أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي

د. علي محمد جريشة

 محمد شريف الزيبق أستاذ مساعد

 

بكلية الشريعة محاضر بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة الطبعة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. أما بعد ـ فهذه الكلمات نسطرها في المذاهب الفكرية المعاصرة لتكون زادا لطلاب الشريعة والدعوة بل زادا لكل صاحب دعوة. وليس الحديث عن المذاهب الفكرية المعاصرة سهلا إن العصر يموج بنظريات ومبادئ تتنازع وتتصارع، وإن حروب السلاح إن هدأ أوارها، أو وضعت أوزارها فلقد حلت محلها حروب الأفكار والعقائد. فالغرب يرفع راية العلمانية التي حبست الدين بين جدران الكنائس، وأبت عليه أن يكون له خارجها سلطان. يرفع في مجال الاقتصاد مبادئ الرأسمالية. ويرفع في مجال السياسة مبادئ الديموقراطية. ويرفع في مجال الاجتماع مبادئ الحرية والتحرر التي اقتربت من الفوضى الطاحنة القاضية على القيم والمثل والأخلاق. والشرق الشيوعي يرفع راية الاشتراكية (العلمية) أو الشيوعية، يضلل بها الطبقات الساذجة، ويمنيها بأن الحكم (للصعاليك) أو طبقة البروليتاريا ـ كما يسمونها ـ ويمارس ضلاله وتضليله في الشرق الإسلامي. ويصطدم بعقيدته فيطور أسلوب دعوته أو " تكتيكها " ليخدع جماهير المسلمين. ووسط قيم الغرب الفاسدة، وتضليل الشرق الكافر تعيش جماهير المسلمين بعد ما أصابها من تخلف وبعد عن منهج

صفحة 4

 

الله. تعيش أكثرها بين التمزق والضياع وافتقاد القيادة الراشدة، تتلمس النور وسط السراب وتتحسس الطريق وسط الظلام، و ما هي ببالغته حتى تعرف ما هو النور وما هو الطريق فتهتدي وتسلك. وتسير على درب النجاة. وفي باب تمهيدي نتحدث بمشيئة الله عن الواقع الأليم الذي تعيشه أمة الإسلام بين التخلف والتمزق وأسباب ذلك. وفي الباب الأول نتحدث عما يجمع الغرب والشرق، ثم عما يمارسه الغرب المسيحي في الشرق الإسلامي قديمه وحديثه. وفي الباب الثاني نتحدث عن الغزو الماركسي لبلاد الإسلام أساسه من المبادئ وزيف هذه المبادئ، ثم ما يفعلونه بالمسلمين في بلادهم، وما يحاولونه خارجها كاشفين عن أسلوبهم وتكتيكهم الجديد. وفي الباب الثالث نتحدث عن الصهيونية أو (اليهودية العالمية) ومخططاتها وجمعياتها السرية لتخريب العالم وفي الباب الرابع:

 نشير إلى رد فعل لغزو الشرق والغرب لبلاد المسلمين والحركات الإسلامية التي قامت مناهضة لذلك الغزو، وما فيها من قصور، ثم نحاول أن نتبين النور والطريق. والله المستعان وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

صفحة 5

 

باب تمهيدي واقع أليم:

 الواقع الأليم ينطق بتخلف الأمة الإسلامية. ولم تكن كذلك:

 لقد عاشت أكثر من ألف سنة في مقدمة الأمم بل لقد عاشت فترة طويلة هي الأمة الأولى في العالم كله يعمل لها ألف حساب، ويطلب ودها، ويسعى أمثال إمبراطور ألمانيا للتقرب من خليفتها فيرسل له الهدايا وحملت في خلال هذه الفترة الإسلام للدنيا كلها حملتها بالعلم والخلق قبل أن تحمل السيف في وجه أعداء الإسلام، ولم تكره على عقيدتها أحدا فإن القرآن علمها أن " لا إكراه في الدين " (البقرة: 256).، وإنما دخل الناس في دين الله أفواجا لما رأوا صفاء العقيدة وسموها، ولما شاهدوا جمال الخلق ورفعته فأحسوا أن هذا الدين ينشئ نشأ جديدا يخرجهم من (عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة). وما عرفه الغرب من تقدم كان نتيجة احتكاكه بالشرق الإسلامي. إن نقطة البدء في ذلك التقدم كانت حركة الاصلاح الديني، حيث ثار الناس على ظلم الكنيسة واضطهادها، وثاروا على كثير من مفاهيمها المعقدة بعد ما رأوا صفاء العقيدة الإسلامية ويسرها، وسمو الإسلام وسمو خلقه ثم كانت بذور النهضة الأوروبية العلمية أخذا عن علماء المسلمين الذين تعلم الغربيون على أيديهم في جزر البحر الأبيض، وفي الأندلس، ومن قبل ذلك احتكوا بهم أبان الحروب الصليبية. وإذ بدأ الغرب في نهضته. بدأ الشرق في كبوته. وكان لذلك أسباب عديدة. بعضها من أنفسنا، وبعضها خارج عن إرادتنا. أسباب من أنفسنا:

 " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير " (الشورى:30) تلك سنة الله في أرضه،

صفحة 6

 

وحكمه بين خلقه. لا يخفض قوما بعد إذ رفعهم إلا بما كسبت أيديهم، ولا يغير بعد ذلك ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وهو ما حدث بالأمة الإسلامية حين داخلها شئ من الغرور أن الله اختارها ولن يستبدل بها ونسيت أن الاختيار مؤسس على أسبابه (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله ) (آل عمران:110) وتحت هذه الشعب الثلاث يندرج الإسلام كله.

(أ) أول مما أصاب الأمة الإسلامية بعدها عن كتاب ربها وسنة رسولها ومحاولة الأخذ من غير هذين النبعين الصافيين الأصليين، خاصة بعد ما ما أوتي الغرب شيئا من التفوق الحضاري علي أساس مادي.

 (ب) وصحب ذلك انهزام داخلي أصاب شعور الأمة. أو بعضها فعدلت ما عند الناس بما عند الله. إن لم يداخلها الوسواس فهو أفضل.

(ج‍) وصحب ذلك. التقليد والمحاكاة ولم تكن هذه صفة الأمة الإسلامية. بل ليست هذه صفة الأمم الأصيلة. إنها صفة القردة. إن كانوا حيوانات. أو كانوا ممن غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة وعبدة الطاغوت.

 (د) ولازم ذلك كله الفرقة. تفككت الدولة وأصبحت دويلات (1)، وتصارع الحكام على الدنيا، وأحلوا قومهم دار البوار والفرقة دائما فرصة العدو للنفاذ. أن الصف المتلاحم المتلاصق لا يستطيع عدوان يخترقه أما الصف المضطرب المختلف الممزق فاختراقه سهل ويسير والحزمة الواحدة قوية قد تستعصي على الكسر أما العيدان المتفرقة فكسرها سهل يسير.

(ه‍) وأعقب ذلك كله تخلف عن مواكبة العصر. فيما وصل إليه من أبحاث علمية تجريبية. وما فرض من أغلاق باب الاجتهاد. مما جر على المسلمين بعد ذلك. أن ينقلوا عن غيرهم. فينقلوا الغث مع السمين بل ينقلون الغث أكثر مما ينقلون السمين، وهكذا رأينا ثمار البعثات الخارجية. أخذا بقشور المدنية الغربية وفسادها دون أخذ بلبابها.

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أنظر كيف تفككت الأمة الإسلامية الواحدة إلى دولة المغول الإسلامية في الهند ودولة فارس، والدولة العثمانية، ودولة المماليك في مصر. وانظر كيف هي الآن أشد تفككا ـ وكيف تقوم فيها دول في بالنسبة للأخرى بمثابة أحياء في مدينة.

صفحة 7

 

أما الأسباب الخارجة عن أنفسنا:

 فهي التي فرضها أعداء الإسلام على المسلمين. وكانت نتيجة لتخطيط أثيم بدأ منذ الحروب الصليبية. وانتهى إلى الحرب الضارية التي تمارس الآن على العالم الإسلامي، ولكن بأسلوب جديد. وهو موضوع هذه الدراسة بإذن الله. وقبل أن نغادر هذا الباب للحديث عن غزو المسلمين نشير إلى أنه رغم الضراوة الشديدة التي يمارسها أعداء الإسلام. فلا يزال الحل. بأيدينا. لا يزال بأيدينا النور. ولا يزال أمامنا الطريق. وبعد ذلك فلقد خص الله هذه الأمة. فجعلها قلب العالم كله من كل ناحية. من ناحية المكان هي مركز الدائرة بالنسبة للعالم كله، وهو ما يجعل لها مركزا استراتيجيا خطيرا لا يتوفر لأية أمة أخرى (1). من ناحية الثروات فلقد جمع الله فيها أنواع الثروات الأرضية بما يحقق اكتفاءا ذاتيا، وبما يحقق حاجة العالم كله إليها. وليس الأمر قاصرا على البترول. وتكفي هذه الإشارة. من ناحية الخامة البشرية فإن الدراسة المنصفة للطبيعة البشرية وخصائصها تجعل لهذه الأمة من الخصائص البشرية ما ليس لأمة أخرى وبذلك تتحقق الوسطية لهذه الأمة على اختلاف وجوهها. وصدق الله العظيم:

 (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (البقرة:143). وقبل ذلك وبعد ذلك ما قلناه من نور. ومن طريق وهو ما نشير إليه بمشيئة الله في نهاية البحث كله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سجل الدكتور حسين كمال الدين بكلية الهندسة بجامعة الرياض في بحث علمي هام أن الكعبة المشرفة هي المركز لدائرة العالم كله، بحيث لو أردنا رسم دائرة للعالم لكان لزاما وضع السن على الكعبة المشرفة ليمكن رسم هذه الدائرة. (البحث قدم لمؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد بالرياض في ذي القعدة 1396).

 

صفحة 8

 توطئة تقوم الحضارة الغربية الحديثة على أساس من فكر فلسفي أرسى قواعده أمثال ديكارت صاحب منهج البحث الاستنباطي، وفرنسيس بيكون، صاحب المنهج التجريبي، وكومت، مؤسس المذهب الوضعي وهو في جملته فكر مادي نتج عنه بعد ذلك في أمريكا مذهب البراجماتزم أو المذهب العلمي، وهو الذي ساد الفكر الامريكي منذ القرن الماضي. وتقوم الماركسية كذلك على أساس من فكر مادي يعطي المادة كل شئ ويفسر التاريخ على أساس منها وقد أخذ كارل ماركس عن غيره من فلاسفة الغرب ـ كما سنشير بتفصيل في موضعه بإذن الله. ولئن بقي في الغرب أثارة من دين وسط التيار المادي العارم فإنها " غلالة " رقيقة لا نحسب أنها ستصمد طويلا ودليل ذلك إحصائيات كثيرة ودليله كذلك لجوء رجال الدين في الولايات المتحدة من أجل ترويج بضاعتهم إلى وسائل لا تتفق أبدا مع الدين وهو ما يحدث من دعوتهم الشباب من الجنسين عقب الصلوات إلى حفلات راقصة تخفت فيها الأنوار وتتلاصق الأجساد، وتنطلق الأنغام خافتة حالمة. توقظ الرغبة وتشعل الشهوة. وبقايا الحمية الدينية عندهم لم تعد تظهر إزاء الانحرافات الخطيرة الواقعة في مجتمعاتهم والتي تهدد مجتمعهم نفسه بالتصدع والسقوط وإنما تظهر فقط إزاء الأديان الأخرى وبالتحديد إزاء كل تجمع إسلامي يبغي إعادة مجد الإسلام ـ كما سنبينه من خلال هذا البحث. وقيام الشرق والغرب رغم اختلافهما الظاهر ـ على أساس فكري واحد (1) أمر يستلفت النظر ويوحي بالتساؤل. تماما كما تشهد في طريقك بنائين مقامين على تصميم هندسي واحد. فتشهد أن المصمم واحد أو أنهما خريجا مدرسة واحدة وكما نشهد خلق الله فنجد من كل زوجين اثنين ـ الانسان فيه الذكر والأنثى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التفكير المادي العلمي ينقسم إلى إتجاهين:

 ـ الاتجاه الميكانيكي Mechanistic Materialism وهو إتجاه مادي لا يرى وجودا للروح أو العقل فضلا عن أن ينسب إليهما تدبير الجسم. ـ الاتجاه المادي الديالكتيكي Dialecae Materialism ويرى أن وجود الروح والعقل تابع لوجود المادة، والاتجاهان بذلك ينكران الغيب أو يستبعدانه. للدكتور البهى ـ ص 86 الفكر الإسلامي وصلته بالاستعمار الغربي.

صفحة 9

 

الحيوان فيه ذكر وأنثى. النبات فيه ذكر وأنثى. الجماد فيه الموجب والسالب. كما في الكهرباء والمغناطيس والذرة. فنخرج من هذا أن الخالق الصانع واحد سبحانه وتعالى قيام المعسكرين المتنازعين على أساس فكري واحد أمر يستلفت نفس النظر ويوحي نفس التساؤل. وننظر فنجد كارل ماركس من أصل يهودي (1). ونجد الثورة البلشفية قد مولت بأموال يهودية (2). ونجد كثيرا من القيادات الشيوعية يهودية الأصل (3). ونجد الشعار اليهودي هو الأفعى الرمزية. وهي رمز للأمة اليهودية، وبداخلها النجمة السداسية وهو شعار اليهود كذلك (4). وننظر إلى الغرب. فنجد فكرة فصل الدين عن الدولة من عمل اليهود (5). ونجد الحروب الصليبية (6) وبعض الحروب العالمية من عملهم كذلك (7). ونجد بصماتهم في وعد بلفور، وفي الإعداد لدولة إسرائيل، وفي الاعتراف بدولة إسرائيل، والتدخل لمساعدتها. كما نجد هذه البصمات وفي مقتل جون كندي، وفي عزل نيكسون، (وهما من رؤساء الولايات المتحدة السابقين)، وفي بعض الأحداث في المنطقة الإسلامية والعربية. ونعود إلى الأساس الذي بنى عليه الفكر الغربي والماركسي " المادة ". فنجد التشابه بينه وبين ما يؤمن به اليهود. وكل إناء بما فيه ينضح. إن القرآن وصفهم " ولتجدنهم أحرص الناس على حياة " (البقرة: 86) أي حياة ولو كانت رخيصة. لأن المادة ثقلها في نفوسهم وقلوبهم. واتنشار الأساس المادي يؤدي إلى:

 الصراع على المادة، ثم يؤدي إلى الإنزلاق في الشهوات وكلا من الأمرين من سياسة اليهود

 " كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين " (المائدة:64).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشيوعية والانسانية في شريعة الإسلام للأستاذ عباس محمود العقاد ص 33، 43

(2)،(3) محمد خليفة التونسي ـ الخطر اليهودي ـ الطبعة الرابعة ص 68، ص 110

(4) سرجى نيلوس ـ ترجمة البروتوكولات، المرجع السابق ص 4، 24، 213 وما بعدها.

(5)،(6) وليام غاى كار ـ أحجار على رقعة الشطرنج ـ 13 تشرين 1958 م

(7) محمد خليفة التونسي ـ المرجع السابق.

صفحة 10

 

وما نود بعد ذلك أن نخوض في مدى سلامة البروتوكولات التي نشرها سرجى نيلوس لاول مرة في سنة 1902 بعد أن وصلت إليه ـ كنا ذكر ـ في سنة 1901 فإنها من ناحية السند ضعيفة إذ لم يعرف مصدرها الحقيقي حتى الآن (1). ولكن الأحداث التي جرت والتي تجري قد تؤكد صحتها وسلامة نسبتها مما يشعر معه الانسان أنه أمام ما قد يسمى بالحقائق المسلمة. ووقوع الأحداث التي توقعها ناشرها بعد نشرها بفترات أقلها خمسة عشر عاما وأطولها ما يقارب الخمسين يلقي ظلالا على صحة هذه الوثائق فقد تنبأ نيلوس أن يحاول اليهود الاستيلاء على السلطة في روسيا وتم لهم ذلك بعدها بحوالي خمسة عشر عاما. وتنبأ نيلوس أن تحاول الأفعى اقتحام الاستانة قبل قيام دولة لليهود(2). وألغيت الخلافة الإسلامية في سنة 1342 ه‍ وكانت " اليد الخفية " تعمل في الظلام على تحطيمها. وقامت دولة إسرائيل سنة 1367 ه‍ واعترفت بها أمريكا وأعقبتها روسيا في يوم واحد. ومع ذلك كله فيبقى احتمال وجود اليهود وراء الفكرين الغربي والشرقي. من الناحية العلمية مجرد احتمال وإن كان احتمالا راجحا ـ لكنا نأخذه بحذر حتى لا نقع في " التهويل " كما لا ينبغي أن نقع في " التهوين " فكلاهما تطرف غير سليم كلاهما إفراط وتفريط وتبقى الاحتمالات الأخرى قائمة وإن كانت مرجوحة ـ ومن بينها أن يكون الانتكاس قد أصاب الفطرة الانسانية في الشرق والغرب في وقت واحد فقامت فلسفتهما وفكرهما على أساس أن:

 " لا موجود إلا المادة " (3). وهذا الأساس بغير إغراق في الجانب الفلسفي ـ ليس صحيحا على إطلاقه إذ لا شك بوجود أشياء غير المادة فالفكر والفهم ليس أمرا ماديا وهو موجود والمشاعر والعواطف ليست أمرا ماديا. وهي موجودة. والله سبحانه وتعالى ليس شيئا ماديا وهو سبحانه وتعالى موجود. ولا يلزم للوجود أن تدركه الحواس بالبصر أو باللمس أو بالشم كما يذهب أكثرهم فإن الادراك بالأثر أقوى وأشد، فأنت لا ترى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تعلمنا علوم السنة علما جليلا لم يصل إليه بعد علم الغرب وهو علم الرجال وما بتعلق بهم من جرح وتعذيل، وهو علم بالغ الدقة وتطبيق قواعده لمعرفة سند البروتوكولات إلى أبناء صهيون قد يؤدي ـ حتى الآن ـ إلى استبعادها لكن الأحداث تؤيد وترجح صدق ما جاء فيها أي صدق نسبتها.

(2) سرچى نيلوس ـ المرجع السابق ص 216، 217.

(3) الزميل الكبير الدكتور جعفر إدريس في محاضرة قيمة له عن المادة ـ غير منشورة.

 صفحة 11

الكهرباء ولكن تدرك أثرها وهو النور وأنت لا تري الروح ولكن تدرك أثرها وهو الحياة ثم إذا تدرجت مع الماديين وساءلتهم من الذي أوجد المادة فسيتدرجون معك. حتى يتدرج مثل " دارون " إلى الخلية الأولى. وتقول له ومن الذي أوجد الخلية الأولى، سيسكت بعضهم وسيقول آخرون المصادفة أو الطبيعة والساكتون أراحوا واستراحوا. والقائلون بالمصادفة أو الطبيعة ندع فريقا آخر يرد عليهم. نقول بأن الحياة وجدت نتيجة حادث اتفاقي شبيه في مغزاه بأن نتوقع أعداد معجم ضخم نتيجة انفجار صدفي يقع في مطبعة (1). لو جلس ستة من القرود على آلات كاتبة، وظلت تضرب حروفها لملايين السنين فلا يستبعد أن نجد من بعض الأوراق التي كتبوها قصيدة من قصائد شكسبير، وكذلك كان الكون الموجود الآن نتيجة عمليات عمياء ظلت تدور في المادة لبلايين السنين (2). لو كان يمكن للكون أن يخلق نفسه فإن معنى ذلك أن يتمتع بأوصاف الخالق، وفي هذه الحالة سنضطر أن نؤمن بأن الكون هو الإله وهكذا ننتهي إلى التسليم بوجود الإله، ولكن إلهنا هذا سوف يكون عجيبا إلها غيبيا وماديا في آن واحد إنني أفضل أن أؤمن بذلك الإله الذي خلق العالم المادي وهو ليس بجزء من هذا الكون بل هو حاكمه ومدبره. بدلا من أن أتبنى هذه الخزعبلات. (3). ويعقب القرآن على تلك القضية، ويصفها في تساؤل جميل:

 (أم خلقوا من غير شئ أم هم الخالقون* أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون) (الطور: 35ـ36). وفي مكان آخر تساؤل آخر:

 (أمن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها. أءله مع الله.؟ بل هم قوم يعدلون. (أمن جعل الأرض قرارا، وجعل خلالها أنهارا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزا، أءله مع الله؟ بل أكثرهم لا يعلمون*أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، ويجعلكم خلفاء الأرض. أءله مع الله.؟ قليلا ما تذكرون)(النمل:61ـ62)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البروفسور ايدوين كوبكلين.

(2) هكسلى.

(3) جورج إيرل ديفس إقرأ تفصيلا وعرضا جميلا في كتاب الإسلام يتحدى ـ مدخل علمي للإيمان تأليف وحيد الدين خان وتقديم ومراجعة عبد الصبور شاهين ـ الطبعة الثالثة المختار الإسلامي 1973 م.

صفحة 12

 (أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته. أءله مع الله تعالى الله عما يشركون* أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أءله مع الله قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين)( النمل: 63ـ64)

صفحة 13

الباب الأول: الاتجاه الغربي.

الفصل الأول: مراحل الغزو الفكري الغربي.

الفصل الثاني: التغيير السياسي والاجتماعي في المنطقة الإسلامية.

الفصل الثالث: ماذا يفعل بنا الصليبيون.

 صفحة 15

الفصل الأول

مراحل الغزو الفكري الغربي

 مقدمة

وجود الغرب المسيحي هنا في شرقنا الإسلامي لم يكن صدفة بدأ بالوجود المادي العسكري وتبعه الاستشراق والتبشير (الوجود المعنوي) وأعقبه مرة أخرى الوجود العسكري (الإستعمار وتقطيع أوصال دولة الخلافة الإسلامية) ثم أعقبه بث فكرة فصل الدين عن الدولة، وفكرة القومية، ثم الاجهاز على الخلافة الإسلامية، وأخيرا حين رحلت جنوده أبقى له جنودا آخرين من جلدتنا ويتحدثون بلساننا وبهم أجرى التغيير السياسي المطلوب، وأجرى التغيير الاجتماعي المقصود. ولنحاول أن نقسمها إلى ثلاث مراحل:

 المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية ونتحدث عنها في مبحث أول.

 المرحلة الثانية: مرحلة الاجهاز على الخلافة الإسلامية ونتحدث عنها في مبحث ثان.

 المرحلة الثالثة: مرحلة ما بعد إسقاط دولة الخلافة ونتحدث عنها في مبحث ثالث.

 صفحة 16

المبحث الأول

مرحلة ما قبل إسقاط الخلافة الإسلامية وتبدأ بالحروب الصليبية ثم الاستشراق، ثم التبشير.

 أولا: الحروب الصليبية:

لسنا تكتب تاريخا ولكننا نستخلص عبرا من الحقائق التاريخية المسلم بها فمن هذه الحقائق أن الغرب جرد حملات غزت الشرق الإسلامي باسم الصليب وتحت رايته، وكان رجال الكنيسة في أوروبا يدفعون الملوك والشعوب إلى هذه الحروب (1) فاتخذت بذلك طابعا دينيا شكلا وموضوعا، وكان تفرق المسلمين إلى دويلات وضعف دولتهم مشجعا على ذلك الغزو وليس صحيحا ما يحاول بعض الكتاب العرب تصويره من أنها كانت مجرد حملات استعمارية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أول من دعا إلى الحروب الصليبية ـ كما يقول صاحب كتاب حاضر العالم الإسلامي هو البابا سلفستر الثاني سنة 1002 م ولكنه لم يوفق، ثم البابا خريغوريوس سنة 1075 م لكنها تأخرت حوالي عشرين سنة حتى سنة 1097 م ـ وكان كتاب النصارى ومفكروهم يحرضون عليها كذلك نذكر منهم:

 هلتون ساتيتو، ومارينو، بيين ديبوا، جيلوم دى نوجارى، ريموند لول بتراك. وفي كتاب تاريخ البابوات تأليف السيد فرناند هايوارد بيان كيف ألب البابوات ملوك أوروبا لحرب المسلمين وكيف حاولوا بأنفسهم قيادة هذه الحروب الصليبية راجع حاضر العالم الإسلامي تأليف لوثروب ستودارد ـ نقله إلى العربية الأستاذ عجاج نويهض وعلق عليه تعليقات مستفيضة الأمير شكيب أرسلان ـ دار الفكر الطبعة الثالثة 1391 ه‍ 1971 م ص 218. وقد كتب كارلس الثامن إلى رئيس فرسان رودس يكاشفه بما نواه من نشر الديانة المقدسة الكاثوليكية وتحرير المسيحيين مما هم فيه من الخنوع للأمية الجاحدة واسترداد الأراضي المقدسة المغصوبة فأجابه رئيس الفرسان متيما مؤملا هذه المرة استئصال شأفة الأمة الملعونة أمة محمد ص 59 من كتاب مائة مشروع لتقسيم تركيا ـ تأليف المسيو دجوقارا (الأماني المرجع السابق)( ص 228). ويشير المؤرخون إلى أن الحملة الصليبية عند دخولها بيت المقدس في 15 يوليو 1099 م الموافق 3 رمضان 493 ه‍ ذبحت أكثر من سبعين ألف مسلم حتى سبحت الخيل إلى صدورها في الدماء وفي أنطاكية قتلوا في الطريق أكثر من مائة ألف مسلم. راجع ـ حاضر العالم الإسلامي. وراجع كذلك جوستاف لوبون في كتابه: حضارة العرب

صفحة 17

باحثة عن المصالح الاقتصادية نعم قد يكون الإستعمار والاستغلال الاقتصادي من أهدافها، لكنه بالتأكيد ليس الهدف الأول الرئيسي، إنما كان هذا هدفا دينيا ولم تكن حماسة رجال الدين المسيحي ولا مشاركتهم في هذه الحملا ت عفوا ولا لغوا، ولكنه كان قصدا إلى الانتقام من غزو الإسلام لقلب أوروبا، حتى صار البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية خالصة، وحتى بلغ المسلمون جنوب فرنسا ثم قصدا بعد الانتقام إلى إدخال المسلمين في المسيحية ذاتها، وهو ما ستفسره المرحلة التالية لهذه الحروب والأمران يفسرهما قول الله سبحانه وتعالى:

 (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) (البقرة: 120)

وقوله: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) (البقرة:217)

 وقد يكون صحيحا ما أشار إليه كاتب أمريكي (1)، من أن اليهود كانوا وراء الحروب الصليبية قصدا إلى إضعاف العالمين المسيحي والإسلامي كما أشار، ثم تحقيقا لمزيد من الكسب والربا أثناء تلك الحروب لكن لو يحركهم اليهود لتحركوا كذلك فإن ما بدا منهم في تلك الحروب ينم عن حقد دفين، وما تخفي صدورهم أكبر. العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام:

 ولئن كانت الدولة الإسلامية في ذلك الحين مفككة الأوصال فلقد جعل الله من معجزات دينه بعد القرآن هذه الأمة فلقد حولها القرآن بحق خير أمة أخرجت للناس، حتى صار ما قيل من أن العصمة في الإسلام للأمة لا للإمام أخذا من قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) " لا تجتمع أمتي على ضلالة "، ثم استمدادا من أحداث التاريخ التي ظلت معها الأمة الإسلامية صامدة شامخة برغم ما وجه إلى صدرها وقلبها من سهام وحراب!. انتفضت الأمة لما رأت الصليب فوق رؤوس أعدائها انتفضت تحارب أعداء الله وأعداءها بكل سبيل، واسترخصت الدم والروح في سبيل الله وتعجلت لقاء الله وجنته فأعطاها الله الحسنيين النصر والجنة وارتدت حملات الصليب على أعقابها خاسرة بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكاتب الأمريكي وليام فاى كار

صفحة 18

 

معارك طاحنة استمرت قرنين كاملين وفي قصص التاريخ لبطولات المسلمين في هذه الحروب وتفننهم فيها ما يحتاج إلى أن يكتب بأحرف من نور. وبرز نور الدين الشهيد محمود بن زنكى التركي ثم برز صلاح الدين الأيوبي الكردي وغيرهما ممن قادوا جماهير الأمة إلى النصر لتثبت عالمية هذه الدعوة فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى وجاهد جماهير من التركستان الحبيبة (التي ترزح تحت الإلحاد الشيوعي المجرم) وحرروا أرض الإسلام من جحافل الصليبية الحاقدة بينما لم، يجد هؤلاء من يقف إلى جوارهم يوم أعدمت روسيا منهم ثلاثة ملايين! وأيقن الغرب المسيحي أنه مهما ضعفت دولة الإسلام فإنه لن يستطيع النيل منها ومن أمتها حتى ينال أولا عقيدتها وفكرها وكانت المرحلة الثانية ـ مرحلة الاستشراق والتبشير.

 ثانيا: الاستشراق:

 وقبل أن يظهر التبشير كبديل عن الحروب لتحطيم عقيدة المسلمين وفكرهم نشير إلى أن الحروب الصليبية أنتجت كذلك إنتاجا فكريا (هو الاستشراق) إذ نفر قوم من الغربيين يدفعهم التعصب الصليبي إلى الكتابة عن الإسلام فأفقدهم التعصب أمانة العلم، وعمدوا إلى تشويه الإسلام من عدة نواح:

 ـ فرددوا أن القرآن من وضع محمد عليه الصلاة والسلام، وأن سذاجة الصحابة وإيمانهم دفعهم إلى نقله على أنه من عند الله. ـ وخلطوا في مصادر الأحكام الإسلامية بين المصادر الإلهية (القرآن والسنة) وبين الاجتهاد ونظروا إلى الجميع على أنها من صنع البشر فسووا بينها في المنزلة! ـ ودعوا إلى التصوف الإسلامي لما يؤدي إليه في أكثر الأحيان من صرف أصحابه عن الجهاد وهو أكثر ما يثير الصليبيين ويفزعهم (راجع الصوفية في الإسلام للمستشرق نيلكسون ص 7، 8.)

 صفحة 19

 

وقد بدأ الاستشراق في الأندلس (أسبانيا) في القرن السابع الهجري، حين اشتدت حملة الصليبيين الأسبان على المسلمين فدعا (الفونس) ملك قشتالة مشيل سكوت ليقوم بالبحث في علوم المسلمين وحضارتهم، فجمع سكوت طائفة من الرهبان في بعض الأديرة بالقرب من مدينة طليطلة وشرعوا يترجمون بعض الكتب من اللغة العربية إلى لغة الفرنجة ثم قدمها سكوت لملك صقلية الذي أمر باستنساخ نسخ منها وبعث بها هدية إلى جامعة باريس. وكذلك قام رئيس أساقفة طليطلة ريمون لول بنشاط كبير في الترجمة، ومع الزمن توسع الأوروبيون بالنقل والترجمة في مختلف الفنون والعلوم من إلهيات وطب وهندسة وفلك وغيرها، وبعد اختراع الطباعة أنشئت في أوروبا مطابع عربية لطبع عدد من الكتب التي كانت تدرس في المدارس والجامعات الأوروبية. ولم يكن عمل المستشرقين منفصلا عن عمل المبشرين بل كانت مهمة كل من الطائفتين تدخل في الأخرى. وكان فشل الصليبيين في حملاتهم المتوالية على الشرق الإسلامي دافعا للمزيد من الاهتمام بالثقافة الإسلامية، وقد ظهرت أخيرا وثيقة خطيرة تلقي الضوء على تحول الصليبيين من الغزو العسكري إلى الغزو الفكري، وهذه الوثيقة تتضمن وصية (القديس) لويس ملك فرنسا وقائد الحملة الصليبية الثامنة التي انتهت بالفشل والهزيمة ووقوع (لويس) في أسر المصريين في مدينة (المنصورة)، وقد بذل الملك لويس فدية عظيمة للخلاص من الأسر، وبعد أن عاد إلى فرنسا أيقن أنه لا سبيل إلى النصر والتغلب على المسلمين عن طريق القوة الحربية، لأن تدينهم بالإسلام يدفعهم للمقاومة والجهاد وبذل النفس في سبيل الله لحماية ديار الإسلام وصون الحرمات والأعراض به والمسلمون قادرون دوما للانطلاق من عقيدتهم إلى الجهاد ودحر الغزاة. وأنه لا بد من سبيل آخر، وهو تحويل التفكير الإسلامي وترويض المسلمين عن طريق الغزو الفكري. بأن يقوم العلماء الأوروبيون بدراسة الحضارة الإسلامية ليأخذوا منها السلاح الجديد الذي يغزون به (الفكر) الإسلامي، وهكذا تحولت المعركة من ميدان السلاح إلى معركة في ميدان العقيدة والفكر بهدف تزييف عقيدة المسلمين الراسخة التي تحمل طابع الجهاد وتدفع المؤمنين إلى الاستشهاد. وقد سار الأوروبيون في طريق تنفيذ وصية القديس لويس في

 صفحة 20

تزييف العقيدة الإسلامية وامتصاص ما فيها من قوة وجهاد وإيمان عن طريق التفرقة بين العقيدة والشريعة، وتصوير الإسلام بصورة الدين الذي يبذل غاية همه في العبادة كالمسيحية، إلى أن وصلوا إلى الفصل بين الدين والدولة، وفقد المسلمون ذلك السر الخطير الكامن في أصالة عقيدتهم وجوهر دينهم (1). ويرى كثير من الباحثين أن الاستشراق تولد من الإستعمار والتبشير.

 فالاستعمار: يرى في المفهوم الإسلامي السليم ما يعطي المجتمع الإسلامي قوة تحول بينه وبين سيطرة الإستعمار، فعمل المستشرقون على تقويض العقيدة الإسلامية، وإحلال مفاهيم تحل الصداقة بين الدول الغالبة والمغلوبة محلها، تحت اسم: الحضارة، أو العالمية، أو وحدة الثقافة والفكر البشري. وأما التبشير فإنه يستهدف الحيلولة دون توسع الإسلام وانتشاره، وعدم منافسته المسيحية في البلاد التي تحاول القيام بالتبشير ونشر المسيحية فيها. والخطر الأكبر في نظر المبشرين هو في وصول مفاهيم الإسلام الصحيحة إلى عالم الغرب نفسه، ومما يذكر أن المسلمين لما فتحوا مدينة القسطنطينية ـ عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، وفيها مركز البابوية للكنائس الشرقية ـ هب رجال الكنيسة وقد هالهم الخطب العظيم، فأخذوا في الافتراء والتشنيع على الإسلام وتشويه أحكامه الإلهية العادلة، وكان الدافع لهم في هذه الحملة الحيلولة بين رعاياهم الذين أقبلوا على الدخول في دين الله أفواجا، ليصدوهم عن الإسلام الذي يبيح تعدد الزوجات والطلاق.

وجاءت الصهيونية فدخلت ميدان الاستشراق لتحول دون اجتماع المسلمين في وحدة تقاوم اليهودية العالمية، وتواجه دولة اليهود الباغية (إسرائيل)، والمستشرقون اليهود يعملون في هذا المجال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (الإسلام في وجه التغريب: مخططات الاستشراق والتبشير) للأستاذ أنور الجندي ص 7، 8.

 صفحة 21

 

تطور الاستشراق وفي مطلع القرن الثالث عشر الهجري (أواخر القرن الثامن عشر الميلادي) عمد المستشرقون إلى تغيير أساليبهم وأرادوا أن يظهروا بمظهر جديد هو ما زعموه من تحرير الاستشراق من الأغراض التبشيرية، والإتجاه به وجهة البحث العلمي البحت فأنشئت كليات لتدريس اللغات الشرقية في عواصم أوروبا مثل لندن وباريس وليدن وبرلين وبطرسبرج وغيرها، وظهرت فيها أقسام خاصة لدراسة اللغة العربية وبعض اللغات الإسلامية كالفارسية والتركية والأردية وكان الغرض الأول منها تزويد السلطات الاستعمارية بخبراء في الشئون الإسلامية، ثم أخذ الطلاب المسلمون يؤمون هذه الكليات الأوروبية للدراسة فيها، وبذلك تأثر الفكر الإسلامي بما يلقيه المستشرقون في أذهان هؤلاء المبعوثين من أبناء المسلمين ثم تسلل المستشرقون إلى الدوائر العلمية والجامعات في الدول الإسلامية، بل إلى المجامع العلمية في القاهرة ودمشق وبغداد، وقامت المؤسسات الدينية والسياسية على المستشرقين، وتقديم المنح والمعونات لهم. وقد أنشأت الدول الاستعمارية عدة مؤسسات في البلاد الإسلامية التي خضعت لنفوذها لخدمة الاستشراق ظاهريا، وكان هدفها الحقيقي خدمة الإستعمار والتبشير الكاثوليكي والبروتستانتي، من هذه المؤسسات في مصر: المعهد الشرقي بدير الدومينيكان، والمعهد الفرنسي، وندوة الكتاب، ودار السلام، والجامعة الامريكية.

 وفي لبنان: جامعة القديس يوسف (وهي جامعة بابوية كاثوليكية وتعرف الآن بالجامعة اليسوعية) والجامعة الامريكية ببيروت، (وكانت تسمى من قبل الكلية السورية الانجيلية وهي بروتستنتية).

 في سورية: مدارس اللاييك، والفريد، ودار السلام، وغيرها وهكذا في كل الأقطار الإسلامية أهداف المستشرقين

أولا: الحيلولة بين الشعوب النصرانية وبين الإسلام، فقد عمل المستشرقون على تشويه الإسلام وحجب محاسنه لإقناع قومهم بعدم صلاحيته لهم نظام حياة، ولعل هذا هو أخطر الجوانب التي قام لأجلها

 صفحة 22

 

الاستشراق والتبشير وذلك في أعقاب الحروب الصليبية وعودة المحاربين إلى أوروبا، يحملون صورة مشرقة لمعاملات المسلمين لهم وسماحة الإسلام، وقد عمد رجال الكنيسة إلى إخراس الألسنة المنصفة، وحاولوا ترجمة القرآن لتزييف مفاهيمه وانتقاصها. وقد استغل الاستشراق كراهية الأوروبيين للاسلام بعد التوسع العثماني في أوروبا وما صحبه من تعصب وحروب استمرت عدة قرون، فعمل المستشرقون على تعميق الكراهية والأحقاد في نفوس الأوروبيين وتغذيتها بالشبهات والأباطيل بهدف حجب الإسلام عن أوروبا والحيلولة دون نفاذه إليها.

 ثانيا: تأييد الغزو الإستعماري لبلاد المسلمين والعمل لتحطيم المقاومة الإسلامية، بتأويل الجهاد وصرف أنظار المسلمين إلى الدعة والقعود عن الجهاد في سبيل الله ومدافعة الغزاة بالاشتغال بالعبادة والزهد وتسميتها بالجهاد الأكبر وتحطيم وحدة المسلمين وتمزيق الدول الإسلامية، وعزل الشريعة الإسلامية عن التطبيق في المجتمع الإسلامي وإحلال الأنظمة القانونية والاقتصادية والسياسية والتربوية لتحل محل الإسلام بالقوة.

 ثالثا: فصل المسلمين عن جذورهم الثابتة الأصيلة، بتشويه تلك الأصول، وعزلها عن مصادرها، وهدم المقومات الأساسية للكيان الفردي والاجتماعي والنفسي والعقلي للمسلمين، ومن شأن هذا أن يفتح الباب إلى الاستسلام أمام الإستعمار وثقافته وفكره، والتأثير في نفوس المسلمين وزحزحة عقائدهم بما يفتح للتبشير المسيحي طريقا إلى تحويل بعض ضعاف العقيدة إلى ملاحدة وأتباع (1). والخلاصة فقد كان المستشرقون طلائع للمبشرين يمهدون السبيل أمامهم لتشكيك المسلمين في عقائدهم، ويفتحون أمام دعاة النصرانية السبيل للطعن في الإسلام ونبيه صلى الله عليه و آله بأنواع شتى من الشعوذة العلمية باسم البحث والاستنتاج التحليلي. تلاميذ المستشرقين وتبدو خطورة الاستشراق في آثاره الخطيرة التي يفرضها المستشرقون على مناهج التعليم والثقافة والفكر في العالم الإسلامي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإسلام في وجه التغريب ص 370، 371.

 صفحة 23

 

ولقد حرص المستشرقون على كسب الأنصار واستخدام الأتباع لترديد مفترياتهم على الإسلام، وافتعال معارك حول عقائده وآدابه ومختلف أحكامه لتعميق المفاهيم التي يريدون فرضها، وترسيخها في الأذهان، وتوسيع دائرة
الانتفاع بها. ولقد كان طه حسين في مقدمة الذين أعلنوا الاعجاب والتقدير لمناهج المستشرقين.

 ويعتبر حامل لواء الدفاع عنهم وعن أهوائهم وكثيرا ما يقول: إن هذه الحقيقة أو تلك في تاريخ المسلمين أن فكرهم مما لا يرضى بها الاستشراق وهذا هو أسلوب لا يقوم عليه إلا واحد من أهل التبعية، حتى قال بعضهم: إن طه حسين ليس إلا مستشرقا من أصل عربي وقد كانت أمانته للفكر العربي ولمذاهب الاستشراق تفوق أمانة المستشرقين أنفسهم، وهكذا كان متابعا لهم، مقتنعا بما يقولون إلى أبعد حدود الاقتناع، حتى في تلك المسائل الخطيرة، كقولهم ببشرية الرسول، وبشرية القرآن، وكانت كتاباته توحي بذلك وإن لم يعلنه جهارا، بعد أن صودر كتابه " في الشعر الجاهلي ". وأعجب ما في طه حسين ولاؤه الشديد لانطواء المسلمين تحت لواء الغرب، وانصهار الإسلام في بوتقة الأممية، والمسيحية واليهودية والغرب جميعا فهو لا يرى للعرب وللمسلمين سبيلا للنهضة إلا في هذا الانصهار وهذا الاحتواء والذوبان، وقد صرح بذلك في كتبه وخاصة ما أورده في كتاب " مستقبل الثقافة في مصر ".

 فهو يرى أن العرب قوم مستعمرون كالرومان والفرس. ويظهر اتجاه طه حسين في حرصه على نشر الكتب التي تثير الشبهات وفي مقدمتها " رسائل إخوان الصفا "، وتجديد طبع " ألف ليلة وليلة "، وعنايته بدراسة سير المجان من الشعراء في كتابه " حديث الأربعاء " وهو ثلاثة مجلدات وقد خرج من دراستهم بشبهة مسمومة هي قوله: (إن القرن الثاني للهجرة كان عصر شك ومجون "، وقد اعتمد في بحثه على مصادر أساتذته من المستشرقين اليهود، وعلى " أنساب الأشراف " الذي طبع في الجامعة العبرية في القدس ـ التي تحتلها إسرائيل ـ وجارى مستشرقي اليهود في إنكار شخصية عبد الله بن سبأ " ابن السوداء "، في الشك بوجود

 صفحة 24

 

إبراهيم وإسماعيل وأعلن أنه يشك في وجودهما بالرغم من الإشارة إليهما في التوراة والقرآن (1). ومثل طه حسين في هذه التبعية للمستشرقين:

 سلامة موسى، وحسين فوزي، وزكي نجيب محمود، ومحمود عزمي، وعلي عبد الرزاق وغيرهم. وقد لقحت مناهج المستشرقين في البحث والنقد العلمي قرائح كثير من تلاميذ المستشرقين فنهجوا نهجهم وأخذوا طريقهم فيما حاولوا من دراسات، وخاصة في مجال الجامعة والثقافة والصحافة، وحملوا نفس الروح التي يحملها أساتذتهم في خصومة الإسلام، وكانوا أشد قسوة على أهليهم من الغربيين (2) آثار الاستشراق

 1 ـ كان الاستشراق وراء كل شبهة أو دعوة خطيرة أحدثت تحولا في المجتمع الإسلامي في العصر الحديث، فقد كان المستشرقون يلقون الشبهة أو الدعوة ثم يتبعهم الكتاب و (المفكرون) الذين يكتبون باللغة العربية أهل التبعية والتغريب والشعوبية وهذا واضح في الدعوة إلى العامية التي بدأها ولكوكس وويلمور وغيرهما ثم تابعهما سلامة موسى وأحمد لطفي السيد، في الدعوة إلى الاقليميات والقوميات الضيقة كالفينيقية والفرعونية، بدأها فمبري وكرومر وتابعهما طه حسين ولطفي السيد وغيرهما.

 2 ـ يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص التي يفرضونها حسب أهوائهم، والتحكم فيما يرفضونه أو يقبلونه من النصوص، وكثيرا ما يحرفون النص تحريفا مقصودا، ويقعون في سوء الفهم ـ وعن عمد أحيانا ـ في معنى النص حين لا يجدون مجالا للتحريف.

 3 ـ يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبوي، ومن كتب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإسلام في وجه التغريب ص 363، وقد كان هذا الانكار وأمور أخرى سببا في طرد طه حسين من الجامعة المصرية ومصادرة كتابه " في الشعر الجاهلي " ولكن نفوذ الاحتلال الانجليزي سرعان ما أعاده إلى الجامعة ومضى به صعدا لأعلى المناصب.

(2) المرجع السابق ص 363.

 صفحة 25

 

التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، ويصححون ما ينقله الدميري في كتابه (الحيوان) ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في (الموطأ)

 4 ـ يجمع المستشرقون الشبهات المختلفة ويؤلفون بينها لإعطائها صورة كاملة، مثال ما قام به المستشرق الألماني ولهلم هور نباخ (الأستاذ في جامعة بون بألمانيا) من جمع قطع ونتف وشذرات من كتاب (الإصابة) للحافظ ابن حجر، ثم ينشرها على أنها كتاب (الردة) لابن حجر الذي ألفه أبو زيد ابن الفرات المتوفي عام 237 ه‍ وهو فارسي الأصل، وقد ضاع هذا الكتاب فأشار ابن حجر إليه في بعض المواضع، فما كان من المستشرق ولهلم إلا أن جمع هذه القطع على أنها تراجم لأشخاص ارتدوا عن الإسلام، ولا يقوم بمثل هذا العمل إلا مغرض صاحب هوى، لأنه يخالف البحث العلمي السليم. وشبيه هذا ما أورده المستشرقون من الزعم بأن العرب كانوا قبل البعثة النبوية على حضارة ونهضة، وأن دور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزد على أنه نهض بهم فنهضوا مع أن الحقيقة الواضحة أن العرب في جاهليتهم كانوا قبائل متفرقة متصارعة، وأن الإسلام هو الذي وحدهم في أمة واحدة، ودفعهم إلى آفاق النهوض والتوسع:

 (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم)(الأنفال: 63)، (واذكروا إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بتعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) (آل عمران:103).

 5 ـ وقد حرص المستشرقون على التنويه بشأن " القرامطة " وإظهارهم بمظهر طلاب العدل والاصلاح، وهم الذين عجزوا عن أن يحققوا أي منهج يمكن أن يوصفوا به على أنهم دعاة حق حين امتلكوا زمام الحكم في القرن الرابع الهجري، بل انكشف باطلهم وزيفهم، وظهرت حقيقتهم صنائع لليهود انقضوا على الدولة الإسلامية بالتآمر والتعاون مع أعداء المسلمين وخصومهم.

 6 ـ وعمل المستشرقون على إحياء التراث الباطني المجوسي

صفحة 26

 

والغنوصي القديم مستهدفين تحطيم أصالة الفكر الإسلامي، ويبدو هذا واضحا في تركيزهم على إحياء كل المخطوطات التي تحمل هذه السموم، وخاصة ما يتصل بالإلحاد والإباحية، وما يتصل بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، والمجون أمثال شعر بشار بن برد، وأبي نواس، وكتب الحلاج وابن عربي، وابن سبعين، وكتب غلاة الرافضة والاسماعيلية والفاطميين.

7 ـ ولا ريب أن أخطر آثار المستشرقين هو اعتبار كتب المستشرقين وبحوثهم مراجع أساسية في التاريخ واللغة والسيرة والفقه والعقائد وغير ذلك، وخاصة في الجامعات والمعاهد العالية أو في دراسات المبعوثين إلى الجامعات الغربية في أوروبا وأمريكا، الذين يقعون دائما تحت سيطرة الاستشراق والأساتذة اليهود والنصارى المتعصبين، ثم يعودون إلى بلادهم فيحتلون مناصب التوجيه الثقافي والتعليمي ويرفضون ما تلقوه من الغرب من سموم باسم التجديد وحرية البحث. وقد عملوا على نشر الموسوعات (دوائر المعارف) والقواميس لتكون مراجع سهلة للباحثين، وملؤوها بالسموم والشبهات مثل:

 دائرة المعارف الإسلامية. المنجد في اللغة والعلوم والأدب. الموسوعة العربية الميسرة. لهذا ينبغي على من يود الرجوع إلى هذه المصادر أن يكون على حذر تام، وأن يتنبه لما بين سطورها من مغالطات أو تشويه أو تحريف في النقل، على أن روح مؤلفيها في الحقد على الإسلام لا تخفى على المطالع الحصيف.

 صفحة 27

 

نماذج من أبحاث المستشرقين

 1 ـ يتابع يوسف شاخت أستاذه جولد تسيهر (وهما مستشرقان يهوديان) في الغض من شأن الشريعة الإسلامية، ويحاول الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تختلف عن أعراف الجاهلية، وهو ادعاء باطل تصدى له كثير من الباحثين. ومن أكاذيب شخت وأضاليله:

 الادعاء بأن للفكر الاغريقي فضلا على الفكر الإسلامي، وقد أثبت علماء الغرب أنفسهم مثل (سيديو، درابر، وسارطون) وغيرهم أن الإسلام هو الذي أدخل إلى الغرب المنهج العلمي التجريبي، وأن الحضارة العالمية المعاصرة مدينة للمسلمين بهذا المنهج الذي هو أساس الحضارة الإسلامية.

 2 ـ أنكر برتلو أن تكون الكتب الكيمالية الاتينية التي تحمل اسم جابر بن حيان هي كتب عربية الأصل كتبها عالم مسلم، لمجرد أن أصولها العربية فقدت، وقد تصدى لبرتلو علماء راسخون ردوا عليه خطأه، بل اتهمه بعضهم بالجهل والتحيز، وقال سارطون:

 إن أي شخص يعرف العربية لا يخطئ مطلقا في اكتشاف أن هذه الكتب اللاتينية ترجمات لكتب عربية، إذ تبدو الأساليب العربية واضحة من الترجمة اللاتينية، سواء كانت لجابر أو لغيره.

 3 ـ ويزعم سدرسكي أن جانبا مما ورد في القرآن أو التفاسير والسير من الأخبار يرجع إلى الإجادة اليهودية والتوراة والأناجيل وقد بين الدكتور بشر فارس فساد هذا الرأي وقال:

 إن بين النصوص الإسلامية والنصوص اليهودية والمسيحية مسافات، وإن اتفق بعضها أو تقارب

4 ـ وحاول نلينو أن ينفي حقيقة أن قريشا كانت أفصح العرب وله في ذلك مغالطات واسعة ترمي إلى التشكيك في هذه الحقيقة، ويقول: إن تفضيل لغة قريش لم يكن مصدره سوى حب العرب للرسول.

 5 ـ وزعم لويس شيخو اليسوعي أن معظم شعراء الجاهلية وصدر الإسلام كانوا نصارى، وأن الغسانيين كانوا نصارى، وهو قول لا يسلم به المطلعون على أخبار العرب في عهد الجاهلية، لأن من الغساسنة من كان على الوثنية ومنهم من دان باليهودية، وطائفة كانت تدين بالنصرانية، وممن عدهم نصارى من الشعراء:

 

 صفحة 28

 

الأخنس بن شهاب وامرؤ القيس، وأمية بن أبي الصلت والسموأل. وهكذا جرت بحوث المستشرقين وراء بث الشبهات حول القرآن الكريم ولغته والحديث الشريف والتشريع الإسلامي ولا يتسع المقام للتوسع فـي ضرب الأمثال(1). المستشرقون المعتدلون لا نكران أن طائفة من المستشرقين اتسموا بالاعتدال والإنصاف، على تفاوت فيما بينهم، فمنهم من أخطأ وأصاب ومنهم من انتهى به البحث الحر النزيه إلى الإيمان والإسلام، ويعتبر من
الفريق الأول:

 (رينان) الذي انتهى به بحثه عن المسيح (عليه السلام) إلى إثبات أنه لم يكن إلها ولا ابن إله، وإنما هو انسان يمتاز بالخلق السامي والروح الكريمة، وأن السير العربية للنبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كسيرة ابن هشام لها ميزة تاريخية أكبر من الأناجيل المتداولة بين النصارى. ومنهم (كارلايل) الذي عد محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأبطال وخصه بصفحات كثيرة من كتابه (الأبطال) يقول فيه:

 " من العار أن يصغى أي انسان متدين من أبناء هذا الجيل إلى وهم القائلين:

 أن دين الإسلام كذب، وأن محمدا لم يكن على حق، فالرسالة التي دعا إليها كثيرة من الناس، وما الرسالة التي أداها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا الصدق والحق، وما كلمته إلا صوت حق صادق صادر من العالم المجهول، وما هو إلا شبهات أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ومنهم (تولستوى) أكبر كتاب روسيا، فإنه لما رأى الحملة الظالمة على الإسلام ورسوله كتب رأيه معربا عن الاعجاب بالإسلام، وتحدث عن المسيحية، فأنكر على المسيحيين اعتقادهم بألوهية المسيح، وخلص إلى أن بولس لم يفهم تعاليم المسيح بل طمسها، والكنيسة. زادت تعاليم المسيح في العقيدة غموضا ويقول:

 إن المسيحيين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع: (دفاع عن العقيدة والشريعة) للشيخ محمد الغزالي، (الإسلام في وجه ا لتغريب: مخططات الاستشراق والتبشير) للأستاذ أنور الجندي.

 صفحة 29

 

واليهود والمسلمين يعتقد جميعهم بالوحي الالهي، فالمسلمون يعتقدون نبوة موسى وعيسى ولكنهم يعتقدون كما اعتقد بأنه دخل التحريف والتشويه على كتب الديانتين، وهم يعتقدون بأن محمدا خاتم الأنبياء، وأنه أوضح في القرآن تعاليم موسى وعيسى كما قالاها دون زيادة ولا نقص وينتهي بالحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث الإكبار والتعظيم، وكان مما قاله تولستوى:

 " لا ريب أن هذا النبي من كبار الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسلام، وتكف عن سفك الدماء، وتقديم الضحايا، ويكفيه فخرا أنه فتح طريق الرقي والتقدم، وهذا عمل عظيم لا يفوز به إلا شخص أولي قوة وحكمة وعلما، ورجل مثله جدير بالاحترام والاجلال "، وقد كان جزاؤه على كلمة الحق التي قالها أن حرمه البابا من الرحمة (1). ومن المستشرقين الذين انتهى بهم البحث عن الحق إلى الإسلام اللورد هيدلي، واتيين دينيه (ناصر الدين) والشاعر الألماني الكبير جوتيه، والدكتور جرينييه الذي كان عضوا في مجلس النواب الفرنسي، وقد سئل عن سبب إسلامه فقال:

 " إني تتبعت كل الآيات القرآنية التي لها ارتباط بالعلوم الطبية والصحية والطبيعية والتي درستها من صغري، وأعلمها جيدا، فوجدت هذه الآيات منطبقة كل الانطباق على معارفنا الحديثة، فأسلمت لأني تيقنت أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بالحق الصراح من قبل ألف سنة، من قبل أن يكون له معلم أو مدرس من البشر، ولو أن كل صاحب فن من الفنون، أو علم من العلوم قارن كل الآيات القرآنية المرتبطة بما تعلم جيدا كما قارنت أيضا، لأسلم بلا شك إن كان عاقلا خاليا من الأغراض " (2). وصدق الله العظيم " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق "(فصلت:53).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)(التبشير والاستشراق: أحقاد وحملات) للمستشار محمد عزت إسماعيل الطهطاوي ص 59 ـ 62

(2) المرجع السابق ص 67 و (أوروبا والإسلام) للدكتور عبد الحليم محمود.

صفحة 30

 

ثالثا: التبشير

 أيقن أعداء الإسلام أنه لا سبيل إليه، وعقيدته حية في قلوب المسلمين فكان بداية التبشير مع نهاية الحروب الصليبية فشلا في مهمتها وهو ما صرح به " ملخص تاريخ التبشير (1) " ويقول القسيس المبشر زويمر أن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية (2) ويكمل وليم جيفورد بالكراف المعنى فيقول متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب، يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه (3). واتخذ التبشير لدعوة المسلمين أساليب عديدة أظهرها لنا:

 (أ) المدارس المختلفة التي فتحت في أرجاء العالم الإسلامي، ولم تنج منها حتى عاصمة الخلافة الإسلامية نفسها(4) وباشرت تلك المدارس التأثير على الطفولة البريئة والشبيبة الغضة من أبناء المسلمين وكانت لها نتائج إيجابية محدودة لكنها إن لم تمح في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب ملخص التبشير لادوين بلس، أشار إليه ا. ل. شاتليه. نقلها إلى العربية محب الدين الخطيب وساعد اليافي تحت عنوان: الغارة على العالم الإسلامي

 (2) قالها زويمر في مؤتمر لكنو بالهند سنة 1329 ه‍ (1911) وكان هو رئيس المؤتمر لما له في التبشير من سجل حافل ـ المرجع السابق ص 102

 (3) قالها وليم جيفورد في مؤتمر القاهرة للتبشير المنعقد سنة 1324 ه‍ 1906، في منزل أحمد عرابي الذي صادره الانجليز بعد ثورته.

(4) في مؤتمر لكنو للتبشير الذي تقدمت الإشارة إليه قدم القسيس ترد بريد ج تقريرا عن نشاط التبشير وخص فيه دولة الخلافة العثمانية بنصيب أوفر فقال: عن الأعمال المدرسية أن في استطاعة المسلمين التردد على مدارس وكليات التبشير وبين جدران الكلية الانجليزية في بيروت (الجامعة الامريكية، وكانت تسمى الكلية السورية الانجيلية) 104 من المسلمين، وفي كلية الاستانة (واحسرتاه) 50 وفي كلية المبشرين في كدك باشا في الاستانة أيضا 80، ومنذ بضع سنين صدر إذن خفي!! بجواز التردد على الكلية الأولى والثانية. وعن التأليف قال: كان طبع كتب التبشير مباحا في تركيا منذ مدة طويلة (!!) ثم أشار إلى صعوبات التوزيع وعن الأعمال الطبية والخيرية قال:

 إنها منتشرة جدا في البلاد العثمانية. وعن الأعمال النسائية قال: إن الحكومة سمحت (.) عقب إعلان القانون الأساسي لخمس فتيات مسلمات أن يتعلمن في كلية البنات الامريكية ليتهيأن لإدارة الأمور في مدارس الحكومة للبنات كما أن عددا قليلا من الفتيات المسلمات يتردد على مدارس إرساليات التبشير

 صفحة 31

 

المجموع عقائد التلاميذ فيكفي أنها بذرت فيها بذور الشك أو الانحراف (1) ولا تزال من آثار تلك المدارس الجامعة الامريكية في مصر، والجامعة الامريكية في بيروت الأمر الذي لا ينكره رجالات الغرب أنفسهم. ويلحق بهذه الوسيلة تغريب التعليم أو علمانيته وهو ما فعلته إنجلترا في مصر والهند وما سوف تعرض له بمشيئة الله عند الكلام عن وسائل التبشير الحديثة.

(ب) ومن أخطر وسائل البعثات إلى الدول المسيحية الغربية وأول مثل لأثر البعثات ما حدث لرفاعة الطهطاوي الذي أقام في باريس من سنة 1242 ه‍(1825م) إلى سنة 1247 ه‍(1821م) فقد عاد ذلك الشيخ بغير العقل الذي ذهب به ـ اختلت موازين الشيخ فعاد يتحدث عن الرقص الذي رآه في باريس بأنه نوع من العياقة والشلبنة (أي نوع من الأناقة والفتوة) لا الفسق الرقص وتلاصق الأجساد ليس فسقا ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:

 " لكل بني آدم حظ من الزنا: فالعينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القبل، والقلب يهوى ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (2) صدق رسول الله عليه و (آله) الصلاة والسلام وكذب الشيخ الطهطاوي. ـ وتحدث عن المشاعر الوطنية ليحلها محل المشاعر الدينية وراح يثير الجاهلية القديمة فيتحدث عن مصر الفرعونية وينسى مصر الإسلامية وأعجب الطهطاوي بالحرية لكنه لم يفهمها الفهم الإسلامي الذي تتحقق به عبودية المسلم لله وحده، ويتحقق تحرره من كل عبودية لسوى الله لكنه فهمها الفهم الغربي الذي قد يؤدي إلى التحرر من الأخلاق ومن الدين نفسه!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في نفس المؤتمر قال استررد كروفورد ـ أن المسلمين يقتبسون من حيث لا يشعرون شطرا من الدنية النصرانية ويدخلونه في ارتقائهم الاجتماعي، وما دامت الشعوب الإسلامية تتدرج إلى غايات ونزعات ذات علاقة بالإنجيل فإن الاستعداد لاقتباس النصرانية يتولد فيها عن غير قصد منها ثم ختم تقريره بقوله لقد أزف الوقت لارتقاء العالم الإسلامي وسيدخل الإسلام في شكل جديد من الحياة والعقيدة ولكن هذا الإسلام الجديد سينزوي ويتلاشى بالنصرانية (ص 72، 73 من المرجع السابق).

 (2) مسند أحمد ج 2 ص 343 وسنده صحيح وله روايات أخرى كثيرة بألفاظ مختلفة والمعنى واحد.

 صفحة 32

 

وقس على الشيخ رفاعة (1) من ذهبوا بعده.

(ج‍) ثم تأتي سائر وسائل التبشير فتح المستشفيات وبعث الإرساليات الطبية التي يقرر كثير من المبشرين في مؤتمراتهم وكتاباتهم أنها أدت إلى نتائج أسرع وأفضل من عمل القسس التبشيرية (2).

(د) ثم المحاضرات والندوات والكتب والمجلات والصحف والنشرات الخ. مؤتمرات التبشير:

 أما مؤتمر التبشير فقد تعددت نذكر منها:

1 ـ مؤتمر القاهرة سنة 1324 ه‍ (1906 م) المنعقد في منزل زعيم الثورة العرابية المسلم في باب اللوق تحت سمع الحكومة وبصرها!

2 ـ مؤتمر ادنبرج سنة 1328 ه‍ (1910 م) في انجلترا.

3 ـ مؤتمر لكنؤ سنة 1329 ه‍ (1911 م) بالهند.

4 ـ مؤتمر القدس سنة 1343 ه‍ (1924 م).

5 ـ مؤتمر القدس سنة 1354 ه‍ (1935 م). مؤتمر القدس سنة 1380 ه‍ (1961 م). وما بلغنا عنها إلا القليل:

 وأشهره ما نشرته مجلة: (العالم الإسلامي).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع تحليلا رائعا للأستاذ الدكتور محمد محمد حسين (أستاذ الأدب الحديث بجامعة الإسكندرية) في كتابه الإسلام والحضارة الغربية نشر دار الفتح ط 393 2 ه‍. والكتيب عبارة عن محاضرتين ألقاهما بالكويت سنة 1385 وهو يتناول أثر التغريب وله في نفس الخط مؤلف آخر تحت عنوان " حصوننا مهددة من الداخل " ـ مجموعة مقالات نشرها في مجلة الأزهر

 (2) يقول الطبيب بول هاريسون في كتابه (الطبيب في بلاد العرب) لقد وجدنا نحن في بلاد العرب لنجعل رجالها ونساءها نصارى ـ إبرهيم خليل أحمد ـ المستشرقون والمبشرون في العالم العربي والإسلامي من مكتبة الوعي العربي بالقاهرة 1384 ه‍ ويذكر الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية أن الأفغانيين حين خلعوا ملكهم أمان الله خان لأنه سمح لزوجته أن تخرج سافرة قبلوا بعد ذلك أن يلغوا الحجاب وتم ذلك عن طريق القابلات ودور الولادة الطبية التي أنشأها المبشرون.

 صفحة 33

 

ولا نعتقد أن ما نشر هو كل ما قيل وحدث ومع ذلك فإننا نشير إلى نماذج من المؤتمرين الأول والثالث تبعا لما بلغنا عنهما. في مؤتمر القاهرة ـ المنعقد في بيت الزعيم المصري المسلم أحمد عرابي:

 تناول المؤتمر وسائل تبشير المسلمين بالنصرانية في كتاب خاص كتب عليه نشرة خاصة ليكون قاصرا على فئة من المبشرين ـ وهو من إعداد القسيس الامريكي فليمنج. ثم تعرض المؤتمر للأزهر:

 فنعى أن باب التعليم مفتوح للجميع، خصوصا وأن أوقاف الأزهر الكثيرة تساعد على التعليم فيه مجانا (1). وطالب سكرتير المؤتمر في مواجهة ذلك بإنشاء معهد مسيحي لتنصير الممالك الإسلامية (2) (قيل أن أساس تكوين الجامعة الامريكية في مصر كان تنفيذا لتلك الوصية). ثم عرض المؤتمر لخريطة تنصير العالم الإسلامي في هذا العصر. وقدم القسيس زويمر " رئيس المؤتمر " بمعاونة بعض زملائه كتابا تحت عنوان العالم الإسلامي اليوم أشار إلى صلابة عقيدة المسلمين (وهو ما يقتضي الاشتداد في حربها) وقال ما نصه " لم يسبق وجود عقيدة مبنية على التوحيد أعظم من عقيدة الدين الإسلامي الذي اقتحم قارتي آسيا وأفريقيا وبث في مائتي مليون من البشر عقائده وشرائعه وتقاليده، وأحكم عروة ارتباطهم باللغة العربية ". ثم قدم القسيس زويمر بعض النصائح من بينها:

(أ) وجوب إقناع المسلمين أن النصارى ليسوا أعداءهم.

(ب) وأخطرها يجب تبشير المسلمين بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم لأن الشجرة يجب أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صادرتها الحكومة الثورية في مصر في عهد الرئيس السابق جمال عبد الناصر.

(2) جاء في مجلة المجتمع جمادى الآخرة سنة 1397 ه‍ أن البابا شنودة قد اتفق مع الرئيس الامريكي كارتر على إنشاء جامعة نصرانية في مصر وأن الرئيس كارتر في اجتماعه مع الرئيس السادات طلب منه ذلك فوافق الأخير بشرط أن يكون تمويل الجامعة من الخارج.

 صفحة 34

 

يقطعها أحد أعضائها. وأخيرا بشر المبشرين ألا يقنطوا إذ من المحقق أن المسلمين قد نما في قلوبهم الميل الشديد إلى علوم الأوروبيين وإلى تحرير النساء (1). وفي مؤتمر لكنؤ في الهند سنة 1329 ه‍ (1911 م):

 النظر في حركة الجامعة الإسلامية ومقاصدها وطرقها والتأليف بينها وبين تنصير المسلمين. الارتقاء الاجتماعي والنفسي بين النساء المسلمات (يلاحظ اختيار الألفاظ المهذبة لتغطية المعنى المقصود فإن المبشرين المسيحيين لا يهمهم في شئ ارتقاء النساء المسلمات). وكان أخطرها حديث حديث زويمر أشار إلى أن عبد الحميد (خليفة المسلمين) سجين في سلانيك أشار إلى أنه لم يبق غير 800 , 128 , 27 مسلما تحت سلطة الحكومات الإسلامية وانتقلت السلطة على الباقين من الخلافة الإسلامية إلى أيدي كل من انجلترا وفرنسا وروسيا وهولندا. أشار إلى أن عدد المسلمين الذي تحت سلطة الدول النصرانية سيزداد كثيرا عقب انقلابات قريبة الحصول؟؟ وكان من بين قرارات المؤتمر:

 " من الضروري العاجل تأسيس مدرسة في مصر خاصة بالتبشير ". " دخول النساء في أعمال التبشير لتنصير النساء المسلمات وأولادهن (2). وهم الآن يدعون المسلمين إلى المسيحية بل يحاولون تشويه الإسلام وإضعاف قيمه (3).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)الغارة على العالم الإسلامي ـ المرجع السابق ص 24 وص 32.

(2) ص 61 ـ 83 من المرجع السابق: الغارة على العالم الإسلامي.

(3) في مؤتمر القدس قال زويمر كلاما خطيرا إذ رسم خط التبشير بعد ذلك:

 ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية ليست إدخال المسلمين في المسيحية فإن هذا هداية لهم وتكريما (!) وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله وفي نهاية كلمته قال:

 إنكم أعددتم نشئا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقا لما أراده له الإستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يعرف همه من دنياه إلا في الشهوات

 

 صفحة 35

 

رابعا: تقطيع أوصال دولة الخلافة:

 برغم كل ما أحدثه التبشير من تخريب لم يتخل الغرب المسيحي عن العنف تأييدا لهذا التخريب العقلي والقلبي بالسند العسكري والسياسي، وإسهاما بهذه الوسيلة في تحقيق نفس الغاية.

واتفقت الدولتان العظيمتان في ذلك الحين على تقطيع أوصال دولة الخلافة وتوزيع الأسلاب بينها ففي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي سنة 1274 هـ‍ (م1857) تم استيلاء إنجلترا على الهند وانتقلت السلطة من شركة الهند الشرقية إلى التاج البريطاني، وزالت بذلك إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهل القرن السادس عشر (دولة المغول في الهند أو الدولة التيمورية نسبة إلى تيمورلنك). وفي نفس السنة كانت جيوش فرنسا تستكمل احتلال صحراء الإسلام الغربية التي بدأت باحتلال الجزائر سنة 1246 هـ (1830م). وبعد ذلك بقليل كان اقتطاع إنجلترا لدرة من دور الخلافة كان احتلال مصر المسلمة سنة 1300 هـ (1882م). ثم كان اقتطاع سورية ولبنان واحتلال فرنسا لهما بعد الحرب العالمية الأولى سنة 1338 هـ (1920م) ومع بوارج القتال كانت بارجة تحمل " مومسات " ولما سئل القائد في دهشة أجاب إجابة العالم ببواطن الأمور:

 أن تلك البوارج قد يزول أثرها أما هذه البارجة فإن أثرها لن يزول. وقبل ذلك. كانت جيوش إيطاليا تخترق البحر تجاه أراضي ليبيا ترفع نشيدا فاشستيا مجرما يندد بالقرآن ويهزأ بالإسلام ويتوعد أمته بالسحق والفناء وفيه:

 يا أماه! أتمي صلاتك ولا تبكي بل اضحكي وتأملي ألا تعلمين أن إيطاليا تدعوني وأنا أذهب إلى طرابلس فرحا مسرورا لأبذل دمي لسحق الأمة الملعونة ولأحارب الديانة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للسلطان سأقاتل بكل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي ـ الدكتور محمد البهى.

 صفحة 36

 

قوتي لأمحو القرآن (1). وهكذا اتنقل تصور المسألة الشرقية من كيف يوقف الغرب زحف دولة الإسلام إلى داخله إلى كيف يقطع الغرب أوصال دولة الخلافة الإسلامية يوزعها فيما بينه ثم يجهز على الرجل المريض. ويأتي بعد ذلك واستكمالا للمخطط الأثيم.. القضاء على الخلافة نفسها وقد نفذوا فيها توصية أحد مؤتمراتهم ألا يقطع الشجرة إلا أحد أعضائها لكن القضاء على الخلافة سبقته بعض الخطوات أهمها فصل الدين عن الدولة وهو موضوع المبحث الثاني من هذا الفصل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقد جاء ذلك النشيد في نداء لمجاهد طرابلسي وجهه إلى المسلمين نشرته مجلة الرابطة الشرقية الثالثة ـ العدد الثاني 25 جمادى الآخرة 1349 / 15 نوفمبر سنة 1930 م.

 صفحة 37

 

المبحث الثاني مرحلة إسقاط الخلافة الإسلامية لا بد أن تسقط الخلافة الإسلامية قبل أن تقوم " دولة " إسرائيل ". ذلك ما تنبأ به نيلوس بعد أن اطلع على بروتوكولات حكماء صهيون وذلك منذ سنة 1319 ه‍ (1901 م) (1) وذلك يؤكده طلب قرصو زعيم اليهود في سالونيك إلى السلطان عبد الحميد إعطاء فلسطين لهم ليتخذوها وطنا قوميا، فلما رفض الخليفة توعده الزعيم اليهودي (2) وكان من بين من سلمه قرار العزل بعد ذلك اثنان من زعماء اليهود (3). ولا بد أن يقطع الشجرة أحد أعضائها كما أوصى بذلك أحد مؤتمرات التبشير. لكن قبل أن تقطع الشجرة التي أظلت بلاد الإسلام منذ عهد النبوة وقبل أن يقضى على البطل الإسلامي السلطان عبد الحميد كان ثمة تمهيد كان بث فكرة فصل الدين عن الدولة.

 أولا ـ فصل الدين عن الدولة:

 أشار الكاتب الامريكي وليام غاي كار (4) إلى أن فكرة فصل الدين عن الدولة كانت من عمل اليهود، وبصرف النظر عما قاله وليام غاي كار فإن من الواضح في الشرق الإسلامي أن الفكرة كانت غريبة عنه ومن ثم فإن الأيدي الأجنبية كانت وراءها سواء كانت أيدي الصليبية المتعصبة أو اليهودية الحاقدة ذلك أن فقهنا الإسلامي ومن بعده فكرنا الإسلامي لم يعرف مثل هذه الفكرة ولم يتصورها بل إنه على العكس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الخطر اليهودي.

(2) نفس المرجع السابق.

(3) د. علي جريشة في المشروعية الإسلامية العليا ص 231

(4) في كتابه: أحجار على رقعة الشطرنج.

 صفحة 38

 

من ذلك يعرف أن قرآنه يحرم تجزئة الكتاب ويعتبر ذلك كفرا وفتنة وجاهلية. ويعرف أن الوظيفة الأولى لهذا القرآن أن يحكم لا أن يوضع على الأرفف والمناضد أن تحشى به الجيوب والتمائم أو تتغنى به وتتسلى بعض العمائم. " اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء " (الأعراف:3). " كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم " (إبراهيم:1) . " ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها "(الجاثية:18). " فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة "(المائدة:48). " وأن احكم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك " (المائدة:4). " أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " (المائدة:50). " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" (المائدة:44). " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " (المائدة:45). " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " (المائدة:47). فالإسلام دين يحكم كل شئ " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ " (النحل:89).

صفحة 39

 

والدولة فيه قسم لا قسيم فكما ينظم شئون الفرد وينظم شئون الأسرة ينظم شئون الدولة وينظم شئون المجتمع الدولي " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " (الأنبياء:107). " وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا " (سبأ: 28). ذلك فقه الإسلام وفكرة الدولة جزء من الدين قسم له لا قسيم. تاريخ الإسلام لم يعرف هذه التفرقة:

 وليس في أحداثه ما يبررها فلئن عرفها الغرب كرد فعل لاضطهاد الكنيسة لهم والعلماء وافتئاتها على عقائد الناس وعقولهم حتى سولت لنفسها أن تصدر صكوك الغفران وقرارات الحرمان عن هوى وتحكم إذا كان ذلك فإن شرقنا الإسلامي لم يعرف اضطهاد العلم والعلماء بل حفظ لهم الإسلام وحفظت لهم أمته أكرم مكانة وأعز دولة وكيف لا؟ وهم ورثة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) على دينه وشرعه وميراثه؟ ومن ثم فلم يكن هناك محل لا من الناحية الفكرية ولا من الناحية التاريخية لبث فكرة فصل الدين عن الدولة. لكن الأمر كان يدبر بليل واعتنق حزب الاتحاد والترقي في تركيا الفكرة وعمل على ترويجها. ثم عمل عن طريق ضباطه على عزل عبد الحميد ذلك الخليفة الذي رفض أن يعطي فلسطين وطنا قوميا لليهود وبصق في وجه زعيمهم قرصو. وصارت الحكومة المدنية في أنقرة هي التي تحكم والخليفة في الاستانة بغير سلطان تطبيقا لفصل الدين عن الدولة.

ثانيا ـ نشر القومية في مواجهة الخلافة:

 كانت اليد الخفية التي تعمل على تقويض الخلافة ببث فكرة فصل الدين عن الدولة تعمل من ناحية أخرى عن طريق القومية.

صفحة 40

 

إثارة القومية الطورانية داخل دولة الخلافة (تركيا). وإثارة القومية العربية داخل الولايات التابعة للخلافة. والأولى تعهدها حزب الاتحاد والترقي وحزب تركيا الفتاة. والثانية انزلق إليها الشريف حسين ظنا منه أنها الوجه الآخر للاسلام (1). واعتقادا منه في حسن نوايا الجاسوس (لورانس) ومن وارئه ماكماهون حتى انتهى الأمر إلى أن تحارب جيوش القومية العربية جيوش الخلافة الإسلامية تعضدها الجيوش الانجليزية التي سارت تحت راية فيصل بن الشريف الحسين لتخرج سوريا لاستقبالها استقبال الفاتحين.

ثالثا ـ إسقاط الخلافة الإسلامية:

 ولم يكن عبثا ولم يكن تدبير مصطفى كمال أتاتورك ولا حزب الاتحاد والترقي. ومان هؤلاء إلا " النعل " الذي تلبسه القدم الغليظة الكارهة الكريهة! وإلا ففيم توقع نيلوس مند سنة 1319 ه‍ (1901)؟ وفيم قول مؤتمر التبشير أن الشجرة لا بد أن يقطعها أحد أعضائها؟ وفيم تهديد الزعيم اليهودي قرصو للسلطان عبد الحميد بعد أن رفض إعطاء فلسطين لليهود؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بدأت الدعوة إلى القومية العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتألفت في بيروت جمعية سرية لهذا الغرض في سنة 1292 ه‍، 1875 م راجع تفصيلا لذلك بحثا طيبا عن عوامل ضعف المسلمين للأستاذ عاطف الزين ـ دار الكتاب اللبناني. ونحن نحسن الظن بالشريف حسين على ما يبدو من رسائله المتبادلة بينه وبين الانجليز لكن يبقى حسابه على الله في ظل قول الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنْ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ)(الممتحنة:1) وكيف نسي الشريف ما فعلته إنجلترا بالمسلمين.. تعست كراسي الحكم التي تنسي المسلم دينه وشرفه وكرامته.

 صفحة 41

 

فيم ذلك كله وفيم قبله فكرة فصل الدين عن الدولة ومصدرها المباشر الصليبية ومصدرها الغير مباشر الصهيونية كما يقرر وليام غاي كار وفيم قبله نسر القومية العربية على يد لورانس الجاسوس الانجليزي ومن جرهم من أذقانهم وراء قدمه؟ وفيم شروط كيرزون الأربعة لاستقلال تركيا وتسليمها للكماليين وهي:

 1 ـ قطع كل صلة بالإسلام.

 2 ـ إلغاء الخلافة.

 3 ـ إخراج أنصار الخلافة والإسلام من البلاد.

 4 ـ اتخاذ دستور علماني بدلا من الدستور القديم (1).

فيم ذلك كله وإذا صح أن الخلافة كانت أشبه بالرجل المريض ـ وهم أول من أمرضوها ـ فهل يصح المريض بالعلاج؟ أم يعالج المريض بالقضاء عليه وقتله؟ ماذا فعلوا بعد أن أجهزوا على الرجل المريض بخسة ونذالة هل استبدلوا نظاما خيرا منه؟ وهل صاروا في مصاف الدول العظمى بعد أن انسلخوا من إسلامهم. إن تركيا وبعد مرور نصف قرن من إلغاء الخلافة فيها لا توضع في الدرجة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يشير إليها الدكتور عبد المعطي بيومي نقلا عن الأستاذ أنور الجندي في كتابه العالم الإسلامي ـ الإستعمار السياسي والثقافي والاجتماعي ص 46، 47 ويؤكد النية إزاء الخلافة الإسلامية والقصد من وراء إسقاطها ما جاء في كتاب مائة مشروع لتقسيم تركيا تأليف المسيو جوفار الأماني ـ ملخصا في كتاب حاضر العالم الإسلامي ـ المرجع السابق ـ وأقوال رجال الدين في أوروبا، وكتابهم، وساستهم مجمعة على وجوب القضاء على الخلافة الإسلامية وتقسيم التركة بين ملوك أوروبا.

 صفحة 42

 

الثانية ولا الثالثة ولا الرابعة بين دول العالم وكانت قبلها في الدرجة الأولى!. أهذا هو الترقي يا حزب الترقي؟ ولقد سبقت إلغاء الخلافة تمثيلية لا يزال يتكرر مثلها في السنوات القريبة كان لا بد من صنع البطل (الذي يقطع الشجرة) (1). وبعد أن تغلغلت قوات اليونان والحلفاء داخل أراضي تركيا. وبينما الخليفة حبيس الاستانة بل وجيوش إنجلترا وتتبدل الهزيمة نصرا وينخدع العالم الإسلامي المسكين " بالغازي العظيم " ثم يعلن بعدها إلغاء الخلافة الإسلامية. ويعقبها سلسلة من الإجراءات تنتهي إلى سلخ تركيا من إسلامها، وتحريم الأذان فيها وتحريم الكتابة بلغة القرآن العظيم! ويقبل العالم الإسلامي على المصيبة! ولكن ولات حين مناص! فقد فات الأوان! ويندب العالم الإسلامي خلافته وإسلامه يقول الشاعر أحمد شوقي:

 يا أخت أندلس عليك سلام هوت الخلافة فيك والإسلام طوى الهلال عن السماء فليتها طويت وعم العالمين ظلام خفت الأذان فما عليك موحد يسعى ولا الجمع الحسان تقام ويقول في أبيات من قصيدة أخرى:

 بكت الصلاة وتلك فتنة عابث بالشرع عربيد القضاء وقاح أفتى خزعبلة وقال ضلالة وأتى بكفر في البلاد بواح ضجت عليك مآذن ومنابر وبكت عليك ممالك ونواحي الهند والهة ومصر حزينة تبكي عليك بمدمع سحاح والشام تسأل والعراق وفارس أمحا من الأرض الخلافة ماحي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع تحت عنوان صناعة الزعيم في كتاب " عندما يحكم الطغاة " للدكتور جريشة الناشر دار الاعتصام ـ مصر.

 صفحة 43

 

حسب أتى طول الليالي دونه قد طاح بين عشية وصباح وعلاقة فصمت عرى أسبابها كانت أبر علائق الأرواح نظمت صفوف المسلمين وخطوهم في كل غدوة جمعة ورواح أستغفر الأخلاق لست بجاحد من كنت أدفع دونه وألاحي أأقول من أحيا الجماعة ملحد وأقول من رد الحقوق إباحي فلتسمعن بكل أرض داعيا يدعو إلى الكذاب أو لسجاح ولتشهدن بكل أرض فتنة فيها يباع الدين بيع سماح يفتي على ذهب المعز وسيفه وهوى النفوس وحقدها الملحاح

 صفحة 44

 

المبحث الثالث مرحلة ما بعد إسقاط الخلافة الإسلامية بات معلوما أن العالم الإسلامي بعد الاجهاز على الخلافة الإسلامية، وما تبعها وما سبقها من تقطيع لأوصال العالم الإسلامي، وما صاحب ذلك من حملات تبشير واستشراق أن لم تنجح في تنصير المسلمين بما يكافئ الجهود الأموال المبذولة فإنها أفلحت في بث الشكوك والوهن في عقائد المسلمين وأفكارهم. بات معلوما أن العالم الإسلامي صار كجسد مثخن بالجراح استرخى حتى يمن الله عليه بالعافية أو يتحقق أمل بعيد للصهيونية أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ومن ثم قد كان يكفي ما حدث لكن الصليبين. ومن وراءهم ـ وعوا الدرس وهو ما صرح به (جب) من أن صحوة الإسلام تتم بسرعة وخشي أعداء الإسلام هذه الصحوة! فاتخذوا من الوسائل ما يضمن بقاء الجسد الممزق هامدا مثخنا بالجراح وكان لهم في ذلك أكثر من سبيل أهمها التغيير السياسي، والاجتماعي في العالم الإسلامي ولنعط كلا كلمة بما يسمح المقام.

 صفحة 45

 

الفصل الثاني التغيير السياسي والاجتماعي في المنطقة الإسلامية المبحث الأول التغيير السياسي منذ أتيح للغرب الصليبي أن يتسلط على الشرق الإسلامي.. أخذ يحدث التغيير السياسي اللازم لبقاء سيطرته أولا ثم لتحقيق الهدف من هذه السيطرة ثانيا فكان:

 احتلال فرنسا للجزائر سنة 1246 ه(1830م) وتونس سنة 1299 ه‍ـ (1881م) ومراكش سنة 1330 ه‍(1912م) وللشام سنة 1338 ه‍(1920م) وكان احتلال بريطانيا سنة 1274 ه‍1857 م للهند إيذانا بزوال إحدى الدول الإسلامية الكبرى التي قامت في مستهل القرن السادس عشر. واحتلالها لمصر سنة 1300 ه‍1882 م والعراق سنة 1332 ه‍ 1914 م فلسطين سنة 1337 ه‍1918 م ولم يكن ذلك التوزيع وليد الصدفة فلقد كشف الاتفاق المنعقد بين بريطانيا وفرنسا سنة 1322 ه‍1904 م عن جانب من سياسة تقطيع أوصال العالم الإسلامي. وصحب ذلك التقسيم إثارة القوميات المختلفة كالقومية الطورانية في تركيا والقومية العربية في البلاد الغربية حتى اقتتل المسلمون تحت قيادة النصارى باسم القومية والتحرير!!

 صفحة 46

 

 

وقد صحب ذلك دعوة خبيثة إلى العلمانية بمعنى فصل الدين عن الدولة تبنتها جماعات كثيرة مشبوهة الصلات والأهداف من أمثال حزب الاتحاد والترقي في تركيا الذي كانت من قياداته قيادات يهودية من يهود الدونمة. وتبع ذلك ما رسم له أعداء الإسلام من قبل حين عقدوا أكثر من مؤتمر للنظر في المسألة الشرقية وقد كانت في البداية تعني رد الزحف الإسلامي الذي كانت تقوده تركيا على أوروبا ـ ثم لما توقف المد انتقل البحث إلى كيفية تقطيع أوصال الخلافة ثم القضاء على الخلافة بعد ذلك. ومهما يكن من أمر الأخطاء التي وقع فيها سلاطين تركيا وفي مقدمتها أنها جعلت عضلاتها أقوى من عقلها ومهما يكن من أمر المظالم التي ارتكبها سلاطين تركيا وفي مقدمتها التفرقة الظالمة بين بني الدين الواحد، وتميز الأتراك على غيرهم من بني الأوطان الأخرى مهما يكن من هذه أو تلك ـ مما نسجله ونحذر منه ـ فلقد كانت الخلافة تظل المسلمين وتجمع شملهم، وترهب عدو الله وعدوهم من أجل ذلك لم يكتف أعداء الإسلام بتقطيع أوصال دولة الخلافة. بل جاوزوا ذلك إلى القضاء على الخلافة نفسها ومنع قيامها بعد ذلك في أي قطر أو وطن آخر!! وسواء كان ما ارتكبه مصطفى كمال ـ الشهير بأتاتورك ـ كان بحسن نية كرد فعل لأحداث ذلك الحين التي خطط لها أعداء الإسلام بما يدفع أتاتورك إلى إلغاء الخلافة، أو كان بسوء نية استجابة للتخطيط اليهودي ـ الصليبي الذي تبدى فيما ذكره كاتب روسي سنة 1319 ه‍1901 م بعد ما طالع بروتوكولات حكماء صهيون من أنه لا بد للأفعى اليهودية من أن تمر بالقسطنطينية لتصل إلى فلسطين (1)، وما أعقب ذلك من محاولة زعيم يهودي رشوة السلطان عبد الحميد لمنح فلسطين وطنا قوميا لليهود وبصق الخليفة المسلم في وجهه، ثم توعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو الكاتب الروسي سرجي نيلوس ـ راجع الخطر اليهودي لمحمد خليفة.

 صفحة 47

 

اليهود للخليفة، وخلع الخليفة بعد ذلك بقرار حمله ثلاثة اثنان منهم من اليهود ثم ما أعقب ذلك من إعلان وعد بلفور سنة 1336 ه‍1917 م من جانب وزير الخارجية البريطانية بمنح فلسطين وطنا قوميا لليهود وما تم من ثجرة لليهود في ظل ذلك الانتداب البريطاني، وانسحاب بريطانيا سنة 1367 ه‍1948 م من فلسطين ليتمكن منها اليهود بعد ذلك، واتفاق المعسكرين الشيوعي والرأسمالي على الاعتراف بإسرائيل وتدعيمها الأمر الذي لا يزال حتى اليوم باديا، فروسيا تمد إسرائيل بالقوة البشرية والقوة العقلية، وأمريكا تمدها بالقوة العسكرية والقوة التكنولوجية. كل ذلك أو بعضه قد يثير أو يشير إلى أن خطوة أتاتورك بإلغاء الخلافة لم تكن عن حسن نية ابتغاء المصلحة الوطنية لتركيا ـ خاصة إذا أضيف إليها ما قيل عن شروط كيرزون لمنح تركيا الاستقلال ومن بينها إلغاء الخلافة الإسلامية. نقول سواء كانت جريمة أتاتورك بحسن نية أو بسوء نية فلقد حققت لا عداء الإسلام ما يبغونه بنقض عرى الإسلام أولها الحكم وآخرها الصلاة. وكان المفروض أن تقف الحملة الضارية على الإسلام والمسلمين عند حد تقطيع دولة الخلافة والقضاء عليها لكن الصليبيين. وعوا من الإسلام درسا هاما عن الإسلام والمسلمين وهو ما صرح به أحدهم من أن صحوة الإسلام تتم بسرعة، وما صرح به بعضهم من أن المسلمين أشد خطورة عليهم من اليهود والبلاشفة والشعور الصفراء (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتبت إحدى المجلات الامريكية تحت عنوان: (محمد يتهيأ للعودة) المسلمون رقدوا 500 سنة ويتحركون الآن ويتوثبون للسلطان ومن هذه التصريحات ما قاله لورانس براون:

 كنا نخوف من قبل بالخطر اليهودي والخطر الأصفر وبالخطر البلشفي إلا أننا لم نجد هذا التخوف كما تخيلناه، لأننا وجدنا اليهود أصدقاء لنا وعلى هذا يكون كل مضطهد لهم عدونا الألد ثم رأينا البلاشفة حلفاء لنا أثناء الحرب الثانية أما الصفر (اليابان والصين) فإن هناك دولا ديموقراطية كبرى تتكفل بمقاومتها لكن الخطر الحقيقي:

 كان في المسلمين وفي قدرتهم على التوسع والإخضاع وفي الحيوية المدهشة العنيفة التي يمتلكونها. ـ وفي كلمة لمسؤول فرنسي سنة (1371 ه‍ 1952 م) ليست الشيوعية خطرا على أوروبا ـ فيما يبدو لي ـ إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا تهديدا مباشرا هو الخطر الإسلامي والمسلمون عالم مستقل كل لاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة وهم جديرون أن يقيموا بها عالم جديد دون حاجتهم إلى الاستغراب وفرصتهم في تحقيق أحلامهم في اكتساب التقدم الصناعي الذي أحرزه لغرب راجع:

لم هذا الرعب كله من الإسلام الأستاذ جودت سعيد. ـ الخطر الصهيوني على العالم الإسلامي الأستاذ ماجد الكيلاني. ـ الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر الدكتور محمد محمد حسين.

 صفحة 48

 

وبغض النظر عن مدى صحة ما قرره أولئك من خطر الإسلام والمسلمين عليه فإن هذا هو الذي شكل تفكيرهم، وكان الباعث وراء تصرفاتهم بعد ذلك. الأسلوب الجديد:

 وفي منتصف القرن العشرين، في الخمسينيات على وجه التحديد، قررت الولايات المتحدة أن ترث النفوذين البريطاني والفرنسي في المنطقة لتحقق نفس الأهداف التي كان يحققها هذان النفوذان (1). لكن إن اتفقت الولايات المتحدة مع بريطانيا وفرنسا في الاستراتيجية والأهداف فلقد اختلفت معهما في التكتيك والأسلوب ومارست الولايات المتحدة في مهارة ما يسمى بلعبة الأمم تحقيقا لأهدافها وكان أهم أساليبها في ذلك الانقلابات العسكرية التي تصنع عن طريقها البطل أو أو الزعيم الذي تتعلق به آمال الأمة، فيمتص بذلك ما يمور في باطنها، وما كان يمكن أن يؤدي إلى ثورة في غير صالحها وينحرف بهذه القوة المواردة داخل الشعوب عن أهدافها التي تتحقق فيها مصالح الغرب،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  مايلز كوبلاند ـ لعبة الأمم ـ ص 33 تعريب مراد سرخيس ـ التوزيع دار الفتح للطباعة والنشر. وقد أشار إلى اتصال السكرتير الأول للسفارة البريطانية في واشنطن (سيشل) بمساعد وزير الخاجية لشئون الشرق الأدنى ـ وأفريقيا ليسلمه رسالة تشير إلى اعتزام بريطانيا إلى إنهاء وصايتها على بعض أرجاء العالم لأزمة مالية تمر بها فإنها لن تتمكن من القيام بأعباء مقاومة الشيوعية في كل من تركيا واليونان.

(2) يشير مايلز كوبلاند ـ مندوب المخابرات المركزية الامريكية في الشرق الأوسط في كتابه لعبة الأمم ـ إلى هذه الحقائق حين يقرر:

(أ) لقد كان من الفهوم في التقارير والوثائق السرية للحكومة الامريكية في أوائل عام (1947 م 1366 ه‍) أن دبلوماسيتنا وأجهزة مخابراتنا بالحالة التي كانت عليها في ذلك الوقت يجب أن تعمل الأحداث تغييرات في قيادات تعض دول الشرق الأوسط. ويشير المؤلف في الفصل الثاني من كتابه إلى حضور السفير البريطاني إلى وزارة الخارجية الامريكية لإبلاغها بقرار الحكومة البريطانية وقف مساعدتها لحكومتي تركيا واليونان ويفسر ذلك بأن معناه انسحاب بريطانيا من الشرق الأوسط وضرورة حلول أمريكا محلها في المنطقة لملء الفراغ.

(ب) على العموم فإن ما كنا نحاوله هو ملء الفراغ الناتج من انسحاب بريطانيا من اليونان وتركيا ـ هذا الفراغ الذي يشمل كما قلنا من قبل جميع منطقة الشرق الأوسط ص 28 ثم يشير المؤلف إلى قرار وزير الخارجية الامريكية دين أتشيسون بالتدخل ولو بالأساليب غير النظيفة .

 (ج) ونتيجة لذلك فإنه في نهاية 1951 م قرر تشكيل لجنة خبراء سرية لدراسة العالم العربي فيما نتعلق على الخصوص بالنزاع العربي الاسرائيلي لاستعراض المشاكل واقتراح الحلول سواء كانت تتفق مع أساليب العمل الحكومي النظيف أم لا. ص 48. ويشير بعد ذلك إلى تدخلهم في انقلاب حسني الزعيم (ص 42) في سوريا والدروس التي استفادوها منها، ثم استعدادهم للعملية الكبرى في مصر.

 (د) كان روز فلت غير واثق من الانقلابات العسكرية بعد أن رأى ما أدت إليه في سوريا من فوضى ولكنه وافق على أن يقابل الضباط الذين قدمتهم له المخابرات المركزية الامريكية على أنهم زعماء التنظيم السري العسكري الذي يدبر انقلابا عسكريا في مصر. ص 53. ثم يشير إلى أن من أهداف هذا الانقلاب استبعاد الثورة الشعبية التي يسعى لها ـ بجد ـ الأخوان المسلمون ص 54 ص 15، 59 ص 2 وللتمويه يضيف والشيوعيون. 

 صفحة 49

 

القوة العسكرية المحلية تقوم بالدور الجديد بم تعد الشعوب تحتمل أن ترى السترة الصفراء الأجنبية تحكمها مهما حاولت أن تدعي الصداقة أو حتى أن ترفع راية الإسلام (1). وكان لا بد من أن ترحل السترة الصفراء الأجنبية لكن الباطل لا يستغني عن القوة وإلا تهاوى وسقط! ومن ثم كان لا بد من أن يبحث عن مصدر آخر للقوة حتى يمضي في تنفيذ مخططه الأثيم لإبعاد شعوب الإسلام عن الإسلام وهداه شيطانه إلى ما نجح فيه إلى حد ما استبدال السترة الصفراء الأجنبية. بالسترة المحلية. وصرح بعض كتابه أن هؤلاء أقدر على التغيير الاجتماعي المطلوب (2) وعرفت المنطقة الانقلابات العسكرية (3) بديلا عن جيوش الاحتلال الأجنبية ومن أمثلة ذلك كما صرح أحد الكتاب الأمريكيين:

 سوريا سنة 1368 ه‍1949 م مصر سنة 1371 ه‍1952 م

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  ادعت بريطانيا الصداقة لمصر أثناء احتلالها وادعى نابليون من قبل الإسلام وأعلن خليفته في مصر فعلا إسلامه وعند اقتربت جيوش الألمان من مصر كانت المنشورات فيه توزع باسم محمد هتلر!!

(2)  راجع ما كتبه مورو بيرجر ـ الكاتب الأمريكي ـ عن أن النخبات الوطنية أقدر من النخبات الأجنبية في إحداث التغيير الاجتماعي المطلوب وتحذيره من الاكتفاء بمجرد فرض التغيير بل لا بد من تعهده حتى يعمق في نفوس المجتمع.

 (3) المرجع السابق ص 304 ـ 305 ويذكر صراحة مايلز كوبلاند في لعبة الشعوب كان انقلاب حسني الزعيم يوم 30 آذار (مارس) 1949 م من إعدادنا وتخطيطنا لعبة الأمم ـ ثم يقول في ص 58 ـ وكان قرارنا الأخير ـ أن تكون مصر خطوتنا الجديدة.

 صفحة 50

 

ومن قبل هؤلاء إيران سنة 1338 ه‍1920 م تركيا سنة 1326 ه‍1908 م وفي كل مرة يستفيدون من تجارب المرة السابقة فمثلا الخطأ الذي وقع فيه كمال أتاتورك في محاولة فرض التغيير الاجتماعي بالقوة استبدلت القدوة بالقوة مع وسائل الإعلام المختلفة وما يصحبها من وسائل أخرى للتبشير أشرنا إليها. فقد كان أتانورك غبيا حين فرض خلع الطربوش بالقوة. فقد خلعه الناس في مصر لما رأوا رجال الانقلاب الجديد الأبطال لا يلبسونه بدون الحاجة إلى قانون! وهكذا! لكن القوة بقيت لازمة تؤدي أمرين:

 أولهما:

 قمع المعارضة والمعارضين خاصة إن كانوا من أصحاب العقائد.

ثانيهما:

 مساندة الباطل والمبطلين فيما يمضون فيه من تخطيط أثيم لإبعاد الناس عن الإسلام. ولبيان هذين الخطين نقدم وثيقة جاءت في حيثيات حكم صدر في بلد إسلامي نسقط منها أسماء الضحايا وأسماء المجرمين لنصل بها إلى الموضوعية الكاملة (1). تبدأ الوثيقة بالإشارة إلى أسماء أعضاء اللجنة التي قدمت معلوماتها واقتراحاتها وأكثرهم من رجال المخابرات والمباحث والأمن. ثم تلخص معلوماتها بالإشارة إلى أن " تدريس التاريخ الإسلامي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا الحكم منشور في كتاب (الزنزانة للدكتور جريشة) ـ الناشر دار الشروق

 صفحة 51

 

في المدارس للنشء بحالته القديمة يربط الدين بالسياسة في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر ثم الإشارة إلى صعوبة التمييز بين معتنقي الأفكار  وبين غيرهم من المتدينين الخ. ليصل إلى المطالبة:

 1 ـ بمحو فكرة ارتباط السياسة بالدين.

 2 ـ إبادة تدريجية بطيئة مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم بحمل الدعوة الإسلامية، ولا يقتصر الأمر على هذه الفئة، لا يمتد إلى " كل المتدينين " باعتبارهم يمثلون الاحتياطي الذي يصب في هذه الفئة! ومن وسائل الإبادة:

 الإعدام والسجن والاعتقال ويبلغ الأمر غاية خسته حين تصرح " بالنسبة لنسائهم سواء كن زوجات أو بنات فسوف يتحررن ويتعرضن مع غياب عائلهم وحاجتهم المادية إلى انزلاقهن ". وهكذا تفقد الأنظمة العسكرية حتى الشرف والكرامة!! بقي السؤال ـ لماذا يفضلونها وطنية؟ نسمع إجابتين:

 إجابة من الكاتب الامريكي مايلز كوبلاند. فكان الحكام من " طراز. " يعطون الأولوية على غيرهم لأن استيلاءهم على السلطة يوفر أفضل الفرص ـ أو أقلها سوءا ـ لنجاح " لعبتنا " (1). وفي مكان آخر " إن نموذجا  كان من الأهمية بمكان بخصوص اللعبة وإنا كنا ملزمين بالبحث عن مثيل له فيما لو لم يكن على قيد الحياة " (2). وإجابة من الكاتب الامريكي مورو بيرجر. وكان الجيش من بين كل جماعات النخبة الوطنية أكثرها دنوا من المشاكل التي تواجهها مصر، دنوا بالمعنى الحسابي، والعلماني،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)، (2) لعبة الأمم ص 28، ص 26.

 صفحة 52

 

والواقعي، وبهذه الصورة كان الجيش أكثر النخبات تغربا (1). والواضح من تقريرالموجز أن الضباط كانوا علمانيين يتوقون إلى بث التعاصر في مصر متماشين مع الخط الغربي التكنولوجي، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسي والاجتماعي للحياة المصرية إلا أن قيادتهم كانت تضع نصب عينيها صورة من مصر العلمانية كما يتصورونها، ويتحركون صوب هذا الهدف على خط مستقيم (2). ويعمم الكاتب وعلى ذلك فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية، ويواجه الزعماء العرب طريقين:

 فهم يطردون الغرب سياسيا ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيا (3). ونجيب بعد هؤلاء فنقول بعون الله:

 1 ـ إن النخبة الوطنية التي حلت محل " النخبة الأجنبية " وفرت على الأخيرة أولا:

 الدم والمال التي كانت تبذل في الحروب الصليبية أو في محاولات الإستعمار.

2 ـ وإنها كذلك منعت إثارة المشاعر الدينية أو الوطنية التي كانت تتحرك حين يرى الشعب الجيوش الأجنبية قادمة تتحدى قيمه الدينية أو قيمه الوطنية.. ومن ثم فقد ميعت المقاومة أو منعتها!

3 ـ إنها بلباس الوطنية نفذت المطلوب ليس فقط دون مقاومة بل أحيانا مع استحسان الجماهير وحماستها!! (4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)، (2)، (3) العالم العربي اليوم ص 312، ص 314، ص 340 وراجع ما قدمنا ـ والمقصود ب‍ " تغربا " الميل إلى الغرب في قيمه ومثله بدلا من قيم الإسلام ومثله.

(4) وفي هذا السبيل لا بأس من أن تسمح الجهات الأجنبية بمهاجمتها لتكسب الحاكم مزيدا من الصفات الوطنية ولتكسب استحسان الجماهير وحماستها وفي هذا المعنى يقول مايلز كوبلاند فإن مساندتنا لأي زعيم للوصول إلى دست الحكم والبقاء هناك حتى يحقق لنا بعض المصالح التي نريدها لا بد أن يرتطم بالحقيقة القاسية وهي أنه لا بد من توجيه بعض الإساءات لنا حتى يتمكن من المحافظة عيل السلطة ويضمن استمرارها (ص 55 من كتاب لعبة الأمم). وفي الوقت نفسه يقول السياسي الصهيوني مستر سكوثمان في مقال يرثي فيه زعيما عربيا " كان الرجل الوحيد الذي اقتنع بضرورة التعايش السلمي مع إسرائيل وكانت لديه الجرأة والسلطة الكافية لإيجاد الظروف اللازمة لهذا التعايش " ص ز مقدمة كتاب الدبلوماسية والميكافيلية في العلاقات العربية الامريكية ـ دكتور محمد صادق. وفي مكان آخر يقول مايلز كوبلاند:

إن الهدف الرئيسي من دعمنا (.) هو رغبتنا في توفر زعيم عربي رئيسي يتمتع بنفوذ قوي على شعبه وعلى بقية العرب له ن القوة ما يمكنه أن يتخذ ما شاء من القرارات الخطيرة وغير المقبولة من الغوغاء مثل عقد صلح مع إسرائيل (ص 89 لعبة الأمم).

 

 صفحة 53

 

4 ـ أنها استطاعت أن تقضي على كل معارضة من أي فئة دون أن يتحرك أحد لنصرة هذه الفئة بل مع اعتقادهم بما تذيعه " النخبة الوطنية " من أن المعارضين خوارج ـ أو خونة!! وأخيرا سؤال لا ينفك عن السؤال الأخير. لماذا يفضلونها " عسكرية "؟ نقول بعون الله:

1 ـ لأنها " أسرع " في الوصول إلى الحكم، وأكثر شغفا بالسلطة (1).

2 ـ لأنها " أسرع " في تلبية الأوامر الخارجية، والالتزام حرفيا بها، فهكذا تعلمهم الحياة العسكرية.

3 ـ لأن قبضتها " أقوى " بالنسبة لأية معارضة أو أية مقاومة.

4 ـ أن الطبقة العسكرية في أغلبها أعدت إعدادا خاصا يجعلها " علمانية " و " غربية " لا تستنكف الانحلال لنفسها ولا لغيرها ومن ثم فهي أنسب الفئات لتنفيذ مخطط الإبعاد من " الإسلام ".

 5 ـ أنها تزيح بذلك احتمال تقدم عناصر دينية إلى الحكم عن الطريق الشعبي العادي (2)! وليس معنى اللجوء إلى الانقلابات العسكرية انتهاء الوسائل الأخرى إن القوى الأجنبية المعادية للاسلام لا تزال محتفظة لبعض الأنظمة " الرجعية " بالبقاء أو لأنها تنفذ ما يطلب منها، وثانيا لأنها أضعف من أن تقف يوما في وجهها وثالثا لأنه داخل هذا الأنظمة نفسها يجري التغيير باستعداء الابن على أبيه والأخ على أخيه بعد ما يحري الاتفاق على الصفقة ماذا يبيع لكي يجلس على العرش؟! ورابعا لأنها حين يبدو العصيان يكون الردع سريعا وعنيفا وحوادث

ــــــــــــــــــــ

(1) لقول مايلز كوبلاند وكان مبتغانا أن ندفع إلى الرئاسة حاكما أكثر شغفا بالسلطة (ص 59 من لعبة الأمم).

(2) ص 63 ـ 65 من (لعبة الأمم).

صفحة 54

 

" الاغتيال السياسي " في الماضي القريب شاهدة على ذلك، وقد كانت موضع تحقيق " الكونجرس " في فضائح المخابرات المركزية الامريكية. وأخيرا فإن بقاء هذه الأنظمة ـ في نظر أعداء الإسلام ـ رهين بانتهاء العصبيات التي تستند إليها، وفي المواجهة بزيادة قوة وقدوة القوات المسلحة لتولي الأمر حينئذ سوف تخلعها بيسر وبغير حياء ولا احترام للود البادي والوفاء الظاهر!! وهكذا ترى اتفاقا غريبا على علمنة التعليم وعلمنة الإعلام، وعلمنة المجتمع كله عن طريق المرأة وعن طريق الشباب ليبتعد بذلك عن الإسلام نجدها في الدول الإسلامية رغم اختلاف نظم الحكم الحاكمة لأن التغيير السياسي وإن اختلف أسلوبه فالهدف لا يختلف وهو التغيير الاجتماعي أو التغريب أو بالعبارة الواضحة:

 الأبعاد عن الإسلام! لكن هل انتهت تماما وسيلة الحروب والإستعمار التي كانت سبيل الغرب من قبل لفرض أهدافه وغاياته؟ لا نستطيع أن نجيب بالنفي لأن الحروب انتهت في أغلب البلاد في صورتها العسكرية، واستبدلت بها الحرب الفكرية والنفسية لتحطيم عقيدة الأمة ومبادئها. ولا نستطيع أن نجيب بالاثبات لأنها لا تزال تستعمل في نطاق محدود وهو ما اصطلح الغرب على تسميته بالحرب المحدودة واحتلال الجيوش الامريكية لشواطئ لبنان سنة 1377 ه‍1958 م مثل قريب وتحركات الأسطول السادس كذلك. لكن رأينا أن الحرب المحدودة ارتدت كذلك ثوبا محليا فأصبحت الجيوش العربية أو الإسلامية تسلط لهذا الغرض وتدخل سوريا في لبنان مثل قريب. وانفصال بنجلادش عن باكستان من قبلها مثل قريب كذلك!

 صفحة 55

 

المبحث الثاني التغيير الاجتماعي ما يبغي الغرب هنا؟ في البداية كان الهدف واضحا إخراج المسلمين من دينهم وإدخالهم إلى دين آخر ـ كما وضح ذلك من كلام المبشرين. ثم لما صارت عملية " التنصير " بلغة الأرقام صعبة إن لم تكن مستحيلة بين الشعوب التي تدين بالإسلام. اقتصرت العملية على الجزء الأول منها إخراج المسلمين من دينهم وكانت الوسائل إلى ذلك هي نفس الوسائل " وسائل التبشير " الأولى التي كانت تقوم بالشقين الاخراج من الإسلام، والادخال في الدين الآخر. ونجحت الخطة الثانية ولا تزال تعمل في كثير من البقاع الإسلامية. ثم كانت الخطة الثالثة التي لا تذهب إلى عملية الاخراج من الذين تماما ولكنها تكتفي بالإبعاد الإبعاد عن الدين من غير استعمال لفظ الإبعاد حتى لا يستثير حفيظة المسلمين أو تنبيههم إلى

الهدف الجديد مع تطوير فيها يجعلها أكثر نعومة، وأكثر فاعلية. إذا فالهدف هو إبعاد المسلمين عن الإسلام باعتباره الخطر الكامن كما يتصور الغرب أو يتوهم ـ وقد كانت الإشارة إلى هذا الهدف تحت اصطلاحات أكثر تهذيبا مثل التغريب أو التغيير الاجتماعي (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع في ذلك كتاب: الحضارة الغربية للدكتور محمد محمد حسين وكتاب: العالم العربي اليوم ـ للكاتب الامريكي مورو بيرجر.

 صفحة 56

 

معنى التغيير الاجتماعي وصلته بالتغيير السياسي:

 إن النخبة في الشرق الأدنى في مصر والسودان، والعراق وتركيا وإيران وباكستان كانت عوامل هامة في جلب التغيير الاجتماعي، وتشترك النخبات العسكرية العربية عميقا في الاعتقاد بضرورة التغيير الاجتماعي السريع. أما الآن فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجة تجعل من الصعب التحقق من أن امرءا ما قد ذهب أو لم يذهب إلى أوروبا أصلا، فقد أصبح العرب " متغربين " بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوروبا. فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى، تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية، ويواجه الزعماء العرب طريقين:

 فهم يطردون الغرب سياسيا، ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيا (1). التغيير الاجتماعي إذن يعني تغيير قيم الأمة ومثلها تغيير ثقافتها وأخلاقها وعقيدتها وبعبارة واضحة إبعاد المسلمين عن دينهم. والتغيير الاجتماعي، قد يسمى التغريب وقد يسمونه المدنية أو التطور أو التقدم وأيا ما كانت الحال فلن يكون هناك سبيل إلى التراجع إن العمل يسير بجد ونشاط في إدخال الدنية الغربية إلى مصر. وهو يأخذ طريقه بتقدم ونجاح حسب خطة مرسومة، وضعت خطوطها بعد دراسة الموقف تقوم على التطور والتدرج (2). وواضح أن التغريب، أو التغيير الاجتماعي الذي كان يجري على أيدي المحتلين والمستعمرين، صار يجري اليوم ـ في أكثر الأحوال ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  راجع مورو بيرجر في العالم العربي اليوم صفحات 306، 319، 320، 323، 324، 326، 340، 348.

(2) الفقرة الثالثة من تقرير اللورد كرومر سنة 1906 ص 8 من النسخة الانكليزية.

 صفحة 57

 

على أيدي " النخبات الوطنية " التي هي في أكثر الأحيان " عسكرية " (1). هذا هو الهدف التغيير الاجتماعي الذي يعني في الحقيقة إبعاد الأمة عن دينها في شتى نواحي الدين التي تشمل شتى نواحي الدنيا. ولكن لهذا الهدف وسيلة أو وسائل وأساليب هي التي تمثل " التكتيك " الجديد لغزو الغرب الفكري. ويحسن أن نعرض لها في مبحث مستقل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يشير الكاتب الامريكي إلى تقرير لزعيم مصري جاء فيه أن الضباط كانوا علمانيين (ستعرف معنى العلمانية في الصفحات القليلة القادمة) يتوقون إلى بث التعاصر في مصر متماشين مع الخط الغربي التكنولوجي ولم يكن الضباط على ثبات أيديلوجي، بل كانوا جماعة علمانية في البناء السياسي والاجتماعي للحياة المصرية ص 313 ع أ، 314 من المرجع المذكور ويضيف الكاتب الامريكي " أن معيار ذلك الزعيم في الضابط الكفء، هو استنتاجا على على الأقل تعرفه إلى الغرب " وينقل الزعيم مدحا لرئيس هيئة أركان الجيش المصري في الحرب العالمية الثانية:

 (كان متقبلا للأفكار الحديثة لكثرة زيارته لفرنسا وإنجلترا وألمانيا) ص 310 من كتاب العالم العربي اليوم. للكاتب الامريكي مورو بيرجر.

 صفحة 58

 

المبحث الثالث أساليب التغيير الاجتماعي " أو التغريب " يتخذ الترتيب لإحداث التغيير الاجتماعي الذي يبعد الأمة الإسلامية عن إسلامها يتخذ خطة " استراتيجية " طويلة المدى حتى لا تحس الأمة الإسلامية بالهدف البعيد بل قد لا تحس بالأسلوب الذي يجري به التغيير وكأن هذا التغيير يتم تلقائيا. وأهم ما في هذه الاستراتيجية من تخطيط أن يتخذوا لهدفهم رسولا منا " من أنفسهم "، " وأن يقطع الشجرة أحد أعضائها " الأمر الذي يجري في التغيير السياسي سواء عن طريق الانقلاب العسكري، أو الاغتيال السياسي بالأساليب التي أشرنا إليها. يلي ذلك أنهم يخاطبون بهؤلاء الأعضاء يخاطبون بهم فكر الأمة وعقيدتها، ومن ثم يجري التغيير أول ما يجري داخل العقول والقلوب ثم ينتقل بعد ذلك إلى مجال الأخلاق والتقاليد والعادات ويبلغ الاهتمام بأحداث التغيير أدنى مظاهره كأكل الطعام باليد اليسرى، وإلقاء التحية بغير تحية الإسلام. ولولا كتابات كتبها مفكروهم لتوجيههم إلى أحسن الوسائل لبلوغ أسوأ الأهداف وأخبثها ما استطعنا أن نعرف شيئا عن " استراتيجية " الغرب أو تكتيكه نحو هذه الأمة المسلمة وقبل ذلك لولا فضل الله ورحمته لانتهت هذه الأمة نتيجة ذلك التخطيط العميق والتنفيذ الدقيق لإبعاد الأمة عن دينها. وإذا كانت أساليب التغيير الاجتماعي تتجه إلى فكر الأمة وعقلها ثم إلى عقيدتها وقلبها فإنها تعتمد على وسائل الاقناع المختلفة.

وتخطط لها تخطيطا علميا يقوم عليه علماء النفس وعلماء الاجتماع فوق أجهزة التخابر والاحصاء المختلفة.

 صفحة 59

 

ويسير التخطيط على جعل وسائل الاقناع المختلفة في أيدي غير المستمسكين بالدين فإذا أفلت متدين إلى هذه الوسائل أحاطته بوسائل الاغراء والاحتواء المختلفة حتى تتحرف به عن السبيل القويم. وتحت شعارات:

 العلمانية، والقومية، وتحرير المرأة تجري وسائل الاقناع المختلفة لتحقيق أبعاد الأمة عن دينها ونحاول بمشيئة الله بحث هذه الثلاثة لنبين كيف يجري بها إبعاد الأمة عن دينها.

أولا: العلمانية معنى العلمانية:

 قد تشعر الكلمة في اشتقاقها أنها تعني رفع شعار العلم ومن ثم فلا تعارض بينها وبين الإسلام بل إنها إحدى وسائل الإسلام وبعض أهدافه! وهو ما نحسب أنهم قصدوا إليه حين ترجموا معنى الكلمة في لغتها الأصلية ليقع المسلمون في هذا الوهم!! إن العلمانية ترجمة للكلمة الانجليزية Secularity وهذا اشتقاق من Secular وهي مرادفة للكلمة الانجليزية Unreligous أي لا ديني أو غير عقيدي ومن ثم كانت العلمانية تعني اللادينية!! ومن هنا نفهم إعلان البعض عن قيام دولة علمانية أو عن رغبة البعض الآخر في ذلك! ونفهم سر إختيار الكلمة إنها تعبر عن المقصود دون صدم للمشاعر والأحاسيس! ولنا أن نتصور الفارق بين الاعلان عن دولة علمانية أو الاعلان عن دولة لا دينية! من هنا تحس خبث ترجمة الكلمة إلى لفظ العلمانية، ونحس خبث الذين يستعملون هذا اللفظ دون اللفظ الكاشف عن المعنى المقصود ونحس مع هذا كله بواجبنا لتعرية هذا اللفظ الخبيث على حقيقته!

 صفحة 60

 

العلمانية بين الغرب والشرق:

 لم يكن غريبا في الغرب أن تجد العلمانية مكانها فقد فرضت ذلك ظروف الغرب نتيجة تسلط الكنيسة وتحالفها مع الظالمين على شعوب الغرب المختلفة ووقوفها في وجه كل تفتح فكري أو كشف علمي وتجاوزها ذلك الحجر على العقول إلى حجر على القلوب حين فرضت صكوك الغفران وقرارات الحرمان وراحت تتاجر بها وتتخذها وسيلة للكسب الحرام!! وغرقت أوروبا في دماء ضحايا الكنيسة حيث سقط المئات بل الآلاف تحت مقاصل محاكم التفتيش ومشانقها غير من غيبوا في غياهب السجون إذا كانت سنة الله في الكون أن لكل فعل رد فعل مساويا له في القوة ومضادا له في الاتجاه فلقد وقع الصراع صراع العلم مع الكنيسة وانتهى بإعلان العلمانية التي تعني فصل الدين عن الدولة، وتقلص سلطان الكنيسة داخل جدرانها!!. وفضلا عن أن ظروف أوروبا التاريخية كانت تبرر انتشار العلمانية وفصل الدين عن الدولة فلقد كانت ظروف الديانة المسيحية بعد ما أدخل عليها من تحريف كان اليهود وراء أكثره ـ كانت ظروف الديانة المسيحية تسمح كذلك بوجود علمانية إلى جانب الدين. وليس غريبا بعد ذلك أن يكون اليهود وراء فصل الدين عن الدولة كما صرح بذلك كاتب أمريكي (1) بغية القضاء على بقايا الدين الذي حرفوه بتعطيله وحبسه عن المجتمع داخل جدران الكنيسة. وليس غريبا بعد ذلك أن نسمع عن أن الدين الذي حبس داخل جدران الكنيسة قد جرى فيه التطوير حتى صارت الصلاة تؤدى على أنغام الموسيقى ثم تعقبها حفلات الرقص بين الجنسين تحت الأضواء الخافتة الحالمة وبين الألحان الدافئة والساخنة تحت سمع وبصر رجال الدين بل وتحت " رعايتهم وتوجيههم " السديد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وليام غاي كار في كتابه: أحجار على رقعة الشطرنج.

 صفحة 61

 

وكانت أوروبا قد بلغت في التقدم العلمي " التكنولوجي " درجة جعلتها ولو إلى حين ـ تستطيع أن تقيم نهضة مادية بهرت الناس في أكثر الأحيان. وحين أريد نقل العلمانية إلى الشرق الإسلامي غفل المسخرون عن علم أو عن جهل ـ غفلوا عن هذه الظروف جميعا غفلوا عن أنه ليس في ظروف الشرق الإسلامي التاريخي ما يبرر فصل الدين عن الدولة، فلم يكن ثمة اضطهاد من رجال الدين الإسلامي ـ إذا صح التعبير للمقابلة مع رجال الكنيسة ـ لم يقع اضطهاد من علماء المسلمين للعلم أو للعلماء ولم يكن في تاريخنا الإسلامي محاكم تفتيش. وصكوك غفران وقرارات حرمان. والذين انحرفوا من العلماء عن جادة السبيل إلى ممالاة الحكام لفظتهم الأمة وجعلتهم وراء ظهورها والذين كانوا لسان صدق حملتهم في حنايا صدورها وقدمتهم في أول صفوفها كذلك لم تكن الديانة الإسلامية لتسمح بالفصل بين الدين والدولة لأن الدولة في فقه الإسلام قسم للدين لا قسيم فلا دين بغير دولة ولا دولة بغير دين كذلك لم تكن الديانة الإسلامية لتسمح بقيام العلمانية إلى جوار الإسلام بمقولة أن الإسلام يبقى داخل دائرة العقيدة والشعيرة وتعمل العلمانية في دائرة الشريعة لأن الإسلام عقيدة وشعيرة وشريعة وهو في هذا لا يقبل التجزئة ولا التفرقة ولا يرضى أن يكون مع الله أرباب آخرون أو قياصرة آخرون يدين لهم الناس في مجال الشريعة كما يدينون لله في مجال العقيدة والشريعة كذلك مع التسليم جدلا بصحة نظرة الغرب التي اعتنقها الحاقدون أو الجاهلون في الشرق الإسلامي فلم يكن الشرق الإسلامي قد وقف على قدميه وبلغ التطور العلمي والتكنولوجي الذي بلغه الغرب ليطرح الدين جانبا ويرفع شعار العلمانية. من ثم حرم الشرق الدين كما حرم الدنيا وارتضى

 صفحة 62

 

بقشور تورثه الترف والدعة وتبعده كثيرا عن الجد والجهاد والعمل وسائل نشر العلمانية:

 خرص الغرب منذ وطئت أقداممهم التراب الإسلامي على نشر العلمانية بأكثر من سبيل، وحين ورثت النخبات الأجنبية " النخبات الوطنية " مكان السلطة وبوأتها كراسيها خرصت على زيادة نشر العلمانية بكل الوسائل وضعت خبراتها " العلمية " والتكنولوجية لتحقيق هذه الغاية. ومن ثم فلم يكن غريبا أن نسمع عن بلاد إسلامية متخلفة من الدرجة الثالثة أو الرابعة تدخل فيها " التليفزيون " قبل أن تمحو من أبنائها الأمية التي تربو على الثمانين أو التسعين في المائة بل أننا نسمع عن إدخال التليفزيون الملون في بلاد متخلفة جدا وأحيانا فقيرة جدا. أما مجالات نشر العلمانية ووسائلها فقد كانت:

أولا :في التعليم

ثانيا: في الإعلام، صحافة وإذاعة، وتليفزيون، وسينما، ومؤلفات

ثالثا: في القانون

ويحسن أن نعرض لكل كلمة:

 أولا ـ التعليم:

 إن التعليم الوطني عندما قدم الانجليز إلى مصر كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة القديمة!! تقف حاجزا في طريق أي إصلاح تعليمي، وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه الجامعة يحملون معهم قدرا عظيما من غرور التعصب الديني!! ولا يصيبون إلا قدرا ضئيلا من مرونة التفكير والتقدير، فلو أمكن تطوير الأزهر عن طريق حركة تنبعث من داخله لكانت هذه خطوة جليلة القدر. ولكن إذا بدا أن مثل هذه الأمل غير متيسر تحقيقه فحينئذ يصبح الأمل محصورا في إصلاح التعليم اللاديني ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح، وعندئذ فسوف يجد الأزهر نفسه أمام

 صفحة 63

 

أحد أمرين:

 فإما أن يتطور وإما أن يموت ويختفي (1). هذه كلمات اللورد كرومر الذي حكم مصر المسلمة ممثلا للإحتلال الانجليزي يساعده دنلوب وهو أحد خريجي كلية اللاهوت في لندن. تكملها كلمات للمستشرق جب (وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر نفذت هذه الخطة لأبعد من ذلك بإنماء التعليم العلماني تحت إشراف الانجليز في مصر والهند (2) ". وأخيرا تكمل هذا كلمات زعيم المبشرين النصارى " زويمر " يقول على جبل الزيتون في القدس إبان الاحتلال الانجليزي لفلسطين سنة 1354 ه‍(1935م) (لقد قبضنا أيها الأخوان في هذه الحقبة من الدهر من ثلث القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا على جميع برامج التعليم في الممالك الإسلامية وإنكم أعددتم نشئا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها (!) وأخرجتم المسلم من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقا لما أراده له الإستعمار المسيحي لا يهتم بالعظائم ويحب الراحة والكسل ولا يعرف همه في دنياه إلا في الشهوات فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات وإن تبوأ أسمى المراكز ففي سبيل الشهوات يجود بكل شئ). كانت تلك هي النصوص ومفادها أنه لما كانت البلاد الإسلامية في سابق عهدها إسلامية التعليم، فقد كبر على الإستعمار الغزي أن يترك للمسلمين دينهم، بعد أن أبى عليهم أن يترك لهم أرضهم وكان لا بد له أن يحقق لهم " جهالتهم " بالدين ليتحقق فيهم من بعد أن جهل شيئا عاداه. وكان له في ذلك أكثر من سبيل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  تقرير كرومر لسنة 1906 م الفقرة 3 ص 5 والاتجاهات الوطنية للدكتور محمد محمد حسين ج 1 ص 275.

(2) وجهة الإسلام تأليف المستشرق جب وآخرين ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة.

 صفحة 64

 

أما السبيل الأول فهو ما لجأ إليه من حصر التعليم الديني وحصاره ماديا ومعنويا. فإما الحصر والحصار المادي فقد كان يفتح التعليم اللاديني في مواجهته وتشجيعه وهو ما أشار إليه المستشرق جب " بإنماء التعليم العلماني تحت الإشراف الانجليزي في مصر والهند ". وتم مع ذلك تضييق الموارد المادية على التعليم الديني. وإغداقها على التعليم اللاديني. وأما الحصر والحصار المعنوي فهو ما لجأ إليه من تنفير وسخرية بطالب العلم الديني وبأستاذه وبالتفرقة بين أستاذي الدين، والمواد الأخرى. في كل شئ بفرقة مرسومة مقصودة ثم بالتفرقة بين خريج المعاهد والكليات الدينية وبين زملائه في الكليات الأخرى فمناصب المعاهد والكليات الدينية محدودة، متواضعة في المظهر وفي الأجر. ومناصب المعاهد والكليات الأخرى عديدة كثيرة فارهة المظهر، والأجر. وفي اللاشعور يرسب ذلك كله. نفورا من الدين وإقبالا على غير الدين من حيث لا يدري الطالب الصغير أو الكبير ومن حيث لا يشعر.

وأما السبيل الثاني. فكان الابتعاث إلى الخارج إلى الدول غير الإسلامية وحقق ذلك الابتعاث نتائجه الباهرة المقصودة. فهو أولا يزيد طالب التعليم العام جهالة بدينه وقيمه ومثله ويزيده تعلقا بقيم الغرب أو الشرق ومثله وهو من ناحية أخرى يبدأ بتطبيعه بطباع غير إسلامية ثم يصير التطبع مع الزمن طبعا وينسلخ الطالب من حيث لا يشعر حتى من تقاليده في الملبس والمأكل والمشرب وطريقة التعامل ويغدو غربيا أو شرقيا ربما أكثر من الغربي أو من الشرقي. وحول هذا المعنى يقول أحد الكتاب الغربيين " فبينما يترك الحكام الغربيون منطقة الشرق الأدنى تتحول هذه المنطقة فتصبح أكثر غربية ويواجه الزعماء العرب طريقين.

 صفحة 65

 

" فهم يطردون الغرب سياسيا ويسحبون الكتل الشعبية إلى الغرب ثقافيا (1) ". ولقد بدأ هذا السبيل مبكرا ربما ليسارعوا إلى تخريج الأساتذة التي تجري " تفريخ " مبادئهم بعد ذلك في بلادهم بغير حاجة إلى ابتعاث الجدد، وبغير حاجة إلى جهد غير وطني. وهو ما يصرح به نفس الكاتب السابق حين يقول " أما الآن فقد قبلت التأثيرات الغربية في الشرق الأدنى إلى درجة تجعل من الصعب التحقق من أن امرءا ما قد ذهب أو لم يذهب إلى أوروبا أصلا، فقد أصبح العرب " متغربين بدون أن يتكلفوا عبء الذهاب إلى أوروبا ". ومثل ذلك هو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي الذي ابتعث إلى باريس خمس سنوات (1826 ـ 1831) ليعود بعدها يصرح بأن الرقص الغربي (الذي تتلاصق فيه الأجساد وتختلط الأنفاس وتتلاقى النظرات) بأن هذا الرقص لون من العياقة والشلبنة (أي الفتوة) ثم ينادي بالفرعونية (وهي في ميزان الإسلام جاهلية وعصبية منتنة) ينادي بها بديلا عن الإسلام. ومن بعد رافع كان طه حسين وكتاباته في مستقبل الثقافة في مصر وفي مرآة الإسلام ومن قبلها في الشعر الجاهلي لا تحتاج إلى تعليق لكل ذي بصر إسلامي ومع طه حسين قاسم أمين الذي نادى في مصر بتحرير المرأة وإن نسب البعض كتابته إلى الشيخ محمد عبده " والزعيم " سعد زغلول وقد خشى الزعيمان على شعبيتهما فحملا قاسم العبء وحمله أنه كان ظلوما جهولا كل هؤلاء لم تكن ثقافتهم ولا تربيتهم محلية ومن ثم فلم يكن غريبا ما صرحوا به أو أذاعوه. بل كان ذلك جزءا من مخطط رهيب أثيم لهدم قيم الإسلام ومثله. ولا يزال الابتعاث رغم ما خرج من أساتذة يقومون بنفس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العالم العربي اليوم ـ مورو بيرجر.

 صفحة 66

 

الدور. لا يزال له دوره وبخاصة في البلاد التي تسمى " نامية " والتي يخشى أن تتجه بصدق إلى الإسلام لا يزال الابتعاث يولي أهمية كبرى لهذه البلاد باعتبارها بكرا " ويصل الاهتمام إلى حد نزول الابتعاث من مرحلة ما بعد الجامعة إلى مرحلة ما بعد الثانوية العامة حيث سن المراهقة الخطير ينتقل فيه الشاب من المجتمع المغلق إلى المجتمع المفتوح، والمفتوح جدا. فتنقلب موازين عقله بعد موازين قلبه، كما حدث في درس رفاعة راعف الطهطاوي (الصعيدي). كما يصل الاهتمام حد الحرص على إيفاد المبعوث سنة كاملة كل خمس سنوات بعد عودته من بعثته المباركة وتوليه أهم المناصب. وهكذا يستمر الرضاع بين الأم ووليدها دون فطام وهكذا يتولد ضمان استمرار " الولاء " و " الوفاء " أو ما هو أشد من الولاء والوفاء

و أما السبيل الثالث:

 فهو انتشار المدارس الأجنبية في البلاد الإسلامية وقد كان في البداية سبيلا لتنصير المسلمين وعلى هذا نصت بعض المؤتمرات التبشير وعلى هذا نفهم إنشاء الكلية الانجيلية في بيروت. وإنشاء الجامعة الامريكية في مصر (1). لكن استفادة من نصائح زويمر لم يعد مطلوبا إدخال المسلمين إلى المسيحية أنه يكفي إخراجهم من الإسلام. وعلى هذا تعمل المدارس الأجنبية حاليا في البلاد الإسلامية. وأقل ضرر لها هو الازدراء باللغة العربية، وتمجيد اللغة الأجنبية بما يترتب على الأمرين من آثار خطيرة في اللاشعور. وأقل ضرر منها هو الازدراء بالدين بعد أن تعمد إلى تقديم مدرسه متهدما في في مظهره ومخبره، مثيرا للسخرية والاشمئزاز من صغار الطلاب وكبارهم على السواء. بينما يظهر رجل الدين عندهم على نحو مخالف يولد الرهبة والاحترام وقد يولد الحب والود والإلفة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع قرارت مؤتمر القاهرة 1324 ه‍1906 م ومؤتمر لكنؤ بالهند (1329 ه‍ ـ 1911 م) في كتاب الغارة على العالم الإسلامي.

 صفحة 67

 

وإما السبيل الرابع:

 فقد كان تمييع المناهج الإسلامية باسم التطوير وقد رأينا أن كرومر قد دعا إلى تطوير الأزهر. ورأينا خلفاء " كرومر " يقومون بالتطوير بعد خمسين سنة أو يزيد. ومع كرومر أو قبل كرومر نادت بذلك مؤتمرات التبشير. ولم يكن الأمر قاصرا على مناهج المعاهد والكليات الدينية إن الأمر امتد إلى مناهج " الدين في التعليم العام فاقتصرت على القشور واحتوت على التعقيد وصاحبها سوء اختيار معلم الدين الذي كثيرا ما يكون متعمدا ليورث في اللاشعور كراهية الدين والسخرية منه وأما السبيل الخامس والأخير فقد كان نشر الاختلاط بين الجنسين في مراحل التعليم وقد بدأوا بها في الجامعات في أكثر البلاد الإسلامية تحت دعوى التقدم والتمدين، ونشر الروح الجامعية، وكأن التمدين والتقدم ونشر الروح الجامعية لا يتم إلا بإشعال نار الغرائز وتأجيج سعار الشهوة في سن الشباب الملتهب. وقالوا في تبرير الاختلاط الكثير مما هو غير صحيح حتى في علمهم هم فقد قالوا إن الاختلاط يشذب الغريزة ويهذبها وأثبت العلم أن الاختلاط لا يخلو من أحد أمرين:

 إما أن يشيع " البرود الجنسي بين الجنسين " وهذا مرض تشكو منه بعض البلاد وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية. وإما أن يؤجج سعار الجنس ويزيد لهيبه وهو ما تؤكده تجربة القط والفأر اللذين أتيا بهما وهما رضيعان ثم وضعا في قفص صغير واحد، وظلا يأكلان سويا من طبق واحد، حتى إذا جاء موعد ظهور الغريزة، ولكل غريزة موعد انقض القط على الفأر فأكله ولم تشفع له عشرة طالت ولا اختلاط دام وتوسعوا في أمر الاختلاط فجعلوه في المرحلة الابتدائية وهي عند البعض قد تضم بعض سنوات المراهقة وجعلوه في المرحلة الثانوية وهو أخطر ما يكون وتزداد المهزلة حين يجعلون على هؤلاء المراهقين مدرسات لتمتد النيران ما بين التلاميذ والمدرسات فتنهدم قيمة احترام

 صفحة 68

 

المدرس مع ما ينهدم من قيم بالاختلاط أو مع الاختلاط. وتأكيدا لهذا السبيل الآثم تحرص كثير من المؤلفات على التهوين من مقدمات الزنى التي لا بد أن تفضي إليه إلا من عصم ربي وقليل ماهم. ففي أحد كتب مؤسسة فرانكلين الامريكية التي تنشر في أحد البلاد الإسلامية يقول " فبدلا من فصل البنين عن البنات يجب أن تعمل على إشراكهم معا في الأعمال الممتعة ومواقف اللعب وإذا حدث استلطاف بين بعض البنين والبنات فينبغي النظر إليه على أنه نوع من الصداقة وليس غراما أو عشقا وعبثا تحاول المؤسسة الامريكية أن تخلف عن الحرام اسم الحرام. وأن تخلف عليه ثوب " البراءة " الكاذب. وفي مكان آخر ولنفس المؤسسة:

 " إن خروج الفتيات في صحبة الفتيان من الأمور الطبيعية التي يستطيع معظم الآباء تقبلها في الوقت المناسب على أي حال باعتبارها جانبا من جوانب النمو الجسمي للمراهق وفي مكان آخر:

 وفي كل علاقة بين فتى وفتاة يشعر كل منهما في بعض الأحيان بدافع يحفزه على التعبير عن حبه وتقديره للآخر بلمسه أو ضغطه على اليد أو قبلة، والكشف عن هذه المشاعر بهذه الطريقة والإستجابة لها أمر طبيعي. وأخيرا فالشوق إلى القبلة أو بعض الغزل الرقيق أو الانصات قصة فيها تلميحات جنسية ليست هذه أمور شائنة (1) ". وقد سبق خطوة الاختلاط في الدول الإسلامية المتقدمة خطوة تمر بها الآن الدول الإسلامية " غير المتقدمة " هو التوسع في تعليم البنات. وتعليم البنات في حد ذاته قد لا يكون مصدر قلق لكن التوسع في هذا التعليم من غير تخطيط إسلامي بل ولا حتى فطري هو مصدر القلق كله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حصوننا مهددة من الداخل ـ للدكتور محمد محمد حسين. مكتبة المنار الإسلامية ـ الكويت.

 صفحة 69

 

ذلك في إنكار إختلاف فطرة المرأة عن الرجل غباء أو تغاب فلا شك في هذا الاختلاف ومن ثم وجب اختلاف المناهج وفقا لهذا الاختلاف، ووجب اختلاف مجالات العمل كذلك تبعا لهذا الاختلاف. ذلك لو كان الذين يخططون لتعليم البنات يصدرون عن فهم إسلامي أو حتى عن فهم ذاتي مبرأ من التدخل الأجنبي. أما أن يصير الأمر مجرد من مزاحمة للبنت مع الولد بحجة التمدين والتحضر حتى لو صادم ذلك فطرتها وطبيعتها بحيث ترى البنت مهندسة وصانعة وعاملة في الأفران فذلك لا يقره عاقل. كذلك يسبق خطوة الاختلاط خطوة أخرى هو تعرية المرأة " المسلمة " أو كشف الحجاب عنها كذلك تحت دعاوي التحرر والتمدين وما حدث في الكويت الشقيقة منذ سنوات أقرب مثل. لقد كانت الكويت ـ وهي جزء من الجزيرة العربية. تفرض عادتها الإسلامية الحجاب على المرأة. وبغض النظر عن الخلاف الفقهي في صدد كشف وجه المرأة. فإن الأمر لم يقتصر على كشف الوجه بل كشفت المحارم التي لا خلاف على حرمتها. وكان آخر ما قدمته الكويت المسلمة إحراجا لضيف كبير مسلم إن رقصت فتياتها المراهقات بملابس قصيرة تكشف عن أفخاذهن وبأداء متكسر مثير أمام الضيوف الكبار الذين امتدت بهم الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل. وهكذا يسبق التحرر الاختلاط ليزول الحياء قبل الاختلاط فيسقط آخر مانع يحول دون اشتعال النار. وهكذا ينزوي التعليم الديني. مع ذلك الضجيج الهائل من حوله ومع ذلك التخريب الهائل من داخله وهكذا مثلت " الازدواجية " في التعليم تكتيكا مرحليا " مارسه أعداء الإسلام في الشرق الإسلامي المسكين ".

 صفحة 70

 

وترتب على هذا الازدواج بالوضع الذي أشرنا إليه نتائج خطيرة:

1 ـ فهي أولا أدت إلى تمزيق المجتمع الإسلامي بين طائفة العلمانيين الواردين من الخارج أو المتخرجين في الداخل.

 2 ـ وهي ثانيا أدت إلى إبعاد العلمانيين عن الإسلام.

 3 ـ هي ثالثا جعلت الأمر إلى أيدي هؤلاء العلمانيين.

 4 ـ هي رابعا أدت إلى الازدراء من شأن الدين والازدراء بطلابه ومعلميه ثانيا ـ العلمانية في الإعلام:

 العلمانية في التعليم أقدم وأخطر. والعلمانية في الإعلام أعم وأشمل ومن هنا تكمن خطورتها. أن التعليم قد يخاطب الآلاف بمناهجه. لكن الإعلام يخاطب الملايين ببرامجه. وأكثر هذه الملايين ساذجة تؤثر فيها الكلمة. مقروءة. أو مسموعة. أو منظورة. فإن كانت طيبة كانت كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. وإن كانت خبيثة كانت كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. من هنا كان اهتمام الإسلام بالكلمة وأمانتها. فإما أن ترتفع بالمؤمن إلى معية سيد الشهداء. وإما أن تهوي بقائلها في النار سبعين خريفا.

 صفحة 71

ثانياً:

وللأسف فإننا نستطيع باطمئنان أن نقرر:

 أن وسائل الإعلام المختلفة من صحافة، وإذاعة، وتليفزيون وسينما مسخرة اليوم لإشاعة الفاحشة، والاغراء بالجريمة، والسعي بالفساد في الأرض بما يترتب على ذلك من خلخلة للعقيدة، وتحطيم للأخلاق والقيم والمثل وهما (العقيدة والأخلاق) أساس لبناء الإسلام فإذا انهدم الأساس فكيف يقوم البناء؟؟. وتتفاوت درجات الفساد في وسائل الإعلام تبعا لهذه الوسائل فهي في السينما أشد يليها التليفزيون. والاذاعة. والصحافة. كذلك تتفاوت درجات الفساد بين أقطار الإسلام المختلفة. قد يقول قائل ولربما كان الفساد في بلاد لا تجاهر به أشد من بلاد أخرى تجاهر به، ففيها الزنى واللواط وأكل الربا وشرب الخمر وغير ذلك من المنكرات. ونقول ولقد يكون هذا صحيحا لا يمارى فيه عالم ولقد يكون علاجه واجبا ليس عن طريق الحدود وحدها، وإنما عن طريق التربية الصحيحة والعلاج الاجتماعي بوسائله المختلفة. بالقدوة والأخذ على يد المفسدين مهما كان مركزهم حتى لا تصير الحدود قصرا على الضعيف دون الشريف. ومع ذلك فلا يبرر ذلك أن تجهر بلاد بالفاحشة فإن في ذلك إشاعة لها أيما إشاعة، أو تتعالن بلاد بالمعصية فإن في ذلك إغراء بها أيما إغراء وهذا يساعد على سرعة الانتشار، ويهون الجريمة على من يتردد في اقترافها ولذا كانت الحدود ردعا لهذا الشر أن يسري أن يستشري.

 صفحة 72

 

وليعلم الناس ما تفعله الصحافة في بلاد المسلمين نختار أربعة أمثلة من تواريخ مختلفة:

 (أ) مقال نشر بجريدة السياسة الأسبوعية بالقاهرة سنة 1926 م ذكر فيه كاتب المقال أن بعض الفتيات التركيات يشبهن فتيات أوروبا وقد تلقى بعضهن العلم في الكلية الامريكية ـ بالقسطنطينية وذكرت واحدة منهن " إن المرأة التركية اليوم حرة، فلن نسير في الطرقات في ظلام، وأننا نعيش اليوم مثل نسائكم الانجليزيات نلبس أحدث الأزياء الأوروبية والامريكية، ونرقص، وندخن، ونسافر وننتقل بغير أزواجنا " ويعلق كاتب الجريدة ولا يسع كل محب لتركيا إلا أن يغبطها على هذه الخطوات.

 (ب) في سنة 1386 ه‍(1966م) استضافت أسرة تحرير الأهرام فيلسوف الوجودية سارتر وعشقيته التي تعيش معه في الحرام (سيمون دي بوفوار) ويجهر بهذا الفجور والفساد. ويدعي الرجال ويدعي النساء ليروا هذه القدوة القبيحة السيئة وليسمعوا عنها السم الزعاف

(ج‍) ويبلغ الفجور في السبعينات أقصى مداه حين تنشر جريدة الأهرام عن ضبط بيوت للدعارة فيها نساء من بيوتات لم يكن يسمع عنها من قبل سوء. وتنشر عن ضبط تلميذات صغيرات في هذه البيوت. ثم تهون هذه الجريمة تحت عناوين مثيرة. تلميذة في شقة مفروشة، إفتحوا أبواب الاختلاط في كل مراحل التعليم وأطلقوا الحرية للشباب تحت رقابة الأسرة والمدرسة ولا تهمنا البنت التي تنحرف من أجل فستان (1).

 (د) وفي أحد أعداد مجلة النهضة الكويتية سنة 1976 م تحقيق صحفي في سبع صفحات كبيرة مطرزة بصور مثيرة لفتيات شبه عاريات وتحت عناوين بارزة كتب بالخط العريض:

 حصاد المعاكسات في أسواق الكويت ـ مغازلات معاكسات همسات نظرات إشارات أرقام تليفونات سألت إحدى الصحفيات بعض فتيات الكويت اللاتي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جريدة الأهرام 13 \ 3 \ 1976 م

 صفحة 73

 

أدلين بأسمائهن كاملة وقصصن ما يحدث لهن من تحرشات بأسلوب مكشوف حتى أن إحداهن () لم تستحي أن تصرح أن بائع الأحذية في كل مرة يقيس لها حذاء أو يخلعه يتحسس ساقيها كما أن بائع الملابس يمسك خصرها بكلتا يديه وتحكي أخرى (..) أن الملابس تكشف كل شئ (لأنها شفافة) وخاصة عند طلوع الدرج داخل المحل لأن الأضواء توضع على الدرج فتكشف كل شئ في جسمها. هذا بالإضافة إلى زجاجة العطر التي سكبتها على صدرها إلى جانب المكياج الصارخ الذي تزين به وجهها، ولا أدري لماذا تحرص على مداراته بطرف العباءة (الشفافة) بعد كل هذه الزينة التي وضعتها عليه. ولا ندري ماذا يستفيده القارئ المسلم من مثل هذه التحقيقات إلا تزيين الانحلال والتهوين من أمره وتعليم من يتعلم. ونختم القول بالتنويه بما أوصى به المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة المنعقد في عام 1397 ه‍1977 م بمدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منددا بحال الإعلام في البلاد الإسلامية:

 " ويندد المؤتمر بالهوة السحيقة التي تردى فيها إعلامنا ولا يزال يتردى، عن علم من القائمين به أو عليه أو عن جهل منهم، فبدلا من أن يكون الإعلام في البلاد الإسلامية منبر دعوة للخير، ومنار إشعاع للحق صار صوت إفساد وسوط عذاب وسكت القادة فأقروا بسكوتهم أو جاوزوا ذلك فشجعوا وحموا وزلزل الناس في إيمانهم وقيمهم ومثلهم ولم يعد الأمر يحتمل السكوت من الدعاة إلى الحق ".

 ثالثا:

 ـ العلمانية في القانون:

 " حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا " هذا مثل لأهمية الجانب القانوني في الإسلام. وكما تكون طاعة الله في الشعائر لا بد أن تكون كذلك في الشرائع. وكما بكون إشراك بالله في الشعائر، يكون كذلك إشراك بالله في الشرائع. هذه كتلك لأن كلا من عند الله. والرهب لازم كالرغب في إقامة شريعة الله. والرهبة تولدها السلطة.

 صفحة 74

 

والرغبة تولدها القدوة. والاثنان يتحققان إذا كان الحكم للاسلام، وكان حكامه من المسلمين من أجل ذلك كله كان حرص أعداء الإسلام على إبعاده عن مجال السلطة ليحرموا الإسلام الرهبة والرغبة. ومن ثم ليبقى مجرد هيكل أقرب إلى الموت منه إلى الحياة ولقد وضح ذلك مما فعلوه في العالم الإسلامي. ولنأخذ مثلا تركيا:

 حين فكروا في إبعادها عن الإسلام بذلوا جهودهم " لعلمنة " القانون وتدرجوا ففي كل عشر سنوات يتم علمنة جانب من جوانب القانون منذ سنة 1256 ه(1840م) ثم صارت كل حوالي عشرين سنة حتى تمت أكبر علمنة بإعلان إلغاء الخلافة سنة 1343 ه‍ (1924 م). وفي مصر:

 اقترنت " علمنة " القانون بالإحتلال الأجنبي فكانت أول علمنة سنة 1301 ه‍ (1883 م) بعد الاحتلال بسنة واحدة واقترن إلغاء الامتيازات الأجنبية بشرط الأجانب الاستمداد من التشريع الغربي بعيدا عن الشريعة الإسلامية ثم اقترن إلغاء النص على أن دين الدولة هو الإسلام في دستور مصر المؤقت سنة 1958 م ثم في ميثاق العمل الوطني سنة 1962 اقترن بأحداث داخلية يعرف عنها الكثير الكثير وأكثر الدول الإسلامية ـ بكل أسف ـ تمت فيها علمنة القانون. والدول التي لا تزال فيها بقايا تطبيق الشريعة تحيط بها المؤامرات من كل جانب لعلمنة القانون، ويجري التمهيد لهذه العلمنة بما يجري من " علمنة التعليم " وعلمنة الإعلام فيوجد جيل علماني يقدس القانون العلماني ويولد نتيجة الإعلام ـ رأي علماني يتقبل مثل هذه العلمنة. وهكذا عملت العلمانية من خلال التعليم، من خلال الإعلام من خلال القانون ولننظر كيف عملت " القومية في مواجهة الدين

 صفحة 75

 

ثانيا:

 القومية على عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) آخى بين المهاجرين والأنصار على أساس من آصرة الإسلام وليس على أساس أي آصرة أخرى آخى بين بلال بن رباح وخالد بن رويحة الخثمعي، وبين مولاه زيد وعمه الحمزة بن عبد المطلب، وبين خارجة بن زيد وأبي بكر الصديق، وبين عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان. ولما أراد أحد المسلمين أن يثيرها عصبية ونادى يا للأنصار فنادى الآخر ياللمهاجرين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غاضبا:

 أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم! في حديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) أكد ا لمعنى فقال:

 " ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلته جاهلية ". وكان من آخر وصاياه يوم حجة الوداع " كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى "!! وعلى عهد الراشدين (رضوان الله عليهم) ضمت أرض الإسلام أكبر إمبراطوريتين على وجه الأرض الروم والفرس فما فضل عربي على عجمي لعروبته أو جنسه أو لونه إنما كان الفضل بعد التقوى للعمل الصالح والعمل الصالح وحده وعرفت علوم الإسلام في فروعها المختلفة فقهاء وعلماء من الأمصار ليس فيهم من العرب إلا النزر اليسير (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن أبي ليلى: قال لي عيسى بن موسى وكان ديانا شديد العصبية للعرب. من كان فقيه البصرة؟ قلت: الحسن بن الحسن قال ثم من؟ قلت محمد بن سيرين قال: فما هما قلت موليان قال: فمن كان فقيه مكة؟ قلت عطاء بن رباح ومجاهد وسعيد بن جبير وسليمان بن بسلة قال فما هؤلاء؟ قلت موالي ـ قال: فمن كان فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم ومحمد بن المنكدر ونافع بن أبي نجيح قال فما هؤلاء؟ قلت موالي ـ فتغير لونه ثم قال:فمن كان أفقه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأي وابن أبي الزناد ـ قال فما كانا قلت من الموالي  فما زال يسأله عن فقهاء اليمن وخراسان والشام وهو يجيبه بأسماء من الموالي حتى بلغ فقهاء الكوفة فقال والله لولا خوفه لقلت الحكم بن عقبة وعمار بن أبي سليمان ولكن رأيت فيه الشر فقلت: إبراهيم النخعي والشعبي قال فما كانا قلت عربيان.

 

 صفحة 76

 

وفي الحديث عرفت أوروبا فكرة القومية ثم صارت متخلفة عن العصر تشير إلى القرن الثامن عشر أو التاسع عشر وصارت دعواها بذلك دعوى رجعية لكن الأمة العربية ابتليت لها. عرفت:

 ميشيل عفلق زعيما لحزب البعث العربي الاشتراكي. وأنطون سعادة زعيما للقوميين السوريين. وجورج حبش زعيما للقوميين العرب. وقسطنطين زريق أحد الزعماء الآخرين (1)! وهكذا لم تعرف القومية العربية زعيما ممن يحمل أسماء المسلمين إلا واحدا لا يزال عمله في ذمة التاريخ (2). وعرض الكاتبون في القوميات لما تقوم عليه القوميات من أسس ليكشفوا عن عدم صلاحيتها فعرضوا لنظرية العرق التي قامت عليها القومية الألمانية وما يزعمون عن العرق الآري الممتاز ليكشفوا عن أن الألمان ليسوا شعبا خالصا بل خالط غيره. وكذلك الشعب العربي خالط الروم والفرس والأتراك وفي كتاب كفاحي لهتلر جعل الأمة العربية في الدرجة 13! وعلى نفس المنوال عنصر اللغة. فسويسرا تضم 3 لغات. والقارة الهندية تضم 300 لغة. وكذا سائر عناصر القومية من تاريخ وأرض ومصالح مشتركة ليس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) بشير معرب كتاب لعبة الأمم إلى أن: أكثر من تسعين بالمائة من قادة حركة القومية العربية الأقحاح هم من خريجي الجامعة الامريكية في بيروت، ولا تزال هذه الجامعة (وكانت تسمى سابقا الكلية الانكليزية السورية) ناشطة في تقديم مثل هذه الخدمات لدول منطقة الشرق الأوسط ويشير نفس المؤلف لي أسماء زعماء القومية وكلهم من المسيحيين!

(2) أنظر كتاب في الزنزانة للدكتور جريشة بعض هذه الأعمال.

 صفحة 77

 

فيها عنصر خالص تقوم عليه القومية. هذا كله بالبحث العلمي الهادئ. فإذا أضفنا إلى ذلك ما لابس إثارة القوميات من أحداث تاريخية لبان ما قدمنا له من أن القومية أحد العناصر التي استخدمها أعداء الإسلام لإبعاد الأمة عن دينها. إثارة القومية الطورانية في تركيا اقترنت بتمزيق تركيا وإبعادها عن الإسلام وإثارة القومية العربية في البلاد العربية اقترنت بتمزيق دولة الخلافة ومؤامرات لورانس ومكماهون قصدا إلى القضاء على الجسد الإسلامي الذي أسموه يومئذ بالرجل المريض!! حتى الجامعة العربية كانت كما يعرف كل من عاصر أحداث العصر من صناعة وزير خارجية الانجليز! لتكون بديلا عن الجامعة الإسلامية وفي كتابات حديثة لكتاب غربيين أشاروا إلى أن القومية العربية التي رفع رايتها في مصر زعيم كبير كانت بديلا هاما عن الشعار الإسلامي الذي كان يهدد بثورة في المنطقة فكان الانقلاب العسكري إمتصاصا لمشاعر الأمة المتوثبة للاسلام (1)! نتائج الدعوة القومية:

 وهكذا فإن تيار الفكرة القومية كانت مهمته أقصاء الإسلام وتفريغ القضية السياسية والاجتماعية بوجه عام من المحتوى الإسلامي، وإحلال فلسفة أخرى وعقيدة أخرى محل عقيدته، واستبدال رابطة أخرى برابطته لعزل الشعوب الإسلامية بعضها عن بعض عزلا نهائيا بحيث تكون صلة بعضها ببعض كصلتها بأي شعب من الشعوب الأخرى التي تدين بالوثنية أو الماركسية أو غيرها، والتي لم تكن تربطها بها أي رابطة، وبذلك تنقطع الصلات بين الشعوب الإسلامية، وتضعف روابط الثقافة المشتركة ولغة القرآن، والقيم الخلقية، ويقضى على الأخوة الإسلامية. فما دام باب القومية قد فتح على المسلمين فقد كان طبيعيا أن تنتهي إلى ظهور القومية الكردية في العراق والبنغالية في باكستان، بعد أن أوصد الباب الذي يصل المسلمين بعضهم ببعض وهو الإسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لعبة الأمم لمايلز كوبلاند ـ ص 63 ـ 65.

 صفحة 78

 

وقد شجعت الدول الأوروبية الكبرى على ظهور القومية العربية في صورتها العلمانية لتحقيق مطامعها في احتلال الشرق الإسلامي. وخاصة بريطانيا وفرنسا، يثول (لورانس) منفذ سياسة بريطانيا أثناء الحرب العالمية الأولى (وأخذت طول الطريق أفكر في سوريا وفي الحج، وأتساءل: هل تتغلب القومية ذات يوم على النزعة الدينية، وهل يغلب الاعتقاد الوطني الاعتقاد الديني؟ وبمعنى أصح:

 هل تحل المثل العليا السياسية محل الوحي والإلهام، وتستبدل سوريا بمثلها الأعلى الديني مثلها الأعلى الوطني هذا ما كان يجول في خاطري طول الطريق) (1). ومعلوم أن الثورة العربية على الأتراك قامت بتأييد بريطانيا ودعمها الأدبي والمادي، ودعم حليفتها فرنسا، وقد ثبت أن عددا من الزعماء كانوا متصلين بالقنصليات الأجنبية لتلقي هذا الدعم. وينبه (جب) الأوروبيين إلى أن العالم الإسلامي المترامي الأطراف يحيط بأوروبا إحاطة محكمة تعزلها عن العالم، ويشير إلى أن وحدة الحضارة الإسلامية تمحو من الأذهان حيثما حلت كل ما يتصل بالتاريخ القومي لتحل محله الاعتزاز بالتاريخ الإسلامي والتقاليد الإسلامية. وحيث يتحدث عن الحركات القومية التي أيدتها دعايات الحلفاء القومية أثناء الحرب العالمية الأولى ينبه إلى أن هذا النصر التي حققته الاتجاهات القومية في الشرق الإسلامي يجب أن لا يصرف الغرب عن الانتباه إلى تيار المعارضة الإسلامية الخفي، الذي يعارض في تفتيت الوحدة الإسلامية إلى قوميات علمانية، مبينا أن هذه المعارضة الإسلامية هي أشد قوة في البلاد العربية.

 ويقول (جب) في صراحة تامة:

 (وقد كان من أهم مظاهر فرنجة العالم الإسلامي تنمية الاهتمام ببعث الحضارات القديمة التي ازدهرت في البلاد المختلفة التي يشغلها المسلمون الآن. فمثل هذا الاهتمام موجود في تركيا ومصر وأندونيسيا والعراق وفارس، وقد تكون أهميته محصورة الآن في تقوية شعور العداء لأوروبا، ولكن من الممكن أن يلعب في المستقبل دورا مهما في تقوية الوطنية الشعوبية وتدعيم مقوماتها (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لورانس: أعمدة الحكم السبعة.

(2) في كتاب (وجهة الإسلام).

 صفحة 79

 

وهذا يعلل لنا عطف حكومات الاحتلال الغربية على كل مشاريع الحكومات الوطنية ـ في الشرق الإسلامي والعربي منه خاصة التي من شأنها تقوية الشعوبية فيها، وتعميق الخطوط التي تفرق بين هذه الأوطان الجديدة، مثل الاهتمام بتدريس التاريخ القديم السابق على الإسلام لتلاميذ الدارس وأخذهم بتقديسه، والاستعانة على ذلك بالأناشيد، ومثل خلق أعياد محلية غير الأعياد الدينية التي تلتقي فيها قلوب المسلمين بزي خاص ـ ولا سيما غطاء الرأس ـ مما يترتب عليه تمييز كل منها بطابع خاص، بعد أن كانت تشترك في كثير من مظاهره (1). بين العروبة والإسلام وفضل العرب:

 إذا كنا ننكر المبادئ العنصرية والقومية، فإنا نرحب باتحاد العرب وتعاونهم وتمتين أواصر القربى بينهم على أساس الإسلام فالعرب هم مادة الإسلام، بلسانهم نزل القرآن الكريم، ومنهم اصطفى الله عز وجل الرسول الذي بعثه إلى الناس كافة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله. ولهذا فلا يمكن فصل العروبة عن الإسلام، أو فصل الإسلام عن العروبة، وليس عجبا أن يكون تفكير العربي الصادق في عروبته تفكيرا إسلاميا. ومن هنا كان بغض جنس العرب ومعاداتهم كفرا أو سببا للكفر، وهذا معناه أن العرب أفضل الأمم وأن محبتهم سبب قوة الإيمان كما يقول أبو العباس ابن تيمية (رحمه الله) مستدلا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (حب " أبي بكر وعمر " من الإيمان وبغضهما من الكفر، وحب العرب من الإيمان وبغضهم من الكفر) (2). كما جاء في حديث آخر (فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم). وقوله (صلى الله عليه وسلم) لسلمان الفارسي رضي الله عنه:

 (يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك). فقال سلمان يا رسول الله،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الاتجاهات الوطنية للدكتور محمد حسين.

(2) اقتضاء الصراط المستقيم ص (156) (القرب في محبة العرب) للحافظ العراقي.

 صفحة 80

 

كيف أبغضك وبك هداني الله، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) (تبغض العرب فتبغضني). ولكن لا يلزم من الاعتراف بفضل العرب أن يجعلوا عمادا يتكتل حوله ويوالي عليه ويعادي عليه وإنما ذلك من حق الإسلام الذي أعزهم الله به، وأحيا ذكرهم ورفع شأنهم، فهذا لون وهذا لون، ثم هذا الفضل الذي امتازوا به على غيرهم، وما من الله به عليهم من فصاحة اللسان ونزول القرآن الكريم بلغتهم وإرسال الرسول العام بلسانهم ليس مما يقدمهم عند الله في الآخرة ولا يوجب لهم النجاة إذا لم يؤمنوا كما يقول فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز (1).

موقف الإسلام من الدعوة القومية:

 إن مبادئ الإسلام ومبادئ الغرب متباينة كليا في باب القومية، فالذي يعتبره الغرب مصدر القوة هو مصدر الضعف والخذلان عند الأمة الإسلامية، كما يقول شاعر الإسلام محمد إقبال:

 (لا تقس أمم الغرب على أمتك، فإن أمة الرسول الهاشمي (صلى الله عليه وآله وسلم) فريدة في تركيبها أولئك إنما يعتقدون باجتماعهم على الوطن والنسل، ولكن إنما يستحكم اجتماعك أيها المسلم بقوة الدين). لهذا كان من غير المعقول ولا من الممكن، كما يقول الأستاذ المودودي أن توجد في الأمة الإسلامية قوميات على أساس الألوان والأجناس واللغات والأوطان، كما لا يمكن أن توجد داخل دولة دول كثيرة مختلفة، ومن كان مسلما وأراد أن يبقى على إسلامه فلا بد له أن يبطل في نفسه الشعور بأي أساس غير أساس الإسلام، ويقطع العلاقات والروابط القائمة على أساس اللون والتراب وأخوف ما كان يخافه الرسول صلى الله عليه و آله على المسلمين أن تظهر فيهم العصبيات الجاهلية فتفرق كلمتهم فكان يقول لأصحابه دائما:

 (لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض). ولا يمكن بقاء الرابطة الإسلامية مع نشوء الشعور بالقومية العنصرية، ومن المغالطة الزعم بن إحداهما تساير الأخرى ولا تضرها،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نقد القومية العربية ص (20) و (21).

 صفحة 81

 

فعندما بدأ المسلمون في هذا الزمان يتغنون بالعنصرية والوطنية في كل قطر من أقطارهم متأثرين بالأوربيين صار العربي يتغنى بعروبته، والمصري ينتسب إلى الفراعنة، والتركي يتيه إعجابا بتركيته ويحاول أن يصل نسبه بهولاكو وجنكيز، والفارسي يقول لشدة انفعاله بنعرته القومية أنه لم يكن من تأثير (الامبراطورية العربية) إلا أن صار علي والحسن والحسين رضي الله عنهم ـ أبطاله وإلا لكان رستم واسفندار وأنوشروان أحق أن يكونوا أبطاله القوميين في حقيقة الأمر وقد بدأ ينشأ في الهند مسلمون يفخرون بالانتساب إلى القومية الهندية، بل فيهم من يريدون أن ينقطعوا عن ماء زمزم ويتصلوا بماء نهر جنجا، وفيهم من تبعثهم أهواؤهم على اتخاذ (بهيم) و (أرجن) و (رام ها) أبطال الهندوس القدماء أبطالهم القوميين وليس هذا كله من هؤلاء السفهاء الراكبين رؤوسهم إلا لأنهم ما عرفوا ما يملكون من الحضارة وما يملكه الغرب وما تبينوا ما بينهما من الفرق الجذري، لأن عيونهم كليلة عن المبادئ والحقائق فلا ينظرون إلا إلى السطح، ويبهر عقولهم ما يجدونه بارزا عليه من الفقاقيع والألوان الظاهرة ولا يعلمون أن الشئ الذي هو ماء الحياة للقومية هو نفسه، السم الزعاف للرابطة الإسلامية (1). إن بطلان الدعوة إلى القومية العربية أو غيرها من القوميات مما هو معلوم من رين الإسلام بالضرورة، لأنها منكر ظاهر وجاهلية نكراء وكيد سافر للاسلام وأهله، وذلك من وجوه أربعة:

 أولا:

 لأنها تفرق بين المسلمين وتفصل المسلم العجمي عن أخيه العربي بل تفرق بين العرب أنفسهم وتقسمهم أحزابا، فهي بذلك تخالف مقاصد الإسلام الذي يدعو إلى الاجتماع والوئام قال تعالى:

 (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا...)(آل عمران:103).

 ثانيا:

 لأنها من أمر الجاهلية فهي تدعو إلى غير الإسلام، وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب وبلد أو جنس أو مذهب أو طريقة فهو من عزاء الجاهلية، كما يقول الشيخ ابن تيمية " رحمه الله " مستشهدا بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):

 (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم) والنصوص في ذلك كثيرة منها ما رواه مسلم أن النبي صلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المودودي (بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية) ص 68. الله عليه و (آله) وسلم قال: (ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من غضب لعصبية). وقوله: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد). ولا ريب أن دعاة القومية يدعون إلى عصبية ويغضبون لعصبية، ويقاتلون على عصبية، ولا ريب أيضا أن الدعوة إلى القومية تدعو إلى البغي والفخر وإنما فكرة جاهلية تحمل أهلها على الفخر بها والتعصب لها.

 صفحة 82

 

والإسلام بخلاف ذلك فهو يدعو إلى التواضع والتقوى والتحاب في الله وأن يكون المسلمون الصادقون من كل أجناس بني آدم حسدا واحدا وبناءا واحدا يشد بعضه بعضا ويألم بعضه لبعض وفي الحديث الصحيح:

 (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، ويشبك بين أصابعه) و (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). وفي حديث الحرث الأشعري أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

 (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن، السمع والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإنه من فارق الجماعة قيد شهر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يراجع، ومن دعى بدعوى الجاهلية فهو من جثى (1) جهنم، قيل يا رسول الله (وإن صلى وصام) قال: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله). وهذا الحديث الصحيح من أوضح الأدلة وأبينها في إبطال الدعوة إلى القومية واعتبارها دعوة جاهلية يستحق دعاتها أن يكونوا من جثى جهنم.

ثالثا:

 لأنها تؤدي إلى موالاة الكفار العرب وملاحدتهم من أبناء غير المسلمين واتخاذهم بطانة والاستنصار بهم على أعداء القوميين من المسلمين وغيرهم وفي ذلك مخالفة لنص القرآن الكريم والسنة الدالة على وجوب بغض الكافرين ومعاداتهم وتحريم موالاتهم واتخاذهم بطانة كقوله تعالى:

 (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارىأولياء بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم)(المائدة: 51).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) جمع جثوة وهي الشئ المجموع وقوم جثى جلوس (ا ه‍) لسان العرب يقول شاعر القوميين: سلام على كفر يوحد بيننا وأهلا وسهلا بعده بجهنم

 صفحة 83

 

 

الآيات والقوميون يدعون إلى التكتل حول القومية العربية، فيوالون لأجل ذلك كل عربي من يعود ونصارى ومجوس ووثنيين وملاحدة وغيرهم تحت لواء القومية العربية ويقولون أن نظامها لا يفرق بين عربي وعربي وإن تفرقت أديانهم والله عز وجل يقول:

 (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ...)(الممتحنة:1). إلى قوله:

 (...ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل)(الممتحنة:1). ونظام القومية يقول كلهم أولياء مسلمهم وكافرهم والله سبحانه وتعالى يقول:

 (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ...)(الممتحنة:4). وقال تعالى:

 (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) (المجادلة:22). وشرع دعاة القومية يقول أقصوا الدين عن القومية، وافصلوا الذين عن الدولة، وتكتلوا حول أنفسكم وقوميتكم حتى تدركوا مصالحكم وتستردوا أمجادكم، كأن الإسلام وقف في طريقهم وحال بينهم وبين أمجادهم، هذا والله هو الجهل والتلبيس وعكس القضية. وكيف يجوز في عقل عاقل أن يكون أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأضرابهم من صناديد الكفار في عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده إلى يومنا هذا إخوانا وأولياء لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ومن سلك سبيلهم إلى يومنا هذا هذا والله أبطل الباطل وأعظم الجهل. وشرع القومية ونظامها يوجب هذا ويقتضيه.

رابعا:

 لأن الدعوة للقومية تفضي بالمجتمع إلى رفض حكم القرآن

صفحة 84

 

الكريم لأن القوميين غير المسلمين لن يرضوا بتحكيم القرآن. فيوجب هذا لزعماء القومية أن يتخذوا أحكاما وضعية تخالف القرآن حتى يستوي مجتمع القومية في تلك الأحكام (1). وأخيرا فينبغي ألا ننسى أن القومية قد اقترنت في التاريخ الإسلامي الحديث بالعمالة للاستعمار، كما اقترنت بالعداء للاسلام، كما ظهر مما قدمناه من مؤامرة لورانس وأمثاله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن باز: نقد القومية العربية (ص 10 ـ 29).

 صفحة 85

 

ثالثا:

 تحرير المرأة كما كانت العلمانية شعارا خادعا يخفي وراءه الحرب على الدين. وكما كانت القومية شعارا خادعا كذلك يستعمل في مواجهة الدين. فلقد رفع هذا الشعار " تحرير المرأة " بقصد اجتذاب المرأة المسلمة واستخدامها حربا على دينها. وأول من أوصى به أحد مؤتمرات التبشير وكان الهدف يومئذ تنصير المرأة المسلمة ثم تبعهم المستشرقون. وتبعهم من تلقوا العلم والمعرفة على أيديهم وهم في شرقنا الإسلامي كثير ماذا يقصدون بالتحرير التحرير لا يكون إلا من عبودية؟ فهل كانت المرأة المسلمة كذلك؟ إن المسلم لا يعطي العبودية لمخلوق بل يعطيها للخالق وللخالق وحده، ومن ثم فإنه أكثر الناس تحررا من عبودية المخاليق سواء كانت آدمية، أو كانت مالا، أو جاها، أو سلطانا أو غير ذلك من متاع الحياة الدنيا والمرأة المسلمة لها ما للرجل " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة " (البقرة: 228). هذه الدرجة ليست درجة العبودية أبدا ولن

صفحة 86

 

تكون، لكنه أمر اقتضاه التنظيم، أن يكون للسفينة ربان واحد لا ربانان، وإلا لغرقت السفينة بمن فيها ولقد سبقت المرأة غيرها من النساء وكانت لها الشخصية القانونية المستقلة. تتعامل باسمها دون حاجة إلى اعتماد تصرفها من أحد، بينما ظلت المرأة الفرنسية لا تتعامل باسمها وحده بل لا بد من إجازة الزوج لتصرفها وذلك إلى عهد قريب فماذا يعني التحرر أو التحرير بعد ما أعطاها الإسلام ما لم يعطها نظام آخر. قالوا: أنه يعني تحريرها من بيتها. وتحريرها من زيها.

قلنا: وبماذا يخدمهم تحريرها من بيتها، وتحريرها من زيها وبعبارة أخرى كيف يمكن من خلال هذا وذاك إبعاد الأمة عن الإسلام. المرأة بلا شك نصف المجتمع. وهي نصف خطير. لأنه يؤدي رسالة خطيرة وإن غفل عنها الكثيرون. إن الذين يتخرجون من المدارس والجامعات يمكن تعدادهم ويمكن إن يوجد غيرهم لم يتخرجوا من هذه أو تلك أما الجامعة التي لا بد أن يتخرج منها كل مسلم بل كل انسان فهي الأم. فإن صلحت صلح خريجوها. وإن فسد فسدت خريجوها. وتحرير المرأة من بيتها يعني إغلاق هذه الجامعة وإذا كانت هذه هي الجامعة الأولى التي خرجت من قبل تلك الأجيال العظيمة التي حملت إلينا الإسلام، بل حملته للدنيا كلها. فإن إغلاق هذه الجامعة يعني انعدام الخريجين من ذلك الطراز ويعني غلبة الخريجين من طراز آخر

 صفحة 87

 

ولقد رأينا في عصرنا بداية الثمار. رأينا ممن تسلطوا على فكر هذه الأمة بل وعلى سلطانها من كانت أمه راقصة في ناد ليلي. وأخرى تعمل في الغناء. وليس بين الاثنين كبير إختلاف أما ماذا يعني تحريرها من زيها. فإنه يعني كشف ما أمر الله أن يستر، وهتك ما أمر الله أن يصان. يعني عرضا رخيصا لسلعة غالية صانها ربها وصانها الإسلام. يعني إثارة اللحم والدم وهو أمر لا يستطيع أن ينكره إلا غبي أو متغاب. فإذا أضفنا إلى تحرير المرأة من بيتها تحريرها من زيها كانت النتيجة نتيجة الاثنين غير نتيجة الواحدة. إن التحرر من البيت وحده قد يكون له النتيجة السلبية الخطيرة السابقة وهي حرمان الأمة من جامعة تخرج أجيالا وأن تحرر المرأة من زيها وحده قد تكون له النتيجة الإيجابية الخطيرة السابقة وهي الإغرار بالفاحشة والدعوة إليها. لكن التحريرين قد يعنيان فوق النتيجتين السابقتين مجتمعتين. نتائج أخرى أخطر وأشد إن أولها بلا شك انحلال المجتمع وسقوطه بسقوط قيمه وأخلاقه ومثله إن فرنسا ـ غير الإسلامية وصاحبة الامبراطورية الكبيرة سقطت تحت أقدام ألمانيا ـ على مدى أسبوع واحد وهي. كما صرح رئيس وزرائها، أن فرنسا هزمها الانحلال قبل أن يهزمها الاحتلال. فما بالنا بأمة إسلامية أساس نظامها عقيدة وأخلاق وما بالنا بأمة إسلامية لم تصل بعد من ناحية القوة المادية إلى ما وصلت إليه فرنسا وأمريكا

 صفحة 88

 

إن إشاعة الانحلال ـ في الأمة الإسلامية ـ عن طريق تحرير المرأة من بيتها وزيها يعني أن الأمة الإسلامية وهي بعد لم تقف على قدميها تماما كما الطفل بمرض خطير لا يستطيع أن يقاومه الرجل الكبير إنها جريمة كبرى خيانة عظمى يقارفها كل من يدعو إلى هذا السبيل بالكلمة أو الصورة أو القدوة السيئة. وفي عام 1395 ه‍ (1975 م) طالب " جوزيف ريد " المدير العام لهيئة رعاية الأطفال في السوق السوداء حيث يباع سنويا خمسة آلاف طفل وكلهم ـ بكل أسف ـ جاءوا من سفاح ويجري الاتفاق مع الفتيات اللائي حملن بهمن من غير زواج مقابل مبلغ من المال إلى جانب التكاليف الصحية والسكنية (1) أي جيل يكون ذلك الذي لا يعرف له أبا ولا يعرف له أما كذلك؟ أي ارتداد إلى عصر الرق ذلك الذي يباع فيه الأطفال ويشترون؟ ترى هل يخرج لنا تحرر المرأة في شرقنا الإسلامي ما أخرجه في ذلك الغرب الصليبي؟ وهل نقم منا الغرب أن كانت لنا روابط أسرية متينة يقوم عليها بإذن الله مجتمع متين؟ أم نقم منا الغرب أن لنا دينا هو سر ابتعاثنا بين الحين والحين. فخشي هذه الابتعاثة ورغب لنا في رقدة لا نهوض بعدها ولا قيام؟ أما المرأة الريفية:

 فلم يشأ المخططون لتغريب المسلمين أن يتركوها في حالها وحيائها أصروا على أن يغزوها في عقر دارها ليذهبوا بما بقي من حيائها لتشارك أختها في المدينة ما وصلت إليه من مدنية تحت ستار الأمم المتحدة انطلقت أمريكا تغزو الريف المسلم (باسم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجلة المجتمع ـ العدد 249 ـ 2 جمادى الأولى 1395 ـ 13 مايو سنة 1975 م نقلا عن وكالة اليونيتدبرس ـ واشنطن.

 صفحة 89

 

التربية الأساسية). أما ما التربية الأساسية فهي كما عرفها أحد سدنتها حامد عمار في بحث ألقاه في مؤتمر أمريكي منهج من مناهج الاصلاح الاجتماعي لرفع مستوى المعيشة يؤكد قيمة العملية التربوية (وتغيير الأفكار والنزعات). وفي مكان آخر تسعى التربية الأساسية إلى محاولة تغيير الأفكار والنزعات والاتجاهات (1). وفي سرس الليان مصر ـ مركز للأمم المتحدة.

أما قضايا المرأة:

 التي يتعمدون إثارتها بين الحين والحين ليظهروا بمظهر المدافعين عن المرأة المحبين لمصلحتها فزوبعة في فنجان فنسبة الطلاق في البلاد الإسلامية ضئيلة. ونسبة التعدد أشد ضآلة. بما لا يصح أن يرتفع الصوت معها كأنها مشكلة أو قضية (3) ولئن كانت هناك قضية أو مشكلة فهم سببها. حين تسببوا بوسائل إعلامهم في تصديع البيوت وفي إثارة المشاكل وحين تسببوا بدعاوى المساواة العريضة في أن لا يكون للبيت قوامة وأن يكون فيه رئيسان الرجل والمرأة ورئيسان في مركب واحد يغرقانه (كما هو المثل).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  حصوننا مهددة من الداخل ـ للدكتور محمد محمد حسين ـ الناشر مكتبة المنار الإسلامية ـ الكويت ص 48 وما بعدها.

(2)  المرجع السابق.

(3) في حديث الحبيب بورقيبة بأهرام 20 \12 \1975 م صرح الرئيس بأنه أصدر في سنة 1956 م قانونا بمنع تعدد الزوجات يعتبر التعدد جنحة يعاقب مرتكبها بالسجن لمدة سنة واحدة وغرامة مالية (240) دينارا وفي مقال شيخ الأزهر ذكر أن أحد التونسيين ضبط متلبسا بجريمة الزواج بثانية، ولم يخل سبيله إلا بعد أن قرر أن هذه الثانية خليلة وليست زوجة وهكذا يطيب لبعض الحكام أن يحرموا ما أحل الله وأن يحلوا ما حرم الله ألا ساء ما يزرون

 صفحة 90

 

ثم حين ساندوا وساعدوا انحلال الأخلاق وانفلتت من قيود الدين فلم يعد الرجل يخشى الله في المرأة ولم تعد المرأة تخشى الله في الرجل فدب الخلاف والشقاق والحل ليس تحررا من الدين أو مزيدا من التحرر وإنما عودة إلى الدين والتزام بضوابطه وأخلاقه تصير المشكلة محلولة " وفي أنفسكم أفلا تبصرون " (الذاريات:21). (...إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم...)(الرعد:11).

هذه شعارات الغرب ووسائله لإحداث التغير الاجتماعي فينا علمانية: في التعليم. في الإعلام. في القانون.

قوميات: تمزق الأمة الواحدة وتمزق الدولة الواحدة.

تحرير المرأة: ليسقط المجتمع في حمأة الرذيلة. ويقضي بنفسه على نفسه.

 صفحة 91

 

ولو نجحت هذه الدعوات فماذا يبقى لنا من الإسلام؟ وإذا نجحت فماذا يبقى في مجتمع لم يقف بعد على قدميه؟ لقد استجاب لها الطامعون في السلطة. واستجاب لها الراغبون في السقوط لأنهم لا يقدرون على الارتفاع. واستجاب لها السذج الجاهلون الذين حسبوها علاجا لهذا الشرق الإسلامي من تخلفه وعدم نهوضه. وبقي أن ينهض العالمون والصادقون ليفضحوا المخطط الأثيم للقضاء على الإسلام والمسلمين بقي أن ينهض العالمون الصادقون ليقوموا بما قام به من قبل نبيهم ورسولهم محمد عليه و (آله) الصلاة والسلام فهم خلفاؤه على ميراثه وهم الأمناء على رسالته وهم أمل الأمة الباقي بعد أن تردى غيرهم وسقط في الشراك ولنكمل الصورة أو نقترب بها من الكمال نقدم لامتنا بعضا مما فعل ويفعل الصليبيون؟

 صفحة 92

 

المبحث الرابع ما يفعل بنا الصليبيون لسنا نثير أحقادا فنحن على استعداد أن نعاملهم بما أمرنا به القرآن إن كفوا عن قتالنا وقتلنا، وإخراجنا من ديارنا (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم) (الممتحنة 8 ـ 9). فإن لم يكفوا عن قتالنا وقتلنا، وعن إخراجنا وتشريدنا (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (الشعراء:227). ولن نأتي من القديم لنذكر قومنا:

 بما فعلوه يوم دخلوا بيت المقدس فذبحوا فيه سبعين ألفا من المسلمين حتى غاصت الخيل إلى صدورها في دماء المسلمين (3). ولا بما فعلوه في الجزائر حين قتلوا مليون شهيد ولا بما يثيرون من أحقاد حين يحفظون جندهم " أنا ذاهب إلى طرابلس فرحا مسرورا لأبذل دمي لسحق الأمة الملعونة، لأحارب الدولة الإسلامية التي تجيز البنات الأبكار للسلطان!! سأقاتل بكل قوتي لأمحو القرآن (4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حاضر العالم الإسلامي ـ الكاتب الامريكي ستودارد ص 208 وحضارة العرب للكاتب الفرنسي غوستاف لوبون ص326 ـ 330

(2) نشرت هذا النشيد مجلة الرابطة الشرقية السنة الثالثة العدد الثاني 25 جمادى سنة 1349 وقد تقدم في مبحث التبشير ص 33

 صفحة 93

 

ولا بما يخططون له حين يقول قادة فكرهم " إن جزيرة العرب التي هي مهد الإسلام لم تزل نذير خطر للمسيحية " وحين يكمل آخر:

 " متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينئذ أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة لم يبعده عنها إلا ـ محمد ـ وكتابه. وحين يضع لهم أحد فلاسفتهم الحل النهائي فيقترح أن يباد ثلثا المسلمين وينفى الثلث الثالث، وتهدم الكعبة وينقل قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى متحف اللوفر (1). سنترك هذا وغيره جانبا. لنذكر قومنا بما يجري الآن حيث يدعون أنهم تخلوا عن عصبيتهم أو صليبيتهم.

 1 ـ في الفلبين:

 يتعرض المسلمون في الفلبين لحرب إبادة لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلا فهم يجلون من قبل الصليبين عن أراضيهم التي خصها الله بالخصب والنماء، فإن رفضوا تعرضوا للإبادة من قوات الجيش الفلبيني التي لا تكتفي بمجرد الحرب الشريفة بل تستعمل كل وسائل الإبادة الممنوعة مثل الغازات والنابالم، ثم هي بعد ذلك تمثل بالجثث وتنتقم من الجرحى والأطفال والنساء. وفي بيان للأخ عبد الباقي أبو بكر الأمين العام للعلاقات الخارجية لجبهة تحرير مورو مؤرخ 29 مارس سنة 1976 م ينقل عن عمدة بانكوك محمد صالح عثمان قائد المجاهدين الذي لا يزال يقاوم الحصار منذ 16 شهرا والآن ـ يعزز الجيش الحصار ب‍ 8 كتائب جديدة غير قوات الطيران التي تقصف المنطقة ليلا ونهارا والبواخر التي توجه ضرباتها المركزة من المدافع الفتاكة بدون انقطاع وفي مرارة يختم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفيلسوف الفرنسي كيمون.

 صفحة 94

 

كلامه:

 يبدو لي أن المسلمين في العالم لم يعرفوا حقيقة الوضع الذي نعيشه أو أنهم يتجاهلونها، ثم يقول أمين عام الجبهة وكنتيجة لهذه المعارك التي لا تزال دائرة للآن قتل ما لا يقل عن 50000 مسلم ثم يقول:

 " وماركوس يعلم أنه لا يستطيع أن ينال من المسلمين ولكنه يريد أن يسرق المسلمين ويسرق أنظار العالم (1) ".

 2 ـ في أثيوبيا:

 كان أسد الحبشة يضطهد المسلمين اضطهادا شديدا، فرغم أنهم في حقيقة الأمر يمثلون أغلبية البلاد، فإن أحدا منهم لا يشترك في الوزارة ولا في الحكم، بل ولا يسمح له بارتقاء منصب قيادي من أي لون، ولقد صارت سجون أثيوبيا مقابر للمسلمين الذين يجأرون مما هم فيه، ولأسد الحبشة هواية في تعذيب المسلمين أنه يأمر بربط أيديهم إلى أرجلهم ويبقون على هذا الحال سنين حتى تتقوس ظهورهم وتأخذ شكل المنحنى، فإذا أفرج عنهم لم يستطيعوا المشي إلا على أربع وكنا ننتظر بعد ما أسقط الامبراطور بانقلاب عسكري أن النظام سوف يتغير لكن الحقيقة أن القبضة العسكرية الحاكمة اشتدت على المسلمين حتى أن تقريرا عرض على المجلس العسكري وتم إقراره يصرح:

 لقد حان الوقت أن نعرف جيدا من هم أعداءنا، لقد اختار العرب وعملاؤهم أن يكونوا أعداءنا وعلينا أن نعاملهم على هذا الأساس (2). أن المجازر التي يتعرض لها الثوار المسلمون في أريتيريا أمر يحرك كل ذي ضمير أو مروءة " لكن أين المروءة " لقد خفت حتى اختفت.

 3 ـ المسلمون في تايلاند:

 نشرت مجلة الاعتصام القاهرية أنه:

(أ) في 16 نوفمبر 1976 قامت السلطات التايلاندية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  مجلة المجتمع العدد 296 ـ السنة السابعة 20 ربيع آخر 1396 ـ 10 إبريل سنة 1976

(2) مجلة المجتمع العدد 297 ـ السنة السابعة 1396 ـ 16 إبريل سنة 1976

 صفحة 95

 

بهدم المسجد الكبير في ولاية (بنارا) في إطار مخطط يستهدف إزالة الآثار الإسلامية، ومنع المسلمين من إقامة شعائرهم الدينية وتشجيع ممارسة البوذيين لطقوسهم أمام المساجد وبناء الأصنام في كل المدن بالولايات الإسلامية الأربع في فطاني

 (ب) قام خمسة أشخاص من المنشأة البحرية التايلاندية بذبح خمسة من القرويين المسلمين الأحياء، ومثلوا بجثثهم ثم قذفوا بها في البحر في محافظة تلوية في ولاية فطامي. انطلقت مظاهرة احتجاج تعرضت لها القوات التايلاندية سقط فيها عشرون شهيدا وجرح فيها المئات

 (ج‍) قامت العصابات التايلاندية في الفترة الأخيرة بحرق إحدى قرى المسلمين في محافظة (جاها بولاية جالا) وتسعى العصابات البوذية إلى تشجيع هجرة البوذيين من شمال البلاد إلى الجنوب الإسلامي وإقامة مستعمرات فيها. وبعد فهل نجح الغرب في حربه الفكرية لنا؟

أولا:

 بالنسبة للأسلوب حين نجح انقلاب " كمال أتاتورك " العسكري واستطاع أن يحقق للغرب ما كان يبغيه سلم الحلفاء في اتفاقية لوزان باستقلال تركيا. ذلك أنه بإلغاء الخلافة الإسلامية في تركيا سنة 1924 تحقق أمل بعيد للصليبية ومن وراءها حاربت من أجله دهرا طويلا. وحاول كمال أتاتورك بعد ذلك سلخ تركيا من إسلامها بما فرضه من علمانية التعليم وعلمانية القانون، وتحرير المرأة المسلمة التركية واختلاط بينها وبين الرجال في كل المجالات، ثم بما فرضه من إلغاء الحروف العربية واستبدالها باللاتينية ومن محاولته تغيير الزي بالقوة.

 صفحة 96

 

وعد ذلك كله نجاحا شجع الغرب بعد ذلك على مزيد من الانقلابات العسكرية في المنطقة الإسلامية بهدف إبقاء السيطرة أو القوة التابعة له لتنفذ البرنامج أو المخطط الموضوع لإبعاد المسلمين عن دينهم وتحقق التغيير الاجتماعي أو ما يطلق عليه التغريب. لكن المراقبين لمجريات الحوادث أحسوا بقصور التجربة الكمالية في تركيزها على جانب القوة فنصحوا إلى جوارها بمحاولة تثبيت النتائج التي تصل إليها الانقلابات العسكرية وتعميقها في الشعوب (1) وحسبنا ذلك انتقادا لانقلاب أتاتورك فإذا أضفنا إليه أن ما بلغه كمال أتاتورك لم يغير شيئا من الشعب التركي بل أنه على العكس من ذلك زاده استمساكا وتصميما وإنه لولا ظروف تركيا الدولية وإحاطة الأعداء بها من كل جانب لكان للشعب من أتاتورك وغيره من الأتاتوركيين شأن آخر. وهناك أمر لا يزال غائبا عن أولئك الذين يجرون التغيير أنهم يحاولون تبديل بناء ببناء يحاولون هدم البناء القديم وإقامة بناء جديد. إن الانقلابات العسكرية تلجأ في وسيلتها للتغيير إلى العنف والقوة والقانون الطبيعي أن كل فعل له رد فعل مساو له في القوة ومضاد، له في الاتجاه والقانون الطبيعي كذلك أن زيادة الضغط تولد الانفجار. ولعلهم يتغلبون على ذلك بالتغيير من حين لآخر إمتصاصا للبخار الحبيس أن يؤدي إلى الانفجار لكن التوقيت قد يخطئهم فيحدث الانفجار قبل التوقيت الذي ضربوه، وعلى نحو لا يستطيعون السيطرة عليه ولا على نتائجه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يشير إلى هذا المعنى مورو بيرجر ص 325 حين يقول: وقد يتطلب تعميق هذا المعنى وتحويله إلى رغبات وأذواق ومشارب تلقائية حرة عملية تثبيت طويلة تعنيفا بوسائل أقل تعنيفا وتحكما وذلك بعد إشارة إلى التغيير الاجتماعي بالطريق العسكري ـ كتاب العالم العربي اليوم ـ المرجع السابق. ونهدي إلى الغرب قول عصمت اينونو وهو في مرض موته إنني لا أكاد أصدق ما أرى لقد بذلنا كل ما نستطيع لانتزاع الإسلام من نفوس الأتراك وغرس مبادئ الحضارة الغربية مكانه فإذا بنا نفاجأ بما لم نكن نتوقعه لقد غرسنا العلمانية فأثمرت الإسلام (المجتمع العدد 256 21 جمادي الثانية 1395 ه‍ يوليو 1975 م).

 صفحة 97

 

وأخيرا لقد انكشف هذا الأسلوب وتعرى وأساء العسكريون إلى أنفسهم وإلى الذين يعملون لحسابهم وأساءوا أكثر مما أحسنوا. وإذا كان الغرب بحصافته قد أدرك فشل الأسلوب القديم. أسلوب احتلال الشعوب بالقوة العسكرية، فعليه ـ بحصافته ـ أن يدرك قبل فوات الأوان فشل الأسلوب الجديد أسلوب تغيير الشعوب بالقوة العسكرية عن طريق الانقلابات العسكرية. هذا عن الأسلوب الجديد فماذا عن الهدف الجديد؟

ثانيا:

 بالنسبة للهدف كان الغرب " ذكيا " حين أدرك في وقت مناسب أو متأخر أن التنصير كهدف لحملته الفكرية المؤيدة بالقوة العسكرية خارجية أو داخلية أن ذلك الهدف فشل وأنه برغم الجهود الضخمة البشرية والمالية والإعلامية والتعليمية فإن النسبة التي تم تنصيرها من المسلمين نسبة تافهة يمكن أن تلحق بالعدم لتكون النتيجة سلبية تماما! لذا كان البديل عن التنصير وإخراج المسلمين عن دينهم هو التغيير والاكتفاء بإبعاد المسلمين عن دينهم. وهو ما تبذل له الجهود اليوم من تعليم علماني، وإعلام علماني، وقانون علماني، وتحرير المرأة من زيها ومن بيتها ثم ما يبذل من حط لقيمة ـ الدين وقيمة علمائه ودعاته. فهل يا ترى نجح الهدف الجديد؟ نجاح أمر يتعلق بالأمم والشعوب لا يحكم عليه في سنين ولا في جيل فقد لا تظهر نتيجته إلا بعد أجيال قد تكون النتيجة الواضحة أن التغريب نجح في إبعاد المسلمين عن دينهم بما فيه من قيم إيمانية وقيم أخلاقية، وقيم قانونية وأن المسلمين استبدلوا به من قيم الغرب حتى في عاداتهم وفي لبسهم وفي طريقة أكلهم وشرابهم. في تعاملهم و " أتيكيتهم "! لكن هذه النتيجة مشكوك في صحتها.

 صفحة 98

 

إنه على قدر عمق التغيير " الاجتماعي " الذي حدث استبدالا بقيم الإسلام قيم الغرب وتقاليده فلقد حدث على نفس العمق أكبر استمساك وإصرار على النظام الإسلامي عقيدة وأخلاقا وعبادة وقانونا وماج العالم الإسلامي بحركات كثيرة وعميقة وأحيانا عنيفة تدعو إلى الإسلام كمنهج متكامل للفرد والأسرة والمجتمع والدولة! وبدا أن الجمر يتقد تحت الرماد فهل يتركونه حتى يكون نارا يحرق وفي نفس الوقت نورا يضئ. أم يحاولون أن يأخذوا نوره وأن يتقوا ناره؟ على الذين يمارسون التغيير أن يحذروا فقد تصيبهم النار قبل أن تغشى عيونهم النور وعليهم أن يغيروا من هدفهم فلقد انكشف للناس وخير للغرب أن يبتعد عن فتنة المؤمنين عن دينهم فإن السهم قد يرتد أول ما يرتد إلى صدره، وقد تصيبه النار قبل أن يرى النور خير أن يحتفظ " بصداقة " الشرق الإسلامي، ويحافظ على مصالحه الاقتصادية والتجارية فيه من أن يصر على التغيير فيفقد هذه المصالح ويجني العداء إلى الأبد إن المسلمين لا يعادون الذين لا يقاتلونهم في الذين ولا يخرجونهم من ديارهم بل إنهم على العكس يسالمونهم، ويبروهم، ويقسطون إليهم فذلك أمر دينهم (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (المجادلة:8). لكنهم في نفس الوقت ينقلبون مع الزمن، طال أو قصر، إلى أسود غضاب إزاء من يقاتلهم في دينهم ويفتنهم فيه وإزاء من يخرجهم من ديارهم ويسلبهم أوطانهم ذاك أمر ربهم (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (المجادلة:9).

صفحة 99

 

خير للغرب أن يدرك أنه يمكن لحضارته أن تعيش إذا تركت حضارة الإسلام كذلك لتعيش وأنه يمكن للحضارتين أن يتعايشا (لكم دينكم ولي دين) (الكافرون:6) وأنه خير أن تتعايش الحضارتان من أن تصر حضارتهم على العيش وحدها فتفنى بإذن الله وحدها لأننا نؤمن أن الله حافظ دينه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: 9)، (والله متم نوره)(الصف: 8)، (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (التوبة: 32) ـ فأي الطريقين يختارون؟ ولا يخشى الغرب أن يغزون الإسلام مرة أخرى فحسبنا اليوم وسائل الإعلام. وحسبنا اليوم وعي الناس. وحسبنا اليوم أن نترك لهم الخيار فإنه (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) (البقرة: 256). وحسبنا درس الامتداد العضوي الذي مارسته تركيا من غير بسط فكري ولا عقائدي فارتد المد جزرا أصاب الأمة في كبدها وفي قلبها حسبنا الدرس التاريخي أن نكرره مرة أخرى. وحسبنا أن ننظم بيتنا ونضمد جروحنا ونستعيد أنفسنا فأمامنا لذلك سنين إن لم يكن قرون! ولا نترك هذا التعقيب حتى نقول لأبنائنا وأخوتنا ممن لا يزالون منخدعين وإن كانوا قلة فإنهم أعزاء علينا أن يفارقوناويفارقوا قومهم نقول لهم

صفحة 100

 

إن في الغرب بضاعتين بضاعة يزجيها إليكم وبضاعة يضن بها عليكم فأما التي يزجي فإنها تسلبكم أخلاقكم، وقيمكم، وتاريخكم، وشخصيتكم وأما التي يضن فهي سر تفوقه المادي عليكم هي علمه وفنون صناعته (تكنولوجيته) فما بالكم أقبلتم على التي يزجي وتركتم التي به يضن فما حصلتم غير القشور غير الزبد وتركتم ما ينفع الناس! إن في خزائننا الجواهر وإن علاها التراب من طول الزمن وكثرة الكيد (1) وإن ما عندهم سراب خادع أو معدن براق لكنه غير أصيل فلا ينبغي أن نترك الجواهر في خزائننا لنمد أيدينا للمعادن غير الأصيلة ما ينبغي أن تكون اليد المتوضئة هي السفلى واليد الأخرى هي العليا فكيف إذا كانت اليد المتوضئة تملك الجواهر كيف ترضى أن تمتد وأن تكون هي السفلى وذلك لا يمنع من أن نستفيد بعلم الغرب وتجربته. من غير أن نهجر قيمنا، ومبادئنا، وأخلاقنا، وعقيدتنا من غير أن نترك ديننا فلا تبيع ديننا ولو كان بالدنيا كلها!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يقول الشاعر: إن الجواهر في التراب جواهر والأسد في قفص الحديد أسود

 صفحة 101

 

الباب الثاني الاتجاه الماركسي الفصل الأول:

 الوعاء الفصل الثاني:

 المبدأ الفصل الثالث:

 ماذا فعلت الماركسية بالمسلمين

 صفحة 103

 

لم تتغلغل الشيوعية في الشرق الإسلامي كما تغلغل الغرب ربما لأن الأخير أسبق زمنا وأرسخ قدما. وربما لأن الأخير أدرك في الوقت المناسب طبيعة هذا الشرق فكف عن الحرب السافرة لهم في عقيدته وتلون باسم الحضارة أو المدنية أو التغريب أو لتغيير الاجتماعي لينشر العلمانية، وتحرير المرأة، وإضعاف الدين. دون أن يشعر أكثر المسلمين لكن الماركسية أخطر على الشرق الإسلامي من الغرب. بما تحمل في " أسلوبها " من " خداع " ينطلي على عامة الناس، خاصة من يخاطبون أول ما يخاطبون ممن يسمونهم طبقة " الصعاليك " أو البروليتاريا أو طبقة العمال الكادحة وبما تحمل من تخدير لهذه الطبقة أنها إليها سيئول الحكم، وأن لها المكاسب من دون سائر الطبقات (1). ثم بما تحمل في غايتها من تحطيم لعقيدة هذه الأمة وقضاء على دينها باعتبارها في البداية وفي النهاية قائمة على الكفر بالله والالحاد في أسمائه ورفض كل الأديان، وإن اتخذت " تخطيطا " مرحليا بعدم الهجوم على الأديان أو الزعم بأنها تسمح لها بالوجود أو البقاء أو بالإلتواء بهذه الأديان للقول بأنها هي الأخرى إشتراكية ويسارية. الخ وهي في سبيل هذه الغاية حين يلوح لها النصر أو التمكين تدوس كل شئ. وتهلك الحرث والنسل وتغرق البلاد في حمامات الدم لتقضي على كل خصومها وليظل الردع ماثلا لكل من تحدثه نفسه بالخروج عليها. وقد عاشت الماركسية منذ صارت لها دولة تبذل الكثير لنشر مبادئها ورسمت لنفسها " خطة " الزحف عن طريق " الشعوب " أو الطبقات الكادحة ليتم التغيير من القاعدة لكنها منذ سنين قليلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع أفيون الشعوب للأستاذ عباس محمود العقاد الطبعة الخامسة سنة 1975 الناشر دار الاعتصام ـ القاهرة.

 صفحة 104

 

راحت تجرب " لعبة " الولايات المتحدة لتجري التغيير من " القمة " بدلا من " القاعدة " عن طريق الانقلابات العسكرية. ونجحت انقلاباتها في بعض البلاد في الاستيلاء على السلطة. لكن هل تنجح في تغيير القاعدة؟. والماركسية تستعد لترث حضارة الغرب وهو أمر وارد.

أولا: لأنها اليوم تعيش " شبابها " وحضارة الغرب تعيش كهولتها

ثانيا: لأن لها من السحر والخداع لعامة الناس وخاصة الطبقة العاملة ما ليس لغيرها من مبادئ الغرب.

ثالثا: لما يعيشه الغرب الآن من تفسخ وانسلاخ من دينه بما لا يحميه من ذلك الكفر الصراح.

وأخيرا: لما أشرنا إليه وسوف نشير إليه بإذن الله من أن أساس الحضارتين واحد فلا غرو أن ترث الأخت أختها ومن ثم. فكلماتنا رغم موضوعيتها وأساسها العلمي ـ تحمل النذير لامتنا. أن البساط يسحب من تحت أقدامها وإن الدمار و " الفناء " ينتظرانها إن هي غفلت بعد اليوم ولو لحظة أو هي فرطت بعد اليوم ولو ذرة. ونحسب أن نقطة البداية الطبيعية لمثل هذه المبادئ الخادعة أن نتعرف وعاءها فكل وعاء بالذي فيه ينضح البيئة التي نشأت فيها. ثم الرجل الذي نادى بها ثم نعرض بعد ذلك للمبدأ في أصله في محاولة تطويره. لتلافي عيوبه. وأخيرا. لما فعلته الماركسية بالمسلمين

 صفحة 105

 

ابتداء. من أرض القرم والقوقاز. واتنهاء. إلى أرض اليمن والصومال. والله المستعان. وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإن الحكام أول المسئولين ليس فقط أولئك الذين سمحوا لها ـ عن علم ـ بالوجود على أرض المسلمين ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ـ بل كذلك أولئك الذين يمهدون لها ـ عن جهل ـ الطريق، ونعني ذلك الفريق الغارق في شهواته المبذر في أمواله وأموال المسلمين من غير إقامة لعدالة الإسلام الاجتماعية بين الفقراء والمحرومين.

 صفحة 106

 

الفصل الأول الوعاء دراسة المبدأ بغير وعائه. دراسة قاصرة. ذلك أن الفصل بينه وبين ذلك الوعاء فصل تحكمي.. وإلا. فإن نافخ الكير " يمكن أن يخرج مسكا وحامل " المسك " يمكن أن يخرج شرارا. وصدق الله العظيم " والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه:

  "والذي خبث لا يخرج إلا نكدا " (الأعراف: 58) والحديث عن وعاء الماركسية يشمل:

 البيئة التي ظهرت فيها. ثم الرجل الذي نادى بها وحسبنا ذلك. وإن كان في كثير من النماذج الأخرى الداعية إليها الكثير من سمات أصحابها الأولين

صفحة 107

 

المبحث الأول البيئة ظهرت الماركسية أول ما ظهرت. في أوروبا. وكان كل شئ هناك يمهد لها. الدين الاقتصاد الفلسفة ولنعط كلا كلمة

أولا: الدين في القرن التاسع عشر (1):

 قاست أوروبا الكثير مما آل إليه أمر دينها هذه حقيقة لا بد الاعتراف بها ففي الوقت الذي بدت تتفتح فيه على العلم وتأخذ بأسبابه وفي الوقت الذي اتصلت فيه بالشرق الإسلامي ـ بأكثر من طريق ـ وعرفت عقيدته السهلة وشريعته السمحة. تفتحت آذانها وعيونها. على دين معقد يصادم العقل ويرهقه. فمن قائل بأقانيم ثلاثة (الأب والابن وروح القدس) ومن قائل " المسيح ابن الله ". ومن قائل " إن الله هو المسيح بن مريم " وكل ذلك تحريف لدين المسيح ـ (عليه السلام) وخروج عليه. فكيف لأبناء " عصر النهضة " أن يسيغوا ذلك " الخط والخبط " وكيف بمن سمعوا شيئا عن عقيدة الإسلام " لو كان فيها آلهة إلا الله لفسدتا " (الأنبياء: 22).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  راجع عرضا طيبا في كتاب الأستاذ عبد الحليم خفاجي ص 69 وما بعدها.

 

 صفحة 108

 

" ليس كمثله شئ " (الشورى: 11). (قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد) (الإخلاص). كيف بمن سمع بهذه البساطة أن يسيغ ذلك التعقيد؟؟؟ ثم كيف مع ذلك التعقيد بما انحدر إليه رجال الدين " كرسي الاعتراف " صكوك الغفران قرارات الحرمان. وأخيرا تلك الوصمة التي لا تنسى. اضطهاد العلم والعلماء. وتكفيرهم. وسوقهم إلى محاكم التفتيش لترتفع أعظم الرؤوس على أعواد المشانق لم يكن بعد ذلك غريبا أن ترتفع الصيحة " أشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس ". ثم بأن تكون " الردة " عن ذلك الدين إلى دين ماركس

ثانيا: الاقتصاد في القرن التاسع عشر (1):

 كانت الرأسمالية في عنفوانها. أصحاب المزارع الكبيرة " يمارسون " الاقطاع. وأصحاب المصانع ـ بعد الثورة الصناعية ـ يمارسون إقطاعا من نوع آخر قلة تملك وتكدس الثورات وتعيش حياة " الترف الداعر ". وملايين محرومة تعيش حياة البؤس والشقاء. وتشهد من قريب من يرفلون في عرق جبينهم. والتطرف يفضي إلى تطرف ذلك قانون الطبيعة فليس غريبا أن تستمع الطبقة الكادحة لذلك النداء الخادع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع تفصيلا في مؤلف الدكتور محمد البهي تهافت الفكر المادي بين النظرية والتطبيق ص 17 وما بعدها ـ مكتبة وهبة ـ الطبعة الثالثة أكتوبر سنة 1975 م

 صفحة 109

 

يا صعاليك العالم اتحدوا فأمامكم عالم تغنمونه وليس عندكم من شئ تفقدونه عير القيود والأغلال (1). وليس غريبا أن يصدقوا نظرية " فائض القيمة وإلغاء الملكية الفردية " وشيوعية المال وأسطورة: من كل حسب طاقته. ولكل حسب حاجته

ثالثا: الفلسفة في القرن التاسع عشر:

 كانت الفلسفة السائدة في ذلك القرن هي ما يمكن أن يسمى بالفلسفة المثالية والتي كانت ميراثا كبيرا منذ إفلاطون " إلى فيورباخ ". وقد أغرقت في التحليق في الخيال وأغرقت كذلك في الخوض. فيما ليس لها فيه علم. مثل كثير من " الإلهيات " فكانت الفلسفة المادية القائمة على " الحس " رد فعل لتلك الفلسفة المثالية المغرقة في الخيال (2). وهكذا كان الدين في أوروبا يمهد للماركسية وكانت الرأسمالية في أوروبا تمهد للماركسية وكانت الفلسفة المثالية في أوروبا تمهد للفلسفة المادية. وكان على البشرية كلها. أن تكفر عن " خطيئة " أوروبا. بخطيئة أخرى. هي الماركسية. وقبل أن نعرض لها. نلقي بعض الضوء. على صاحبها ومؤسس أول دولة لها ليكتمل الحديث عن الوعاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  هذه صيحة ماركس استغل فيها نكسة الرأسمالية وارتكاسها لينتقل بالعالم إلى نكسة وإرتكاسة أشد خطورة.

(2) راجع عرضا جميلا للأستاذ عبد الحليم خفاجي عن أن الفلسفة المادية كانت تعبيرا عن أزمة الفلسفة المثالية من ص 55 ـ 66 من كتابه القيم (حوار مع الشيوعيين في أقبية السجون) الطبعة الأولى 1394 ـ 1974 ـ دار القلم ـ الكويت

 صفحة 110

المبحث الثاني

 مؤسس الفكرة

أولا:اليهود و " الفكرة ":

مؤسس الفكرة: ماركس

ومؤسس الدولة:

لينين وكلاهما من أصل يهودي وحتى لا نفرق في الحديث عن صناعة اليهود للفكرة وصناعتهم للدولة وما قيل من " تخطيط " اليهود للثورة البلشفية (1). وتمويلهم لها (2). واشتراكهم بأعضاء منهم في مجلس الحزب والثورة (3). ثم في مجلس السوفيت الأعلى الحاكم (4). ورفعهم شعارهم شعارا للثورة البلشفية نفسها (5).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هذا ما قد يتضح من بروتوكولات حكماء صهيون ـ وما يؤكده تنبؤ ناشر هذه البروتوكولات العالم الروسي " سرجي نيلوس " منذ سنة 1901 بقيام الثورة البلشفية في روسيا، وهو ما حدث فعلا بعد ستة عشر سنة من تنبئه. وفي مجلة يهودية أمريكية في 10 \9 \1920 أن الثورة الشيوعية في روسيا كانت من تصميم اليهود وأنها قامت نتيجة لتدبير اليهود الذين يهدفون إلى خلق نظام جديد للعالم وأن ما تحقق في روسيا كان بفضل العقلية اليهودية التي خلقت الشيوعية في العالم ونتيجة لتدبير اليهود ولسوف تعم الشيوعية العالم بسواعدهم (مجلة افريكان هبيرو).

 (2) تشير كثير من المؤلفات إلى أن تمويل الثورة الشيوعية قام به خمسة من اليهود هم:

 جاكوب شيف، جوحنهايم ماركس بريتوغ واتوكان (راجع محمد خليفة التونسي الخطر اليهودي. ماجد الكيلاني ـ الخطر اليهودي على العالم الإسلامي، حقيقة الشيوعية سلسلة اخترنا لك دار المعارف بمصر. تجربة عربي في الحزب الشيوعي لقدري تلعجي بيروت.

(3) كان من اليهود في مجلس إدارة الحرب والثورة:

 1 ـ تروتسكي 2 ـ جوف 3 ـ لينين 4 ـ اتنشلخت 5 ـ سويردلوف 6 ـ لورتسكي 7 ـ جوسيف 8 ـ مولتوف ليس يهوديا ولكنه متزوج من يهودية راجع ما سبق.

 (4) كان المجلس الحاكم على عهد ستالين مكونا من 17 عضوا يهوديا على النحو التالي:

 كاجتوفتش (نائب رئيس المجلس) بيريا، شفيرنيك، كيرتشسينستين جوركين، فيرشيلوف، مولوتوف، إيليا ايرهمبرج، ويفنسكي، هيسنرج، ميخيليس فرمين جودي، لوزوفسكي علاوة على أن رئيس المجلس ستالين كان متزوجا من يهودية ويذكر أمان راجوزا في كتابه عن ستالين أن جدته لأمه كانت يهودية.

(5) يتخذ اليهود الأفعى الرمزية رمزا لأمتهم كما يتخذون النجمة السداسية شعارا لهم وقد اتخذت الثورة البلشفية شعارا لها الأفعى الرمزية وبداخلها النجمة السداسية

 صفحة 111

كل ذلك وإن كان أكثره صحيحا إن لم يكن كله فإنه في الوقت نفسه يتضمن لونا من الدعاية اليهودية بقصد إلقاء الرعب في قلوب أعداء اليهود وحمل الآخرين على تقبل مطالب اليهود. نقول لا نغرق في ذلك لنعرض لماركس صانع الفكرة. ونترك صناع الدولة " اكتفاء بالإشارة السابقة ".

ثانيا: ماركس:

 وندع أنه من أصل " يهودي ". وإن كان لذلك الأصل تأثيره بما عرف عن الطبيعة اليهودية من حقد والتواء وبما عرف منها من تقديس للمادة (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة)( البقرة: 96) أية حياة ولا شك أن للوراثة أثرها. نعرض عن ذلك حتى لا نحاج بأننا نحمل الرجل أوزار ـ أجداده وآبائه والله يقول (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (فاطر: 18). لكننا نشير إلى أشياء ثابتة في حياة كارل ماركس:

 1 ـ ما وصفه به أبوه من طبيعة تميل إلى الهدم والتدمير والأنانية.

 2 ـ ما قبله على نفسه أن يعيش بعد وفاة أبيه عالة على أمه وأخواته يأكل من نصيبهن في الإرث بعد أن أكل نصيبه وذلك بدلا من يعولهن وهن الإناث الضعاف.

 3 ـ ما قبله على نفسه أن يعيش عالة على صديقه " فردريك انجلز ".

 4 ـ ما ارتكبه من غش واحتيال على بعض دور النشر إذ باعها حق نشر بعض كتبه في الوقت الذي كان يبيعها إلى دور أخرى

5 ـ موت ابنتيه منتحرتين واحدة (الينورا) بعد أن عاشت (في الحرام) مع عشيق لها ثم

صفحة 112

 

اكتشفت سبق زواجه، والثانية (لورا) خوفا أن تدركها الشيخوخة، ونحن وإن كنا لم نأخذ كارل بذنب آبائه. فإننا لا نأخذه بذنب بناته كذلك. ولكننا نتساءل كيف لم يستطع ذلك العبقري. أن يربي بناته. بل لم يستطع أن يعرفهن طريق الحياة الصحيح (1). ولنحاول بعد ذلك أن نتعرض على الماركسية مبدأ. بعد أن عرفناها وعاء فيما عرضنا له من " البيئة التي نشأ فيها ثم من الشخص الذي نشأت عنه ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع عرضا جميلا لأحد عباقرة الفكر الحديث عباس محمود العقاد في كتابه الشيوعية والانسانية في شريعة الإسلام ـ نشر دار الكتاب العربي من ص 29 ـ 74 وقد أغفلنا الإشارة إلى أمرين:

 الأمر الأول:

 ما أشار إليه العقاد من اعتلال جسمه، وما قد يكون له من أثر في اعتلال عقله فإن ذلك ليس اضطرارا دائما فقد تكون علة الجسم حافزا إلى توقد العقل واستقامته إذا عرف الطريق الصحيح.

الأمر الثاني:

 ما أشار إليه العقاد من قذارة كارل ماركس البدنية وعدم نظافته وما استدل به على ذلك نقلا عن " ليوبلد شوارتشيلد " صاحب كتاب البروس الأحمر، وغيره من التقارير المحفوظة في دار المحفوظات بمدينة ليبزج ـ فقد لا يرى البعض أن تلك القذارة الظاهرية ناجمة عن قذارة باطينة وقد لا يكون الربط محكما بين قذارة جسمه وقذارة أفكاره.

 صفحة 113

 

الفصل الثاني المبدأ من مادية " فيورباخ " وجدلية " هيجل ". أقام كارل ماركس فلسفته على المادية الجدلية (1) وربطها بأربعة قوانين وبهذه المادية فسر التاريخ تفسيرا ماديا، وبهذه النظرية المادية أرجع كل شئ في الاقتصاد إلى أدوات الانتاج وقال بفائض القيمة وبذا تبدو الماركسية أشبه بالدين. نظرة إلى الحياة وتفسير للكون، ونظام للمجتمع، ولا يتسع المقام للعرض لجوانب الماركسية كمذهب. وكنظام اجتماعي واقتصادي وسياسي لكنا نكتفي منها بالأساس فإذا انقض الأساس فبقية البناء محكوم عليه بالسقوط والانهدام وتبدو الرابطة واضحة بين أساس الماركسية الفكري، وأساس الغرب الفكري بل إن الماركسية مدينة للغرب في فكرها فإن ماركس لم يأت بجديد وإنما من التلفيق بين ما قاله هيجل وما قاله فيورباخ أقام فلسفته التي ـ كما أشرنا ـ رد فعل للفلسفة المثالية التي أغرقت في الخيال.

(2) أو كما قال بحق أحد الكتاب كانت تعبيرا عن " أزمة الفلسفة المثالية في القرن التاسع عشر " وفلسفة ماركس مضى عليها أكثر من قرن ومن ثم فهي ـ كفكر بشري محكوم عليه بالرجعية، وإن ادعت، أو ادعى أنصارها لها عكس ذلك. ويبدو ذلك واضحا في محاولات كثيرة جرت لترقيعها. ومنها ما قال به لينين حين واجهت النظرية العمل والتطبيق. وبدأ امتحانها الحقيقي ومنها ما أدخله عليها ستالين وخروشوف والمؤتمر الذي انعقد سنة 1963 في موسكو من 29 عالم سوفيتي ليضع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1، 2) يعترف ماركس وانجلز ولينين أن الينبوع الفلسفي الأساسي للفلسفة الماركسية كان المثالية الألمانية وأنه لولا الفلسفة الألمانية ولا سيما فلسفة هيجل (ونضيف إليها فيورباخ) لما تأتي للاشتراكية العلمية أن ترى النور. ماركسية القرن العشرين ـ ترجمة لكتاب جارودي ـ التحول الكبير في الاشتراكية الطبعة الثالثة سنة 1972 م تعريب نزيه حكيم.

 صفحة 114

 

" أسس الماركسية اللينينية " مما انهارت معه بعض أسس تلك الفلسفة أمام حقائق العلم الحديث وأخيرا منها ما قال به الفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي في سنة 1966 م في كتابه " التحول الكبير في الاشتراكية ". والذي عرب تحت اسم ماركسية القرن العشرين (1). وبه بعدت الماركسية كثيرا عن أساسها وغضب لذلك أنصارها فأخرجوه من الحزب سنة 1969 بعد أن كان يحتل مركز عضو المكتب السياسي وفيلسوف الحزب الشيوعي الفرنسي، وأعقب ذلك رفض الحزب الشيوعي الفرنسي لدكتاتورية البروليتاريا، وتبعه في ذلك الحزب الشيوعي الايطالي. وفي الصفحات التي تلي نحاول بمشيئة الله في بحث أن نعرض للمبدأ في أساسه (2)، ثم نحاول أن نعرض في مبحث ثان نظرتهم إلى الدين قديما وحديثا ليحق الله الحق بكلماته ولو كره المجرمون وسوف نلتزم الموضوعية في عرضنا للمبدأ ومناقشتنا له إن شاء الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مشار إليه ماركسية القرن العشرين ـ ترجمة لكتاب جارودي التحول الكبير في الاشتركية الطبعة الثالثة سنة 1972 تعريب نزيه حكيم.

(2) بالنسبة للتفسير المادي للتاريخ تراجعت عنه الماركسية فيما قرره فردريك انجلز من خطئه وصاحبه في تقديم العامل المادي على غيره من العوامل وحسبنا منهم ذلك. وبالنسبة للماركسية كنظام فإن مكان دراستها كنظام اقتصادي علم الاقتصاد وكنظام سياسي علم السياسة وكنظام اجتماعي علم الاجتماع بيد أننا كما أشرنا بهدم الأساس ينهدم بإذن الله بقية البناء والله غالب على أمره ـ راجع لنا عرضا سريعا تحت عنوان فتنة الماركسية في كتاب شريعة الله حاكمه ليس بالحدود وحدها.

 صفحة 115

 

المبحث الأول المبدأ في أساسه تقوم الماركسية على أساس من المادية الجدلية. فالماركسية تقوم على المادة. وتؤمن بالجدل. ولنا في كل كلمة

أولا: المادة:

 في فكر ماركس ـ على ما كان سائدا في القرن التاسع عشر ـ كانت المادة هي ما تقع عليه الحواس ومن ثم قامت فلسفة ماركس ونظريته على أساس من ذلك التعريف الذي صار طالب المدارس الثانوية يعرف اليوم أكثر منه، وإن أضاف إليه ماركس أن الفكر لاحق على المادة وتابع لها من ثم فقد عاد لينين ليعرف المادة بأنها الوجود الموضوعي خارج الذهن. وتتابعت الاكتشافات العلمية بأسرع مما تصورت الماركسية وصارت الماركسية في حرج من أمرها واجتمع أكثر من عشرين عالما سنة 1963 م ليضعوا " أسس الماركسية اللينينية " فهدموا ما قاله ماركس إذ قرروا " أن النشاط الذهني أو الفكري خاصة مميزة للمادة ولكنها ليست شكلا من أشكال المادة. ثم ليقرروا:

 وفي الوقت الحالي يعتبر التوحيد بين الفكر والمادة من مفاهيم المادة المنحطة ويسجل فيلسفوف ماركسي متحرر من الماركسية القديمة جمودها في مواجهة العلم، وبعبارة أدق عدم ملاءمتها اليوم لصيحات العصر العلمية، ويدعوها لي أن تطور نفسها لتظل صالحة للعصر

 صفحة 116

 

لكنها في الواقع إذ تطور نفسها تكاد تنسلخ من أصلها لتصير شيئا جديدا. يمكن أن ينسب إلى شئ آخر سوى ماركس (1). وبعد:

 هل المادة هي الطاقة؟ أم صورة منها؟ وهل ا لحرارة والكهرباء آخر مراحل المادة؟ وأين يذهبان حين يختفيان مع الأثير؟؟ وما هو الأثير؟ إنه ليس بالشئ المادي وإن لم بعرف بعد ما هو لا يزال العلم يضيف كل يوم جديدا. ولا نزال محنة الماركسية قائمة ما استمسكت بقيام الكون على أساس من المادة والمادة فقط (2). وهل المادة هي ما يحس فحست، وقد أثبت العلم أن ما تقع عليه الحواس من المواد يمثل 7 % وما لا تقع عليه الحواس 93 % (3). ولا تزال محنة الماركسية قائمة وهي عاجزة عن أن تجيب (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ)(الطور: 35، 36).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ينقل الفيلسوف الفرنسي اندريه جارودي عن فردريك انجلز قوله على المادية بالضرورة أن تكتسب صورة جديدة مع كل اكتشاف هام باي الأثر في تاريخ العلوم. ثم يتساءل:

 هل حقق الماركسيون برنامج انجلز. ويجيب:

 لقد فعلوا ذلك ذلك مرة واحدة عام 1908 بكتاب لينين المادية والتجاريبية النقدية حيث قضى ثلاث سنوات من عمره يدرس أهم كتب الفيزياء المعاصرة " التحول الكبير في الاشتراكية ".

(2) راجع عرضا جميلا للأستاذين:

عبد الحليم خفاجي، يوسف كمال محمد الأول في كتابه القيم حوار مع الشيوعيين والثاني في بحثه القيم مستقبل الحضارة بين العلمانية والشيوعية والإسلام.

(3) من بحث لوحيد الدين خان مقدم إلى مؤتمر الفقه الإسلامي بالرياض في ذي القعدة 1396 ه‍

صفحة 117

 

ثانيا: الجدل:

 الجدل الذي يمزج ماكس بينه وبين المادة هو ما أشار إليه هيجل من إحتواء الشئ على النقيضين وغير ماركس ذلك النسج وغره أن كان العلم ـ على قرنه التاسع عشر يعتبر الطبيعة قائمة على عنصرين ـ الطاقة والمادة ومن ثم أخذ الجدل وبنى عليه فلسفته المادية الجدلية. وأثبت العلم بعده وحدة الطاقة والمادة. وأن المادة ليست إلا طاقة مركزة. والطاقة مادة لا نقول عنها أنها طاقة إلا أن تسير بسرعة الضوء وكان تفجير الذرة تكذيبا لما قال به ماركس من قيام التناقض داخل المادة فقد توهم من وجود السالب (الالكترون) والموجب (النيترون) أنهما متناقضان وفات ماركس أن الاختلاف لا يعني التناقض أن وجود السالب والموجب:

 داخل الذرة. وداخل الكهرباء وداخل المغناطيس بل وفي النبات وفي الحيوان وفي الانسان لا يعني أبدا التناقض. أنه يعني شيئا أخر فات ماركس هو التكامل والتزواج مم فمن العنصرين تقوم الحياة وصدق الله (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات: 49).

صفحة 118

 

ومظاهر الطبيعة الأخرى التي قد تعطي ظلا من الاختلاف. كالليل والنهار مثلا إنما تعطي في الحقيقة التكامل الذي أشرنا إليه وهو ما يشير إليه القرآن الكريم. (وجعلنا الليل لباسا، وجعلنا النهار معاشا) (عم: 10، 11). من ثم فلا تناقض متى وجد التكامل بل إنها كلها تسير وفق نظام رسمه لها خالقها (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون)(يس: 40). ولا يقع التناقض ولا الصراع إلا أن تخرج المادة عن نظامها الذي خلقها عليه خالقها فالذرة لا تنفجر حتى يختل ترتيب الالكترونات والبروتونات ومثل الذرة كل مظاهر الكون والطبيعة لا تختل حتى تخرج عن نظامها المفطور أو مدارها المرسوم. ومثل الطبيعة الانسان لا تناقض فيه بين الذكر والأنثى بل تكامل وتزاوج (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) (الروم:21) والتناقض والتنافر لا يتأتى. إلا أن يخرج الرجل عن طبيعته أو تخرج المرأة عن طبيعتها ولا تناقض داخل الانسان نفسه لا تناقض بين روحه وجسده بل كذلك تكامل وتزاوج ولا يأتي التناقض والتنافر حتى تطغى إحدى القوتين على الأخرى. فيتوهم الانسان أن يمكن أن يعيش جسدا بغير روح يلبي رغائب الجسد وشهواته وفي مقدمتها شهوتي البطن والفرج. وينسى أن له روحا لها غذاء ولها أشواق ولا بد معها من الظوابط للقوة الأولى قوة الجسد. أو يتوهم الانسان أن يمكن أن يعيش روحا بلا جسد فيعرض

صفحة 119

 

عن مطالب الجسد أو يكاد فيرهق نفسه بالصيام دهرا، وبقيام الليل كله وينسى سنة الرسول صلوات الله وسلامه عليه و (آله) (إن لربك عليك حقا، ولبدنك عليك حقا فاعط كل ذي حق حقه). وبذا ينهار جدل " ماركس " ومن قبله جدل " هيجل " وتعيش الحقيقة الخالدة (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات: 49).

صفحة 120

 

المبحث الثاني الماركسية والدين كان لا بد من هذا المبحث وإن استغنينا عن كثير من مباحث الماركسية

أولا: لأن كثيرا من المتمركسين يزعمون أن لا كفر في الشيوعية ولا إلحاد.

ثانيا: لأن النغمة الجديدة التي صاروا إليها أو ساروا بها هي كان الجمع بين الماركسية والدين فلا تعارض بينهما. ونحاول أن نبين موقف الماركسية من الدين. ثم نبين بعد ذلك موقف الدين من الماركسية وهل يمكن أن يرقع بها الدين أو يكمل بها " نقصه ".

 أولا ـ موقف الماركسية من الدين:

 لم يخف ماركس رأيه في الدين. بل إن الدين ـ على قرنه التاسع عشر في أوروبا ـ كان تمهيدا طبيعيا للماركسية كما قلنا بما آل إليه أمره من تعقيد في العقيدة ثم بما آل إليه أمر أهله أو رجاله من تنفير وتشويه بعد التحريف والتأويل وماركس وأتباعه يردد في أكثر من مكان أن الدين " أفيون " الشعوب ومخدر الفقراء وأنه انعكاس لشقاء فعلي واحتجاج على هذا الشقاء (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روجيه جارودي ـ المرجع السابق ص 143 ومابعدها والدكتور عبد الحليم محمود في بحثه الإسلام والشيوعية ص 31 والإسلام في وجه الزحف الأحمر محمد الغزالي ص 50 وما بعدها جمال عبد الناصر عن الشيوعية في كتاب (حقيقة الشيوعية)

 صفحة 121

 

وظلت الماركسية تعتز موقفها من الدين طوال صدامها مع الكنيسة حتى إذا قيض للماركسية أن تجد لها أتباعا في شرقنا الإسلامي. فإنها بدأت تراجع موقفها من الدين لتتخذ إزاءه " خطة مرحلية " بعد ما وجدت من عقيدة الإسلام صخرة صلبة تقف في طريقها وكان أن قرر بعض المؤتمرات الشيوعية ضرورة الابتعاد عن الهجوم على الدين وتلا ذلك نصائح بعض مفكريهم بعدم إنكار أثر الدين وبمحاولة الاستفادة منه وهكذا يقول أحدهم:

 " وإن هناك لأملا كبيرا مشتركا بين ملايين المسيحية في العالم وبين ملايين الشيوعيين وهو أن نبني المستقبل دون أن نضيع شيئا من ميراث القيم الانسانية التي جاءت بها المسيحية منذ ألفي عام ويضيف أن تكذيب صيغة " أفيون الشعوب " التي لخص بها ماركس ولينين تجربة لا سبيل إلى نكرانها، ليس قضية فحسب بل هو أيضا أمر ممارسة سياسية واجتماعية (1).

ثانيا ـ موقف الدين من الماركسية:

 ونحن نقصد بذلك ديننا دين الإسلام. فلئن كان في ظروف الدين المسيحي ـ على وضعه الحالي ـ ما أتاح للماركسية أن تنتهكه بل أن تلتهمه فليس في ظروف ديننا شئ من ذلك. ليس في ديننا ذلك التعقيد في العقيدة. وليس فيها أقانيم ولا تثليث ولا إشراك. وليس في ديننا شئ من التحريف أو التشويه. كما حدث لدين المسيح (عليه السلام) مما حدا بمفكري الماركسية أن ينظروا إلى الدين على أنه مشروع إنساني " أي جهد بشري ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) روجيه جارودوي ـ المرجع السابق ص 202 ـ وإن كان يعترف في نفس الوقت بإلحاد الماركسية ويميز إلحاد الماركسية عن إلحاد القرن الثامن عشر الذي كان في جوهره سياسيا وإلحاد القرن التاسع عشر الذي كان بصورة عامة إلحاد علموي (يقصد علمي) أي من تناقض العلم مع دينهم في ذلك الحين ويسمى الإلحاد الماركسي إلحاد القرن العشرين ويقول أنه في جوهره إنسي ص 143، 144 المرجع السابق وهو يعتبر الدين جهدا إنسانيا ص 163

 صفحة 122

 

ولا وقف علماء الإسلام من العلم مثل ما فعل رجال الدين المسيحي مع العلم والعلماء في القرون الوسطى ومن ثم فإن موقفنا من الماركسية يختلف عن موقفهم. ومحاولة التوفيق أو " التلفيق " التي يصنعها " أذكياء " الماركسية للتدليس أو التدسس إلى الإسلام بإعلانهم قبول الإسلام عقيدة والاشتراكية العلمية منهجا محاولة مفضوحة مردودة أولا: لأنه واضح فيها التكتيك المرحلي وهو ما كشفت عنه كثير من كتابات مفكريهم بل ما أوصى به بعض مؤتمراتهم.

وثانيا: سواء اعتبروا تلك " المصالحة " أو التوفيق " تكتيكا " مرحليا أو قبلوه استراتيجية دائمة أو حتى أدخلوه في نظريتهم واعتبروه جزءا من أيديولوجية (عقيدة) دائمة على كل هذه الفروض. فإن ذلك العرض مرفوض. لأن القول بأن الإسلام عقيدة والاشتراكية العلمية منهج. قول يتنافى مع طبيعة الإسلام فهو عقيدة ومنهج حياة وهو في هذا لا يقبل التجزئة ولا التفرقة ولا المساومة. ولا التلفيق ولا الترقيع! ويسمى كل ذلك:

 كفرا. وفتنة. وجاهلية. ومحادة لله ورسوله. (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض)( البقرة: 85).

صفحة 123

 

(واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك)(المائدة:49). (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) (المائدة:50). (اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله) (البقرة:278، 279). وإذا كان الأمر كذلك فإن الذين صنعوا الدين رجال وهم رجال ولهم أن يصنعوا مثل ما صنعوا ومن ثم لهم أن يشرعوا " الماركسية " كما شرع البابوات " المسيحية ". وليس في ديننا صكوك غفران ولا قرارات حرمان. وهو في هذا منطقي من عقيدته ومع شريعته. فعقيدته أن " الشرع " كالخلق خالص حق الله. (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) (الأعراف: 54). والألوهية التي نرفعها لنا شهادة وشعارا ونقر بها لله سبحانه وتعالى وننفيها عمن سواه هذه الألوهية من معانيها التسليم لأمر الله وشرعه. وشريعته كذلك:

 شملت كل نواحي الحياة (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: 89) تشمل الحياة الانسانية. والحياة الاجتماعية والحياة الاقتصادية ولا يمكن فيها فصل حياة عن حياة. ومن ثم فللماركسية أن تبحث لها دين آخر.

صفحة 124

 

تجري معه التوفيق أو التلفيق ولقد سبقتهم إلى ذلك يوما قريش فقال الله لهم:

 (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون).

صفحة 125

 

الفصل الثالث ماذا فعلت الماركسية بالمسلمين (1) المأساة أجل من تكتب في فصل. نكتفي فيها بالإشارة. ونطلب فيها من القارئ بل نلح أن يقرأ المزيد. المبحث الأول المسلمون في الاتحاد السوفيتي (2). الأرض الإسلامية ـ ميراث محمد و (آله) عليه و (عليهم) الصلاة والسلام ـ أضعاف أرض روسيا فأقاليم الإسلام في الاتحاد السوفيتي تشمل:

 1 ـ الأورال.

2 ـ استرخان.

3 ـ سيبريا.

4 ـ القرم (وهي أغنى المناطق بالحاصلات الزراعية).

5 ـ القوقاز (وهي أغنى المناطق بالبترول وبعض المعادن).

6 ـ تركستان بلاد ما وراء النهر (منها إماما السنة البخاري ومسلم، والمفسران الزمخشري والنسفي، وأئمة البلاغة وإعجاز القرآن، عبد القاهر الجرجاني وسعد الدين التفتازاني ويوسف السكاكي، ومنها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  أما ماذا فعلت في غير المسلمين فمذابح المجر سنة 1956 وتشيكوسلوفاكيا سنة 68 أقرب مثال وخير مثال وأما ما فعلته في نفسها فاقرأ فيه: آثرت الحرية ـ لفيكتور كرا نتشيسكو روسي هارب من جحيم رومانيا.

(2) هذا عنوان فصل في كتاب الإسلام في وجه الزحف الأحمر وجدناه أفضل ما كتب عن حال المسلمين في الاتحاد السوفيتي للداعية الشيخ محمد الغزالي.

 صفحة 126

 

الفارابي وابن سينا، ومن علماء الرياضة والفلك خالد والبلخي ومن علماء الهندسة بنو موسى. ومنها البيروني، والماتريدي الخوارزمي، والسرخسي والجوهري وغيرهم ومن الثروات المعدنية:

 250 منجما للذهب، 16 للفضة، 32 للرصاص 34 للبترول، 70 للفحم، 13 للكبريت، 63 للصوديوم عدا الأورانيوم والفرام والزئبق والنحاس والقصدير والبلاتين وهذه الأقاليم تمثل الشمال الشرقي من العالم الإسلامي. وهي تمثل من حيث المساحة تسعة أعشار مساحة الاتحاد السوفيتي (كانت 400 ألف كيلو متر فصارت بعد ضم البلاد الإسلامية 14 مليون كيلو متر) بعد الثورة البلشفية أصدر مجلس قوميسيري الشعب البلشفي نداء موجها إلى شعوب روسيا من المسلمين كان من بين من وقعه لينين وستالين جاء فيه (مؤرخا 7 ديسمبر 1917) أن امبراطورية السلب والعنف الرأسمالية توشك أن تنهار والأرض التي تستند عليها أقدام اللصوص الاستعماريين تشعل نارا وفي وجه هذه الأحداث الجسام نتجه بأنظارنا إليكم أنتم يا مسلمي روسيا الشرق، أنتم يا من تشقون وتكدحون وعلى الرغم من ذلك تحرمون من كل حق أنتم له أهل أيها المسلمون في روسيا أيها التتر على شواطئ الفولجا وفي القرم أيها الكرغيز والسارتيون في سيبيريا والتركستان. أيها التتر والأتراك في القوقاز أيها الجبليون في إتحاد القوقاز أنتم يا من انتهكت حرمات مساجدكم، وقبوركم واعتدي على عقائدكم وعاداتكم، وداس القياصرة الطغاة الروس على مقدساتكم:

 

 صفحة 127

 

ستكون حرية عقائدكم وعاداتكم، وحرية نظمكم القومية ومنظماتكم الثقافية مكفولة لكم منذ اليوم لا يطغى عليها ولا يعتدي عليها معتد هبوا إذن فابنوا حياتكم القومية كيف شئتم، فأنتم أحرار لا يحول بينكم وبين ما تشتهون حائل إلى أن قال البيان:

 أيها الرفاق أيها الأخوة لنتقدم سويا في عزم وصلابة نحو سلم عادل ديمقراطي إن رايتنا تحمل معها الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم. أيها المسلمون في روسيا أيها المسلمون في الشرق. إننا ونحن نسير في الطريق الذي يؤدي بالعالم إلى بعث جديد نتطلع إليكم لنلتمس عندكم العطف والعون استجابت البلاد الإسلامية وأعلنت استقلالها (عن الحكم الروسي القديم). فهل تركها الحكم الذي " يحمل الحرية للشعوب المظلومة في أرجاء العالم "؟. في إبريل سنة 1918 أي بعد أربعة شهور من البيان السابق ـ أصدر لينين أمرا بالزحف على البلاد الإسلامية وسارت الجيوش الروسية بالدبابات والطائرات والمدافع تدمر وتحصد ما في طريقها وفي نهاية العام تم لها الاستيلاء على جمهورية " إيديل أورال " وشمال القوقاز، وحكومة خوقند، وتأخر اسيتلاؤها على شبه جزيرة القرم لعنف المقاومة فيها. وفي سنة 1919 تم الاستيلاء على جمهورية الاش أورودو. وفي إبريل سنة 1920 انتهت من احتلال القرم، واستأنفت الهجوم على جمهورية آذربيجان واستطاعت إخضاعها. وفي نهاية سنة 1920 استولت على جمهورية خيوة بعد أن ظلت تدافع دفاع المستميت

 صفحة 128

 

وفي سنة 1921 استأنفت الهجوم على جمهورية بخارى ودار فيها قتال مرير ودافع أحفاد الإمام البخاري " رضي الله عنه " عن ميراث محمد و (آله) عليه و (عليهم) الصلاة والسلام لكنهم وحدهم لم يستطيعوا الوقوف في وجه الزحف الأحمر الثقيل فهزمت جيوشهم المنظمة، لكنهم ظلوا يحاربون حرب عصابات مدة عشر سنوات دون أن يتلقوا أية معونة من العالم الإسلامي (1) ونشرت جريدة أزفسيتا في عددها الصادر 15 يولية سنة 1922 تقريرا للرفيق كالينين عن مجاعة القرم (نتيجة نقل الروس ما في الجزيرة من أقوات ليضطروهم للتسليم). بلغ عدد الذين أصابتهم محنة الجوع في شهر يناير 302 000 مات منهم 14 413 ارتفع عددهم في شهر مارس إلى 379 000 مات منهم 19 902 بلغ عددهم في إبريل 377 000 مات منهم 12 754 وفي يونية 392 072 (ولم يذكر كم مات في هذا الشهر). وقد كان سكان القرم في سنة 1917:

 5 ملايين. فأصبحوا في سنة 1940 400 ألف فقط. وكانت المساجد 1558 مسجدا. لم يبق منها إلا عشرات لجأت الثورة الشيوعية بعد أن استتب لها الأمر إلى نفي شعوب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كان العالم الإسلامي قد قطع إربا. وكانت دولة الخلافة الإسلامية خارجة من الحرب العالمية الأولى وكان زعيمها مصطفى كمال أتاتورك ـ لعنه الله يتأهب لإلغاء الخلافة الإسلامية.

 صفحة 129

 

بأكملها ليحل محلها الروس وفي بيان لوكيل الجامع الأزهر ورئيس جماعة الكفاح الإسلامي أرسل إلى الأمم المتحدة قدم بعض المهاجرين من الحكم البلشفي الغاشم بعض الحقائق نذكر منها:

(أ) في التركستان وحدها قتل الشيوعيون سنة 1934 مائة ألف مسلم ونفوا ثلاثمائة ألف مسلم ومات ثلاثة ملايين جوعا نتيحة استيلاء الروس على محاصيلهم وإعطائهم للصليبيين ليحلوا محلهم وفيما بين سنة 1937 ـ 1939 ألقت القبض على 500 ألف مسلم أعدمت منهم فريقا ونفت الباقي وقتلوا من علماء الدين:

 الشيخ برهان البخاري قاضي القضاة والشيخ خان مروان مفتي بخارى، والشيخ عبد المطلب داملا، والشيخ محسوم متولي، والشيخ عبد الأحد دار خان، والشيخ الحاج ملا يعقوب، والشيخ ملا عبد الكريم وغيرهم كثيرون ومن الساسة خدمة نياز رئيس الجمهورية، ومولانا ثابت رئيس الوزراء وشريف حاج قائد مقاطعة ألماتا، وعثمان أوراز قائد مقاطعة كاشعز، ويونس بك وزير الدولة والحاج أبو محسن وزير التجارة، وطاهر بك رئيس مجلس النواب وعبد الله داملا وزير الأشغال. وفي سنة 1949 هرب 2000 ألفا شخص منهم 1200 لقوا حتفهم في الطريق. وفي سنة 1950 هرب 20 000 مسلم وقتلت روسيا منهم سبعة آلاف.

 (ب) في القرم قتلوا: سنة 1921 مائة ألف مسلم جوعا. سنة 1928 قتلوا ولي إبراهيم رئيس الجمهورية مع وزرائه. سنة 1930 قتلوا محمد قوباشي رئيس الجمهورية وجميع وزرائه. سنة 1937 قتلوا إلياس طرخان رئيس الجمهورية وجميع وزرائه بعد استدعائهم إلى موسكو أثناء محاكمة المارشال تحاتشنفسكي.

 صفحة 130

 

نصوص في الاتحاد السوفيتي:

 في دستور سنة 1918 نص على أن حرية الدعاية الدينية واللادينية مكفولة للجميع. عدل في سنة 1919 إلى حرية إقامة الشعائر الدينية وحرية الدعاية اللادينية مكفولتان لجميع المواطنين. وفي دستور سنة 1936 (م 124) لكي يستمتع المواطنون بحرية الضمير تفصل الكنيسة في الاتحاد السوفيتي عن الدولة والمدرسة عن الكنيسة ويكفل لجميع المواطنين حرية الدعوة ضد الدين وفي المادة 122 من القانون الجنائي السوفيتي تحريم تلقين الأطفال الأحداث العقائد الدينية في مدارس الحكومة أو المدارس الخاصة أو المعاهد التعليمية المختلفة. وواضح من هذه النصوص:

 1 ـ التفرقة الظالمة بين حرية التدين وحرية الإلحاد فالأولى قاصرة على مباشرة الشعائر (إن صدقوا فيها) والثانية ممتدة إلى حرية الدعوة والدعاية ضد الدين تنتهي حرية التدين إلى مجرد شعائر بغير مضمون ولا تطبيق إذا وعينا النص الجنائي الذي يحرم تلقين الأطفال العقائد الدينية في مدارس الحكومة أو المدارس الخاصة أو المعاهد التعليمية المختلفة فمن أين يأتي لهم بالتدين الذي يسمح الدستور (المحترم) بممارسة شعائره

 صفحة 131

 

المبحث الثاني المسلمون في غير الاتحاد السوفيتي من البلاد الماركسية ونكتفي فيه ببعض النماذج:

 أولا: من الصين:

 ونأخذ منها مثلا واحدا ما نشرته صحيفة " تمد بات باد " في هونج كونج في عددها الصادر في 11 أكتوبر 1966 وهو منشور موجه إلى الحرس الأحمر جاء فيه:

 " يا رجال الحرس الأحمر " لا يمكن أن ندع عدوا من أعدائنا يهرب وعلينا من الآن فصاعدا أن نهاجم أكثر الأعداء تخفيا ـ المسلمين ـ الذين يقومون بنشاط ضد الحزب وضد الصينيين تحت قناع الدين المزعوم من الآن فصاعدا لن يسمح لكم بأن تضعوا قناعكم الديني على وجوهكم سنطردكم وندمركم. ومن الآن فصاعدا لن يسمح لكم بأن تأكلوا لحم الأبقار لأن الأبقار تخدم الشعب، يجب أن تأكلوا لحم الخنازير ولا يمكنكم من الآن فصاعدا أن تضيعوا وقتكم في الصلاة يجب ألا تتكلموا اللغة العربية التي هي ضد اللغة الصينية. ولن يسمح لكم بأن تقرأوا ما يسمى بالكتاب المقدس (القرآن). اسمعوا أيها المسلمون:

 ـ دمروا جوامعكم ـ حلوا المنظمات الإسلامية، أحرقوا القرآن.

 صفحة 132

 

ـ ألغوا الحظر الذي وضعتموه على الزواج المشترك. ـ كفوا عن الصلاة. ـ ألغوا الختان. ـ ادرسوا أفكار ماو. ـ إذا لم تندمجوا سنطردكم وندمركم، يجب أن نسحق جحور الجرذان الدينية وندمرها معكم. ـ فلتحيا الثورة الثقافية الكبرى. ـ فليحيا طويلا طويلا الرئيس ماو (1).

ثانيا: من يوغسلافيا:

 ونقطف بالنسبة لها من بيان وكيل الجامع الأزهر عمن جاءوا لاجئين:

 1 ـ قتل الشيوعيون 24 000 مسلم بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. 15 ألف من مقاطعة طوزلا. 3 آلاف من مدينة سراييفوا. 6 آلاف من ماكيدونيا وكومونا.

 2 ـ قتلوا مفتي كرواتيا الشيخ عصمت مفتيتش والعالم مصطفى يوصولا حبيتش.

 3 ـ في سنة 1947 حكموا على 17 زعيما ألبانيا (من المقيمين في يوغوسلافيا).

 4 ـ في سنة 1949 حكموا على 13 زعيما ألبانيا بالإعدام وعلى آخرين منهم بالأشغال الشاقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجلة الوعي الإسلامي عدد أكتوبر سنة 1966 أشار إليه كذلك الشيخ محمد الغزالي، في كتابه القيم الإسلام في وجه الزحف الأحمر

 صفحة 133

 

ثالثا ـ من بلغاريا:

 جاء في بيان موجه من هؤلاء المسلمين إلى إخوتهم في العالم الإسلامي، وأشار إليه خطاب إتحاد الطلبة المسلمين في شرق أوروبا إلى كل من وزير الخارجية السعودي، وإلى الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والافتاء والدعوة بالمملكة العربية السعودية سنة 1396 (1). نحن المسلمين البلغار نتقدم بالشكر لكل من عمل نشر قضيتنا للرأي العام سواء كان ذلك بالإذاعة أو بالصحف، وقد كان لذلك أثر عميق في نفوسنا، ونود أن نوضح حقائق أخرى عن تلك القضية. بعد أن شعر المسئولون البلغار بنشر القضية خارج القطر أذاع راديو صوفيا بيانا باللغة العربية رادا فيه بأن المسلمين في بلغاريا يتمتعون بكل حرية ومساواة مع الآخرين. لا شك أن هذا الرد غير صحيح وبعيد كل البعد عن الحقيقة كما سنوضح ذلك، ونلفت نظر العالم بأجمعه أن الدستور البلغاري يذكر في المادة (33):

 البند (ب) لكل مواطن بلغاري الحق في أن يعتنق أي دين يرتضيه. البند (و) لكل مواطن بلغاري يحمل اسما غير بلغاري الحق في رفع قضايا جنائية في حالة تعرضه للأذى أو الاهانة لمجرد حمله لهذا الاسم. وبالرغم من ذلك إن الحكومة البلغارية مصممة ومستمرة في تنفيذ مخطط التنصير الماركسي ضد المسلمين. فقد طلب من جميع المعلمين المسلمين أن يغيروا أسماءهم الإسلامية أو أن يطردوا من أعمالهم وألا يسمح لهم بممارسة أي عمل في أي جهاز من أجهزة الدولة الرسمية ورفض 165 معلما مسلما أن يغيروا أسماءهم ولذلك طردوا من وظائفهم ومنعوا من حق العمل في بلغاريا موطنهمم ومسقط رأسهم. وعند بدء العام الدراسي 1971 ـ 1972 طلب من جميع تلاميذ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأول برقم 42 في 15 جمادى الأولى سنة 1396 والثاني في 5 جمادى الأولى سنة 1396

 صفحة 134

 

المدارس المسلمين أن يغيروا أسماءهم الإسلامية كشرط لاستمرارهم كتلاميذ وإلا يطردون من المدارس، ورفضوا جميعهم وطردوا من المدارس. صدرت أوامر بإجراءات حازمة لتغير أسماء المسلمين العاملين في المؤسسات، وكونت جماعات بوليسية مسلحة من قبل وزارة الداخلية لمراقبة تنفيذ هذه الأوامر ومتابعتها حتى النهاية. تم القبض على مجموعات كبيرة من المسلمين ووضعوا في معسكرات أعدت خصيصا لهذا الغرض وساموهم أمر أنواع العذاب ومن عاد منهم فبرجل مكسورة أو يد أو أضلع مكسورات. تم حصار بعض القرى وقاموا بانتهاك حرمات المنازل بعد أن حطموا الأبواب والنوافذ واقتحموها عنوة وقذفوا بأصحابها في الخارج، وقد لقي عدد كبير من النساء والأطفال حتفهم وكذلك الشيوخ من جراء الرصاص الذي أصلاهم به رجال الأمن الذين من واجبهم حفظ المواطنين، وقد تعرض الكثير من النساء والأطفال لنهش الكلاب البوليسية وقد عارض كل المسلمين تلك الأوامر حتى الفتيات منهم مما أدى إلى إرسالهن إلى السجون، ولإخفاء تلك الجرائم تم القبض على بعض المسلمين واتهموهم زورا وبهتانا بارتكاب جرائم قتل المسلمين وحكم عليهم بالإعدام ونفذ فيهم حكم الإعدام. في يوم 10 مايو 1972 تحرك حوالى 5000 مسلم من منطقة بازرجيك ومنطقة بلا قويفقراد وسمولن قراد في مظاهرة احتجاج متجهين إلى صوفيا (العاصمة) وكان ذلك في جوف الليل لكي لا يعلم بهم البوليس وقد ضم الموكب كل فئات المسلمين من الذين أعمارهم من 15 إلى 75 عاما وكان تحرك الموكب تحت ظروف قاسية وسط الأمطار الغزيرة والوحل وعلى بعد أميال قليلة من صوفيا وبالتحديد في محطة اسكار علمت السلطات وأرسلت لهم قوة ضخمة من الجيش والبوليس وحاصروهم بالدبابات والعربات المصفحة ونقلوهم إلى مدينة بيلو حيث وضعوا في السجون حتى الآن. وفي 12 مايو 1972 حوصرت قرية ايلانسكو برجال البوليس تصحبهم الكلاب البوليسية فتصدى لهم المسلمون بشجاعة وبسالة وقتلوا أحد

 صفحة 135

 

رجال البوليس وكإجراء انتقامي تم القبض على 30 مسلما وقدموا إلى محاكمات عسكرية أصدرت أحكامها بالإعدام على ثلاثة من المسلمين وبالسجن على عدد آخر. في يوم 13 مايو 1972 حوصرت باكرودا حيث يشكل المسلمون نسبة 80 % من عدد السكان واقتحم الجيش منازل المسلمين عنوة واقتادوا المسلمين مكبلين بالسلاسل واقتيدوا إلى مراكز الشرطة حيث طلب منهم أن يوقعوا على طلب بتغيير أسمائهم تحت جو من الارهاب والضرب والتهديد بالسجن والطرد من العمل وفي هذه الظروف القاسية تمكن الشهيد أمين محمد وفتسرنكوف من الهرب ولكن قوات الجيش طاردته وأطلقت عليه الرصاص فاستشهد وهو أب لطفلين في 32 عاما من عمره. أوقفت جميع المعاشات عن العجزة الذين تقاعدوا عن العمل وأغلقوا أبواب العمل أمام كل الذين رفضوا تغيير أسمائهم وحرموا حق العلاج وهم الذين أفنوا شبابهم في خدمة بلغاريا. حدث في مدينة مدان أن وضعت امرأة مسلمة في أحد المستشفيات الحكومية منها رسميا أن تختار لطفلها إسما غير إسلامي فرفضت أن تستجيب لطلبهم فأخبروها أن هذا أمر حكومي ولا بد أن تنفذه فعند ذلك رمت طفلها بين أيديهم وتركته لهم. في كثير من مناطق المسلمين حطموا المساجد وكانوا في الماضي قد منعوا الشباب من دخول المساجد والآن قد منعوا الشيوخ وكانوا ينتظرون موت أئمة المساجد فيقفلوها بحجة أن إمام المسجد قد توفي. إلى غير ذلك من الحوادث الشنيعة في مطاردة المسلمين وإذلالهم. ويختم البيان بما يلي:

 إننا نناشد إخواننا المسلمين والعرب أن يمدوا لنا يد العون وأن لا يكتفوا فقط بالإحتجاج إذ أن هذا الأمر يحدث على سمع العالم ومرآه إننا نطالب وقف هذه الحملة ضدنا دون ذنب ارتكبناه ونطلب من الدول العربية التي لها علاقات اقتصادية مع بلغاريا أن تتدخل في الأمر وكذلك مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية ونرجو أن يرفع هذا الأمر للأمم المتحدة ولجنة حقوق الانسان إذ أننا لا نستطيع الاتصال بهم.

 صفحة 136

 

ونسأل الله أن يشد من أزرنا وموعدنا الصبح أليس الصبح بقريب. المسلمون البلغار

رابعا ـ من ألبانيا:

 وننقل هنا عن اتحاد الطلبة المسلمين في شرق أوروبا:

 إذا كانت هنالك معان كثيرة ومختلفة توصف بها حالة شعب من الشعوب، لكي تترجم معاني التضحية والصبر ومعاناة الاضطهاد. وتحمل كل ذلك بنوع كبير من التحدي لكل شئ، وإن شعب ألبانيا المسلم لجدير بأن تطلق عليه تلك المعاني والصفات. وهنا نبدأ بنظرة سريعة مختصرة لتاريخ ألبانيا القريب وذلك إلى ما قبل خمسين عاما كانت ألبانيا في حوالي العشرينات من هذا القرن تحكم بواسطة أحمد زوقو حيث كان ملكا عليها، وكان الشعب في ذلك الوقت يمارس طقوسه الدينية بحرية سواء المسلمين أو المسيحيين، وفي هذا التاريخ بدأت عواصف الشر تهب من بعد حيث وقعت ألبانيا تحت الحكم الايطالي في عهد (فكتور امناولي) وانتدب (دوتشه موسيليني) ليحكم ألبانيا. أما الملك أحمد زوقو فقد نقل إلى إيطاليا. ثم بدأت الحرب العالمية الثانية وكانت ألبانيا مثل جارتها يوغسلافيا ترزح تحت السيطرة الألمانية، ولأسباب الحرب مع الألمان فقد اندمجت كل من يوغسلافيا وألبانيا تحت قيادة واحدة برئاسة (تيتو) وكان من ضمن القادة البارزين في حرب العصابات كل من (أنور خوجة) و (محمد شيخو) الألبانيين اللذين هم الآن يسيطران عن الحكم في ألبانيا استمر الاتحاد الإئتلافي بين يوغوسلافيا وألبانيا من عام 1944 إلى 1948، حيث ظهرت سياسة تيتو المعتدلة مع الشيوعيين والتي لم ترق القادة الألبانيين فانفصلوا عن يوغسلافيا وتبنوا الحكم الشيوعي الماركسي المتطرف.

تلك نظرة سريعة، الهدف منها الوصول إلى معرفة الوسائل التي أوصلت الحكم إلى ما هو عليه الآن.

 صفحة 137

 

ألبانيا يبلغ تعداد سكانها المليونين نسبة المسلمين 80 ـ 90 % وباقي السكان مسيحيون، ويتركز السكان المسلمون في وسط ألبانيا ورغم أن المسلمين نسبتهم كبيرة إلا أنهم يلاقون أشد المصاعب والاضطهاد من عنت الحكم الشيوعي الحاقد. حيث قام الحكام الحاقدون بهدم المساجد ومنع المسلمين من أداء شعائر دينهم، كما أن مواليدهم الجدد لا يتم تسجيلهم وإعطاؤهم الجنسية إلا بأسماء غير إسلامية وكذلك الموتى لا يتركونهم لأهليهم ليمارسوا عليهم الشعائر الإسلامية، من غسل وكفن وصلاة، كذا لا يدعونهم يدفنونهم في مقابرهم الخاصة بل يجبرونهم بدفنهم في المقابر العامة مع الشيوعيين أما عند عقد الزواج فيستحيل ذكر الديانة ويتم العقد تحت اسم مواطن ألباني فقط، وأما بالنسبة للمناهج الدراسية فهي حقلهم الخصب في زرع الإلحاد في نفوس الأطفال الصغار منذ نعومة أظفارهم إلى أن يستوي عودهم وذلك بمختلف الوسائل التعليمية، والإعلامية وقد حدثنا أحد أولئك الذين اشتغلوا بمهنة التدريس حيث يقول بأن الوزارة أمرت المدرسين بأن يهتموا بغرس فكرة عدم وجود الله في عقول الأطفال، وقد حدث مرة أن سأل طالب عن الله هل هو موجود فأجاب الأستاذ نعم الله موجود، وبسبب هذه الإجابة قضى ستة أشهر في السجن، ثم طرد من مهنة التدريس بتهمة أنه يعلم الأطفال أشياء تضر بمستقبلهم، ويذكر الأستاذ بأن الإجابة المتعارف عليها عن الله ورسوله، هي أن الله والعياذ بالله هو (أنور خوجة) ربهم ومالك نعمتهم، وأن (محمد شيخو) رسول والمتصرف بأمره. هذا جزء بسيط، وقطرة من بحر عميق مما يلاقيه المسلمون في ألبانيا المسلمة.

خامسا: من الصومال:

 أعلن زعيم الانقلاب العسكري محمد زياد بري الاشتراكية العلمية (الماركسية) ثم أصدر بعض النصوص القانونية:

 التي تسوي بين الرجل والمرأة في الميراث ـ وصرح تعليقا على ذلك لإحدى المجلات المصرية (1) ولأن الإسلام دين ثوري فقد قام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجلة روز اليوسف ـ 2 فبراير 1976 م

 صفحة 138

 

بحل بعض المشكلات حلولا فورية ثورية وكتب شيخ الجامع الأزهر يقول أنه تثبت من قتل بعض علماء الإسلام الذين كتبوا لرئيس الانقلاب يوضحون له حكم الله في الموضوع لقد قتلهم أشنع قتلة لأنهم بينوا حكم الله. أما الذي لم يفصح عنه الإمام الأكبر فهو أنهم قتلوا حرقا (1) ليعيد إلى الأذهان قصة أصحاب الأخدود. " النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد "
(البروج: 5 ـ 8).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  وقد أراد شيخ الأزهر أن ينشر بيانا في الصحف عن تلك المأساة لكنه لم يسمح له بذلك.

صفحة 139

 

المبحث الثالث كيف يعملون الآن في العالم الإسلامي وننقل هنا عن مجلة كومونيست السوفيتية في أول يناير سنة 1964. أن بين الاشتراكية العلمية والأديان السماوية صراعا مستمرا. لقد أوصانا لينين منذ البدء بأن إعادة التنظيم الفكري للعقيدة الدينية ومفاهيمها إنما هي بمثابة (التنقيح للدين) وتحدياته للاشتراكية العلمية. ثم تقول:

 ستظل العقيدة الاشتراكية في نزاع مع العقيدة الدينية ولن يستقر التحول الاشتراكي الصحيح إلا بسيادة الاشتراكية على الدين ثم تقول:

 وإذا اقتضت مراحل التحويل الاشتراكي تعايشا مع العقيدة الدينية أو إظهار الاهتمام بها في بعض الحالات، كما هو الحال في المناطق الإسلامية، فإن هذا الاهتمام هو من قبيل التدبير المؤقت. ثم تقول:

 وفي بعض النظم الاشتراكية الجديدة نجد جماعات من أصحاب المسؤوليات وهم اشتراكيون فكرا واقتناعا ـ يمارسون الفروض الدينية ويشجعونها وهم يفعلون ذلك للسيطرة على زمام المعاقل الدينية لئلا تتحداهم وترى مرحلة التحويل الاشتراكي مرحلة قاسية، ونحن في الاتحاد السوفيتي لجأنا إلى هذا الأسلوب أيضا في مناطقنا الإسلامية. كما يلجأ إليه أقطاب الحزب الشيوعي في إيطاليا الكاثوليكية. وتضيف المجلة:

 

 صفحة 140

 

ففي مثل هذه المناطق الإسلامية وجدنا أن ممارسة الطليعة الاشتراكية للفروض الدينية يساعدنا كثيرا على مرحلة التحويل الاشتراكي هناك (1) لأن العبادة العلنية في الوسط الإسلامي تعبر عن احترام الطليعة الاشتراكية للمشاعر المحلية، وبالتالي تنتزع هذه الطليعة من هذا الوسط الإسلامي الاحترام والطاعة للقيادة الاشتراكية. وتضيف:

 ولكن من الضروري أن يأتي وقت تقرر فيه القيادة الاشتراكية قرارا حازما بألا مبرر بعد للهدنة مع الميراث الديني وأصحابه وإلا أدت هذه المهادنة إلى بعث ديني جديد فيه خطر على التجربة الاشتراكية. وفي النهاية:

 " مكافحة الدين وروابطه لا تكون بنسف الدين ومعابده كليا من حياة الناس فلا تحطم الفأس ما في الضمير (2) ".

ولكن مهمة الإلحاد العلمي أن تتركز الدعوة الاشتراكية على الترويج لشعار الثورة والتركيز على خلق وعي مادي كالدعوة إلى العلم في نفوس الجماهير لينفروا من الدعوة الروحية التي هي من طبيعة الإيمان وليس من الضروري أن تهزأ من قصص الإنجيل والقرآن والكتب الدينية التقليدية وأن تقول المواعظ والصلوات بضاعة لا تصلح إلا للأطفال فهذا النوع من الدعاية الاشتراكية ضد الأديان لا يفيد كثيرا، وإنما علينا أن نعيد تفسير قصص الدين وسيرة رجاله ومواعظهم وأحاديثهم وأقوالهم بقالب اشتراكي، فإذا قلنا أن يسوع ثائر يطلب الحق للفقراء فهذا تفسير اشتراكي وبمثل هذا نقول عن محمد وغيره:

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  حرص السيد خالد محيي الدين في مصر على أداء فريضة الحاج والاعلان عن ذلك كما حرص الاعلان أنه يؤدي الصلاة ويؤمن بالإسلام عقيدة (وطبعا لا يؤمن بها شريعة. لأنه يؤمن بالنظام الماركسي أو كما يسميه الاشتراكية العلمية) راجع مقالا له في جريدة الأخبار في 1976 وراجع مؤلف الدكتور عبد الحليم محمود ـ الفصل الخامس المنهج الشيوعي

(2) هذا يدل على ذكائهم أخيرا وفهمهم لطبيعة العقيدة الدينية السليمة (كالعقيدة الإسلامية) ومراجعتهم لخطتهم السابقة.

 صفحة 141

 

وحسبنا ذلك بغير تعليق (1) و وحسبنا الله ونعم الوكيل. وعن كتاب صدر في موسكو سنة 1967 وأعيد طبعه عام 1974 م.عن معهد الإلحاد العلمي بأكاديمية العلوم الاجتماعية التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي(2). يشير إلى بعض وسائل نشر الإلحاد ومحاربة الدين. نقتطف منها جزءا لنرى أي حزب ضد الدين رغم الدعاية الكاذبة بتعايش الشيوعية مع الدين ولنرى أن وسائل الإلحاد هي وسائل التبشير القديمة تعيد نفسها مرة أخرى وإن حاولت أن تتجنب أخطاء التبشير واقتربت من من وسائل التغيير الاجتماعي يقول كتاب نشر الإلحاد الصادر في روسيا والآن من ذا الذي يعتبر أهلا للقيام بنشر الإلحاد بين معتنقي الإسلام؟ ذلك سؤال هام وخطير إذا كان الداعية الملحد الذي سيحاور المسلم لا تربطه بالإسلام أي رابطة مشتركة من الناحية القومية ففي إمكان المؤمن أن يفترض أنه إنما ينقد الإسلام خاصة ولا يتعرض لدينه هو بشئ لذلك كان من السهل على الداعية الذي ينتمي والمؤمن إلى قومية واحدة أن يجري معه حوارا، وخاصة إذا بدأ الحوار بينهما باللغة القومية المشتركة، وإن كان هذا لا يعني أن علاقة المسلم بمن ينتمي إلى قومية أخرى قائمة بالضرورة على عدم الثقة وأيا كانت قومية الداعية فلا بد من معرفة جيدة بالدين والعادات والتقاليد التي يتمسك بها المؤمن، فخلال العمل بين المسلمين تعد مراعاة السن والجنس عند المؤمنين على جانب كبير من الأهمية، ومن ثم كان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  في كتاب نحن والشيوعية في الآونة الحاضرة ـ الدكتور سعدون حجازي دار الطليعة للطباعة والنشر ـ ملحق عن موقف الحزب الشيوعي العراقي ـ كنموذج ـ من قضية فلسطين ص 58.

(2) قام بالترجمة من الروسية الدكتور سعد مصلوح مدرس علم اللغة الروسية بجامعة القاهرة ونشرت بمجلة الدعوة السعودية في عددها الصادر في 12 ربيع الثاني 12 1396 إبريل ـ 76 م بعض أجزاء اقتطفنا منها الجزء المشار إليه.

 صفحة 142

 

الحديث لكبار السن أيسر بالنسبة لداعية متقدم في السن، والغالبية العظمى من المسلمات يرفضن الحوار مع الأجنبي أما مع المرأة التي تقوم الدعاية فإنهن أفضل سلوكا إلى حد كبير. أضف إلى ذلك أن نموذج المرأة النشيطة يؤثر تأثيرا قويا على كثير من النساء فالمؤمنات يتجهن إلى محاكاة الصديقة الأكثر ثقافة أو ذات الشخصية الأكثر استقلالا. ويعين الداعية إلى الإلحاد في عمله الرأي العام الإلحادي الذي هو مدعو لأن يقوم بتشكيله. ومن المعروف على سبيل المثال أن كبار السن يكتسبون نفوذا غير عادي بين المسلمين. وهذه الخاصية يستغلها كذلك الداعية حين يلجأ إلى مساعدة الشيوعيين المتقدمين في السن والذين يكونون موضع الاجلال في المنطقة إذ يصغى الناس في العادة إلى كلماتهم باهتمام خاص وباستعداد لتنفيذ أي رجاء يصدر منهم.

وتمارس لجان الكبار التي تؤسس في مناطق السكنى والمؤسسات تأثيرا قوميا في تكوين رأي عام إلحادي. ففي كولخوز " مير " في منطقة اشخاباد (عشق آباد) امتنع والد طالبة بالصف العاشر اسمها جولينا عطاييف عن إرسالها إلى المدرسة وحاول إرغامها على الزواج وتكلم أعضاء لجنة الكبار عن الكلوخوز مع والدي الفتاة أكثر من مرة وتوصلوا إلى إعادة الطالبة إلى المدرسة. وفي كولخوز " كيناس " يقوم أعضاء لجنة الكبار بعمل كبير إذ يزورون بانتظام البيوت التي يقيم فيها المؤمنون، وقد توصل هؤلاء الأعضاء الذين اضطلعوا بمسؤولية دفن الموتى إلى أن جعلوا تأثير الشيوخ الرسميين وغير الرسميين يتضاءل في هذه العملية إلى حد كبير وفي نشر الإلحاد بين المسلمين في دار الإلحاد العلمي بموسكو يعمل الشيوعيون المتقدمون في السن مثل م. ش. شاجي أحمدوف وس. خ. اسماعيلوف وج. م. اختيافوف، وكثير غيرهم، وهم يزورون مساكن المؤمنين ويسدون إليهم النصيحة. ويساعد الدعاة مساعدة كبيرة في صراعهم ضد التأثير الديني، ارتداد انسان ذي شهرة في قضايا الدين يصلح مثالا بالنسبة لبعض المؤمنين. وقد حقق الملحد قادر يرزنيسوف من كولوخوز كيسيل بولدوزاخ جمهورية تركمانيا نجاحا كبيرا في نشاطه الإلحادي عندما دعا جماعة من أكثر المؤمنين تعصبا ثم ارتدوا عن الدين ليخطبوا أمام غيرهم من المؤمنين

 صفحة 143

 

وصار الدين ارتدوا عن الإسلام في هذا الكولوخوز عونا للداعية يمارسون نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين. ويكتسب العاملون في ميدان الطب نفوذا كبيرا بين المسلمين وفي نقط العلاج الطبي يستقبل الأطباء مرضاهم للعلاج الصحي والاجتماعي، وهكذا يقدم الأطباء المساعدة الطبية ثم يدور الحديث حول موضوعات العلوم الطبيعية. وقد حققت نقط العلاج الطبي هذه فوائد جمة لقضية تربية السكان تربية إلحادية في مدن أوزبكستنان وقراها. ولذا، فإن الطبيب ومساعده من أجود المرشحين لممارسة الإلحاد بين أفراد المسلمين ويختص المعلمون في المدارس بدور كبير في الدعاية إلى الإلحاد فالبداية الأولى للتعرف إلى الطفل تجعل في إمكان المعلم تحديد التأثير الديني للعائلة. ومهمته الأولى حينئذ هي إقناع الآباء بالامتناع عن تربية الأولاد تربية دينية ويمكنه في الوقت نفسه أن ـ يؤثر تأثيرا إلحاديا كبيرا على الآباء أنفسهم بإقامة اتصال مباشر بينه وبين أسرة التلميذ كثير من المعلمين لا يقصرون دورهم على تنشئة تلاميذهم بحيث يشبون غير متدينين بل أنهم يربون يهم رسوخ العقيدة في الإلحاد والقدرة على مساعدة المؤمنين على التحرر من أغلال الدين. وقد نشرت صحيفة الكوسمولي الأوزبكستاني واقعة طريفة عن رجل عميق الإيمان أسمه غلام أكا أحضر إلى طشقند ماء مقدسا من بخارى وكم حاول أقاربه أن يقنعوه بأن هذا المأة لا يحوي أي شئ مقدس فلم يقتنع العجوز. غير أن ابنته كانت تلميذة في الصف العاشر وضعت نقطة من الماء المقدس تحت الميكروسكوب ودعت أباها أن يحدق النظر، فقال الرجل في دهشة ما هذه الديدان إن نقطة الماء أكبر بمئات المرات، يا إلهي لم أكن أتصور على الاطلاق أن في الماء المقدس يمكن أن يوجد مثل هذا العدد من الميكروبات إنها معدية ميكروبات ألقي هذا الماء يا ابنتي على الأرض في الحال هذه تجربة بسيطة قامت بها تلميذة أدت النتيجة المرجوة ولم تفلح في تحقيقها محاولات الاقناع والشروح المسهبة. وتؤدي اللجان دورا كبيرا في ممارسة نشر الإلحاد بين الأفراد من النساء المؤمنات وقد أثرت تأثيرا طيبا في كثير من مناطق سمرقند حين نظمت اللجان النسائية في نهار رمضان حفلات الشاي

 صفحة 144

 

للنساء الصائمات في الشقق والنوادي، ولم يكن المؤمنات يرفضن الافطار في مثل هذه الأحوال وبذلك كن يخطون الخطوة الأولى في سبيل الانعتاق من الدين. ومن الأمور التي لها أهمية في نشر الإلحاد بين النساء تكوين رأي عام ضد الحجاب ضد تزويج صغار السن من البنات، وضد المعاملة المهينة للمرأة، ففي كولوخوزالاتو في جمهورية كيرغيزيا يتحدث الملحدون إلى الرجال أمام الزوار الآخرين قبل بداية أي اجتماع أو عرض سينمائي يقولون لهم على سبيل المثال يا حسن قل للناس لماذا أتيت إلى الحفل بدون زوجتك وأنت يا موزا أيضا بين الناس لم فعلت ذلك؟؟ وهنا كان بعض الرجال يصمتون ولكن كثيرا منهم كانوا يخرجون ثم يعودون ومعهم زوجاتهم وهكذا استطاع الملحدون أن يجعلوا كل الرجال يحضرون إلى أماكن الاجتماعات العامة ومعهم زوجاتهم.

 وربما كان عميق الإيمان من المسلمين أكثر عزوفا عن حضور الأمسيات والمحاضرات والمحادثات الإلحادية من أتباع أي نظام ديني آخر ذلك أن القرآن يستنكر تناول الدين بالنقد لذلك كانت المناقشات المضادة للدين والكلمات العامة عنه لا تجدي نفعا، ذلك أن أي طعن على الإسلام تعتبر إهانة صارخة لانسان رضع من لبن أمه التصورات الدينية التي يشاركه إياها أجداده وأجداد أجداده وفي مثل هذه الأحوال نجد مثل هذا الانسان إما أن ينغلق على نفسه وإما أن يعبئ كل إرادته وعقله من أجل المقاومة ولكنه لن يميل إلى قبول حديث عن الإلحاد فليس سهلا على الانسان أن يتخلى عن العقيدة التي نشأ عليها. لهذا كله لا يمس الدعاة المجربون الدين مسا مباشرا في محادثاتهم أثناء ممارساتهم نشر الإلحاد بين أفراد المؤمنين ولكنهم بعد أن يمهدوا بإثارة فضول المؤمن يتحولون إلى نقد الدين.

وها هو ذا مثال نسوقه للمعلمة ب. وليفا من كولوخوز " أكتوبر " في ضواحي سمر قند ففي المنزل عندما تجري هذه المعلمة محادثات مع المتدينات حين يفدن عليها كل مساء لشرب الشاي والاسترواح وذلك دون أن تشعر أيا من المشتركات في الحديث أنها دعوة لكي تنبذ دينها ويدور الحوار في يسر وبلا تكلف عن أحداث العالم وأنباء الكولوخوز لكن ربة المنزل هي التي تحدد لون الحديث ثم توجه الكلام تدريجيا ودون أن تلحظ الأخريات إلى الموضوع

 صفحة 145

 

المقصود فتطرح الأسئلة ثم تتولى هي بنفسها الإجابة وحينما يستولي موضوع الحديث على ألباب المؤمنات حينئذ فقط تبدأ في الكلام بحرارة وإقناع عن ضرر الرواسب الدينية وهذه قصة يرويها ملحد من موسكو يسمى ل. ح. جوميروف، تمكن من إخراج العاملة رحيمة بارانجلوفا من دينها، يقول الملحد " أخذت بصفتي ملحدا أزور شقة العاملة المتدينة رحيمة وكنت أحادثها طويلا وأقرأ الكتب جهرا وكانت رحيمة تصمت في أكثر الحالات ولكنها كانت تصغي إلي باهتمام وكان واضحا أن هذه القصص تجذب اهتمامها من العسير أن تتصور الأمر لقد سمعت مني لأول مرة عن الأبطال من النساء السوفيت وعرفت لأول مرة أسماء المشتغلات بالعلم من السوفيت وتكلمنا معها عن غزو السوفيت للفضاء وقد أزعجها كثيرا هذا الموضوع وأذهلها على وجه الخصوص أن رجال الفضاء لم يخافوا الله بل ربما خافهم الله ما دام لم يحل بينهم وبين أن يصعدوا إلى مثل هذا الارتفاع وكان على ل. ح. جوميروف أن يحادثها طويلا إلى أن خلعت رحيمة ربقة الدين من عنقها نهائيا.

 ومن الأيسر على الداعية إلى الإلحاد أن يحقق نجاحا عندما يكون الرأي العام بين المجموع مكيفا على نحو لا يفخر فيه الناس بتعليق آيات القرآن في منازلهم بل يكون مدعاة للخجل أن يعلقوا الآيات أو أن يقسموا المنزل نصفين نصف للرجال ونصف للنساء أو أن يرفضوا الغذاء في نهار رمضان، أو أن يقوموا بختان أولادهم. الخ والملحد نفسه يشكل الرأي العام إلى حد كبير يقص علينا أ. ب. افكسينتوف وهو أحد الملحدين في شمال القوقاز أن عليمة جاجير زونفا شيزوخوفا وهي من المشاركات في النشاط الاجتماعي كانت أول من امتنع عن إقامة المراسم الدينية في زواج ابنتها وقد وجدت لها في الحال أتباعا ويدلنا هذا على أن تلك المراسم قد فات أوانها منذ زمن بعيد وما أسرع ما انتشرت الأنباء في المنطقة عن زيجات جديدة تتم بمشاركة الأوساط الاجتماعية وبدون مراسم دينية، وهكذا انتهت مثل هذه الزيجات في اركينخالكي وغيرها من المناطق ولا بد في العمل على نشر الإلحاد بين المؤمنين المسلمين من أن تستغل في براعة اللهفة إلى المعرفة، ذلك أن الإسلام إذ يقوم على أساس

 صفحة 146

 

القرآن إنما يضيق إهتمامات معتنقيه ويحددها لكي يثبت الجهل ولا بد أن نضع الإسلام من ناحية والعلم من ناحية أخرى كطرفي نقيض إذ أن العلم والحضارة وحدهما هما الكفيلان بحق بتلبية رغبات السوفيت في المعرفة وليس من قبيل المصادفة تلك النتائج الإيجابية التي حققتها أحاديث الملحد قادر بيرنييسوف وهو من كولوخوز كيزيل يولدوز في جمهورية تركمانيا من المتدينين لقد استطاع أن يستخدم إنجازات العلم في تفنيد التصورات الدينية أما الملحد رحمن خوجا ميردييف ـ وهو مدير مدرسة كيرفا في جمهورية أوزبكستان فقد سمع مرة أحد عمال الكولوخوز واسمه رسول جمعاييف ـ يقول في حوار معه " لا قدر الله علينا بنزول البرد وهكذا تبين مدير المدرسة أن المتحدث إليه رجل مؤمن أدرك هذا ولكنه لم يعر الأمر اهتماما وأجرى الحديث معه لا عن الله بل عن ظواهر الطبيعة وعن ماهية المطر والبرد وكان يتكلم بطريقة مشوقة جذبت انتباه عامل المزرعة فأخذ هذا يرجو أن يزوره ضيفا وشرع الملحد يزور عائلة جمعاييف، وكان يبرهن للعائلة باستعمال أمثلة من الحياة بسيطة الفهم على عدم وجود قوة ما فوق الطبيعة تمنح الانسان خيرات الحياة وأن الانسان نفسه هو خالق سعادته وهكذا قطع " رسول " علائقه بالدين وقد أجرى ب. خوجا ميردييف أحاديث مع أحد المشايخ واسمه " تور " كانا يتقابلان عشرات المرات وفي هذه اللقاءات كان يحدثه عن سفن الفضاء كما كان يحدثه عن المجتمع الشيوعي ثم إن الملحد أطلعه على الجوهر الطبقي للاسلام وفي مصلحة من كانت عقيدة القضاء والقدر وهنا أعلن الشيخ " تور " في اجتماع عام لعمال الكولوخوز أنه لا يريد بعد الآن أن يعيش هذه الحياة الطفيلية وأنه بالرغم من كبر سنه يود أن يعمل في الكولوخوز. وهكذا تعمل الماركسية ضد الدين في روسيا وفي خارج روسيا وإن زعمت غير ذلك.

 صفحة 147

 

الباب الثالث الصهيونية " اليهودية العالمية "

الفصل الأول: التعريف بالصهيونية ومنشؤها

الفصل الثاني: مقومات الصهيونية

الفصل الثالث: مناهج الصهيونية ووسائل تنفيذها

 صفحة 149

 

الفصل الأول التعريف بالصهيونية ومنشؤها

 المبحث الأول: التعريف بالصهيونية

 لا جرم أن الصهيونية أخطر المذاهب الدينية والسياسية التي منيت بها البشرية، بما تفرض من قهر سياسي، وقسر فكري، وتمايز عنصري، واحتكار للقوى المادية والفكرية على مستوى البسيطة، وبما تنزغ بين البشر أبدا بالشحناء والبغضاء، تنزع بهم كل منزع في الإحن والكيد والملاحاة، وتزين على الكون غاشيات مدلهمة تنبهم في قتامها معالم الانسانية، وتستغشي القيم الأخلاقية التي تواضعت عليها الديانات السماوية، والمذاهب الفكرية، والفطرة البشرية على السواء. فهي ليست قاصرة على افتعال دولة يهودية في فلسطين، وإنما هي تستهدف سيادة الدنيا بأقطارها قاطبة، واسترقاق شعوبها كافة، وإخضاعها لنير اليهود والشرائع اليهودية. فالصهيونية في جوهرها ومناطها:

 عقيدة دينية متطرفة، يذعن لها أشياعها، يسوقهم التعصب والغرور العنصري قسرا، بلا وعي ولا إرادة، وأساسها في زعمهم تعاليم التوراة التي تنص على أن الله سبحانه وتعالى قد وعد اليهود بملك عالمي أبدي واستخلفهم في الأرض خالصة لهم من دون الناس. وطريقهم إلى تحقيق السيطرة على العالم مخوفة منكرة، كما رسمتها مناهجهم العملية في بروتوكولات صهيون، فهي تعتمد أساسا على تقويض أركان المجتمع العالمي، وبث عناصر الانحلال تعبث في خلاله وتستشري في أوصاله، وإشاعة الفوضى الاجتماعية والفكرية الغامرة، حتى إذا تداعت قيمه، وفقد مقوماته، فتهاوى خائرا مستسلما في خواء فكري وفراغ سياسي. انبعث اليهود من غمار الفوضى التي يتردى فيها العالم ليمسكوا

 صفحة 150

 

بزمام حكمه، ويقيموا دولة عالمية تضم أطراف الدنيا يكون قوامها من طبقتين:

 اليهود الشعب المختار يتربعون على عرش السيادة وفي يدهم صولجان الحكم، ومن دونهم الناس قاطبة عبيد اليهود يخضعون لحكمهم تلك هي الصهيونية الداء الوبيل الذي يهدد العالم ويقض مضاجعه، وليست الصهيونية فكرة حديثة ـ وإن لم تتكشف سماتها وتتضح للعالم إلا في القرن الماضي تحت اسم:

 اليهودية العالمية، بل هي عقيدة قديمة ما برحت تجول في أفكار اليهود منذ العصور اليهودية الباكرة، ويتناقلونها جيلا بعد جيل في كتمان شديد، خورا وقصورا وتحينا للفرص، ويعملون لها مصابرين مستوفزين، لا يفتأ أحبارهم وكهنتهم يذكون جذوتها آنا فآنا، فلا تخبو بين جوانحهم ولا تفتر وفي مطلع هذا القرن الرابع عشر الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) وأتتهم الفرصة، فدعا (هرتزل) لعقد المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 (1315 ه‍) بمدينة بال بسويسرا وكانت مقرراته هي الدستور العملي لهذه المرحلة من الآمال الصهيونية، ثم حدد هرتزل في كتابه (الدولة اليهودية) فلسطين باعتبارها أرض الميعاد، وقد عمل الصهيونيون على تحقيق حلمهم في خطوات ومراحل زمنية يتم من خلالها استيعاب أطراف أرض الميعاد التي تشمل المناطق الممتدة من النيل والفرات، وتضم إقليم الوجه البحري من مصر وسيناء وفلسطين وشطر العراق الغربي وسوريا ولبنان وبادية الشام والأردن وشمال الحجاز حتى المدينة المنورة وفي عام 1357 ه‍ (1948 م) أعلن اليهود ـ بالتواطؤ مع الدول الكبرى ـ قيام دولة إسرائيل، وقال بن غوريون حين ذاك:

 " إن الصهيونية قد حققت هدفها في 14 مايو سنة 1948 ببناء دولة يهودية أكبر مما كان متفقا عليه وبفضل قوات (الهاجاناه). ليست هذه نهاية كفاحنا، بل إننا اليوم قد بدأنا، وعلينا أن نمضي لتحقيق قيام الدولة التي جاهدنا في سبيلها من النيل إلى الفرات " ويعني بن غوريون أن الدولة إسرائيل قامت على مساحة أكبر مما منحتها مشروعات التقسيم لفلسطين بين العرب واليهود.

 صفحة 151

 

وقد استمرت إسرائيل في الإعداد لتحقيق توسعها واستغلت انشغال الدول العربية عنها حتى تمكنت من احتلال سيناء والجولان وجميع أراضي فلسطين. المبحث الثاني منشأ الصهيونية تنسب الصهيونية Zionism إلى جبل صهيون بفلسطين، وهو أحد جبال أربعة أقيمت عليها مدينة أورشليم (أي مدينة السلام) وهو الاسم القديم لبيت المقدس. ويعتقد اليهود أن إلههم (يهوه) يقيم في جبل صهيون، في رحابه يظهر (المسيح المخلص) الذي ينتظره اليهود، بشيرا بغفران الله وتوبته عليهم، وخلاصهم مما يقاسون من بأس وأعنات، بعد تطهرهم من أدران الموبقات والمعاصي التي ظلوا عليها عاكفين أمدا طويلا. والصهيونية مذهب ديني استعماري متطرف جدا يتمذهب به غلاة اليهود، تهدف إلى السيطرة السياسية على العالم بتقويض النظم السياسية للمجتمع الدولي بأسره، وإخضاعه لنير اليهود وحكمهم، ويزعم اليهود أن الله استخلفهم في الأرض وأورثهم أقطارها وشعوبها حقا مقدسا مقضيا، وأن الدول القائمة كافة دعية مغتصبة وأن على اليهود المجاهدة لاسترداد حقهم في فلسطين أرض الميعاد، تحت إمرة ملك من نسل داود، فإذا استتب لهم الأمر فيها عملوا على تنفيذ الشق الثاني من الوعود الإلهية، واتخاذ ملكهم في فلسطين قاعدة لملكهم العالمي السرمدي، وقسر الحكومات والدول على التسليم لهم، والاستسلام لمشيئتهم المستمدة من مشيئة الله. وينتهي الأمر بظهور المسيح المنتظر الذي أفاضت التوراة في ذكره.

ويستند اليهود في دعواههم العودة إلى أرض الميعاد فلسطين بأن ذلك ثابت من أحداث التاريخ في:

 محاولة موسى (عليه السلام) دخول فلسطين مع الأسباط الهاربين من مصر. ثم غزوة يوشع لتخوم فلسطين. ثم تأسيس مملكة اليهود الأولى في عهد شاؤول. ثم عودة اليهود من بابل بعد السبي بزعامة زرو بابل.

 صفحة 152

 

ثم ثورات اليهود في فلسطين ضد حكم البطالسة والرومان. ثم محاولات اليهود في العصور الحديثة شراء أراض في فلسطين. يمارسون فيها حياة الاستقرار. وأخيرا إنشاء دولة إسرائيل الحالية. ويزعمون أن هذه كلها حركات صهيونية خالصة وبالنسبة للشق الثاني من الوعود الإلهية ـ على زعم اليهود ـ فإن من الحركات الصهيونية البحتة حركة سبتاي زيفي الذي قام في سالونيك عام 1666 م مدعيا أنه المسيح المنتظر، . ابتغاء تجميع اليهود تحت زعامته لتحقيق نبوءات التوراة. وعلى هذا فإن جذور الصهيونية تمتد إلى أعماق التاريخ اليهودي، والطابع الديني هو السمة الأصلية لنظرية الصهيونية، ويعترف الدكتور سلومون شختر (1) بهذه الحقيقة حيث يقول:

 " حيثما يكون الصهيونيون عاملين نشيطين تكون اليهودية حية عاملة ". وعلى أثر الثورة الإسلامية العربية في فلسطين عام 1355 ه‍ (1936 م) ضد المؤامرات الاستعمارية والصهيونية فيها، شكلت حكومة الاتنداب البريطاني اللجنة الملكية البريطانية لعلاج مشكلة فلسطين وكان هدفها تقسيم البلاد بين العرب واليهود، وقد صرح زعيم الصهيونيين (وايزمن) أمام هذه اللجنة أن مبنى حق اليهود في فلسطين إنما هو وعد الله بأرض إسرائيل، وهذا هو سند اليهود الوحيد الذي لا سند سواه لجأ إليه وايزمن بعد أن خذلته سائر المزاعم والأسانيد المنطقية والقانونية. وتأييدا لذلك يقول:

 (دافيد بن غوريون) مؤسس دولة إسرائيل:

 إن الصهيونية الحقيقية لم تبدأ بهرتزل ومؤتمر بال، ولا بوعد بلفور، ولا بقرارات الأمم المتحدة عام 1948 م، لكنها بدأت يوم وعد الله أبانا إبراهيم وعده وقد ظلت دعوة اليهود لإحياء آمالهم في العودة إلى أرض الميعاد مستخفية طوال ثمانية عشر قرنا، إلا ما كان من بعض حاخاماتهم مثل (سبتاي زيفي) الذي سبقت الإشارة إلى حركته في ظلال ما أتاحه الحكم الإسلامي المتسامح لليهود في سالونيك التي كانت مدينة تابعة لدولة الخلافة العثمانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) 1847 ـ 1915

 صفحة 153

 

وفيما يلي وثيقة نشرتها مجلة (فرنسا القديمة)، تكشف عن طرف من نشاط اليهود وتدبيرهم الخفي (1):

 " في عام 1880 نشرت مجلة الدروس اليهودية التي تتقاضى نفقاتها من جيمس دوتشياد إستنادين يوضحان أن حكماء صهيون يعملون منذ القرن الخامس عشر (التاسع الهجري) في سبيل الفتح اليهودي. ففي 13 كانون الثاني سنة 1489 كتب شامور رباني مدينة ارل (من أعمال مقاطعة البروفنس الفرنسية) إلى المجمع اليهودي العالمي القائم في الأستانة (وهي إسلامبول عاصمة العثمانيين) يستشيره في بعض حالات حرجة، قال:

 إن فرنساويي إكس وآرل وماسيليا، يتهددون معابدنا فماذا نعمل؟ فورده الجواب الآتي:

 أيها الأخوة الأعزاء بموسى، تلقينا كتابكم، وفيه تطلعوننا على ما تقاسونه من الهموم والبلايا، فكان وقع هذا الخبر شديد الوطأة علينا، وإليكم رأي المرازبة (الحكام) والربانيين:

 بمقتضى قولكم أن ملك فرنسا يجبركم أن تعتقدوا الدين المسيحي فاعتنقوه، فإنه لا يسعكم أن تقاوموا، غير أنه يجب عليكم أن تبقوا شريعة موسى راسخة في قلوبكم. بمقتضى قولكم أنهم يأمروكم بالتجرد من أملاككم، فاجعلوا أولادكم تجارا ليتمكنوا رويدا رويدا من تجريد المسيحيين أملاكهم. بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم فاجعلوا أولادكم أطباء وصيادلة ليعدموا المسيحيين حياتهم. بمقتضى قولكم أنهم يعتدون على حياتكم فاجعلوا أولادكم وكلاء دعاوى، وكتبة عدل، وليتدخلوا دوما في مسائل الحكومة ليخضعوا ا لمسيحيين لنيركم فتستولون على زمام السلطة العالمية، وبذلك يتسنى لكم الانتقام. سيروا بموجب أمرنا هذا فتتعلمون بالاختبار أنكم من ذلكم وضعفكم تتوصلون إلى ذروة القوة والعظمة. في 21 كاسلو (تشرين الثاني) 1489 التوقيع:

 أمير اليهود. V. S. S. V. F. F

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن كتاب مؤامرة اليهود على المسيحية تأليف إميل الخوري ص 40 ـ 24

 صفحة 154

 

الفصل الثاني مقومات الصهيونية

المبحث الأول: المقومات الدينية

أولا: امتلاك فلسطين والأقطار المجاورة لها:

 يعتقد اليهود أن ملك فلسطين حق مشروع لهم، حيث وعد الله به ذرية إبراهيم (عليه السلام) في التوراة:

 " واجتاز ابرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلوطة مورة، وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض، وظهر الرب لإبرام، وقال: لنسلك أعطي هذه الأرض، فبنى هناك مذبحا للرب الذي ظهر له (1) ".

ثم وجه هذا الوعد، ولما يتحقق بعد، إلى إسحق بن إبراهيم، (عليهما السلام):

 " وكان في الأرض جوع غير الجوع الأول الذي كان في أيام إبراهيم، فذهب إسحق إلى أبي مالك ملك الفلسطينيين إلى جرار، وظهر له الرب وقال:

 لا تنزل إلى أرض مصر، أسكن في الأرض التي أقول لك، تغرب في هذه الأرض، فأكون معك، وأباركك، لأني لك ولنسلك أعطي جميع هذه البلاد، وأفي بالقسم الذي أقسمت لإبراهيم أبيك (2) ". ومفهوم هذا النص أن الله قد اختص إسحق (عليه السلام) ونسله بجماع ما وعد به أباه إبراهيم ونسله، فيما عدا مصر التي أمره بعدم النزول فيها، والتي ينبغي أن تؤول بناء على هذا إلى إسماعيل (عليه السلام)، لولا أن الله قد استثناه من ذرية إبراهيم (عليه السلام) فيما وعدها به ـ كما يزعم محرفو التوراة وقال إبراهيم لله:

 " ليت إسماعيل يعيش أمامك، فقال الله:

 بل امرأتك تلد لك ابنا وتدعو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين 6، 7

(2) الإصحاح السادس والعشرين من سفر التكوين 1 ـ 3

 صفحة 155

 

اسمه إسحق، وأقيم عهدي مها عهدا أبديا لنسله من بعده. وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدا. اثني عشر رئيسا بلد، واجعله أمة كبيرة، ولكن عهدي أقيمه مع إسحق الذي تلده سارة في هذا الوقت في السنة الآتية (1) ". ثم وجه هذا الوعد مرة أخرى إلى يعقوب ثم إسحق (عليهما السلام) في صورة حلم تراءى ليعقوب وهو نائم في أرض حاران، وورد ذكر تمليك أرض كنعان لموسى وهارون (عليهما السلام) (2). وبعد وفاة موسى وجه الله وعده إلى خليفته يوشع بن نون في صورة أكثر تفصيلا:

 " موسى عبدي قد مات، فآلان قم أعبر هذا الأردن، أنت وكل هذا الشعب إلى الأرض التي أنا معطيها لهم (أي لبني إسرائيل). كل موضع تدوسه بطون أقدامكم لكم أعطيته، كما كلمت موسى، من البرية ولبنان هذا إلى النهر الكبير نهر الفرات، جميع أرض الحيثيين وإلى البحر الكبير نحو مغرب الشمس يكون تخومكم (3) ". وجاء الوعد الإلهي أخيرا إلى داوود (عليه السلام) ونسله على لسان ناثان النبي (4)، وتكرر ذكر الوعد الإلهي في أسفار شتى، كما رددته المزامير في أكثر من موضع، ومن ذلك:

 " لأن الله يخلص صهيون ويبني مدن يهوذا، فيسكنون هناك ويرثونها، ونسل عبيده يملكونها، ومحبو اسمه يسكنون فيها (5) ". هكذا تكررت الوعود الإلهية بملك اليهود لفلسطين، وكأنما وجهت متتالية لمجرد التشويق والإثارة لا للتنفيذ، فهي توجه لهذا تارة ولآخر تارة أخرى من غير أن تتحقق لا لهذا ولا لذاك.

ثانيا ـ فكرة المسيح المنتظر:

 يعتقد اليهود أن عودتهم إلى أرض الميعاد سوف تتم على يدي المسيح المنتظر، Paraclet ويقصد به المنقذ أو المخلص، إذ سوف يبعثه الله من صهيون من نسل داوود، لينقذهم من المحن والشدائد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين 18 ـ 22

(2)  في الإصحاح الرابع عشر من سفر اللاويين 33 ـ 34

(3)  الإصحاح الأول من سفر يشوع 2 ـ 4

(4)  الإصحاح السابع سفر صموئيل الثاني 4 ـ 6 و 12 ـ 16

(5) المرموز التاسع والستين.

 صفحة 156

 

والهوان، جزاء عصيانهم أوامر الله، ومروقهم عن طاعة أنبيائه، وإمعانهم في الآثام والموبقات، وينتقم لهم من جميع الشعوب، ويفرض عليها سلطان اليهود. وجاء في التوراة (1):

 أن ظهر في مملكة إسرائيل في عهد الملك اخاب ابن عمرى النبي إيليا التشبي داعيا إلى تطهير البلاد من أدران الوثنية والمفاسد الخلقية التي تردى فيها المجتمع الاسرائيلي، إلا أن دعوته صادفت ازورارا وإنكارا فصعد إلى السماء في غمار عاصفة عاتية، مستقلا مركبة نارية تجرها خيل من نار كذلك ويعيش اليهود على أمل إيليا من السماء، بشيرا بمقدم المسيح المنتظر هاديا ومخلصا

ثالثا ـ إخضاع العالم لسلطان اليهود ـ شعب الله المختار:

 حرص اليهود على إخفاء أطماعهم الاستعمارية الخيالية، وتكتموا الأسباب التي يعزون إليها حقهم في حكم العالم وسيادة البشر، فلا يتناجون بها إلا في خاصة مجالسهم ومجتمعاتهم، متخافتين حتى لا يستثيروا السخط العالمي، ويواجهوا عداوة. ولهذا بادر الصهيونيون إلى إنكار دستور اليهودية العالمية (بروتوكولات صهيون)، متبرئين منها فور إماطة اللثام عنها، وحاولوا إحراق الطبعات الأولى منها قبل تداولها وذيوعها، ولكنهم فشلوا، إذ تكرر طبعها في أنحاء العالم بمختلف اللغات. وقد سار الصهيونيون في تحقيق أهداف البروتوكولات الخطيرة ـ رغم إنكارها لها ـ مترسمين تعاليمها ومناهجها بدقة وإصرار ودأب متصل، وكان الزعيم الصهيوني الكبير (هرتزل) قد صرح في عدة بيانات أصدرتها اللجنة الصهيونية في عام 1901 م (1319 ه‍) أن بعض الوثائق الخطيرة قد سرقت من قدس الأقداس، وما كان ينبغي لها أن تنشر قبل الأوان، مشيرا بذلك إلى تلك البروتوكولات دون ريب، وكان أمرها قد افتضح للعالم مما أثار الرأي العام العالمي ضد اليهود. ويستند اليهود في ادعائهم حق السيطرة على العالم إلى ما جاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإصحاح الثاني من سفر الملوك الثاني.

 صفحة 157

 

في التوراة من أنهم شعب الله المختار الذي فضله الله على العالمين، واستخلفه في الأرض، ومن ثم كان من حقه السيطرة على شعوب الأرض والقوامة على حكومتها، ومما جاء في التوراة:

 " ويقف الأجانب ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حراثيكم وكراميكم، أما أنتم فتدعون كهنة الرب تسمون خدام إلهنا، تأكلون ثروة الأمم، وعلى مجدهم تتأمرون (1) ". وفي التوراة أيضا:

 " أني أخبر من جهة الرب، قال لي:

 أنت إبني، أنا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثا لك، وأقاصي الأرض ملكا لك، تحملهم بقضيب من حديد، مثل إناء خزف تكسرهم (2) ". وقد كان الكاهن (عزرا) يعتقد أن العالم قد خلق من أجل بني إسرائيل شعب الله المختار، وأن آماله إلى الخضوع لحكمهم، وأن بني إسرائيل يمرون في ذلك الوقت من عصر عزرا بمرحلة تمهيدية ضرورية للوصول بهم إلى الملك العالمي الموعود. والعجيب أن هذه المرحلة التمهيدية لم تنته بعد، رغم مرور أكثر من أربعة وعشرين قرنا من الزمان. ونكتفي بالرد على أوهام الصهيونية بقوله تعالى:

 (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124) (3).

التعاليم السرية في التلمود والكبالا:

 هذا ولا تقتصر النصوص الدينية لدى الصهيونيين على أسفار التوراة فحسب، فالصهيونية تنتمي بعقيدتها إلى طائفة اليهود الربانيين الذين يؤمنون بالتلمود كتابا مقدسا، ويعتقدون أن منزل من عند الله على موسى (عليه السلام) كالتوراة سواء بسواء، ولا يختلف عن التوراة إلا في أنه أنزل على موسى مشافهة، بينما كتبت نصوص التوراة على لوحين حجريين بيد القدرة الإلهية، وأكمل موسى (عليه السلام) تدوينها في كتاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  الإصحاح الحادي والستين من سفر أشعيا ـ 4 ـ 6

(2)  المزمور الثاني 7 ـ 9

صفحة 158

 

ولئن نسب كثير من تعاليم التلمود إلى حاخامات اليهود الربيين، فإن ذلك مما يؤكد قداستها في عرفهم، لأن كلام الحاخامات كما يقول التلمود هو كلام الله وله عند الله المقام الأسمى، حتى أنه سبحانه وتعالى يستشيرهم كلما أعضلته مشكلة مستعصية (1). (تعالى الله عما يقولون) ومبنى تعاليم التلمود أن بني إسرائيل صفوة الخلق، اصطفاهم الله على العالمين، واستخلفهم في الأرض يتملكونها ويسودون أهلها، حقا مقضيا لهم وقد بشر التلمود اليهود بملك العالم في قوله:

 " كل مكان تطؤه أقدامكم يكون لكم، كل الأماكن التي تحتلونها فإنها لكم، فأنتم سترثون الجوييم (أي الكفرة والأنجاس غير اليهود) المستكبرين في الأرض، وبعد ذلك كل مكان بعد أرض إسرائيل التي يجب أن لا تكون نجسة تحت أقدام الجوييم، إنكم بعد أن تحتلوا أرض إسرائيل يحق لكم أن تحتلوا غيرها ". وجاء في التلمود أيضا:

 " يجب على كل يهودي أن يسعى لأن تظل السلطة على الأرض لليهود دون سواهم، وقبل أن يحكم اليهود نهائيا باقي الأمم يجب أن تقوم الحرب على قدم وساق، ويهلك ثلثا العالم، وسيأتي المسيح الحقيقي ويحقق النصر المرتقب، وحينئذ تصبح الأمة اليهودية غاية في الثراء، لأنها تكون قد ملكت أموال العالم جميعا، ويتحقق أمل الأمة اليهودية بمجئ إسرائيل، وتكون هي الأمة المتسلطة على باقي الأمم عند مجئ المسيح ". ويلحق بالتلمود ـ وهو كتاب اليهود السري المقدس ـ كتاب سري آخر يعرف بالكبالا لا يقل عنه خطورة، بما يثير من التعصب العنصري العنيف، ويروج له بغلظة ووحشية. والكبالا كتاب يتوارثه اليهود منذ القدم، يعالج التصوف اليهودي عن طريق السحر الذي يمثل شطرا من الطقوس الدينية التي يمارسونها خفية خشية اطلاع أحد من الشعوب الأخرى عليها، لما فيها من التفنن في الكيد لتلك الشعوب التحريض على اغتيالها لاستنزاف دمائها، واستخدامها في ممارسة هذه الطقوس، ويحقق الكبالا لليهود الأهداف التالية:

 

 

 صفحة 159

 

1 ـ الحفاظ على مبادئ اليهود العدوانية المتطرفة حيال الشعوب الأخرى، بإيجاد المناخ النفسي الملائم لتعيش فيه هذه المبادئ، وذلك بإشعال نار الحقد والتعصب العنصري في صدور اليهود بما تتضمنه من فنون الكيد والانتقام، التي تحضهم عليها كشعائر دينية مقدسة.

2 ـ إشباع ثائرة اليهود العدوانية، وشفاء غليلهم باستنزاف دماء أعدائهم، واستخدامها في الطقوس السحرية الدموية. 3 ـ يحس اليهود في ممارسة تعاليم الكبالا طمأنينة وراحة نفسية عميقة ويستشعرون أنهم إنما يمارسون شعائر مقدسة تقربهم من الله وترفع عنهم ما حاق بهم من غضب إلهي منذ الحقب الخالية. وقد كانت تعاليم الكبالا نواة للنشاط السري الهدام الذي توفر عليه اليهود دائبين متمثلا في مختلف الجمعيات والمؤتمرات التي سعوا من خلالها إلى تحقيق آمالهم وأطماعهم، كما كان لتلك التعاليم تأثير مباشر في صياغة أفكار اليهود الصهيونيين على الصورة الشائهة القائمة، والأسلوب الدموي الجانح الذي يمارسه الصهيونيين الآن (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في كتاب " اليهودية العالمية وحربها المستمرة على المسيحية " للأستاذ إيليا أبو الروس تفصيل وقائع محددة عن ممارسة طقوسا وحشية تقوم على تقديم الضحايا البشرية بقتلهم بفنون التعذيب والوحشية بقصد استخدام دمائهم المسفوحة في أغراض دينية تقربا إلى الله وقد ورد في الكتاب المذكور كثير من الوقائع التي أوقعها اليهود في أقطار العالم الشرقية والغربية وكشفت عنها التحقيقات الرسمية التي أجرتها الحكومات المختصة. وكذلك أورد عبد الله التل في كتابه (خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحية) كثيرا من الوقائع المشابهة.

 صفحة 160

 

المبحث الثاني المقومات السياسية لم يفصح اليهود عن نواياهم الاستعمارية، لأن مقوماتها دينية محضة، ومبناها على نصوص التوراة وتعاليم التلمود والكبالا، كما رأينا، وتلك المصادر الدينية، وضعت الصهيونية الحديثة قواعد دستورها المعروف ب بروتوكولات حكماء (1) صهيون. وقد كانت هذه التعاليم من أسباب تألب الرأي العام الأوروبي على اليهود، وما أصابهم من اضطهاد وتعذيب، لما تضمنته من أطماع عدوانية وتعاليم فاسدة جانحة تثير الحقد والبغضاء وتعيث في الأرض بالفساد والخراب. وفي القرن الماضي استغل اليهود رواج النظريات القومية وتفجر الحركات الاستقلالية في أوروبا، فالتمسوا الذرائع التي توسلت بها الشعوب لتحقيق مطالبها القومية، وقد ساعد اليهود في الوصول إلى هدفهم ما ظفروا به من حرية في ظلال الحكومات الكبرى كبريطانيا وفرنسا، أسوة بسائر الشعوب المهضومة الحقوق، وبذلك تمكن اليهود من الجهر بمطالبهم، واستدرار الشفقة والعطف عليهم بعد ما عانوه من صنوف الذل والاضطهاد. وقد استهدف الصهيونيون في حركتهم العلنية مطلبا يعتبر بالنسبة لأطماعهم الأصلية متواضعا محدودا، إذ اقتصر على السماح لهم بالهجرة إلى فلسطين باعتبارها وطنا قوميا لهم، يمارسون فيه حقوقهم القومية بمنجاة من ويلات الاضطهاد والتعذيب. وقد استندوا في تبرير هذا المطلب إلى دعوى القومية اليهودية الخاصة التي يزعمون أنهم يتمتعون بها، ويدين بها كافة اليهود في بقاع الأرض، وأن من حق هذه القومية اليهودية التوطن في فلسطين بالذات، لما لهم فيها من حقوق دينية وتاريخية رددتها كتبهم المقدسة، ومن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لفظ حكماء جمع حكيم يقابل: حاخامات جمع حاخام باللغة العبرية، وما أبعد تلك التعاليم عن الحكمة.

 صفحة 161

 

شأن هذا الوطن القومي أن يعصمهم مما يحيق بهم من اضطهاد عنصري لاحقهم على مدى التاريخ. وكان موسى هيس (1) اليهودي الألماني أول من نادى بالقومية اليهودية، يحاول أن يربط بها بين أشتات اليهود أينما استقروا، وجعل منها الدعامات السياسية للحركة الصهيونية. والمسوغات الاجتماعية والسياسية التي استخدمها اليهود الصهيونيون للاستيلاء على فلسطين تتلخص في ثلاثة أنواع رئيسية من الحقوق:

1 ـ حق القومية اليهودية في صعيد واحد يجمع شمل اليهود.

2 ـ حق اليهود التاريخي في العودة إلى فلسطين وطن أسلافهم الذي شردوا منه.

3 ـ حق الانساني في تجنيب اليهود ما يلاقون من اضطهاد عنصري أينما استقر المقام بأوزاعهم في فجاج الأرض. والأسباب السياسية والاجتماعية التي يدعيها اليهود الصهيونيون لم تكن هي دعامة النظرية الصهيونية وعمادها، وإنما هي تعلات محدثة ومسوغات طارئة غير أصلية، ابتدعوها تكأة يعتمدون عليها في الإسفار عن دعوتهم، وقناعا تبدي به للعيان ظاهرة الجرم مستخفية المعالم المريبة، تموه به أطماعها الخفية، وقد استمدت المسوغات السياسية والاجتماعية اعتمادا على:

 1 ـ ما قررته الثورتان الامريكية والفرنسية من حقوق طبيعية للانسان حفز اليهود على المطالبة بحقوقهم الفردية والجماعية المسلم بها والتي تواتر اعتراف الدول بها لمواطنيها، تلك الحقوق التي منحتهم حرية الرأي، وشجعتهم على إنشاء الجمعيات الخاصة وتنظيم الحملة الدعائية المركزة التي وطأت لهم أذهان العالم والضمير العالمي واستمالت الرأي العام على أوسع نطاق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) 1812 ـ 1875

 صفحة 162

 

2 ـ نشاط الحركات القومية خلال القرن التاسع عشر الميلادي (الثالث عشر الهجري) وتقرير حق المصير للقوميات المختلفة، مما وجدت فيه الصهيونية مسوغا لادعاء حقوق قومية لهم أسوة بالقوميات الناهضة.

3ـ قيام المذابح اليهودية في شرق أوروبا وفي روسيا القيصرية خاصة، وانتهاز فرصة انفعال الرأي العام في أوروبا عطفا وإشفاقا على اليهود، مما أتاح لهم المبرر لطلب التجمع في وطن قومي يلوذون به. ولم تكن الأهداف الإقليمية اليهودية مرتبطة بفلسطين بالذات، فقد كان هدف اليهود المضطهدين تجميعهم في دولة يهودية يمتنعون فيها، ويمارسون فيها حياتهم العنصرية بمنجاة من الاضطهاد، أيا كانت هذه الدولة، دون التقيد بإقليم معين، غير أنهم ما أن استشعروا تعاطفا من المجتمع الدولي حتى ظهرت الرغبة الدفينة في امتلاك فلسطين، وفشلت كل المشاريع والعروض في جعل وطنهم القومي في الأرجنتين أو كندا أو الولايات المتحدة الامريكية أو جنوب أفريقيا أو استراليا أو أوغندا. الخ.

 وكان تيودور هرتزل قد اقترح أن يجمع شتات اليهود من أرجاء العالم في الأرجنتين أو في فلسطين، ولكن المؤتمر الصهيوني الأول الذي انعقد في مدينة بال بسويسرا عام 1897 م قرر تخصيص فلسطين، وقد حاول هرتزل عام 1901 م إغراء الخليفة العثماني السلطان عبد الحميد ببيع فلسطين لليهود، ولكن السلطان رفض التنازل عنها بأي ثمن، وأصدر أمرا بحظر دخول اليهود إلى فلسطين، ولما كرر الصهيونيون المحاولة برئاسة هرتزل وبخ السلطان عبد الحميد رئيس ديوانه لسماحه بدخول هرتزل عليه، وطرده شر طردة.

وبعد سنوات قليلة قام أعوان اليهود من ضباط حزب الاتحاد والترقي بالانقلاب على السلطان عبد الحميد كما هو معروف وقام الحكام الذين خلفوا عبد الحميد من الإتحاديين ـ ومعظمهم من أعضاء المحفل الماسوني أو من الدونمة (1) بفتح باب الهجرة لليهود إلى فلسطين وعملوا على الاسراع في تصفية الدولة العثمانية وإلغاء منصب الخلافة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هم طائفة من اليهود الذين نزلوا مدينة سلانيك في الدولة العثمانية وتظاهروا باعتناق الإسلام نفاقا ليتمكنوا من الهدم من الداخل.

 صفحة 163

 

الفصل الثالث مناهج الصهيونية ووسائلها

المبحث الأول: مناهج الحركة الصهيونية يعتمد اليهود في تنفيذ سياستهم الاستعمارية على ركائز أربعة:

1 ـ السيطرة الفكرية:

وسبيلها الدعاية العريضة المنظمة عن طريق أجهزة الإعلام الفعالة لتهيئة الأذهان وتطويعها لأهوائهم، سواء كانت هذه الأجهزة منظمات يهودية سافرة، أم منظمات اجتماعية مموهة، سرية كانت أم علنية، كالجمعيات الماسونية، وفرسان المعبد وجماعات الصليب الوردي وشهود يهوه والكبالا وغيرها من الهيئات والمنظمات والجمعيات التي بثوها في أقطار العالم مكامن لهم، يعملون فيها على وأد الشعور الديني والوطني لدى المنتمين إليها من شتى الأجناس والأديان، ومباءات لعملائهم الذين سخروهم عيونا لهم وأرصادا، ثم سائر وسائل الإعلام الصحفية والدعائية كالإذاعة والسينما ووكالات الأنباء التي أخضعوها لنفوذهم المالي، يشنون بها على أعدائهم حربا نفسية شعواء، توهينا لقواهم، وتصديعا لشملهم، وإضعافا لروحهم المعنوية، بإثارة الفتن، وإشاعة الفوضى الفكرية، والبلبلة الذهنية، وإفساد العقائد، وإفقاد الثقة بالنفس، وبالقيم الأخلاقية. وهم يمارسون نشاطهم الاعلامي بدهاء وحذق، فلا يكتفون بإذاعة وجهات نظرهم في إطار مغر مدو، وإنما يترصدون بحرص شديد ما يذاع في الصحف ووسائل الإعلام الأخرى فيحولون بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة ـ من ضغط وتشهير ورشوة وإغراء ـ دون إذاعة ما يسيئ إليهم أو يخالف وجهة نظرهم، أو ما يفيد منه أعداؤهم بوجه عام.

 صفحة 164

 

ويعتمد الصهيونيون اعتمادا كبيرا على وسائل الإعلام، ويرون في الدعاية الصاخبة المدوية مفاعلا أبلغ تأثيرا وأقوى نفاذا، يقول هرتزل في مذكراته " الضجة هي كل شئ، والحق أن الضجيج يؤدي إلى الأعمال الكبيرة " وذلك لأنها تستلفت الأنظار، وتعبئ الأنصار، وتضعف الأعداء، وتنقل المعركة إلى جو عالمي تتوفر لها فيه مزايا ماضية حاسمة.

 2 ـ السيطرة المالية:

 وتتحقق عن طريق البنوك وبيوت المال، التي يهيمن عليها اليهود، ويوجهون بها النشاط الصناعي والتجاري لمصلحتهم، ويتحكمون في الاقتصاد الفردي والاقتصاد الجماعي بما يدعم نفوذهم السياسي، فيبتزون بها الثروات الخاصة والعامة، ويمتصون الأموال من المجالات الحيوية، وهي عصب الحياة في المجتمع حتى يتحطم وينهار، وذلك عن طريق الاحتكار والمضاربات المالية والاقراض بالربا الفاحش، وإشاعة الفقر والدمار والإفلاس، وشراء ضمائر الساسة والحكام توصلا إلى ما يبتغون من مآرب وأطماع. ووسيلتهم إلى احتكار الأسواق العالمية إغراق الأسواق الجديدة بالمنتجات بسعر أقل من سعر التكلفة، على أن يعوضوا خسارتهم برفع الأسعار في الأسواق التي تم لهم احتكارها من قبل، مما يعرض منافسيهم للكساد والإفلاس، حتى إذا ما خلا لهم الجو الاحتكاري في السوق الجديدة، رفعوا الأسعار فيها إلى درجة فاحشة تجزل لهم الربح أضعافا مضاعفة. والمال اليهودي سلاح خطير، فإن سيطرتهم على مصادره وموارده مكنتهم من مخانق الاقتصاد والسياسة معا، كوسيلة للتهديد والإفلاس وانهيار الاقتصاد الخاص والعام، مما يؤثر على كيان الدولة ذاته وهو من ناحية أخرى سبيل للإغراء تستمال به الدول عن طريق القروض إبان الأزمات والحاجة إلى تمويل المشروعات الاقتصادية والحربية، وأخيرا فالمال في أيدي اليهود أداة فعالة لشراء الذمم والضمائر والأصوات في المجتمعات المحلية والمحافل الدولية.

 صفحة 165

 

3 ـ السيطرة السياسية:

 وسبيلهم إليها التغلغل في الأوساط السياسية، واكتساب التأييد الدولي، وضم كبار الساسة والمسؤولين إلى صفوفهم بشتى الطرق المشروعة وغير المشروعة، فتراهم في الدول الرأسمالية يمالئون النظام الرأسمالي ليكونوا من دعائمه وزعمائه، ثم هم في روسيا الشيوعية دعاتها المتحمسون رواد الثورة البلشفية الحمراء. ورغم حرص اليهود على اعتزال الحياة الاجتماعية والسياسية واقتصار نشاطهم على شؤون المال والاقتصاد التي توفروا عليها، وتخصصوا فيها، وملكوا زمامها، فإنهم لا يظهرون على مسرح الحياة الدولية العامة إلا في وظائف السلطان التي يتسللون إليها بدهاء خارق، وفقا لسياسة مرسومة، حتى تتاح لهم السيطرة على دفة الحكم فيوجهوها الوجهة التي يبتغون، والتي تحقق مناهجهم الصهيونية، سواء بتسخير سلطات الدولة لتأمين الحياة الرخية لليهود، وتوفير الطمأنينة لهم، أو بإفساد مجتمع الجوييم، وإشاعة الإنحلال في أوصاله، تمهيدا لسيطرة اليهود وسيادتهم، فكانوا يتسللون عبر التاريخ الطويل ـ إلى المناصب الإدارية العليا، والمراكز السياسية المرموقة، سواء في الدول الإسلامية أو المسيحية، في المشرق والمغرب، فكان منهم خواص الأطباء في بلاط الملوك والأمراء، وكان منهم المستشارون والسياسيون والخبراء الماليون وقد استطاعوا عن طريق رجالهم الذين وصلوا إلى المناصب الدولية الهامة أن يحصلوا من الحكومة البريطانية على وعد بلفور بقيام وطن قومي لليهود في فلسطين، وأن يهيؤا لأنفسهم في ظل احتلال بريطانيا فلسطين الدعامات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي قامت عليها دولة إسرائيل واستطاعوا بعد ذلك أن يحصلوا ـ وعن طريق رجالهم وعملائهم أيضا ـ على تأييد الولايات المتحدة الامريكية لكل مشروعاتهم وسياساتهم وأن يظفروا بأصوات الكثرة من أعضاء هيئة الأمم المتحدة حين طرح عليها الاعتراف بدولة إسرائيل المغتصبة.

 4 ـ السيطرة العسكرية:

 وهي المرحلة الأخيرة في مناهج الحركة الصهيونية، ومؤداها العمل

 صفحة 166

 

على إعداد جيش يهودي مزود بأحدث الأسلحة والعتاد الحربي لحماية دولتهم، والتوسع العدواني بالغزو المسلح. وقد بدأت الصهيونية بالإعداد لتكوين الجيش إبان الحرب العالمية الأولى عندما شكلت فيلقا يهوديا من تسعمائة جندي انضم إلى فريق النقل في الجيش البريطاني وعرف باسم فرقة البغالة الفلسطينية، واشتركت في عملية غاليبولي في تركيا ثم سرحت سنة 1335 ه‍ (1916 م) وعلى أثرها انضم آلايان من اليهود إلى فرقة حملة البنادق الملكية البريطانية، كما انضمت فصائل من اليهود إلى جيوش اللود اللبني التي غزت فلسطين في نهاية الحرب العالمية الأولى. وكانت الظروف مواتية لهم أثناء الحرب العالمية الثانية حين غزا الجيش الألماني الشرق الأدنى بقيادة روميل، فشكل اليهود سنة 1360 ه‍ (1941 م) فرقة عسكرية من عصابة هاجاناه وأطلق على الفرقة اسم البالماخ أي الصاعقة، لتساعد في المقاومة خلف خطوط القتال في حالة احتلال الألمان لفلسطين، وينتسب إلى هذه الفرقة كثير من زعماء إسرائيل مثل:

 موسى ديان، وإسحق رابين، وحاييم بارلييف كما ساهمت القوات اليهودية مع الجيوش الانجليزية والفرنسية الموالية للحلفاء في غزو سورية ولبنان وأنشئت فرقة يهودية أخرى ألحقت بالجيش البريطاني واشتركت في غزو إيطاليا. وهكذا أتيح لليهود المبرر الرسمي لتكوين كتائب عسكرية مدربة تدريبا حديثا، ومزودة بالسلاح والعتاد، وتمكنوا في ظلال الاحتلال الانجليزي لفلسطين من تحويل مستعمراتهم فيها إلى ثكنات عسكرية تحمل طابعا إجتماعيا أو رياضيا أو كشفيا، مثل: المكابي، والترميلد، وشباب إسرائيل، والطلائع، وأبناء صهيون بالإضافة إلى المنظمات العسكرية:

 هاجاناه، وأرجون زفاي ليومي (1) وشترن (2). وحين انسحبت بريطانيا من فلسطين سنة 1367 ه‍ (1948 م) وأعلن اليهود قيام دولة إسرائيل، كان لديهم جيش مدرب، ومستعمرات محصنة، وعصابة من الدول الاستعمارية تؤيدهم وتعترف بهم، وما زال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أي التنظيم القومي الحربي، وهي مشكلة من اليهود الأوروبيين.

(2) وهي مشكلة من اليهود الشرقيين.

 صفحة 167

 

الجيش الاسرائيلي موضع الحدب والرعاية من دول الغرب ـ وخاصة أمريكا ـ تمده بأحدث الأسلحة وبكميات ضخمة جدا، بحيث يتفوق بمعداته على الدول العربية المحيطة بإسرائيل مجتمعة كما تمده روسيا الشيوعية بالطاقة البشرية من المحاربين والخبراء ممن يرغب في الهجرة من اليهود المقيمين في روسيا.

 صفحة 168

 

المبحث الثاني:

 وسائل تنفيذ المناهج الصهيونية من أبرز خصائص الصهيونية الالتزام بوصايا التوراة التزاما حرفيا، والإيمان المطلق بتعاليم التلمود، ولهذا فهي تمعن في الشر، وتغرق في العنف والتنكليل والولوغ في الدماء بضراوة ووحشية، تبتغي من ذلك أولا القضاء على كل مقاومة، وإبادة أعدائها، ثم إشاعة الهلع وبث الرعب في القلوب لتفتيت القوى المعنوية، ودفعها للإستسلام، فإن عجزت الصهيونية عن ممارسة هذا الأسلوب من العنف، اصنطعت الختل والنفاق والغدر والغيلة، وهي أسلحة خبيثة لا يلجأ إليها إلا الضعيف المخذول. واليهود هم أول من وضع قواعد الفلسفة الميكافيلية الوصولية، التي تبرر كل وسيلة تحقق الهدف، دون اعتداد بالقيم الخلقية أو الفضائل الانسانية، كما يظهر ذلك من مطالعة تاريخ اليهود في أسفار التوراة، فالصفة المميزة لهم هي الاجتراء على كل قيمة مشروعة في سبيل مصالحهم، وكل وسيلة مهما كانت دامية، أو ملتوية، أو مشينة مزرية، فهي مشروعة، يطمئن إليها الضمير اليهودي، بل يسبغ عليها البركة ولقد تبلورت قاعدة الغاية تبرر الوسيلة في البروتوكولات التي سنعرض لها قريبا، وكان الإغراء النسائي أقدم الوسائل التي سجلت التوراة ـ المحرفة طبعا ـ على العبرانيين استغلالها لتحقيق مآربهم، ونسبت إلى إبراهيم (عليه السلام) ـ وحاشاه ـ استغلالها. فقد روت التوراة مع التأييد والإعجاب في الإصحاح الثاني عشر من سفر التكوين، كيف تخلى إبراهيم (عليه السلام)، عن شهامته وغيرته عن طيب خاطر، لقاء أجر إذ قدم زوجته إلى فرعون مصر، وأغراها بقبول التضحية بعرضها وأمرها أن:

 " قولي أنك أختي، ليكون لي خير

 صفحة 169

 

بسببك، وتحيا نفسي من أجلك فأخذت المرأة إلى بيت فرعون، فصنع إلى إبراهيم خيرا بسببها وصار له غنم وبقر وحمير وإماء وأتن وجمال " وينسب اليهود فيما سطروه في التوراة إلى أنبيائهم كل مخزية من الصفات والأعمال، مما هو معروف، كما تضمنت التوراة نصوصا تدعو إلى البطش، بأعدائهم والتنكيل بهم، والتخلي عن الرحمة والشفقة في معاملتهم ولو كفوا أيديهم عنهم واستسلموا لحكمهم:

 " حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويستعبد لك. وإن لم تسالمك بل عملت معك حربا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك وهكذا تفعل بجميع المدن البعيدة جدا التي ليست مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيها الرب إلهك نصيبا فلا تسبق منها نسمة ما (1) " ولا يتسع المقام ذكر فظائع اليهود التي سجلها التاريخ، ويكفي أن نشير إلى ما قام ويقوم به اليهود من العدوان الصهيوني على الفلسطينيين، الذين طردوهم من ديارهم شر طردة، ونهبوا أموالهم، وانقضوا عليهم غيلة وغدرا في مجازر مروعة في دير ياسين سنة 1367 التي ذبح بها مائتان وخمسون من الرجال والنساء والأطفال، وفي قرى:

 ناصر الدين وبلد الشيخ وسكرير، وعيلوط وغيرها. وفي سنة 1374 أعادوا الكرة في مدينة غزة، وفي سنة 1381 أباد الصهيونيون قرية التوافيق بمن فيها وقرية السموع وبعد ذلك استمرت الغارات الصهيونية على الجليل والجولان ومدن قناة السويس وعلى معسكرات اللاجئين الفلسطينيين، حيث فتكت بهم ودمرت أكواخهم، وبعثرت أشلاءهم مستخدمة أشد الأسلحة الحديثة فتكا (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإصحاح العشرين من سفر التثنية 10 ـ 17

(2) سجلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقريرها سنة 1967 م (1386 ه‍) التي حملها عنف الصهيونية وضراوة وحشيتها إلى إذاعة التقرير الذي سجلت فيه تلك الفظائع الرهيبة. راجع خلاصة هذا التقرير في كتاب (الصهيونية بين الدين والسياسة) ص 77 ـ 78.

 صفحة 170

 

أشرنا فيما سبق إلى البروتوكولات التي تعتبر دستور الحركة الصهيونية العملي، وهي تمثل المبادئ الصهيونية المبعثرة مصاغة في تبويب موضوعي مركز، وذلك هو القدر المتيقن من أمر البروتوكولات الذي لا مجال للجدل أو الشك فيه، بعد أن ظهر تنفيذه في خطوات الصهيونية التي نفذتها بعد المؤتمر الصهيوني الأول، وحتى الآن وهذه خلاصة ما جاء في البروتوكولات:

 1 ـ إشاعة الفوضى الشاملة:

 جاء في البروتوكول الخامس:

 (إننا نقرأ في قاموس الأنبياء أن الله اختارنا لحكم العالم، وقد وهبنا الله العبقرية لنقوم بهذا العمل)، وقد تركزت هذه العبقرية ـ مع الأسف ـ في الاقتنان في وسائل الفساد والتخريب، وفساد الحكومات والمجتمعات، وتخريب الدول والنفوس، وعلى هذا الأساس فصلت البروتوكولات المناهج العملية لتقويض الحكم القائم في شتى الدول، وإقامة حكومة يهودية جامعة على أنقاضها:

 (أروع النتائج التي ـ يمكن الحصول عليها في سبيل حكم العالم يتحقق باستخدام العنف والتهديد لا بالمناقشات الأكاديمية) (وأن الذي يحكم، يجب أن يلجأ إلى الحيلة والنفاق، وفي السياسة تستحيل الصفات الانسانية من أمانة وصدق إلى رذائل تؤدي إلى سقوط الملك عن عرشه) (يجب أن يكون شعارنا: جميع وسائل القوة والنفاق يتحتم أن يكون البطش هو المبدأ، والحيلة والنفاق هما القاعدة لدى الحكومات التي لا تريد أن تضع تاجها تحت أقدام أعوان أي حكم جديد وهذا الشر هو السبيل الوحيد لبلوغ الخير، فعلينا أن لا نتردد أمام شراء الذمم والغدر والاحتيال إذا كان ذلك يخدم قضيتنا). وتنشأ عن هذه الخطط والوسائل الصهيونية إشاعة الفوضى في العالم والتسلل اليهودي من خلالها، وهذا ما تعانيه البشرية اليوم:

 فوضى عاتية جائحة: سياسية وفكرية وروحية واجتماعية واقتصادية.

 2 ـ إثارة الفتن والوقيعة بين شعوب العالم ودوله:

 كشف الحاخام عمانوئيل رابينوفتش عن خطة الصهيونية في خطابه بمؤتمر الربانيين بمدينة بودابست سنة 1954 م (1373 ه‍) حيث قال:

 

 صفحة 171

 

" هل تذكرون حملاتنا الدعائية الناجحة عام 1930، لقد أثارت الحقد على الأمريكيين في ألمانيا والألمانيين في أمريكا، وهذا هو ما أدى إلى نشوب الحرب العالمية الثانية، وقد شرعنا في شن حملات مماثلة في سائر أنحاء العالم، فأثرنا في روسيا موجة من الحقد ضد الولايات المتحدة، وفي نفس الوقت أثرنا في الولايات المتحدة شعورا بالخوف والتوجس إزاء الشيوعيين، وتؤدي هذه الحملات إلى دفع الدول الصغيرة إلى تحديد موقفها إما مع روسيا وإما مع أمريكا ". وهذا تطبيق لما رسمته البروتوكولات صراحة، ففي البروتوكول العاشر:

 (يجب بث الاضطرابات بصفة مستديمة في العلاقات القائمة بين الشعب والحكومات، وإشاعة الأعمال العدوانية والأحقاد، وحتى عذاب الجوع والحاجة والأمراض، لدرجة لا يرى معها غير اليهود مخرجا للإرزاء التي تجل بهم سوى الالتجاء إلى أموالنا وإلى سيادتنا المطلقة).

وفي البروتوكول الحادي عشر:

 (غير اليهود كقطيع من الأغنام أما نحن فإننا الذئاب، وهل تعلمون ما تفعل الأغنام إذا اقتحم الذئاب حظيرتها؟ إنها تغمض عينيها، وسندفعهم إلى ذلك). ويتضح من البروتوكول الخامس عشر كيف يعمل الصهيونيون لتحقيق أهدافهم:

 (وإذا ما تولينا السلطة بما تكون قد أعددناه من انقلابات تحدث في جميع الدول في وقت واحد ـ بمجرد أن يعلن رسميا عجز حكومات تلك الدول عن حكم الشعب، وقد يمضي على ذلك وقت طويل ربما يبلغ قرنا ـ سنبذل كل جهدنا لمنع المؤامرات ضدنا). وإعمالا لهذه التعاليم نلاحظ أن اليهود ضالعون مع كل حركة تخريب في العالم، فقد كانوا وراء الحرب العالمية الأولى، يظاهرونها ويذكون أوارها انتقاما من روسيا التي تصدت لليهود وانتقمت منهم وقد استغل اليهود تلك الحرب الضروس لفائدتهم المالية بإقراض الدول بالربا الفاحش، وترويج تجارتهم في مواد القتال التي يحتكرونها، والقضاء على شعوب أروربا وتقويض دولها. كما حاول اليهود استغلال الثورة البلشفية في روسيا وفرضوا وصايتهم عليها، لتحقيق مآربهم العنصرية التي فشلوا في تحقيقها في عهد القياصرة.

 صفحة 172

 

وقد نجحت العناصر الصهيونية في حكومة البلاشفة في ممالاة اليهود والتستر على ما قد يسئ إليهم ويفضح نواياهم، فلما طبعت البروتوكولات في روسيا سنة 1917 باللغة الفرنسية صودرت هذه الطبعة رسميا ولم يسمح بطبعها بعد ذلك.

 3 ـ الارهاب الفكري وإفساد الرأي العام:

 يشرح البروتوكول الخامس كيفية إفساد الرأي العام وبلبلة الأفكار فيقول:

 (ولكي نطمئن إلى الرأي العام يجب أن نربكه تماما، فنسمعه من كل جانب، وبشتى الوسائل آراء متناقضة لدرجة يضل معها غير اليهود الطريق) ويوصي ب:

 (مضاعفة الأخطاء التي ترتكب والعادات والعواطف والقوانين الوضعية في البلاد لدرجة يتعذر معها على الناس التفكير تفكيرا سليما وسط تلك الفوضى، وهكذا يكف الناس عن فهم بعضهم بعضا وسوف تساعدنا تلك السياسة على بث الفرقة بين جميع الأحزاب، وعلى حل الجماعات القوية، وعلى تثبيط عزيمة كل عمل فردي يمكن أن يعرقل مشروعاتنا).

وفي البروتوكول السابع:

 (يجب أن نقوم بالتأثير على الحكومات غير اليهودية عن طريق ما يسمونه الرأي العام الذي هيأناه عن طريق أعظم قوة وهي الصحافة التي ـ فيما عدا بعض الحالات الاستثنائية التي لا قيمة لها ـ توجد كلها في قبضتنا). وفي البروتوكول الثامن:

 (لا يتيسر إسناد المناصب الرئيسية في الحكومة إلى إخواننا اليهود، فإننا سنسند المناصب الهامة إلى أناس من ذوي السمعة السيئة حتى تنشأ بينهم وبين الشعوب هوة سحيقة، أو إلى أناس يمكن محاكمتهم والزج بهم في السجون إذا ما حالوا دون تنفيذ أمرنا). ولقد بلغ من جرأة اليهود أن استباحوا جلال العلم لإشباع حقدهم ونزواتهم، بإفساد العقول والأخلاق، والعبث بالقيم والفضائل الانسانية فابتدعوا نظريات علمية تسوغ لهم ما يبيتون من مكر وكيد وما ينفثون من آراء هدامة فاليهود وراء كل دعوة تستخف بالقيم الأخلاقية وترمي إلى هدم القواعد التي يقوم عليها المجتمع الانساني، فاليهودي:

 كارل ماركس وراء الشيوعية التي تهدم قواعد الأخلاق والأديان

 صفحة 173

 

واليهودي دركيم وراء علم الاجتماع الذي يلحق نظام الأسرة بالأوضاع المصطنعة، ويحاول أن يبطل آثارها في تطوير الفضائل والآداب، واليهودي سارتر وراء الوجودية التي جنح بها إلى حيوانية تصيب الفرد والجماعة بآفات السقوط والإنحلال (1).

 وفي البروتوكول الثاني:

 (نحن الذين هيأنا دارون وماركس ونيتشه، ولم يفتنا تقدير الآثار السيئة التي تركتها هذه النظريات في أذهان غير اليهود).

 4 ـ إشاعة الفوضى والفساد في المجتمع:

 رسم البروتوكول الأول لليهود كيف يكيدون لسائر شعوب الأرض، ويبذرون الفوضى والإنحلال فيقول:

 (إن الشعب لدى المسيحيين أضحى متبلد الذهن تحت تأثير الخمر، كما أن الشباب قد انتابه العته لانغماسه في الفسق المبكر الذي دفعه إليه أعواننا من المدرسين والخدم والمربيات اللاتي يعملن في بيوت الأثرياء، والموظفين والنساء اللواتي يعملن في أماكن اللهو، ونساء المجتمع المزعومات اللواتي يقلدنهن في الفسق والترف).

وفي البروتوكول التاسع:

 (لقد أتلفنا الجيل الحاضر من غير اليهود وأفسدنا خلقه بتلقينه المبادئ والنظريات التي نعلم أنها مبادئ ونظريات فاسدة وعملنا على ترسيخها في ذهنه، ودون أن نعمل على تعديل القوانين القائمة فعلا أمكننا التلاعب بها وتفسيرها التفسير الذي لم يخطر على بال واضعيها للحصول على نتيجة فعالة).

5 ـ افتعال الأزمات الاقتصادية:

 يفصل البروتوكول الثالث السلاح الاقتصادي الذي يستعين به اليهود على تقويض الحكومات:

 (وسنعمد إلى خلق أزمة اقتصادية عالمية بكافة الطرق الملتوية الممكنة بواسطة الذهب الذي يجري بين أيدينا). وفي البروتوكول الرابع:

 (يجب أن نقيم التجارة على أسس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العقاد: (الصهيونية العالمية).

 صفحة 174

 

المضاربة، ويكون نتيجة ذلك منع غير اليهود من الاحتفاظ بالثروات التي أنتجتها الأرض وعن طريق المضاربة تدخل تلك الثروات خزائننا). ويوضح البروتوكول السادس كيف يعمل اليهود على الإضرار بالانتاج:

 (وسنعمل على تقويض الانتاج من أساسه عن طريق نشر الفوضى بين العمال وتحريضهم على شرب الخمر، كما أنه لا بد من استخدام جميع الوسائل الممكنة لطرد الأذكياء من غير اليهود من وجه البسيطة).

6 ـ القضاء على الأديان:

 في البروتوكول الرابع عشر:

 (عندما نصبح أسياد الأرض لا نسمح بقيام دين غير ديننا من أجل ذلك يجب علينا إزالة العقائد، وإذا كانت النتيجة التي وصلنا إليها مؤقتا قد أسفرت عن خلق الملحدين، فإن هدفنا لن يتأثر بذلك، بل يكون ذلك مثلا للأجيال القادمة التي ستستمع إلى دين موسى، هذا الدين الذي فرض علينا مبدأه الثابت النابه وضع جميع الأمم تحت أقدامنا) وفي البروتوكول السابع عشر:

 (لقد عنينا عناية خاصة بالعيب في رجال الدين غير اليهود، والحط من قدرهم في نظر الشعب، وأفلحنا كذلك في الإضرار برسالتهم التي تنحصر في تعويق أهدافنا والوقوف في سبيلها حتى لقد أخذ نفوذهم ينهار مع الأيام وإن حرية العقيدة معترف بها اليوم في كل مكان ولا يفصلنا عن انهيار المسيحية إلا بضع سنوات، وسيكون القضاء على الأديان الأخرى أيسر من ذلك، ولكن الوقت لم يحن بعد لمناقشة هذه المسألة وسنعمل على أن يكون دور رجال الدين وتعاليمهم تافها، ونجعل تأثيرهم في نفوس الشعب فاترا إلى حد يجعل أثر تعاليمهم عكسيا). ومن هنا كان الإسلام بعد المسيحية المجال الرئيسي الذي كرست له الصهيونية نشاطها للنيل منهما بدأت حثيث، وكانت محاربتهما هدفا لليهود منذ أزمان سحيقة، ففي التلمود:

 (حيث المسيح كذاب وحيث أن محمدا اعترف به، والمعترف بالكذاب كذاب مثله، فيجب أن نقاتل الكذاب الثاني كما قاتلنا الكذاب الأول (1)).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. محمد الزعبي: (دفائن النفسية اليهودية) ص 228.

 صفحة 175

 

وقد جاهر حاخام إسرائيل في الحفل لوضع الحجر الأساسي للمحفل الماسوني في تل أبيب سنة 1377 ه‍ بقوله:

 (إننا نعمل جميعا لهدف واحد هو العودة لكل الشعوب إلى أول دين محترم أنزله الله على ظهر هذه الأرض، وما عدا ذلك فهي أديان باطلة، أديان أوجدت الفرقة بين أهل البلد الواحد، وبين أي شعب وشعب، ونتيجة لمجهوداتكم سيأتي يوم يتحطم فيه الدين المسيحي والدين الإسلامي، ويتخلص المسلمون والمسيحيون من معتقداتهم المتعفنة، ويصل جميع البشر لنور الحق والحقيقة). وينبغي ألا ننسى أن الحاخام يوجه خطابه ويوعز بتحريضه إلى أعضاء المحفل الماسوني الذي تزعم تقاليده أنه بنجوة من التعصب الديني، وأنه يتحلى بالحياد تجاه العقائد.

 محاربة الصهيونية للاسلام:

 حرصت دولة إسرائيل على محاربة الدين الإسلامي في نطاقها المحلي، تطبيقا للمبادئ التي نص عليها البروتوكولان السابقان، فعمدت إلى إجبار التلاميذ المسلمين على دراسة اللغة العبرية والديانة اليهودية وحفظ التوراة، ومنعتهم من حفظ القرآن الكريم ودراسة التاريخ الإسلامي. وتطاولت إسرائيل على القرآن الكريم فطبعت في عامي 1380 و 1388 ه‍ نسخا مزورة من المصحف الشريف. أسقطت منها بعض الألفاظ أو بعض الآيات وأحيانا سورة بحذافيرها، أو تناولت بعض الألفاظ بالتحريف ـ تبتغي بذلك تحريف بعض المعاني القرآنية والتشكيك في سلامة كتاب الله ـ بيد أن المسلمين كانوا بالمرصاد حريصين على تعقب كل ما يصدره أعداء الله من طبعات محرفة من المصحف والحيلولة دون تداولها. ودأب اليهود، منذ ظهور الإسلام على محاولة إفساد شرائعه، وتشويه مصدر أحكامه، فدسوا كثيرا من البدع المضللة، ومنهم من انتحل الإسلام نفاقا ليفتري على الإسلام مزاعم ما أنزل الله بها من سلطان ليكيد بها الإسلام ويثير الفتنة بين جمهرة المسلمين،

 صفحة 176

 

وقد عرفت هذه الزيوف عند المسلمين بالأسرائيليات، وهي كل ما دسه اليهود على تفسير القرآن أو الحديث النبوي من تأويلات فاسدة وأساطير خرافية فيها إغراب وزيغ عن المعنى المقصود، قصد بها التضليل والإرجاف والبلبلة وإثارة الشبهات بتشويه حقائق الإسلام الناصعة (1). ومن دهاة اليهود عبد الله بن سبأ الحميري (ابن السوداء) الذي ترجع إليه طوائف غلاة الشيعة، وهو القائل بمذهب الرجعة ومذهب الحلول (يزعم أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل عليا، وإنما المقتول شيطان تصور للناس في صورة علي، أما علي رضي الله عنه فقد صعد إلى السماء على أن يرجع إلى الأرض بوصفه (المهدي المنتظر) حيث ينتقم من أعدائه ويقيم العدل والحق..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من ذلك تفسيرهم في قوله تعالى: (تنزل الملائكة والروح فيها) بأنه ملك هائل لو التقم السموات السبع، والأرضين السبع، كانت له لقمة واحدة، وكذلك ما ورد في قصة عوج بن عنق. وغيرها

 صفحة 177

 

الفصل الرابع:

 المنظمات الصهيونية جاء في التوراة أن الله أوحى إلى موسى (عليه السلام) أن يتخذ مجلسا من سبعين شيخا من شيوخ بني إسرائيل (1) ويسمونه (مجمع السنهدرين)، وهو يتألف من حاخاماتهم بزعامة الكاهن الأكبر. وقد ظل مجمع السنهدرين قائما حتى انفض عام 70 بعد الميلاد، بعد تدمير هيكل سليمان، وتمزق اليهود وتشتتهم في شعاب الأرض. ولكن حلت محله هيئات سرية تدعى شؤون اليهود، وتعمل مستخفية. وفي عام 1807 م حاول نابليون بونابرت إحياة السنهدرين القديم في هيئة تضم الحاخامات والعلمانيين لجمع شمل اليهود تحت لوائه، بغية الإفادة منهم في تحقيق مشروعاته الاستعمارية في الشرق خاصة، عير أن إخفاقه في تحقيق أطماعه أحبط تلك المحاولة. وأخيرا تولت الكيهيلا قيادة اليهود ـ ومعناها في العبرية:

 المحكمة العليا ـ وهي تضم أقطاب اليهود من رجال الدين والفكر والمال والسياسة، وتشرف على كافة الأنشطة اليهودية التي تقوم بها المنظمات المختلفة في العصر الحديث، فتتلقى منها ما تستجمع من بيانات ومعلومات وتتولى التنسيق بينهما ومتابعتها واستغلالها، وتعرف هيئة الكيهيلا حاليا بالمؤتمر اليهودي العالمي، الذي يعمل على احتواء اليهود في أقطار الأرض والتوفر على تحقيق ما وعدت به التوراة من سيادة اليهود لشعوب العالم، وسيطرتهم على أرجاء المعمورة باعتبارهم شعب الله المختار. ويعترف الحاخام دراهما بانتظام الهيئات اليهودية السرية المختلفة تحت شعار واحد، وهدف موحد، أيا كان نشاطها، وأينما باشرته حيث يقول في كتابه (التناسق):

 " إن جميع الجمعيات السرية مرسومة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإصحاح 24 من سفر الخروج.

 صفحة 178

 

بطابع واحد، إذ كلها تعمل بقيادتنا (1) ".

منظمات يهودية علنية:

 بعد أن ظفر اليهود بحقوق المواطنين في القرن الثالث عشر:

 (الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين) سارعوا بإنشاء جمعيات يهودية سافرة في عدة أقطار، مثلا جمعية عشاق صهيون التي أنشئت في أوديسا سنة 1882 م (1298 ه‍)، وحركة التنوير (الهاسكالاه) في ألمانيا، التي أنشأها موسى مندلسون، وجمعية الاستعمار اليهودي التي أنشأها البارون أدموند دي هيرش، وجمعية كاديناح النمسوية التي كان يرأسها ناتا بيرنباوم، وجمعية صهيون النمسوية التي تولى رئاستها تيودور هزتزل. وبمجهود هرتزل التأم أول مؤتمر عالمي في مدينة بال بسويسرا في 29 أغسطس 1897، يضم أقطاب اليهود من أقطار الدنيا حيث توفروا على توحيد جهودهم، والسعي لتحقيق آمالهم. وبالنظر لنجاح المؤتمر من وجهة النظر الصهيونية فقد تقرر عقده بصفة دورية، وأنشئت المنظمة الصهيونية العالمية في ألمانيا تنفيذا لقرار ذلك المؤتمر، وهذه المنظمة هي أعلى سلطة تشرف على النشاط الصهيوني بمختلف صوره وأدواته، وتتولاه بالتوجيه والتمويل والمتابعة، دعما لإسرائيل باعتبارها محور هذا النشاط وهدفه الأول. وإلى جانب هذه المنظمة يقوم المؤتمر اليهودي العالمي ويمثل الهيئة العليا التي تتولى شتات اليهود بالرعاية، وتهيئ لهم السيطرة على أنحاء المعمورة، وتعمل على إنشاء الحكومة العالمية وقد باشرت المنظمة الصهيونية مهمتها إلى عام 1348 ه‍ (1929 م) حيث تكونت الوكالة اليهودية في فلسطين وحلت محلها، فلما أعلن قيام دولة إسرائيل سنة 1367 ه‍ (1948 م) تكونت الحكومة اليهودية من بين أعضاء الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية. ومن المنظمات اليهودية السافرة:

 منظمة بناي بريث ومهمتها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) دفائن النفسية اليهودية للزعبي ص 158.

 صفحة 179

 

الدعوة اليهودية وجمع التبرعات لإسرائيل، ومنظمة الهداسا النسائية الصهيونية ومقرها نيويورك ولها فرع في مدينة القدس، ويشمل نشاطها الشئون الطبية وتقوم بالإشراف على جمع التبرعات لتمويل النشاط الصهيوني، ومثلها المنظمة الصهيونية النسائية العالمية المعروفة باسم ويزر التي تنتشر فروعها في شتى أنحاء العالم. والمجلس القومي لجماعة شباب إسرائيل وقد اعتمدته هيئة الأمم المتحدة بوصفه منظمة غير حكومية للشباب اليهودي، ويمتد نشاطه إلى الأمريكتين فضلا عن إسرائيل. واتحاد عمال إسرائيل (الهستادروت ومنظمة سندات إسرائيل في نيويورك لتمويل المشروعات الصهيونية). المنظمات السرية:

 من المنظمات الصهيونية السرية الخطيرة التي أكتشف أمرها:

 الماسونية والبهائية، وجمعية شهود يهوه، ونادي الصلبان المزدهرة، ونوادي الروتاري ونكتفي بالالمام بالمحافل الماسونية.

المحافل الماسونية:

 هي من أقدم المنظمات اليهودية التي بثها اليهود أينما حلوا في أقطار الأرض، لتكون مثوى اجتماعاتهم التي يتناقشون فيها ويتبادلون الرأي والمعلومات. ويكفي لبيان الصلة الوثيقة بين الماسونية والصهيونية أن بروتوكولات صهيون ـ الدستور الصهيوني ـ قد صدرت مذيلة بإمضاء ثلاثمائة من كبار الماسونيين الحائزين للدرجة الثالثة والثلاثين الماسونية. ولا يزال منشأ الماسونية طي الكتمان، بل لغزا من الألغاز الغامضة (1). ورغم ذلك فإن تاريخ الماسونية الذي تتداوله معارف الماسونيين ينبئ عن أصالتها الدينية اليهودية، فهم يزعمون أن الملك سليمان (عليه السلام) كان الأستاذ الأعظم في محفل القدس، كما عثر على مخطوطة يرجع تاريخها إلى القرن الخامس عشر الميلادي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كتاب (كيف أنشئ المحفل الأكبر الوطني السوري اللبناني) تأليف حسين اللاز وأحمد مختار نجاه ص 28.

 صفحة 180

 

ويستدل منها على أن الماسونية دخلت إنجلترا على يد اليهود في مصر والقدس (1).

شعار الماسونية:

 والماسونية أو جمعية البنائيين الأحرار منظمة اجتماعية عالمية شعارها الذي يتسم به نشاطها الظاهر العدل ـ الإخاء ـ الحرية وهدفها:

 التعاون الانساني بين أفرادها على أوسع مدى، وقد اتخذت من صناعة البناء وأدواته كثيرا من شعاراتها ورموزها، فالبركار والزاوية هما الرمز العام للماسونية.

وعلامة الأستاذ الأعظم: البركار والقوس وصورة العين المشعة داخل مثلث وعلامة المنبه الأول الأعظم: ميزان البناء وعلامة المنبه الأعظم: خيط الشاقول وعلامة المهندس الأعظم: البركار ويشار إلى الله (سبحانه وتعالى) باسم:

 مهندس الكون الاعظم ويسمى كل تنظيم ماسوني محفلا، يجتمع فيه الأعضاء، ويضم المحفل الأكبر مجموعة من المحافل، وتتبع المحافل المقامة في مجموعة من الدول محفلا عاما يسمى: شرقا وتتكون الماسونية من طبقات ثلاثة متدرجة:

 الطبقة الأولى:

 وتعرف بالماسونية الرمزية العامة، وهذه الطبقة متاحة لجميع الأجناس والأديان، ويقسم أعضاؤها إلى ثلاث فئات:

 المبتدئين أو الأخوة، ثم الأساتذة، ثم الأساتذة الأعاظم الذين يرأسون محافلها. وتتكون المراتب الماسونية في هذه الطبقة الرمزية من 33 درجة تتدرج صعودا حتى مرتبة الأستاذ الأعظم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المرجع السابق.

 صفحة 181

 

الطبقة الثانية:

 وتعرف بالماسونية الملوكية أو العقد الملكي، ويسمى العضو فيها رفيقا كما يعرف رئيس المحفل بالرفيق الأعظم وكان أعضاؤها جميعا من اليهود، ثم سمح للأساتذة العظام للمحافل الماسونية الرمزية العامة بالاندماج فيها، على ألا يتجاوزوا فيها مرتبة الرفيق، وهي أدنى مراتبها

الطبقة الثالثة:

 وتعرف بالماسونية الكونية، وتتكون من رؤساء محافل العقد الملوكي، وهي محفل واحد جميع أعضائه من اليهود، ولا يعرف مقره ولا رئيسه الملقب بالحاخام الأعظم، غير أن المشهور أن الماسونية الكونية يديرها المحفل الامريكي المؤلف من اليهود الصهيونيين الرومانيين. ولكل درجة من درجات الماسونية رموز خاصة، وشارة خاصة، وتحية معينة، وأسرار محددة تتسع دائرتها كلما ارتقى العضو إلى درجة أعلى، وتختلف باختلاف طبقات المحافل، ولا يجوز لدرجة أن تطلع على أسرار وتعاليم الدرجة التي تعلوها. ولا يقبل العضو الجديد في أدنى درجات الماسونية إلا بعد تزكية عضوين له، وثبوت جدارته بما يجري حوله من التحريات السرية التي تبعث على الاطمئنان إليه، ونجاحه في اختبار نفسي عسير يجري في غرفة مظلمة رهيبة حيث يمكث فترة طويلة في تابوت من توابيت الموتى بين الجماجم والهياكل العظمية، ثم يتم قبوله في حفل تكريس تجري فيه طقوس غريبة على مشهد من جميع أعضاء المحفل. ولا يرقى الماسوني إلى درجة أعلى حتى يمر باختبارات وتجارب قاسية تثبت جدارته، بالترقية وتلقي أسرار الدرجة الجديدة، وتتفاوت هذه الاختبارات في الدقة والقسوة بتفاوت الدرجات المكرس لها العضو بحيث تمعن في القسوة كلما علت الدرجة والقصد من ذلك التأكد من قدرة العضو على تحمل أنواع التعذيب والأذى الذي قد يتعرض له في سبيل كتمان أسرارها

 صفحة 182

 

وقد اتخذت الماسونية ستارا لأغراضها الحقيقية ـ وهي خدمة الصهيونية ـ تلك النشاطات الانسانية والاجتماعية، باعتبارها تعمل للبر والتعاون الاجتماعي وتنفي عن نفسها التعرض للمباحث الدينية والأمور السياسية فالماسوني يلقى دائما من صنوف المعونة والمساعدة ما قد يحتاج إليه، سواء كان في ذلك في وطنه أو البلاد الأخرى، حيث يقابل إخوانه الماسونيين المنتشرين في جميع الأقطار بمزيد البشر والترحاب، والاستعداد لخدمته، والعمل على راحته، حالما يلتقي بهم ويتعرف إليهم بمقتضى الإشارات المصطلح عليها فيما بينهم، وكلمات السر المضنون بها على غيرهم بل يزيد الدعاة في نشر الدعوة الماسونية بقولهم:

 إن الموظف الماسوني لا بد أن يلقى من عناية الرؤساء الماسونيين بأمره ما تقر به عينه، حيث تكون ماسونيته خير مؤهل للترقي وتخطي الأقران وإذا أجرم الماسوني ثم حوكم أمام القاضي الماسوني فإن البراءة مضمونة له، حالما يظهر له الإشارة الماسونية وهكذا التاجر ورجل الأعمال (1). ومعلوم أن الماسوني يقسم عند إلتحاقه بالعشيرة الماسونية أمام الرئيس المحترم ـ خليفة الملك سليمان ـ أن يتخذ من إخوانه الماسونيين أولياء له في جميع أموره، وأحواله، وأن يأتمنهم كذلك على أعراضه، وأن يتخذ القومية الماسونية دون سواها شعارا له مدى الحياة (2). وقد أفصح البروتوكول الثالث من بروتوكولات صهيون عن الدور الجدي للمحافل الماسونية في سبيل إنشاء الدولة اليهودية العالمية التي يدين لها سكان المعمورة، ويخضعون لسلطانها حيث يقول:

 إن المحافل الماسونية تقوم في العالم أجمع ـ دون أن تشعر ـ بدور القناع الذي يحجب أهدافنا الحقيقية، على أن الطريقة التي ستستخدم بها هذه القوة في خطتنا، بل في مقر قيادتنا لا زالت مجهولة من العالم بصفة عامة. وفصل البروتوكول الحادي عشر:

 الأهداف التي ترمي إليها الصهيونية من افساح المجال لغير اليهود للانضمام إلى المحافل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (الجمعية الماسونية حقائقها وخفاياها) للدكتور أحمد غلوش الرئيس السابق للمحفل الماسوني بالإسكندرية والحائز على الدرجة 33. ص 4.

 (2) المرجع السابق ص 8

 صفحة 183

 

الماسونية العالمية، فقد جاء فيه:

 ما هو السبب الذي دفعنا إلى أن نبتدع في سياستنا، ونثبت أقدامها عند غير اليهود، لقد رسخناها في أذهانهم دون أن ندعهم يفقهون ما تبطن من معنى، فما هو السر الذي دفعنا إلى أن نسلك هذا المسلك، اللهم إلا أننا جنس مشتت وليس في وسعنا بلوغ غرضنا بوسائل مباشرة، بل بوسائل غير مباشرة فحسب. هذا هو السبب الحقيقي لتنظيمنا الماسونية التي لم يتعمق هؤلاء الخنازير من غير اليهود في فهم معناها، أو الشك في أهدافها، إننا نسوقهم إلى محافلنا التي لا عداد لها ولا حصر، تلك المحافل التي تبدو ماسونية فحسب، ذرا للرماد في عيون رفاقهم. وفي البروتوكولات نصوص كثيرة تبين دور المحافل الماسونية في العمل لخدمة الصهيونية منها ما جاء في البروتوكول الخامس عشر:

 يلتحق غير اليهود بالمحافل الماسونية مدفوعين بمجرد الفضولية أو أملا منهم في الحصول على المزايا التي توفرها لهم، ويلتحق بعضهم بها لكي يتمكنوا من مناقشة أفكارهم السخيفة أمام جمهور المستمعين، ويتوق غير اليهود إلى ضروب الإنفعالات التي يهيئها النجاح والهتافات، وها نحن نوزعها عليهم دون حساب، ولذلك نتركهم يحرزون نجاحهم، ونفيد من الرجال الذين يمتلكهم الغرور، والذين يستسيغون أفكارنا وكلهم ثقة في عصمتهم وفي أنهم وحدهم قادرون على التفكير وغير خاضعين لغيرهم. وهكذا كان الماسونيين أكبر معوان للحركة الصهيونية في شتى الأقطار يعملون على تحقيق أهدافها السياسية والاستعمارية بحماس ودأب، ومنهم على سبيل المثال (ونستون تشرشل) الذي عمل على تأييد الحكومة الانجليزية للمطامع الصهيونية في فلسطين، وكان (هاري ترومان) رئيس الولايات المتحدة ماسونيا أعظم. وقد أكدت ذلك مجلة شيكاغو افنجر في عددها الصادر في 13 يوليو 1955 م، وهو الذي سارع إلى الاعتراف بدولة إسرائيل ساعة ولادتها المشؤومة. وتعزى الحركات الثورية العاتية، والفتن المخربة التي اندلعت في شتى الدول في العصر الحديث إلى النشاط الماسوني الهدام، كالثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، والانقلاب العثماني

 صفحة 184

 

سنة 1327 ه‍ (1908 م) والثورة الشيوعية سنة 1336 ه‍ (1917 م) وغيرها (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يمكن لمن يرغب في المزيد من التفصيل الرجوع إلى الكتب التالية: أسرار الماسونية للجنرال جوار رفعت آتلخان. الماسونية في العراء للدكتور علي الزعبي. والكتاب النفيس الذي صدر أخيرا: (الصهيونية بين الدين والسياسة) للأستاذ عبد السميع الهراوي، وعليه عولنا في هذا البحث.

 صفحة 185

 

الباب الرابع إتجاهات إسلامية اتجاهات قاصرة إتجاهات أصيلة

 صفحة 187

 

اتجاهات إسلامية نحن نتحدث عن العالم المعاصر. ومن ثم فإننا نتحدث عن القرن العشرين ولئن كنا أوغلنا قرنا أو بعض قرن حين تحدثنا عن الاتجاهات الدخيلة:

 غربية وشرقية فذلك لنبين جذورها ليعلم قومنا أن ما هم فيه ليس قصدا إلى تمدينهم ولا إلى رقيهم إنما هو عروة من عرى حرب ضروس شنها أعداؤهم عليهم. فلما لم تفلح حرب السلاح. لجأوا إلى حرب الفكر والعقيدة وكانوا في الثانية: أخبث وأنجح بيد أنهم. وإن نجحوا. فإن نجاحهم محدود. محدود كما فلا تزال القاعدة العريضة من المسلمين بعيدة عن تأثيرهم ولا تزال الفطرة في البادية والريف هي الغالبة برغم كل ما بذله الغرب والشرق من فساد وإفساد. وهو كذلك محدود كيفا:

 فإن ما غيروه. قليل إلى جوار ما بقي حتى في نفوس أتباعهم ولا يزال الإسلام في كل يوم يضم إلى صفوفه. كثيرين ممن كانوا عندهم روادا. وهذا محمد حسين هيكل. يعلن عودته لحظيرة الإسلام. وهذا طه حسين. يتجه في أخريات حياته إلى الإسلام. وإن بقي فكره مشوبا بكثير من المؤثرات الأولى.

 صفحة 188

 

وهذا جلال كشك، ومصطفى محمود. وغيرهم كثير. يفتح الإسلام ذراعيه فرحا بهم أشد فرحا من فرحة الأم بعودة وحيدها الغائب أو أشد فرحا من ظاعن بالصحراء وجد بعد لاي بعيره الشارد وهذا النجاح لا يأمن بعد ذلك رد الفعل. إن لم ينتهوا يتركوا أرض السلام وأبناء الإسلام وتعض الذي سنقدم إن لم يكن أكثره كان رد الفعل. وقد بدأ أو بدا أثره قاصرا. لكنه يوشك بإذن الله أن يعرف طريقه. وأن يبلغ غايته. ليتم الله نوره ولو كره المشركون. ونحن نكتفي في الحديث عن الاتجاهات الإسلامية بما كان منها في هذا القرن الرابع عشر الهجري لأن هذا هو معنى المعاصرة الذي نقصد إليه ولن نشغل أنفسنا ولا نشغل الناس بالحركات التي لبست ثياب الإسلام وهي تضمر له الشر وتحمل له الحقد فإن صبغها بصبغة الإسلام خطأ كبير (1). لكنا قد نشغل أنفسنا ونشغل الناس بالحركات والاتجاهات القاصرة لأنها وإن كانت لا تمثل الإسلام الصحيح فإنها خطوات إليه حسب أصحابها منها حسن النية، وحسبهم اجتهاداتهم وإن أخطأوا فلهم الأجر إن شاء الله ثم لا بد من دراستها لنبين ما فيها من خير فنستثمره وما فيها من سوء فنرفضه ثم لندعو أصحابها أن هلموا إلى الإسلام الصحيح (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ...) (آل عمران: 105، 106) ونبدأ بإذن الله بهذه الاتجاهات. ثم نثني بإذن الله بالإتجاه الصحيح. والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مثل القاديانية التي قامت في الهند عميلة للاستعمار البريطاني. محاولة تحريف العقيدة الإسلامية. وهي وغيرها من الحركات المشبوهة موضع دراسة مادة الأديان والفرق

صفحة 189

 

الفصل الأول إتجاهات قاصرة مقدمة:

 وفي حديثنا عن الاتجاهات القاصرة قد نغفل تسمية أصحابها ليس خوفا منهم ولا ملقا لغيرها فيعلم الله أن خوفنا منه ورجاءنا إليه. ـ ولكنه أدب علمنا إياه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كان يصعد المنبر فيقول ما بال أقوام فعلوا كذا كذا. ـ ثم هو بعد ذلك دعوة لأولئك الذين أحبوا الإسلام وإن لم يفهموه الفهم الصحيح أو المتكامل دعوة إليهم من غير جرح لمشاعرهم. فهم أقرب إلينا من الذين شردوا وهم أعز علينا منهم بل قد يكونون أعز علينا من أنفسنا وأول هذه الاتجاهات القاصرة ما اقتصر على العقيدة وغالى فيها وثاني هذه الاتجاهات القاصرة ما اقتصر على النسك وغالى فيه وثالثها ما اقتصر على محاولة إصلاح بعض المؤسسات ولم يستطع حتى أن يغالي فيه ونكتفي بهذه الاتجاهات لنجمع تحتها كثيرا من الحركات التي ظهرت في هذا القرن ولنجمع تحتها كذلك كثيرا من الجمعيات التي حملت اسم الإسلام أو جزءا من اسمه وكل ذلك بغير تسمية كما أشرنا.

 صفحة 190

 

المبحث الأول:

 إتجاهات نحو العقيدة لا شك أنها نقطة بداية صحيحة:

 أن نبدأ من العقيدة فإنها الأساس لكن الخطأ والخطر أن نقف عندها أو أن نتغالى فيها وقبل أن نبين الخطأ والخطر فيها نبين الصواب فيها مشيرين إلى ظروف نشأتها فهذان بحثان بإذن الله .

أولا:

 صواب البدء بالعقيدة البدء بالعقيدة عين الصواب. لأن الإسلام يقيم بناء له أساس وأساسه العقيدة وبناء الإسلام ليس من حجارة ولا من صخور وإن كان بعد قيامه أثبت من الرواسي وأصلب من الصخور إنه بناء معنوي بناء قيم ومثل بناء شريعة أساسها عقيدة وهذا البناء لا يقام في فراغ.

 صفحة 191

 

ولا يقام كذلك على جماد. لكنه يقام على أكرم ما خلق الله على الانسان. ثم هو يقام في أعز مكان في الانسان وأغلى قطعة فيه إنه يقام في قلبه " التقوى هاهنا وأشار النبي صلى الله عليه و آله إلى قلبه " (1). " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "! (2). والذين أقاموا الحضارات غير الإسلامية. أخطأوا نقطة البدء. بل أخطأوا مكان البناء نفسه. فأقاموا بناء الحضارة خارج الانسان من الآلة والمصنع وناطحات السحاب وهم حتى حين نظروا إلى الانسان. نظروا إلى أحط شئ فيه غرائزه فكانت حضارتهم إشباعا لهذه الغرائز وإثارة لها حتى شقي الانسان بحضارتهم أيما شقاء. وأهملوا في الانسان أعز شئ فيه وأغلى قطعة منه أهملوا قلبه! وهذا هو الفارق بين حضارتهم وحضارة الإسلام! والظروف التي دعت للنداء بالعقيدة:

 قريبة من الظروف التي دعت الإسلام بها أول مرة. فكثير من ا لمجتمعات الإسلامية خلال القرنين الثاني عشر والثالث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  من حديث طويل رواه الشيخان.

(2) رواه البخاري في كتاب الإيمان 39 ومسلم وابن ماجه.

 صفحة 192

 

عشر، وبعضها لا يزال حتى القرن الرابع عشر الحالي يتنازعها تقاليد، وأفكار إن لم تكن هي الشرك فهي قريبة منه بل إن بعض هذه المجتمعات أوشك يوما أن يعبد شجرة أو مكانا حاطه البعض بشئ من التقديس ولا يزال كثير مما حتى اليوم فيما يسمى بالموالد له شكل الشرك ولا ينقصه إلا النية والله أعلم بالنوايا وبرغم أن أصحاب هذه " الموالد " برءاء مما أحدث الناس بل إن بعضهم لو كان على الحياة لحرق كثيرا من أولئك الضالين كما علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمن ألهوه من دون الله سبحانه وتعالى وبرغم ما يقال من أن إحياء هذه " الموالد " إحياء لمبادئ وقيم أصحابها وتذكير بها فإن ما غلب عليها من " بدع " وما يرتكب فيها أو باسمها من " آثام " كفيل بالانتهاء عنها فإن من أسباب تحريم الخمر والميسر قول الله يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما. فضلا عن أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. وسد الذرائع كفيل بترك ما لا بأس به خشية أن يكون به بأس طواغيت:

 والطواغيت التي أمرنا الله أن نكفر بها ليصح إيماننا ليست ولم تكن، الأوثان والأصنام فحسب إن تلك الأوثان والأصنام مجرد صورة واحدة، أو مثل واحد. لكن صور الطواغيت كثيرة:

 معتقدات مبادئ

 صفحة 193

 

أفكار. أشخاص عواطف ومشاعر سلوك صور للتنسك وجماع هذه جميعا أن تعطيها أو تعطي شيئا منها بعض صفات الله أو بعض أفعاله التي اختص بها وحده سبحانه ولا يهم أن تفردها بهذا العطاء أو أن تشركها مع الله فيه فمن أعطى شخصا أو هيئة مبدأ صفة " الحكم " أي وضع القواعد التشريعات ابتداء وهذا خالص حق الله سواء في مجال العقيدة، أو الأخلاق، أو العبادات أو المعاملات:

 إقتصادية، وسياسية، واجتماعية فقد اتخذ الشخص أو الهيئة أو المبدأ طاغوتا فإن أفرده بهذه الصفة فقد اتخذه طاغوتا من دون الله. وإن أشركه مع الله في هذه الصفة فقد اتخذه طاغوتا مع الله. وفي الحالين إن توافرت له الإرادة فقد انتفى عنه الإيمان (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)(النساء:60) إلى قوله تعالى:

 (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65).

صفحة 194

 

فلينظر الذين يقولون " أنا مسلم العقيدة ماركسي المذهب " فإن العقيدة لا تصح حتى يسقط كل طاغوت يعطيه الانسان بعض حق الله. (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى) (البقرة 256). ولذا كان في شهادة التوحيد سابقا على الاثبات لا إله إلا الله! العقيدة الصحيحة:

 والعقيدة الصحيحة. ليست قاصرة على نطق اللسان:

 لا إله إلا الله محمد رسول الله. إنها قبل ذلك علم القلب وعمله. وهي ليست قاصرة بعد ذلك على عمل الجوارح. إنها إن اقتصرت على الأولى:

 شهادة اللسان وانتفت الثانية:

 كانت نفاقا وإن اقتصرت على الثانية دون الأولى كانت كفرا وإن اقتصرت على الأول والثانية دون الثالثة كانت فسقا ثم:

 إنها ليست قاصرة على جانب من صفات الله دون الجانب الآخر. إنها كما تشمل الاعتقاد بإن الله خالق تشمل كذلك الاعتقاد بأنه رازق تشمل كذلك الاعتقاد بأنه: حكم أو حاكم

 

 صفحة 195

 

والاخلال في جانب من هذه كالاخلال بالجانب الآخر سواء بسواء (1)

 ثانيا:

 خطأ وخطر الذين نادوا بالعقيدة على ذلك النحو. أصابوا كل إصابة لكنهم أخطأوا من جانبين. إنهم وقفوا عندها أو أنهم غالوا فيها أو فعلوا الخطأين معا أما خطؤهم في الوقوف عندها:

 فإن العقيدة أساس لا يقوم بناء بغيره وهذه أهميتها لكن. أيصح لعاقل أن يقيم الأساس ويكتفي؟ فلا يقيم بعده البناء؟ وما يجديه الأساس إن أصابته حرارة الصيف أو مسه برد الشتاء؟ وأما خطأ المغالاة فيها:

 فقد جاء من اعتبارهم الائتمار بالأمر والانتهاء عن النهي جزء من العقيدة، وترتيبهم نفس النتيجة التي تترتب على تخلف الأجزاء الأخرى كشهادة اللسان أو اعتقاد بالقلب. واعتبار " العمل " بتفصيله السابق جزءا من الإيمان صحيح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفصيلا لذلك بحثا مفصلا (الإيمان الحق: شهادة وعقيدة وعبادة) ـ للدكتور علي جريشة ـ دار الشروق الطبعة الأولى ـ سبتمبر سنة 1975 ـ والمراجع المشار إليها في هذا البحث.

 صفحة 196

 

لكن ترتيب نفس النتيجة عليه غير صحيح. ذلك أن للإيمان درجات كما أن في الجنة درجات. وللكفر دركات كما أن في جهنم دركات! أو هو كاالكائن الحي لا يستوي فصل رأسه مع فصل رجله أو يده ومن ثم فلا يستوي في شرع الله تارك الشهادة:

 لا إله إلا الله مع تارك إطعام المسكين ولا يستوي من داس مصحفا أو أنكر شيئا ما فيه. مع من اغتاب، أو سعى بالنميمة، أو حتى قتل!. والقرآن سمى تارك " الهجرة " مؤمنا " (