ بن متاثيا.
15 ـ بن شمعي.
16 ـ بن يوسف.
17 ـ بن يهوذا.
18 ـ بن يوحنا.
19 ـ بن ريسا.
20 ـ بن زربابل.
21 ـ بن شألتيئيل.
22 ـ بن نيرى.
23 ـ بن ملكى.
24 ـ بن أدى.
25 ـ بن قصم.
26 ـ بن ألمودام.
27 ـ بن عير.
28 ـ بن يوسي.
29 ـ بن اليعازار.
30 ـ بن يوريم.
صفحة13
31 ـ بن متثات.
32 ـ بن لاوى.
33 ـ بن شمعون.
34 ـ بن يهوذا.
35 ـ بن يوسف.
36 ـ بن يونان.
37 ـ بن ألياقيم.
38 ـ بن مليا.
39 ـ بن مينان.
40 ـ بن متاثا.
41 ـ بن ناثان.
42 ـ بن داود.
43 ـ بن يسى.
44 ـ بن عوبيد.
45 ـ بن بوعز.
46 ـ بن سلمون.
47 ـ بن نحشون.
48 ـ بن عميناداب.
49 ـ بن آرام.
50 ـ بن حصرون.
51 ـ بن فارص.
52 ـ بن يهوذا.
صفحة14
53ـ بن يعقوب.
54 ـ بن إسحاق.
55 ـ بن إبراهيم. ومن الغريب حتى أن نسخ الإنجيل الانجليزية تحصر على الأغلب عددهم في " متى " بعشرين، وفي " لوقا " بخمسة وخمسين، ومن يدري فلعل القارئ الانجليزي لا يحب أن يعرف آباء الأنبياء كلهم ولهذا اختصر المترجمون الأسماء.
وأنا أدعوك عزيزي القارئ إلى مواصلة قراءة هذا الكتاب لتجد العجب العجاب في كتاب تدين به مجموعة كبيرة من الناس، ولعلك تعرف بعد دراسة هذا الكتاب السبب الذي جعل البشرية جمعاء تعاني من ظلم واضطهاد وتخلف (يسمى بالتحضر) من قبل أتباع الكتاب المقدس.
وستعرف أيضا سبب تحلل أتباع هذا الدين أخلاقيا، حتى أنهم أصبحوا وللأسف قادة الدعارة في العالم، وذلك عند مرورك بالفصل الثاني من فصول هذا الكتاب، والذي تكلمنا فيه عن التحلل الأخلاقي في الكتاب المقدس !! فهيا بنا الآن لنطالع الحقائق معا، والله من وراء القصد وهو يتولى الصالحين.
عودة مهاوش ـ الأردن
صفحة15
الفصل الأول
هل التوراة والإنجيل الرائجان كلام الله المنزل ؟
صفحة17
إن المتتبع لعبارات الإنجيل يجد أنها بعيدة كل البعد عن كونها مصداقا لما يمكن أن يسمى بكلام الله عدا بعض الجمل التي يمكن أن تكون قد نقلت حكاية كما ينقل أي مؤرخ بعض آيات القرآن الكريم.
والكتاب المقدس لا يتعدى كونه كتابات أدبية وتاريخية، وقصصية، قام بها مؤرخو القرنين الأولين بعد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وأدخل عليها ـ على مر العصور ـ تعديلات وتطويرات جعلت من النسخ الأدبية الأولية مخطوطات ليس لها من أثر في يومنا هذا إلا ما قل وندر.
يقول الأستاذ جعفر السبحاني في موسوعته مفاهيم إسلامية ج 1 ص 273 في هذا الصدد:
" أما الأناجيل الأربعة الفعلية فليست معتبرة إطلاقا، إذ لا تشبه الوحي بل تدل طريقة كتابتها على أنها من بقايا أدب القرن الأول والثاني الميلاديين وهذا يعني عدم كونها متعلقة بفجر المسيحية حقيقة ".
والباحث في طيات الكتاب المقدس بقسميه التوراة والإنجيل يجد أن أعظمه ينطوي على معلومات تاريخية كتبت بأسلوب قصصي على الغالب، إلا أن هناك خمسة أنواع من الجمل والمعلومات يمكن حصرها وإعطاء الأمثلة عليها من كتاب اليهود والنصارى، وهذه الأقسام هي:
أولا: ما يمكن أن يكون كلاما موحى إن بعض الجمل الإنجيلية التالية يمكن أن تكون كلمات موحاة
صفحة18
من جانب الله تعالى إلى المسيح (عليه السلام) أو إلى أنبياء سبقوه.
وهذه الجمل التي ستمر عليك إن شاء الله يمكن معرفة حالها عند مقارنتها بالقرآن الكريم.
نعم قد يعترض معترض بأن هذه الجمل وردت ضمن كلام السيد المسيح (عليه السلام) إلى حوارييه مثلا، فكيف يمكن أن تكون موحاة ؟ والحق أنها كذلك إلا أن السيد المسيح (عليه السلام) حكاها ضمن كلامه إليهم تماما كما يتكلم أحدنا، ويستشهد في طيات كلامه بالقرآن الكريم كما سبق، وقلنا.
إسمع الحوار التالي بين المسيح (عليه السلام) وتلاميذه:
أ ـ " فتقدم التلاميذ وقالوا له (لعيسى (عليه السلام) لماذا تكلمهم بأمثال ؟. فأجاب:
لأنهم مبصرين (1) لا يبصرون. وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون فقد تمت فيهم نبوة أشعياء القائلة:
تسمعون سمعا ولا تفهمون ومبصرين ولا تنظرون. لأن قلب هذا الشعب قد غلظ ". (إنجيل متى 13: 10 ـ 15).
عند التحقيق في هذا النص يظهر أن عيسى (عليه السلام) قد استشهد بكلام نبي من قبله، هو " أشعيا " الذي لا بد وأن يكون قد حكى عن كتاب موحى، وهذا الكلام أعني:
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) هكذا وردت في نسخة العهدين المطبوعة المتداولة والصحيح هو: لأنهم مبصرون. سامعون.
صفحة19
" لأنهم مبصرين لا يبصرون. وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون ". وهو يطابق آيات القرآن الكريم تماما ويقاربها في اللفظ مع بعض المغايرة. يقول الله تعالى في سورة الأعراف:
(ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها) " الأعراف ـ 179) هذا مع أنك تجد في نص الإنجل تقديما للبصر على السمع تماما كما فعل القرآن الكريم، وما في ذلك من حكمة إلهية بالغة من أن رؤية العين لحقائق الأمور أبلغ وأعمق من مجرد السماع المطلق المجرد عن البصر، وهذا يذكر بقول الإمام علي بن أبي طالب حيث قال:
" أما أنه ليس بين الحق والباطل إلا أربع أصابع، الحق أن تقول:
رأيت والباطل أن تقول: سمعت " (1).
ب ـ المثال الثاني من هذا القبيل هو بعض الأحكام التي وردت في العهد القديم، ومنها أحكام القصاص التي أيدها القرآن، أي أيد كونها موحاة من عند الله سبحانه إلى موسى عليه السلام، ونحن نجد في بعض " التثنية " أنه (عليه السلام) كان يعلم بني إسرائيل بعد نزوله من الجبل أحكام دينهم،
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة الخطبة 141.
صفحة20
وهو يقول في سفر التثنية 19 ـ 21 ما هذا نصه:
" لا تشفق عينك، نفس بنفس عين بعين.
سن بسن. يد بيد رجل برجل ". إلا أن من الواضح هنا أن هذا الكلام نقله أحد المؤرخين عندما نقل وقائع عودة موسى (عليه السلام) من الجبل كما قلنا، فهو بلا شك ليس كلاما نقل بالنص، بل هو استنباط لحكم شرعي من كلام موحى على الأرجح، وهذا يفهم من سياق الإصحاح بكامله. وهذا نص يؤيد القرآن وجود مثله في التوراة، فالنص صريح. يقول تعالى حول التوراة في هذا الصعيد:
(وكتبنا عليهم فيها أن: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص) (المائدة ـ 45) إلا أن القرآن الكريم يثبت أن ما ورد في التوراة الحقيقة يخالف نص الكتاب المقدس الذي نقلناه هنا، فالنص التوراتي يخرج أحكام الأنف والأذن، كما أنه لا يثبت ما يثبته القرآن من أحكام الجروح. لذا فإن مما لا شك فيه هو أن هذه الأحكام إما حذفت فيما بعد، أو أن موسى (عليه السلام) كان في صدد بيان أحكام قصاص النفس والعين والسن دون غيرها، وهو ما لا دليل عليه، فيستنتج من ذلك كون هذا النص ناقصا إلا أن فيه ما يشير إلى كونه يمت إلى كلام موحي بصلة.
ج ـ ورد في إصحاحات " أشعياء " ما يلي:
" أليس أنا الرب ولا إله آخر غيري.
صفحة21
إله بار ومخلص ليس سواي التفتوا إلي وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض لأني أنا الله وليس آخر. بذاتي أقسمت خرج من فمي الصدق كلمة لا ترجع أنه لي تجثو كل ركبة يحلف كل لسان ". (أشعياء 45: 21 ـ 23) ويظهر من هذا الكلام جليا أنه حكي عن طريق أحد الأنبياء، وهو أقرب ما يكون إلى كلام موحى لأنه موجه من قبل الله تعالى إلى الخلق أولا، وثانيا لأنه يطابق عدة آيات من القرآن العظيم مثل: (الله لا إله إلا هو) (قل هو الله أحد) (الله الصمد) وكقوله تعالى:
(ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة) (النحل ـ 48) فقول التوراة:
" انظروا إلي، وأخلصوا يا جميع أقاصي الأرض ". يقارب معنى قول الله تعالى في سورة التوحيد:
(الله الصمد) أو قول تعالى في سورة البقرة الآية 256:
صفحة22
(الحي القيوم) فهما يوحيان بكون الله تعالى قيوما على كل شئ، مطلعا على كل شاردة وواردة. وأما قول التوراة: " بذاتي أقسمت خرج من فمي الصدق كلمة لا ترجع ". فإنه يشبه قوله تعالى: (فالحق والحق أقول) (ص 84) أو قوله تعالى:
(وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) (الإسراء ـ 23) والقضاء ـ هنا ـ يفهم من قول التوراة:
" كلمة لا يرجع ". أما " جثو كل ركبة، وحلف كل لسان " فهما يوحيان بأنهما يوافقان ما ذكره القرآن الكريم من أن كل من في السماوات والأرض، يسجد لله تعالى، وحلف كل لسان بذلك يساوق قول الله تعالى في القرآن الكريم: (طوعا أو كرها). ولعل مثل هذا الكلام في الكتاب المقدس وهو قلما يوجد فيه، وهو الوحيد الذي وصل إلينا من وحي الله تعالى إلى أنبياءه عليهم السلام، وأن مما يدعو إلى الأسف الشديد أن هذه التعاليم لا يتمسك بها ـ على الإطلاق ـ أولئك الذين يدعون إتباع الكتاب المقدس، والأنبياء الواردة أسماؤهم فيه، بل يخالفون شرائعه كلها على ما سيمر عليك مستقبلا إن
صفحة23
شاء الله.
د ـ لقد أخبرنا الباري عز وجل في كتابه المنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن الأنبياء بشروا ـ من قبل ـ بمجئ رسول من بعدهم يختم الرسالات ويثبت أسس التوحيد، ويعدل الشرائع حسب قانون الله تعالى. ونحن نجد في سفر " التثنية " ما يلي:
" أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم مثلك، واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به ويكون أن الإنسان الذي لا يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي أنا أطالبه ". (التثنية 18: 18) وهذا الكلام كان موجها من عند الله تعالى إلى نبيه موسى (عليه السلام). وعلى رغم أن النصارى يدعون أن ذلك النبي هو المسيح (عليه السلام) إلا أنه وعند مراجعة بسيطة للنص نجد أن من المستحيل أن يكون المقصود منه غير النبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). فقوله:
" أقيم لهم نبيا من وسط إخوتهم " يحتم أن يكون هذا النبي من أولاد إسماعيل وليس من أولاد إسحاق، لأنه لو كان المقصود هو عيسى (عليه السلام) فإنه لا أب له، أو أن أمه هي من ذرية إسحاق (عليه السلام) فكان حريا به إذن أن يقول ـ لو كان المقصود هو عيسى (عليه السلام) ـ من وسطهم بدل إخوتهم، ومحمد (صلى الله عليه و آله و سلم) هو من أولاد إسماعيل (عليه السلام) وقد أقامه الله من العرب الإسماعيليين إخوة اليهود الإسحاقيين.
صفحة24
وأما كون هذا النبي مثل موسى (عليه السلام) فإننا عند مقارنة موسى (عليه السلام) بالنبي محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) وبعيسى (عليه السلام) نخلص إلى أنه يجب أن يكون هذا النبي هو خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). فموسى ولد من أب وأم، وكذلك محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) بخلاف عيسى الذي خلقه الله من دون أب. ورسالة موسى كانت عامة وكذلك محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) بخلاف عيسى الذي أرسل إلى بني إسرائيل خاصة. وقد عمت رسالة موسى (عليه السلام) بني إسرائيل وأهل مصر، فكانت بذلك لا تختص بقبائل إسرائيل. ورسالة موسى كانت مستقلة جديدة ولم تكن مكملة لرسالات سابقة، وكذلك الرسالة المحمدية. نعم هذا لا يمنع من أن تصحح هاتان الرسالتان رسالات سابقة، أي تعدل ـ حسب الرغبة والمشيئة الإلهية ـ رسالات نبوية سابقة. أما رسالة عيسى (عليه السلام) فقد كانت رسالة متممة لرسالة موسى (عليه السلام)، وهذا ما لا ينكره أحد من النصارى، وقد صرح به القرآن الكريم. وأما قوله:
" واجعل كلامي في فمه " فهذا هو معنى الوحي الذي أثبته القرآن الكريم إذ يقول تعالى:
(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) (النجم ـ الآية: 4) هذا على أن قوله: " فيكلمهم بكل ما أوصيه به ".
صفحة25
يؤيد كون هذا النص ورد في المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم)، لأنه أولا لم يلتحق بالرفيق إلا بعدما نزلت الآية الكريمة:
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة ـ 3) فإن الآية الكريمة هذه تصرح بعدم مغادرته (صلى الله عليه و آله و سلم) الحياة الدنيا إلا بعد أن وفى بكل ما أوحى به الله تعالى إليه. إلا أن الجميع يتفق على أن المسيح عليه السلام سيعود ليتم رسالته لأنه لم يعط الفرصة الكاملة من قبل اليهود، بل رفعه الله إليه. إذن فعيسى لم يكتم شيئا مما أوحى الله به إليه، إلا أنهم لم يعطوه الفرصة من قبل أنفسهم لسماع كلامه. وبعبارة أخرى فقد كلم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قومه بكل ما أوحى الله به إليه، على خلاف عيسى (عليه السلام) الذي لم يعط الفرصة الكاملة لتبليغ ما أوحي إليه، لا لأنه أراد ذلك بل لأنه رفعه الله إليه ووعد بعودته لئلا يصبح في تعداد الأنبياء الذين قتلهم بنو إسرائيل ولم يعطوهم الفرص الكاملة لتبليغ رسالاتهم كما ينبغي. وعلى هذا فلا بد أن يكون هذا النص من النصوص التي أبت القدرة الإلهية إلا أن تثبت في كتب اليهود والنصارى ليكون حجة على القوم، ودليلا على أن المقصود بهذا النبي هو ذلك الذي مثل موسى (عليه السلام) أعني محمد المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم)