التوحيد والتثليث
الشيخ محمد جواد البلاغي
(1282 ـ 1352 هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
ترجمة المؤلف (1)
نسبه:
هو الشيخ محمد جواد بن حسن بن طالب بن عباس بن إبراهيم
ــــــــــــــــــــ
(1) لمزيد الاطلاع على ترجمته قدس سره أنظر: أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، الطبعة الحديثة 4/ 255، نقباء البشر في القرن الرابع عشر لآقا بزرك الطهراني 1 ص 323، شعراء الغري لعلي الخاقاني 2 ص 436، الطليعة إلى شعراء الشيعة للشيخ محمد السماوي : 65، الروض النضير للشيخ جعفر النقدي 304، الحصون المنيعة للشيخ علي آل كاشف الغطاء 9 ص 186، الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي 2 ص 83 رقم 5، معارف الرجال للشيخ محمد حرز الدين 1ص 196. ماضي النجف وحاضرها للشيخ محمد باقر محبوبة 2 ص 61، معجم رجال الفكر والأدب في النجف: 72، علماء معاصرين: 161، ريحانة الأدب للشيخ محمد علي التبريزي 1 ص 179، والأعلام للزركلي، الطبعة الحديثة 6ص 74، معجم المؤلفين لكحالة، الطبعة الحديثة 9 ص 163، المستدرك على معجم المؤلفين لكحالة أيضا 620، مقدمة الطبعة الثانية من كتاب (الهدى) للمؤلف للمحامي توفيق الفكيكي 1 ص 28، فهرست مؤلفين كتب جابي لخانبابا مشار 2 ص 412.
صفحة 8
ابن حسين بن عباس بن حسن (2) بن عباس بن محمد علي بن محمد البلاغي النجفي الربعي (3).
مولده:
ولد في النجف الأشرف سنة 1282 ه في بيت من أقدم بيوتاتها وأعرقها في العلم والفضل والأدب.
نشأته:
نشأ حيث ولد، وأخذ المقدمات عن أعلامها الأفاضل، ثم سافر إلى الكاظمية سنة 1306 ه وتزوج هناك من ابنة السيد موسى الجزائري الكاظمي.
عاد إلى النجف الأشرف سنة 1312 ه فحضر على الشيخ محمد طه نجف والشيخ آغا رضا الهمداني والشيخ الآخوند محمد كاظم الخراساني والسيد محمد الهندي.
هاجر إلى سامراء سنة 1326 ه فحضر على الميرزا محمد تقي الشيرازي ـ زعيم الثورة العراقية ـ عشر سنين، وألف هناك عدة كتب، وغادرها ـ عند احتلالها من قبل الجيش الإنكليزى ـ إلى الكاظمية فمكث بها سنتين مؤازرا للعلماء في الدعاية للثورة ومحرضا لهم على طلب الاستقلال.
ــــــــــــــــــــ
(2) صاحب كتاب (تنقيح المقال) في الأصول والرجال.
((الذريعة 4 ص 466 رقم 2069)).
(3) نسبة إلى قبيلة ربيعة المشهورة.
صفحة 9
ثم عاد إلى النجف الأشرف وواصل نشاطه في التأليف، فكان من أولئك الندرة الأفذاذ الذين أوقفوا حياتهم وكرسوا أوقاتهم لخدمة الدين والحقيقة، فلم ير إلا وهو يجيب عن سؤال، أو يحرر رسالة يكشف فيها ما التبس على المرسل من شك، أو يكتب في أحد مؤلفاته.
وقد وقف قبال النصارى وإمام تيار الغرب الجارف، فمثل لهم سمو الإسلام على جميع الملل والأديان حتى أصبح له الشأن العظيم والمكانة المرموقة بين علماء النصارى وفضلائها.
كما تصدى للفرق المنحرفة الهدامة الأخرى ـ كالبابية والقاديانية وغيرها ـ فكتب في ردهم ودحض شبهاتهم عدة رسائل.
وقد كان من خلوص النية وإخلاص العمل بمكان حتى أنه كان لا يرضى أن يوضع اسمه على تآليفه عند طبعها، وكان يقول: (إني لا أقصد إلا الدفاع عن الحق، لا فرق عندي بين أن يكون باسمي أو اسم غيري).
ومع كل ذلك أصبح اسمه نارا على علم، وبلغت شهرته أقاصي البلاد، وذلك لما عالجه من المعضلات العلمية والمناقشات الدينية، حتى أن إعلام أوربا كانوا يفزعون إليه في المسائل العويصة، كما ترجمت بعض مؤلفاته إلى الإنكليزية للاستفادة من مضامينها الراقية.
كان يجيد اللغات العبرانية والفارسية والإنكليزية ـ بالإضافة إلى لغته العربية ـ ولذلك برع في الرد على أهل الكتاب ودحض أباطيلهم وكشف خفايا دسائسهم.
صفحة 10
وكان مع عظيم مكانته في العلم وتفقهه في الدين أديبا كبيرا وشاعرا مبدعا، له نظم رائق سلس متين أكثره في مدح أهل البيت (عليهم السلام) ورثائهم وبعضه في الردود الدينية، وقد أورد السيد الأمين ـ قدس سره ـ نماذج منه في ترجمة المؤلف من كتابه (أعيان الشيعة).
كما كان متواضعا للغاية، يقضي حاجاته بنفسه، ويختلف إلى الأسواق بشخصه لابتياع ما يلزمه.
وكان يقيم صلاة الجماعة في المسجد القريب من داره، فيأتم به أفاضل الناس وخيارهم، وبعد الفراغ من الصلاة كان يدرس كتابه (آلاء الرحمن).
ومن كانت هذه صفاته فجدير بمتخصصينا أن يقوموا بدراسة هذه الشخصية الجليلة وآثارها القيمة، فهو أحد نماذج السلف التي ندر وجودها في هذا الزمن، فهو بحق من مشاهير علماء الإمامية، علامة جليل، مجاهد كبير، ومؤلف مكثر خبير.
وفاته ومدفنه:
توفي ـ رحمه الله ـ ليلة الاثنين 22 شعبان 1352 ه فاجتمعت النجف كلها إلى بيته وشيع تشييعا يليق بمقامه، ودفن في الحجرة الثالثة الجنوبية من طرف مغرب الصحن الشريف لمرقد أمير المؤمنين الإمام علي ابن أبي طالب (عليه السلام)، ومن العجيب أن مطلع إحدى قصائده في مدح الإمام الحجة المنتظر(عليه السلام)، في ذكرى مولده السعيد المبارك، قوله:
حي شعبان فهو شهر سعودي * وعد وصلي فيه ليلة عيدي
فكان كما أجراه الله على لسانه، إذ وصل إلى رحمة ربه في شعبان، ففجع الإسلام بوفاته، وثلم في الدين ثلمة لا يسدها أحد، تغمده الله بواسع رحمته.
آثــاره:
في الحقيقة أنه لم يمت من خلف ما خلفه المترجم من الآثار التي تهتدي بها الأجيال، وتحتج بها الأبطال، فإن في مؤلفاته ثمرات ناضجة قدمها المترجم لرواد الحقيقة،
وفيما يلي مسرد لها ـ وقد نبهنا إلى ما هو مطبوع منها فعلا أيضا ـ عسى الله أن يقيض من يحيي غير المطبوع منها:
1 ـ الهدى إلى دين المصطفى، في الرد على النصارى، مطبوع.
2 ـ الرحلة المدرسية، أو المدرسة السيارة، في الرد على اليهود والنصارى، مطبوع.
3 ـ أعاجيب الأكاذيب، في الرد على النصارى، مطبوع.
4 ـ التوحيد والتثليث، في الرد على النصارى، مطبوع.
5 ـ عمانوئيل، في المحاكمة مع بني إسرائيل.
6 ـ داعي الإسلام وداعي النصارى، في الرد على النصارى.
7 ـ رسالة في الرد على جرجيس سايل وهاشم العربي، في الرد على النصارى.
8 ـ رسالة في الرد على كتاب (ينابيع الإسلام) في الرد على النصارى.
9 ـ رسالة في الرد على كتاب (تعليم العلماء) في الرد على النصارى.
10 ـ المسيح والأناجيل، في الرد على النصارى، مطبوع.
11 ـ نور الهدى، في الرد على شبهات وردت من لبنان، مطبوع.
وهذه الكتب والرسائل المذكورة آنفا تأتي في محالها من القائمة الفهرستية التي أعددناها وألحقناها في آخر الرسالة التي بين يديك.
12 ـ البلاغ المبين، في الإلهيات، مطبوع.
13 ـ أنوار الهدى، في الرد على الطبيعيين والماديين وشبهاتهم الإلحادية، مطبوع.
14 ـ مصابيح الهدى، في الرد على القاديانية.
15 ـ الشهاب، في الرد على كتاب (حياة المسيح) للقاديانية.
16 ـ نصائح الهدى، في الرد على البابية، مطبوع.
17 ـ دعوى الهدى إلى الورع في الأفعال والفتوى، في إبطال فتوى الوهابيين بهدم قبور البقيع، مطبوع.
18 ـ قصيدة في معارضة قصيدة ابن سينا العينية في النفس، طبعت ضمن ترجمته في كتاب (أعيان الشيعة).
19 ـ قصيدة في جواب القصيدة البغدادية، في إثبات وجود الإمام صاحب الزمان وأحواله عجل الله تعالى فرجه الشريف، طبعت ملحقة بكتاب (كشف الأستار) لخاتمة المحدثين الشيخ حسين النوري الطبرسي.
20 ـ رسالة في الاحتجاج لكل ما انفردت به الإمامية بما جاء من الأحاديث في كتب غيرهم.
21 ـ إلزام المتدين بأحكام دينه، بطراز جذاب وأسلوب فريد في بابه.
22 ـ رسالة في رد أوراق وردت من لبنان، ولعلها نفس الكتاب المتقدم برقم 11.
23 ـ داروين وأصحابه، مطبوع.
24 ـ نسمات الهدى، طبع في أعداد مجلة العرفان.
25 ـ أجوبة المسائل البغدادية، في أصول الدين، مطبوعة.
26 ـ أجوبة المسائل الحلية.
27 ـ أجوبة المسائل التبريزية.
28 ـ آلاء الرحمن في تفسير القرآن، مطبوع.
29 ـ رسالة في تكذيب رواية التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام).
30 ـ رسالة في وضوء الإمامية وصلاتهم وصومهم، طبعت بالإنكليزية، أما الأصل العربي فلم يطبع.
31 ـ رسالة في الأوامر والنواهي.
32 ـ تعليقة على (العروة الوثقى) للسيد اليزدي.
33 ـ تعليقة على مباحث البيع من كتاب (المكاسب) للشيخ الأنصاري، مطبوعة.
34 ـ تعليقة على كتاب الشفعة من كتاب (جواهر الكلام).
35 ـ رسالة في حرمة اللحية.
36 ـ رسالة في الخيار.
37 ـ رسالة في التقليد.
38 ـ رسالة في صلاة الجمعة لمن سافر بعد الزوال.
39 ـ رسالة في بطلان العول والتعصب.
40 ـ رسالة في عدم تزويج أم كلثوم.
41 ـ العقود المفصلة في حل المسائل المشكلة،وهي 14 عقدا في الفقه وأصوله مطبوعة، وهي:
أ ـ رسالة في العلم الإجمالي.
ب ـ رسالة في ذبائح أهل الكتاب.
ج ـ رسالة قاعدة على اليد ما أخذت.
د ـ رسالة في ضبط الكر.
ه ـ رسالة في ماء الغسالة.
و ـ رسالة في حرمة مس المصحف على المحدث.
ز ـ رسالة في تنجيس المتنجس.
ح ـ رسالة في إقرار المريض.
ط ـ رسالة في منجزات المريض.
ي ـ رسالة في اللباس المشكوك.
ك ـ رسالة في مواقيت الإحرام.
ل ـ رسالة في القبلة وتعيين مواقع البلدان المهمة في العالم من مكة المكرمة بحسب الاختلاف في الطول والعرض.
م ـ رسالة في إلزامهم بما ألزموا به أنفسهم.
ن ـ رسالة في الرضاع.
42 ـ رسالة أخرى في فروع الرضاع على مذهب الإمامية والمذاهب الأربعة.
43 ـ رسالة في البداء، مطبوعة. وغيرها.
ومن المصادر المتقدمة اقتبسنا هذه الترجمة.
رسالة التوحيد والتثليث:
وهي جواب لرسالة كانت قد جاءت إلى المؤلف من إحدى نواحي سوريا مثيرة بعض الشبهات، فكتبها المؤلف ونشرها لما لم يعرف المرسل عنوانه! كانت قد طبعت لأول مرة في مطبعة العرفان بصيدا عام 1332 ه، ولأهمية موضوعها في العصر الحاضر ارتأينا إعادة توزيع نص الرسالة بما يتناسب مع الأسلوب الحديث، وإثبات أغلب الإحالات ـ الموجودة في المتن ـ في الهامش بدلا عما كانت عليه إلا ما اقتضته الضرورة، مع إضافة بعض الهوامش التوضيحية على ما أثبته المؤلف ـ قدس سره ـ في المتن وعلمناها برمز (المحقق)ليعلم أنها مضافة مزيدة. كما أعددنا قائمة فهرستية ألحقناها بآخر الرسالة تشتمل على ما تيسر لنا جمعه من الكتب أو المقالات المنشورة في المجلات فيما يخص الرد على اليهود والنصارى وكشف دسائسهم.
صفحة 16
تنبيه:
لما كان المؤلف ـ قدس سره ـ قد احتج على اليهود والنصارى حدلا وإلزاما بما في العهدين المنسوبين إلى الإلهام والوحي الإلهي، فقد استخدم نفس الرموز المصطلح عليها عندهم لأسماء كتبهما، ندرج أدناه ما استعمله في هذه الرسالة:
1 كو = رسالة بولس الاولى إلى أهل كورنتوش
يو = إنجيل يوحنا
يع = رسالة يعقوب
مت = إنجيل متى
أش = كتاب أشعيا
مر = إنجيل مرقس
تث = سفر تثنية الاشتراع
لو = إنجيل لوقا
يش = سفر يشوع أي يوشع
أ ع = أعمال الرسل
1 مل = تاريخ الملوك الأول
تك = سفر التكوين
2 مل = تاريخ الملوك الثاني
أي = كتاب أيوب
1 صم = كتاب صموئيل الأول
خر = سفر الخروج
2 صم = كتاب صموئيل الثاني
عد = سفر العدد
لا = سفر اللاويين
نش = نشيد الإنشاد
قض = سفر القضاة
زك = كتاب زكريا
مز = مزامير داود أي الزبور
1 أي = تاريخ الأيام الأول
دا = كتاب دانيال
مرا = مرائي ارميا
1 يو = رسالة يوحنا الأولى
1 بط = رسالة بطرس الاولى
عب = رسالة بولس إلى العبرانيين
مي = كتاب ميخا
رو = رسالة بولس إلى أهل رومية
صفحة 17
شكر لا بد منه:
لا يفوتني في هذه العجالة إلا أن أتذكر الحديث المشهور (من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق) فأتقدم بالشكر إلى كل من أعانني على إخراج هذه الرسالة ثانية بهذا الشكل، وأخص بالذكر منهم: الأخ الأستاذ المحقق أسد مولوي مسؤول لجنة تقويم النص في مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث لمراجعته الشاملة للرسالة والقائمة الفهرستية وما أتحفني به من ملاحظاته القيمة، والأخ عبد الجبار الرفاعي لاستفادتي من قوائمه الفهرستية التي أعدها عن التبشير والمبشرين. كما أخص بالذكر إدارة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث لسماحها لي بالاستفادة من مكتبتها العامرة في سبيل إعداد القائمة الفهرستية وتيسير سبل الطبع والإخراج. هذا، ونسأل الله تعالى التوفيق لخدمة دينه الحنيف، والحمد لله رب العالمين.
م. ع. ح. 22 ربيع الآخر 1411 ه
في
التوحيد والتثليث
(وهي جواب لرسالة جاءتني خصوصا من نواحي سوريا ممن لم يعرفني نفسه).
وإني أقدم له ما يليق بشأنه من التحية والثناء، وأدعو له بالتوفيق والتسديد، فإنه أنفع الدعاء من خير المسؤولين.
صفحة 23
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد، فقد سبرت رسالتك فلم يقع النظر من فوارضها على ما تزدهي ولو كخضراء الدمن. وكثيرا ما وقعت على الأفكار فذبها النظر والبداهة عن مغارس التوحيد خاسئة. ومع ذلك، فإن لك حق الجواب وذمة المراسلة. وإن كنت قد جهلتني وحسبتني ممن ينخدع بهذه الأوهام عن التوحيد الذي ماثه العقل وبداهة الفطرة بلحمي ودمي، حتى كان هو الحامي لحوزته، والذائد لجرب الغرائب عن حوضه. وحاولت أن تخادعني بكتب قد ابتزت من الحقائق الدارسة اسمها، حتى كأنك لا تدري بأني لم تخف علي مواردها ومصادرها، ونشوؤها وارتقاؤها، وتقلب أحوالها، وتلونها في التراجم والمطابع، حتى تعدى مسمى
صفحة 24
الاسم الواحد منها لا إلى التثليث فحسب، بل تزيده الأيام بمرورها ما شاءت الأهواء تعددا وتلونا. ولكن الشريعة المقدسة التي أدبتنا على حسن الظن بالمقابل، وحمل أمره على ما هو الأحسن به، اقتضت لي أن أحسبك غرا مغرورا، لا خبا مخادعا، فأوجب علي الهدى أن أغتنم منك الفرصة ـ برجاء التوفيق والتأثير ـ فأوقد فكرك، وأنبهك على غفلاتك، وأروض من جماحك، وأدعوك إلى الحق وسبيل النجاة والسعادة. ثم أوضح لك ـ بعون الله ـ الجواب في فساد ما تلقنته وتلقفته من غيرك، مخادعا كنت أو مخدوعا. ولو أنك ذكرت اسمك ومحلك، لسيرت هذه الرسالة إليك قصدا، وجلوتها لك خصوصا، ولكنك عميت أثرك، وأبهمت محلك، فاقتضى حق الجواب أن أنشر مطبوعها إن شاء الله، فعلها تصادفك على غرة، وتبلغ قصدها من حيث لا تحتسب. فخذها رسالة يهديها إليك الهدى من معادن الحق ورياض القدس، لتنال ببركتها السعادة ـ إن شاء الله ـ إذا نصحت نفسك، وآثرت نجاتها، وجاهدت في الله. وأني أدعوك، وكل من أوجب علي الحق دعوته، إلى الإقرار بالله إله الحق، وتوحيده، وحكمته، وقدرته، وجبروته، وكماله، وغناه، فلا تخالس توحيده بشرك التثليث، وحكمته بمنقصة العبث، وقدرته بوهن العجز، وجبروته بذلة الضعف، وكماله بخسيسة النقص، وغناه بحاجة الفقر، جل شأنه عن فلتات الأوهام.
صفحة 25
وإنك لا تفوز ببركة هذا الإقرار، وفضيلة هذا العرفان، وتدين بتوحيد الله وتقديسه، وتنزيه أنبيائه عن رذائل القبائح، إلا إذا أسلست قيادك للعقل واتبعت أثره، ليهديك ـ بعون الله وتوفيقه ـ إلى النور الساطع، دين الإسلام، الجامع لحقائق المعارف، وأسباب النجاة، والسعادة في الدنيا والآخرة،.. ولا ينبئك مثل خبير. واعتبر أولا ـ هداك الله ـ بتناقض أقوالك، واضطراب أحوالك، في مبادئ كلامك، لكي تعرف أن هذه العثرة من زمانة التعاليم، هذه الحكة من داء الكتب. فإنك ـ هداك الله ـ بينما تبشر آمالي وتبهج نفسي بالدعوة إلى اتباع دلالة العقل والاستضاءة بنوره، إذ أيستني بنكوصك إلى التنديد بالعقل والمعقول، والتنفر من إيضاح البرهان، والسخرية بالاعتبار بالممكن والممتنع، فأحلتني على مجهولات كتب قد موهت بالأسماء، وحاولت المجامع أن تطليها بعد النزاع باسم التسليم.. وهيهات... وهيهات... وهي التي يشهد بعضها على بعض بالتحريف والكذب على الوحي، إشارة وتصريحا. وهي التي تتلون في التراجم والمطابع تلون الحرباء، وتبرز كل حين في ثوب جديد. وهي التي لو كان لها أثر قديم لكان أقصاه في قديمها إلى دعوى النسبة لعزرا، ثم بعد اللتيا والتي إلى حلقيا الكاهن، وأقصى أثرها في جديدها إلى المجامع، ثم إلى استشهادات الآباء.
صفحة 26
وهي التي توضح الأغلاط الكثيرة في قديمها ـ الملتزم بها في أصلها العبراني ـ عن أن مبدأ نشوئها إنما هو من مبتدع ملفق لا معرفة له بالكتابة ولا أوضاع الألفاظ ولا صوغ التراكيب، فتعرفك فلتات كاتبها أنها بنته وربيبة حجره، تسمع بسبي بابل وما قبله من أساطير الأولين. وهي التي لو تربت في حجر نبي أو ولي لعرفت لله حقه فلم تقصد قدسه وكماله بلوازم النقص، ورعت للأنبياء ذمتهم فلم تقرفهم بفواضح الفظائع وقبائح الجرائم. هذا إذا حابينا هواك، وعزلنا العقل عن التحكيم في أمرها. وأما إذا خضعنا لسلطانه العادل، فإنه يرد إلى الامتناع ظلامته، ويحكم له بكثير منها. وإنك تطلب مني ـ عافاك الله ـ أن أتعامى عن نور العقل، ودلالة البرهان في أمر الدين ومعترك الآراء وأخطار الأضاليل ومزالق الأوهام وهوسات الأهواء... فماذا أقول ـ هداك الله ـ للعقل إذا عاتبني بخطاب ينكس منه ذو الحياء رأسه خجلا، ويقرع منه ذو الوفاء سنه ندما؟! فهل تراني أحير جوابا إذا قال لي: ألست صاحبك الذي لا يتركك في جميع أمورك، خطيرها وحقيرها؟! لا أحبس فيها عنك نصحي، ولا أبخل بدلالتي، حتى أني إذا استولى عليك الهوى، وخادعتك النفس الأمارة، وحسنا لك ما يشنك بوصمته، ويضرك بمبدئه وعاقبته، أقحمت نفسي بينكما على كره منكما، كاقتحام الطفيلي وإنا صاحب الدار، متحملا ذلة الفضولي وأنا المولى المستشار، فلم أزل أسوسك بلطف الإرشاد حتى
صفحة 27
أهديك إلى الصوار مهما أمكنت الفرص وأسعدك الحظ باتباعي! أولست بصاحبك الذي تفزع إليه في مهماتك، وتستجير بي من خطأ حواسك؟! أفلم أصف لك الموارد، وأسهل لك المصادر؟! أولست بصاحبك الذي عرفك إلهك، ودلك على معبودك وعلمه ولطفه وحكمته وقدسه، وعرفتك دلالة المعجز على النبوة، وصدق النبي في التبليغ عن الله، وميزت لك الوحي الصادق من الكاذب؟! فهل وصلت إلى هذه الحقائق، وعرجت إلى هذه الرفعة باضطراب الأهواء أو هوسات الأضاليل أو عماية التقليد؟! فإن زعمت أن مرشدك في دينك، ومعتمدك في اعتقادك، إنما هي الكتب المنسوبة إلى الوحي، فمن ذا الذي عرفك الوحي والموحي والموحى إليه؟! ومن ذا الذي ميز لك ذلك من باطله، وصادقه من كاذبه؟! المجامع المضطربة عرفت ذلك، أم بكثرة الاتباع؟! إذا، فلماذا تركت تعاليم (برهما) و (بوذا) مع أنهما أكثر أتباعا ومجامعا؟! أفعندك ـ هداك الله ـ ما أجيب به العقل في هذا العتاب المخجل والتقريع المؤلم؟! خصوصا إذا شرح حاله معك وجاهر بتظلمه منك، وقال: إن هذا الرجل لم يزل ولا يزال يرجع إلي في أمور دنياه فيتعرف مني الحسن، ويسترشدني إلى الأصلح! ولكن السلف والهوى والألفة لما علموا من أوائل قضاياي وأساسيات أحكامي أني لا أؤاتيهم على شئ من هذه الأمور وقد فصلت
صفحة 28
القضاء فيها للامتناع، فلذلك كان المركز السياسي لهم أن يقاوموا سلطاني في أمر الدين، حتى جاهر داعيهم فقال غير مبال: (لا بشر لا بحكمة كلام، استحسن الله أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة، لأن جهالة الله أحكم من الناس) (1) تعالى الله إله الحق الواحد الأحد عن ذلك. كل ذلك ليتمرد علي في أمر الدين من لم يزل متمتعا في أمور دنياه بحسن رعايتي، خاضعا فيها لسياستي، منقادا في تجارته وأموره لحكمي الأولي بأن الواحد لا يكون ثلاثة، والثلاثة لا تكون واحدا. فهل تقدر أن تغالطه في المعاملة فتدفع إليه واحدا بدل ثلاثة، أو تأخذ منه ثلاثة بدل واحد، أو يقول لك: كلا، ما أنا بمجنون؟! ولئن غالطتهم الأهواء بالاعتلال علي بوقوفي عن حقيقة الروح التي استأثر خالقها بالعلم بها، فهل يخفى على أحد أني ممكن مخلوق، منحني الله أشياء وحجبني بحكمته بحكمته عن أشياء؟! فهل يحجبني البشر عما منحني ربي لأجل وقوفي عما حجبني عنه؟! كيف، وإن الرسول الظاهر مهما كان فهو محجوب أيضا عن أشياء كثيرة، فكيف يسمع منه؟! بل إن من يزعمونه أقنوم الابن الحالة عليه روح القدس، ويسمونه الإله المتجسد (لا يعلم بساعة القيامة، ولا يعلم بها إلا الله، ليس الأقانيم الثلاثة، بل أقنوم الأب وحده) (2).
ــــــــــــــــــــ
(1) 1 كو: 17 ـ 26.
(2) مر 13: 32.
صفحة 29
وإني وإن لم أصل إلى كنه الحقيقة الإلهية.. ولكن ألست أنا الطريق إلى الله، والمفزع في معرفة صفاته جل شأنه، والمميز لما يجوز عليه وما لا يجوز؟! أوليس بدلالتي عرفت النبوات والأنبياء وصدقهم، وما يجوز عليهم وما لا يجوز؟! أفأحجب حتى عن معرفتي بأن واجب الوجود لا يتصف بصفات النقص والحدوث، وأن الواحد ليس ثلاثة، والثلاثة ليست واحد؟! ألم تسمع أن السياحين يبالغون بغباوة بعض الذين في شمالي سبيريا، ويقولون، إنهم لا يتجاوزون في معرفة الأعداد عن العشرة، فهم على هذه الغباوة يميزون مراتب هذه الأعداد وحقائقها فيما بين الواحد والعشرة. أفلا يسمح لي الناس ـ وإنا العقل المخلوق نورا للعالم، ورسولا باطنا إلى كافة البشر ـ أن أعرف من الأعداد مراتب الواحد والاثنين والثلاثة؟! فأميز أن الواحد الحقيقي لا يكون ثلاثة، أحدهم يتجسد على الأرض، والثاني ينزل من السماء بشكل حمامة جسمية، والثالث يبقى في السماء، وأن الثلاثة الذين أحدهم صلب ومات، والثاني الذي أقامه من الموت وأجلسه على يمينه، والثالث الذي انقسم على جماعة من الناس، هؤلاء لا يكونون جميعا واحدا حقيقيا. أفآل أمر الناس إلى مثل هذه الخلاعة، وقد كان عهدي بالناس أن الأهواء لا تستحوذ عليهم إلا إذا تدلست باسمي، ولا تقدر أن تروج الضلال فيهم إلا إذا موهته باسم المعقول.
صفحة 30
هذا ما أعلمه ـ هداك الله ـ من مناجاة العقل ومطارحته، فماذا ترى لي من الجواب؟! أفأقول في جوابه: دع عنك هذا (فإن الله استحسن أن يخلص المؤمنين بجهالة الكرازة)! كلا ثم كلا، لا أعشو عن نوره، ولا أضل عن هداه، ولا أتصامم عن دعوته، وما توفيقي إلا بالله. واعلم ـ هداك الله ـ أن الاهتداء بهدى العقل والخضوع لسلطانه هو ناموس الحرية، وأن اتباع الهوى ومكابرة العقل هي العبودية الخسيسة، ولو أنك اهتديت بأوليات العقل وبديهياته، فضلا عن نظريايته، لوضح لك الحق اليقين، وسلكت في جادة الصواب، وأوصلك الجهاد في الله إلى حقيقة العرفان، والدين القيم، فأصبحت واحدا من المسلمين، لك ما لهم وعليك ما عليهم، ولكنك إذا مننت عليهم بإسلامك تلوا عليك قول الله جل اسمه: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين) (3).
((1)) و أما قولك: (إن العقل يرجع بي من نصف الطريق إلى سذاجة التوحيد). فإن العقل ليقول في جوابك فيه: عافاك الله، وهل ترى لي عن هذه الحقيقة معدلا؟! أو أجد إلى غيرها سبيلا؟! وهي التي عليها فطرت وعليها جبل هداي.. ولئن تخطاها الهوى برغمي، فلا أظن بغير عواصفه الوبية أن يجمع بين ظلمة الشرك ووخامة التناقض، بدعوى كون
ــــــــــــــــــــ
(3) سورة الحجرات 49: 17. (المحقق).
صفحة 31
الواحد الحقيقي ثلاثة حقيقة، والثلاثة حقيقة واحدا حقيقيا عافاك الله، وهل تعدو الوحدة الحقيقية أن تكون ساذجة هي منتهى مراتب الأعداد في البداية، ولئن سمعت بتسمية بعض المتعددات واحدا مجازا فإنما ذلك لأجل وحدة الجهة العارضة عليها، المباينة لها في الحقيقة.
((2)) و أما قولك: (وبساطة المعرفة). فإن أردت بالبساطة فيه ما يرادف الحرمان من التعقل والتفهم فهو من أفحش الظلم، لأن كل شاعر يدري بأن العقل لا يصل إلى البساطة، ولا يمر طريقه عليها، ولا يرجع إليها بعد أن تخطاها بأول سيره، وإنها لضده المباين وعدوه المقاوم، وما أسرع ما خالفت كتبك وأنت تدعو إليها! كيف لا، وهي تذم الحكمة، وتمجد الجهالة، وتنسبها إلى الله؟! تعالى عما يقولون!
((3)) و أما قولك: (فتبعد عن معرفة جلال الله ومجده في أقانيمه). فهل تريد ـ عافاك الله ـ أني إذا قلت بحقيقة التوحيد فقد نسبت إلى الله جل شأنه ضعف الوحدة ومهانة الانفراد عن المعاون، ونفيت عنه مجد الجمعية، وشوكة الكثرة، وسداد اتفاق الآراء، وسلطة التعاضد بالجمهورية؟! فقل لي لمن أصف بالمجد من هذا العدد؟! وعن معرفة أيهم بعدت بالتوحيد؟! فهل بعدت عن معرفة الأب الذي في السماوات، أو الابن المتجسد المضطهد المصلوب المهان على الأرض، أو الروح الذي انفتحت
صفحة 32
له السماء ونزل بشكل حمامة جسمية ثم انقسم كألسنة من نار؟! وإلى من يرجع مجد الأقانيم؟! هل إلى شوكة الجمعية؟! فليس لكل واحد في ذاته مجد! أو إلى جهة الاتحاد المغايرة لكل واحد منهم؟! أو نؤثر بعض الأقانيم دون بعض؟!
((4)) و أما قولك: (وتجسده). فأفصح لي عما تريد منه، فإنك وأصحابك تقولون: إن المتجسد على الأرض هو الابن، ويقول كتابك أن الابن نفسه يقول: إن الأب بقي في السماوات. فإن كان التجسد مجدا فلماذا استأثر به الابن عن الأب الذي يدعوه الابن إلها؟! (4) ويعترف بأنه لا يعلم ما يعلمه (5) ولا ويقدر إلا على ما أقدره وأعطاه (6) وأنه أعظم (7) ويفزع إليه في حوائجه وضيقاته (8). ولئن كان المجد بالتجسد فقد سلبت عن الأب هذا المجد! وأي مجد بهذا التجسد؟! فهل لكونه أفضى إلى تلاعب إبليس وأطعمه بإعطائها إياه إذا سجد له، ثم ذهب به إلى جناح الهيكل وصار يخادعه! (9).
ــــــــــــــــــــ
(4) يو 20: 17.
(5) يو 5: 19 و 30.
(6) يو 12: 49.
(7) يو 10: 29 و 14: 28.
(8) مت 26: 38 و 39، ويو 11: 41 و 42.
(9) مت 4، ولو 4.
صفحة 33
أم لكونه أفضى إلى تحمله الذلة والاضطهاد والخوف من اليهود وقيصر، حتى أنه كان يعطيه الجزية ويتستر في تعاليمه ويوري فيها؟! (10). أم لكونه بكى وحزن واكتأب إذ دنت ساعة الصلب، حتى صار يطلب من الإب بأشد لجاجة أن تعبر عنه كأس المنية؟! (11). أم بما يذكره كتابك فيما حدث عليه من اليهود بعد ذلك؟! (12). أم تقول: يكفي من مجد هذا التجسد ما يذكره الإنجيل من جلوسه في مجلس العرس في (قانا) وارتفاع ذكره بين السكارى حيث كثر لهم الخمر وأعاد لهم نشوة الخمار؟! (13). أو إجلاسه ليوحنا بن زبدي، الشاب الطري، في حضنه ليتغنج عليه ويتكئ على صدره؟! (14). أو مغازلة الزانية بنفثات الحب، إذ بلت بدموعها قدميه، وصارت تمسحها بشعر رأسها؟! (15). أفتقول: أين يجد مثل هذا المجد لو بقي في السماء بلا تجسد؟! سبحانك اللهم وتعاليت وتقدست.
ــــــــــــــــــــ
(10) مت 17 و 22.
(11) مت 26، ومر 14، ولو 22.
(12) مت 26 و 27، ومر 14 و 15، ولو 22 و 23، ويو 18 و 19.
(13) يو 2.
(14) يو 13.
(15) لو 7: 36 ـ 50.
صفحة 34
((5)) و أما قولك: (وقداسته وعدله). فلعلك تريد به ما يلهج به مبشروكم في قولهم: (إن عدل الله وقداسته يستلزمان عقاب الخاطئ بالموت في جهنم النار إلى الأبد، ولا يمكن أن يغض الطرف عن ذلك لبغضه الخطيئة التي لم يسلم منها أحد في العالم، فأظهر الله محبته ورحمته بتجسد ابنه على الأرض ليفدينا بصلبه، فيستوفي في العدل الإلهي حقه، إذ تحمل بصلبه ما علينا من القصاص، ووفى ما علينا من الدين). عافاك الله، هب أنك طردت العقل عن حكومة هذه الخطة، وقلت تبعا لكتابك: إنا نبشر لا بحكمة كلام لئلا يتعطل صلب المسيح، ولكنك لا بد من أن تكون مارست المعاملات التجارية وتعاطي الوفاء في الديون ولو في لوازم بيتك، واطلعت على عدل الحكام في قصاصاتهم وبغضهم للخطيئة والفساد، فقل لي: هل القدوس العادل الذي يبغض الخطيئة ينبغي أن يبقي رهبة الناس منه بخوف العقاب، لينزجروا عن فعل الخطيئة فتضعف مادة الفساد، أو أنه يحابي أهواءهم وشرورهم فيفديهم فتضعف مادة الفساد، أو أنه يحابي أهواءهم وشرورهم فيفديهم ويطلق لهم زمام التمرد؟! فهل يفعل محب الخطيئة أكثر من هذه المحاباة!؟ ثم إذا كان عدله وقداسته يستلزمان عقاب الخاطئ بالموت في جهنم النار إلى الأبد، فلماذا انتقضت هذه الملازمة بالفداء؟! وكيف أوصل الاحتيال إلى التفكيك بين المتلازمين؟! ثم لماذا تنازل الفداء إلى موت واحد يوما وبعضي يومين على قولكم؟! وهل يكون هذا من تحمل القصاص ووفاء الدين؟! فإن التفاوت فيه ليس كما بين الواحد والثلاثة لكي يدعى فيه الاتحاد، بل إن التفاوت ليفوت حد الإحصاء! وأية ضرورة دعت إلى هذا التنازل؟! ثم إن الابن ـ على ما يقول كتابكم ـ قد استعفى من معاملة
صفحة 35
الفداء، وطلب من الأب ـ ببكاء، وحزن، واكتئاب، ودعاء بأشد لجاجة ـ أن تعبر عنه كأسه، فهل كان من العدل والقداسة أن يجبر على معاملته؟! وهلا وسعت الرحمة والمحبة هذا الابن المستغيث المستعفي كما وسعت الخاطئين المفسدين؟! وماذا يكون محل هذه الرحمة والمحبة من العدل والقداسة إذا أرسلت الخاطئين يمرحون في ملاعب الخطايا والفساد آمنين وضاقت عن الابن البرئ المستغيث المضطرب؟! وهل يجدي في ذلك إذا ظهر له ملاك من السماء يقويه (16)؟! ثم ـ على قولكم بالاتحاد ـ من هو الأب؟! ومن هو الابن؟! ألستم تقولون: إنهم واحد؟! أفلا يرجع هذا كله إلى أن القدوس العادل، مبغض الخطيئة، قد حابى الخاطئين وأطلق سراحهم بتحمله ما عليهم من القصاص، ثم حابى نفسه فأدمج المحاسبة وتنازل فيها إلى ما تزعمون؟! تعاليت اللهم عن ذلك وتقدست.
((6)) و أما قولك: (فتصبح محروما من محبته ورحمته وبركة فدائه ببركة الفادي الكريم). فهو كما تقول: إن لم تسلك متاهات المفاوز في الهواجر تصبح محروما من ريك بلامع السراب ولفحات الهجير! أفتخوفني الحرمان ـ هداك الله ـ بأن أعبد الإله الواحد، الأحد القادر، القاهر، العادل القدوس، العزيز، الحكيم، الجبار، الحي الذي لا
ــــــــــــــــــــ
(16) لو 22: 43.
صفحة 36
يموت، والدائم الذي لم يلد ولم يولد، بل جل وعلا عن نقص التعدد والتركب والجسمية والمكان والتغير والضعف؟! وتمنيني الحظوة ـ عافاك الله ـ بأن أصف إلهي من حيث القدس والعدالة بما لا يرضى به مدير الناحية؟! وأصفه من حيث الضعف والمظلومية والبكاء والجزع بما يأنف منه رئيس القرية؟! أو أغالط وجداني فأجعل الواحد الحقيقي ثلاثة حقيقة وآثارا، والثلاثة حقيقة وآثارا واحدا حقيقيا؟! ولقد أردت أن أغالط وجدان طفل لم يفطم فآخذ منه ثلاثة وأعطيه واحدا بعنوان أنه هي، فلم أقدر عليه لتمييزه لتعددها، ورغبته في كثرتها.
((7)) و أما قولك: (وتعشو عن جلال الرب (يسوع) المسيح، له المجد، فتنكر لاهوته الأقدس، وتحط قدره إلى خسة الناسوت ونقص الطبيعة البشرية، مع أنه الذي رفع بلاهوته قدرها إذ تقمصها). فإنه ـ هداك الله ـ قول يضحك ويبكي، ويا ليتك تودع قلبك وطواياك إن قدس اللاهوت وكماله لا يوصم ولا يوصف بخسة الناسوت ونقص الطبيعة البشرية، فتعرف ماذا قلت وماذا تقول! ويا ليتك ـ في الأقل ـ تدرك تناقض كلامك ههنا، وتلتفت إلى أنك بينما تعنف على حط قدر اللاهوت إلى خسة الناسوت ونقص البشرية، إذا بك تقول: إن اللاهوت تقمص الطبيعة البشرية!! وإني وأنت وكل أحد يعلم أن المسيح ـ الذي تعنيه ـ كان إنسانا حادثا، متولدا في زمان معلوم، من أنثى معروفة.
صفحة 37
ثم ترقى من عالم الطفولية، متزايدا في النمو، متغيرا من حال إلى حال، منتقلا من هيئة إلى هيئة (17) وكان كما تقول كتبكم يجوع (18) ويعطش ويتعب (19) ويدهش ويكتئب ويحزن (20) ويبكي وينزعج، ويفزع في حوائجه وضيقاته إلى الله (21) ويتألم (22) ويأكل ويشرب (23) وينام (24). بل تقول كتبكم أنه صلب وقال: إلهي إلهي، لماذا تركتني؟! وطعن في خاصرته ومات ودفن (25). وإن غريزة الفطرة لتقول ـ فضلا عن العقل الذي حرمت نفسك من هداه، ولا ترضى حكومته ـ إنه الإله لا يكون كذلك، وإن كتاب إلهامكم يقول عن رسوليكم (برنابا) و (بولس): إنهما نفيا عن نفسهما الألوهية محتجين على أهل (لستره) بكونهما بشرا تحت آلام (26) والمسيح ـ الذي تعنيه ـ لا ريب في أنه بشر تحت آلام. والكتاب الذي تحتج به وتعتمد عليه صريح في النقل عن قول
ــــــــــــــــــــ
(17) مت 2، ولو 2.
(18) مت 4: 3 و 21: 18.
(19) يو 4: 6 ـ 10.
(20) مت 6: 27 ـ 28.
(21) يو 11: 34 ـ 43.
(22) مت 16: 21.
(23) مت 11: 19.
(24) مت 8: 24 أواخر الأناجيل.
(26) أع 14: 11 ـ 60.
صفحة 38
المسيح بأن الله إلهه (27). فهل ترى أن الإله يكون له إله؟! وصريح بنقل اعترافه بأنه لا يعلم ما يعلمه الله، ولا يقدر إلا على أن الإله يكون له إله؟! وصريح بنقل اعترافه بأنه لا يعلم ما يعلمه الله، ولا يقدر إلا على ما أعطاه الله إياه، وأن الحياة الأبدية أن يعرفوا الله بأنه الإله الحقيقي وحده، وأن (يسوع) هو المسيح الذي أرسله (28)! وهل بعد هذه الصراحة ريب لمن يعتمد على هذا الكتاب؟! خصوصا مع نقله لاستغاثة المسيح بالله، والدعاء والتضرع إليه، والاجتهاد بالعبادة له! وخصوصا مع صراحته باحتياج المسيح إلى التجربة من إبليس، وتسلط إبليس عليه، إذ تصرف به وأطعمه بممالك المسكونة ليسجد له، ولم يدحر إبليس في الجواب إلا بالاعتراف بالعبودية لله، ولو كان إلها لكان ذلك المقام أولى بأن يخسأ إبليس ببيانها ويعتصم بها من تصرفه، كيف لا ولم يكن هناك يهود يخاف منهم؟!! عافاك الله، سامحناك من المطالبة بالعقل الذي تذمه، والمعقول الذي تبغضه، فدعها جانبا على رغم الأدب والمعرفة، ولكنا نطالبك بوجدانك الذي تميز به نفسك عن عبدك، وتعرف به مواقع الكلام، وتدبر به أمر تجارتك، وتفهم مراسلات أصحابك. نعم، أستعفيك من وجدانك الذي تجعل به الثلاثة حقيقة واحدا حقيقيا، والواحد الحقيقي ثلاثة حقيقة، فتصف كلا منهم بصفة وحال
ــــــــــــــــــــ
(27) يو 20: 17، ومت 27: 46، ومر 15: 34.
(28) يو 17: 3.
صفحة 39
ومكان يباين كلا مما تصف به صاحبيه! ثم أنظر ـ هداك الله ـ أينا اجترأ على عظمة الله ومجده؟! وأينا حط من قدر المسيح؟! أفمن يقول: إن الله الذي لا إله إلا هو، هو الإله الواحد القدوس، الأزلي الدائم، العليم الحكيم، الغني العزيز، القادر القاهر، الحي الذي لا يموت، العادل الرحيم، الجواد العظيم، الذي يجل عن التعدد والحدوث والتجسد والأين والمكان والتغير والضعف، وإن المسيح رسول مكرم وعبد مقرب لهذا الإله العظيم، قد بلغ رسالته، وأدى وظيفته، فلم يشن توحيده بشرك، ولا صدقه بكذب، ولا تعليمه بتناقض، زلا حججه وبتهافت، ولا عفافه بدنس، ولم يتصرف به الشيطان، ولم ينهه اليهود، بل كفاه الله شرهم وسوء ولايتهم، ورفعه إلى السماء حيا ممجدا؟ أم من يقول: إن الله واحد ثلاثة، أراد أن يخلع عذار الخاطئين، ويطلق سراحهم في غيهم، فيؤمنهم من زاجر الوعيد، وقصاص العدل، ولم يقدر على ذلك حتى تجسد منه أقنوم الابن على الأرض ـ أو هو ذاته ـ بأن تردد في ظلمات الرحم وفضلاته، ثم ترقى في النشوء من نقائص الطفولية وجهالاتها إلى أن اعتمد من (يوحنا) بمعمدية التوبة، وحل عليه الأقنوم الثاني فقاده الروح إلى البرية مع الوحوش؟! وصار إبليس يتصرف به ويجئ به من مكان إلى مكان ويخادعه بالغواية ويطلب منه السجود له! ثم بقي ثلاث سنين في ذلة الخوف ومهانة الاضطهاد، يصدر منه الكذب على إخوته مرة، والعقوق لأمه والقدح بطاعتها لله أخرى!
صفحة 40
قد تناقضت تعاليمه على قلتها، ناقضتها أفعاله، واحتج بتعدد الآلهة والأرباب مع اعترافه بوحدة الإله والرب، واحتج بأوهى الحجج التي يعدها المجان من المضحكات! وجعل توبة الزانية وإيمانها أن تبل بدموع التوبة ـ أو الحب والمغازلة ـ قدميه، وتقبلهما بعفتها، وتمسحهما بشعر رأسها لطهارة قلبها! وجعل تأديبه لتلميذه الشاب الغض الطري أن يجلسه في حضنه ويتركه يتغنج عليه ويتكئ على صدره (29)! ويعطي مفاتيح ملكوت السماوات والحل والربط لتلميذه الذي سجل عليه بأنه شيطان ومعثرة له ولا يهتم بما لله، بل بما للناس (30)! ولما دنا وقت الفداء ندم وحزن واندهش واكتأب وصلى، وطلب من أقنوم الأب ـ وقل: من نفسه ـ ملحا بأشد لجاجة أن تعبر كأس المنية، فلم يقدر على ذلك، بل ضعف، وجاءه ملاك من السماء يقويه إلى أن جرى عليه الاضطهاد الفاحش، ونادى: (إلهي إلهي، لماذا تركتني؟!) ثم مات ودفن، وأقامه الله من الأموات! كل ذلك ليفدينا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا؟! تعالى شأنك اللهم وجلت عظمتك. فدونك المقايسة ـ هداك الله وعافاك وعرفك بعظمته وجلاله ـ أفتمنيني النجاة بالفداء الذي تنعى به الإله على زعمك؟! عافاك الله، إن التاجر إذا أراد أن يعرض سلعته للبيع فلا بد له
ــــــــــــــــــــ
(29) استدل على مواقع ذلك بالجزء الأول من كتاب (الهدى) ص 227 ـ 233.
(30) أنظر: مت 16: 15 ـ 24.
صفحة 41
من تعاهد طواياها وزواياها، لينظر أنها هل تنفق في سوق الوقت على نياقد التجار أم لا؟ وذلك تخل بشينها في مجد تجارته. عافاك الله، أفلم تكن تسمع ما تقول أو تنظر ما تكتب؟! أفلم تكن تدري بما في كتبك؟! ويا حسرتا، ماذا نقول للملاحدة المعطلة إذا قالوا لنا: أهذا مجد الإله الذي تكفروننا وتسفهوننا بجحوده؟!
((8)) و أما قولك: (ولا نأت بك مجاهل الغفلة عن معرفة قدر الرسل، وعظيم أثرهم في نصرة الحق، ورسوخ قدمهم في الإيمان، وحسن ائتلافهم قولك: (ولا نأت بك مجاهل الغفلة عن معرفة قدر الرسل، وعظيم أثرهم في نصرة الحق، ورسوخ قدمهم في الإيمان، وحسن ائتلافهم في المحبة، وانتظام جماعتهم في الدعوة، حتى دمثوا للمؤمنين شريعة سهلة، أدبية عقلية، قد أسست ناموس الحرية، وبثت التعاليم الروحية، فلم تشن لينها بقساوة، ولم تحتفل بالأعمال الفارغة) فإنما هو قول أنت تقوله، وكتابك الذي تعتمد عليه يعارضك في ذلك، ويقول: إن (بطرس) صار ينتهر المسيح حتى قال المسيح له: اذهب عني يا شيطان! أنت معثرة لي، لأنك تهتم بما للناس لا بما لله! وإن عشرة منهم اغتاظوا على المسيح من أجل عنايته بابني (زبدي)! ومالوا إلى الرئاسة، وتشاجروا فيمن يكون الأكبر منهم بعد المسيح لما أخبرهم بأنه ماض عنهم، حتى وعظهم ووعدهم ومناهم بما يرغبهم في الائتلاف وترك التشاجر! كثيرا ما وبخهم على قلة إيمانهم، وأنهم لا إيمان لهم، وليس لهم من الإيمان مثل حبة خردل!
صفحة 42
ووصفهم الإنجيل بغلظ القلوب، وأخبرهم المسيح بأن كافتهم يشكون أو يعثرون فيه، ويتفرقون عنه، كل واحد إلى خاصته ويتركونه وحده! وطلب منهم المواساة بسهر ليلة فلم يواسوه، مع ما هو فيه من الدهشة والحزن والاكتئاب، حتى وبخهم على ذلك مرارا! ولما هجم اليهود تركه الجميع وهربوا! ثم لم يصدقوا اللاتي أخبرنهم بقيامه من الأموات، عدوا كلامهن كالهذيان، حتى وبخهم المسيح على قساوة قلوبهم، وعدم إيمانهم، إذ لم يصدقوا الذين نظروه وقد قام، مع أن الإنجيل كم وكم يذكر المسيح قد أخبرهم بأنه يقتل وفي اليوم الثالث يقوم من الموت! وناهيك ما تذكره الأعمال والرسائل من العهد الجديد بعد حادثة الصلب في اضطراب المتنصرين ومشاغبتهم، والمذمة من بعضهم لبعض، حتى أدت تلك المشاغبة إلى أن (بطرس) و (برنابا) و (بولس) وجماعة قد استعملوا الرياء لحفظ الشريعة! ولكن فرصة الوقت وميل الأهواء إلى الراحة قد ساعد التلاميذ و (بولس) بنقل كتبكم على محو رسوم الشريعة بخلاف ما أوصى به المسيح، فبعضهم اتفقت مشورتهم لجلب الأمم إلى الخضوع لرئاستهم بأن يصانعوا أهواءهم ومألوفاتهم برفع الختان وسائر قيود الشريعة، ولم تكن لهم حجة في مشورتهم في ذلك إلا استجلاب الأمم وترغيبهم إلى الإيمان بالمسيح، وأن موسى قد استوفى نصيبه من رئاسة الشريعة، لأن له من يكرز به في كل سبت.
صفحة 43
ثم جاءت الرسائل عن (بولس) فنسبت إلى إتمام الدست للأهواء، والمجاهرة بالإباحة العامة بلسان العيب والتضعيف والانتقاص للشريعة السابقة (31). وإني لأحاشي الحواريين من هذه النسب الفظيعة، ولكن الذي دمث للأهواء هذه الشريعة الشهوانية إنما هو من له عداوة مع الله وشريعة رسله، وإن فلتات لسانه في زخرف بيانه لتفضحه بذلك.
((9)) و أما تمجيدك لشريعة الرسل بأنها (أدبية عقلية) فقد سبقك به البوذيون في تمجيد شريعتهم، إذ مسخوا بها شريعة البراهمة قبل أن تدون كتبكم بقرون عديدة و (ما أشبه الليلة بالبارحة) (32) إلا أن تلك تخلصت من شريعة باطل قاسية، وهذه تمردت على شريعة حق عادلة. أفتقول ـ هداك الله ـ: إن شريعة موسى ليست أدبية ولا عقلية؟! ثم ما الذي ورطك باسم العقل ههنا؟! وأنت تذم العقل والمعقول، وتحذرني من أن يرجع بي من نصف الطريق!
((10)) و أما قولك: (لم تحتفل بالأعمال الفارغة) فإنك قد تورطت به في معركة كتبك التي انقسمت إلى نصفين: فصف التوراة ورسالة (يعقوب) يناضل في حماية الأعمال، وكذا الإنجيل حيث أوصى بحفظ ما يقول به الكتبة والفريسيون والعمل عليه، لأنهم على كرسي (موسى) جلسوا (33) جاهر بأنه لم يجئ لينقض
ــــــــــــــــــــ
(31) استدل على مواقع هذا كله بالجزء الأول من كتاب (الهدى) ص 30 ـ 34.
(32) في مادة برح من: لسان العرب 2 ص 412 ومعجم مقاييس اللغة 1 ص 239. (م).
(33) مت 23: 1 ـ 3.
صفحة 44
الناموس والأنبياء، وأن الأكبر في ملكوت السماوات من علم وعمل (34). والصف الثاني ـ وهو المنتظم تحت قيادة النسبة إلى (بولس) ـ يحصر النجاة بالإيمان، ولا يجعل لوجود الأعمال الصالحة أثرا ومداخلة في النجاة، بل وصف كثيرا من وصايا التوراة بأنها للفناء وتعاليم الناس. هداك الله، وكلا الفريقين من كتبك! فكان الأولى بك في هذه الفتنة والمثابرة أن تلجأ إلى الحياد، ولا تغتر بغلبة أحد الفريقين بنصرة الهوى ومعونة حب الراحة.
((11)) و أما تمجيدك لشريعتك بأنها (عكفت عليها الأمم وتشرفت لها الملوك) فقد سبقت الشريعة البوذية في راحة إطلاقها بهذا الذي تزعمه مجدا أيام كانت الهند الشرقية تباهي بتمدنها الغرب الوحشي، على أن شريعتك قد مضت عليها قرون وهي عرضة لاضطهاد الملوك!
((12)) و أما قولك في شأن رسلكم: (وناهيك بأثرهم في المعرفة عليها قرون وهي عرضة لاضطهاد الملوك!
((12)) و أما قولك في شأن رسلكم: (وناهيك بأثرهم في المعرفة ومنتهم على البشر، إذ جلوا للناس حقيقة الثالوث ومجد الأقانيم وجاهروا بتعليمه). فإنه قول من لا خبرة له بالتاريخ وأديان العالم، أو قول من يخادع نفسه ويسخر بها في محاولة التمويه، أفلا تعلم أن التثليث والثالوث والأقانيم والجسد وما تفرعونه عليها قد سبقت ضلالة الأوهام بها من زمان (برهما) و (بوذا) (35) أو قبل ذلك؟! فما القول المتأخر بها إلا تلمذ على
ــــــــــــــــــــ
(34) مت 5: 17 ـ 20.
(35) أنظر: كتاب (العقائد في الديانة النصرانية) وتاريخ برهما وتاريخ برهما وبوذا في حرف الباء من (دائرة المعارف).
صفحة 45
ذلك التعليم! وأما ما ذكرته من احتجاجك للتثليث بأوهامك من كتبك، فهو اللائق بمن لم يرتض العقل والمعقول، ولم يرتدع برادع الامتناع، وإنك ـ عافاك الله ـ إذ جانبت العقل والمعقول والوجدان والاعتبار بالإمكان والامتناع، كان عليك أن تتشبث أقلا بكتب جامعة لصفات الحجة: الصفة الأولى: كونها معلومة النسبة لمصدرها الذي تدعى به. الثانية، كونها سالمة من تلاعب التحريف والتبديل، ومداومة الأيام والأهواء على إكرامها وتحسينها بالزيادة والنقصان. الثالثة، أن لا يكون بعضها شاهدا على بعضها بالتحريف. الرابعة، أن لا تكون ـ بنفسها ـ شاهدة على أن نسختها الوحيدة ـ في بعض الأزمنة ـ كانت كتابة جاهل لا يعرف الكتابة ومواقع الحروف، بل يقوم ويقع في الغلط الذي يمسخ المعاني مسخا واضحا، ويظهر عليه زيادة الحرف المغير للمعنى ونقصانه، وتبادل الحروف وزيادة الكلمات ونقصانها، وقد فضحها بذلك متبعوها حرصا على تدارك فارط الأيام وتقلبات الأحوال بالتلاعب فيها، فأكرموا وحدتها بأن تداولوها على صورتها المشوهة وغلطها الفاضح، وصاروا يصححون في حاشيتها ما يتضح غلطه فيها، ثم جاء المترجمون وأعرضوا عن صورتها واتبعوا في تراجمهم تصحيح الحواشي، الذي أوضحته القرائن القطعية ـ وفي خصوص أسفار التوراة الخمسة ـ من جميع أنواع هذه الأغلاط ما يزيد
صفحة 46
على ستين موردا (36). الصفة الخامسة، إن تكون دلالتها على مدعاك جارية ولو على أضعف الدلالات المتبعة عند أهل المعرفة واللسان، لا كما نشاهده من بعض المعتوهين في الاحتجاج لهوساتهم بأمور يزعمون أنها رموز إلى خيالاتهم. السادسة، أن لا تكون صراحتها المتكررة تناقض مدعاك. السابعة، أن لا يكون أئمة نحلتك وقدوتك من سلفك بين من جعل على ما تحتج به على علامة الشك وعدم الوجود في أقدم النسخ وأصحها، وبين من جاهر بزيادتها على الكتاب وأسقطها منه. ثم بعد ذلك يلزمك أن تكون من العارفين بلسان كتبك الأصلي، وأوضاع لغاتها، ووضع محاوراتها. فكيف بك ـ هداك الله ـ وأنت لم يسعفك الحظ، ولم يؤاتك الوقت بواحدة من هذه الصفات المذكورة؟! وفي هذا كفاية لسقوط احتجاجك بكتبك. ومع ذلك، فإنا لا نتجافى عن التعرض لحججك واحدة واحدة لنرشدك إلى ما فيها من الخطل والفشل، فلعل الله أن يأخذ بيدك إلى الصواب إذا كنت قد جعلت الحق ضالتك التي تطلبها، فجاهدت في سبيل الله ولم تجمح مع الهوى.
((13))فأما تشبثك في احتجاجك على التثليث بدعوى قول
ــــــــــــــــــــ
(36) أنظر: الصدر والتمهيد في الجزء الثاني من كتاب (الهدى).
صفحة 47
التوراة: (في البدء: خلق الآلهة.. ودعا الآلهة.. وقال الآلهة) (37) إلى آخره، حيث جاء لفظه في الأصل العبراني (الهيم) فإنه تشبث قد سمعنا غفلته من أوائل الرسالة المنسوبة لعبد المسيح. وإنا لو أعرضنا عما ذكرناه في التوراة الرائجة من وجوه الوهن والغلط ـ كما أشرنا إليه في الصفات الأربع الأول من السبع ـ ل
قلنا: يكفي في شطط هذا التشبث كونه ناشئا عن الجهل باللسان العبراني! فلماذا تجهل ـ عافاك الله ـ من كتابك ولغته أن ما يكون علامة الجمع ـ وهو الميم بعد الياء ـ في آخر الكلمة قد يجئ في أواخر الأعلام المفردة؟! نحو: (موفيم) و (حوفيم) ولدا (بنيامين) و (حوشيم) ابن (دان) و (شليم) ابن (نفتالي) (38) و (شحريم) و (حوشيم) امرأته (39). وقد يجئ في أواخر أسماء الأجناس، كما جاء في الشعير (شعريم) وفي العدس (عدسيم) وفي الكرسنة (كوسميم) (40) وفي الماء (ميم) (41) وفي العنب (عنبيم) وفي الرمان (رمنيم) وفي التين (تانيم) (42) وفي التفاح (تفوحيم) (43) وفي الزيتون (زيتيم) (44) وفي الكتان (بستيم) (45) وفي الحنطة
ــــــــــــــــــــ
(37) تك 1: 1 ـ 31.
(38) تك 46: 21 ـ 25.
(39) 1 أي 8: *.
(40) خر 4: 9.
(41) تك 26: 32.
(42) عد 13: 23.
(43) نش 7: 9.
(44) زك 4: 12.
(45) أش 19: 9.
صفحة 48
(حطيم) (46) إلى غير ذلك مما يطول المقام بذكره. هداك الله، فلماذا لا يكون لفظ (الهيم) في الموارد التي تذكرها علما مفردا هو اسم لله جل شأنه وإن وقعت الميم في آخره كما وقعت في أواخر الأعلام التي ذكرناها؟! وإن كل ما رأيناه من التراجم قد ترجمت فيه هذه اللفظة بما هو اسم مفرد علم لله تبارك اسمه في لغة ترجمته، ولم يطرق سمعي ترجمته ـ قبلك ـ بالآلهة إلا من المنسوب لعبد المسيح، ووجدته في الكتاب المستعار له اسم (الهداية) في الجزء الرابع، صحيفة 250. ويؤيد العلمية أن هذه اللفظة ـ في الموارد التي تعنيها ـ لم تقترن في الأصل العبراني بعلامة التعريف في العبرانية، التي هي (الهاء) فلم يقل فيها: (هألهيم) بل يوضح العلمية أنه قد جاء في التوراة الرائجة العبرانية اسم علم يلحق بالميم مرة، ويجرد منها أخرى. وذلك كقولها مرة: (ابني عناق) (47). وتارة تقول: (يليدي ها عناق ويلدي ها عناق) (48) أي: أولاد عناق. وتارة تقول في هذا الموضوع: (بني عناقيم) (49). ولو كانت لفظة (الهيم) اسم الجنس أو جمعا ـ كما تزعم ـ لما حسن
ــــــــــــــــــــ
(46) نش 7: 3.
(47) عد 13: 33، وتث 9: 2.
(48) عد 13: 22 و 28.
(49) تث 1: 28، و 9: 2، وانظر: يش 15: 13 و 14.
صفحة 49
تجريدها من علامة التعريف، فانظر كيف قبح قولك في تعريب التوراة في البدء: خلق إله أو: خلق آلهة، أو: وقال إله، أو: وقال آلهة.. وهلم جرا. ولعلك تقول: إن علامة التعريف في العبرانية قد تسقط من اللفظ مع كون التعريف مرادا أو لازما، وذلك لأجل الاكتفاء بدلالة المقام. فنقول لك: وما البناء على ما تقول، لماذا لا يكون لفظ (الهيم) اسم جنس معرف بتعريف العهد كما تقول: خلق الإله، وقال الإله؟!
فإن قلت: إن (الهيم) قد جاء في المقابلة (ال) (50) و (الوه) (51) فيدل ذلك على أن (الهيم) جمع بمعنى الآلهة، و (ال) و (الوه) مفرده.
قلنا: لا دلالة في ذلك، فإنه قد جاء مثله في أسماء الأجناس، فذكرت الميم وحذفت والمعنى واحد. فقد جاء في الحنطة ـ حطيم) و (حطه) (52) وفي الشعير (شعريم) و (شعره) (53) وفي الماء (ميم) و (مي) (54) وفي التفاح (تفوحيم) و (تفوح) (55) وفي العنب (عنبيم) و (عنب) (56) وفي الزيتون (زيتيم) و (زيت) (57) وفي الكتان (بستيم) و (بسته) (58)
ــــــــــــــــــــ
(50) تث 6: 15، و 32: 4.
(51) أش 44: 8.
(52) تث 8: 8.
(53) خر 9: 31.
(54) عد 5: 18 و 20 و 22 و 24.
(55) نش 2: 3.
(56) تث 32: 4.
(57) خر 27: 20، ولا 24: 2.
(58) 1 مل 7: 20.
صفحة 50
ومما يفصح ويوضح بندائه أن (الهيم) في اللغة العبرانية ـ وخصوص التوراة ـ لا يختص بالجمع، هو أن توراتكم استعملت هذا اللفظ في مقام لا تقول أنت ولا غيرك بأن المراد منه الجمع، وذلك أن توراتكم خاطبت موسى في شأن هارون بقولها: (وأنت تكون له إلها. ع واتاه تهيه لولالهيم) (59) وخاطبت موسى أيضا: (جعلتك إلها لفرعون،. ع نتيتك الوهيم لفرعه) (60).. أفتقول أنت أو غيرك أنه قيل (الوهيم) لأن موسى جماعة، أو ذو ثلاث أقانيم؟! وأيضا يقول كتابكم: إن شاول طلب من صاحبة الجان أن تصعد له صموئيل النبي ورأته واضطربت. وقال لها شاول: ما رأيت؟ قالت ـ ما لفظه بالعبراني ـ: (الهيم رائيتي عليم من هأرص) (61). فلم يحتمل شاول أنهم جماعة، بل عرف من المحاورة المتعارفة في العبرانية أنها عنت واحدا، ولذا قال لها: ما صورته؟ فقالت: (رجل شيخ صاعد وهو مغطى بجبة). فعلم من ذلك أن المتعارف في المحاورات العبرانية أن لفظ (إله) يلحقون الميم به وبوصفه، مع أنهم لا يريدون ولا يفهمون منه في محاوراتهم إلا الواحد المفرد، بحيث لا يخفى ذلك على السامع ولا يحتمل الجمع، ولا علينا أن نقول: إن إلحاق الميم ههنا للتعظيم أو لغيره.
ــــــــــــــــــــ
(59) خر 4: 16.
(60) خر 7: 1.
(61) 1 صم 28: 13 و 14.
صفحة 51
فإن قلت: إن لفظ (الوهيم) قد استعمل في اللغة العبرانية ـ وخصوص التوراة ـ بالجمع أيضا، فهو لا يعدو أن يكون مشتركا بين الواحد والجمع. قلت: إذن لهفي عليك وعلى إدراكك البشري، إذ صرت تحتج في دينك ومعرفتك بإلهك بلفظ مشترك، وتتشبث به لهذه الدعوى التي يستهزئ بها العقل، ويطردها الوجدان، ويجرها الامتناع إليه من تلابيبها.
((14)) و أما تشبثك بقول توراتكم: (وقال الإله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا.. الإنسان صار كواحد منا.. تعالوا ننزل ونبلبل هناك لسانهم). فقد أبيت فيه إلا أن تواسي المتسمي بعبد المسيح في أوهامه أو لسانهم). فقد أبيت فيه إلا أن تواسي المتسمي بعبد المسيح في أوهامه أو تجاهله في تشبثه بقول الأصل العبراني (نعسه آدام) وغفلته أو تغافله عن أن توراتكم العبرانية ـ زيادة على ما أشرنا إليه من غلطها في الكتابة ـ قد تفاحش فيها الاضطراب في شأن الضمائر، إفرادا وجمعا، وتذكيرا وتأنيثا، وكم حذفت هاء التأنيث في المؤنث! وكم أبدلت حرفا بحرف! وكم زادت ونقصت في الحروف! وزادت كلمة برأسها كما فضحها بذلك الحواشي ومراغمة التراجم بالمخالفة لأصلها. كما كثر اضطرابها في شأن الفعل وهيئته، فتارة تقول فيما تعريبه: (ارتحلوا ويرتحلون): (يسعو) بالياء (62) وتارة تقول: (نسعو) بالنون (63).
ــــــــــــــــــــ
(62) انظر أقلا: عد 9: 17 ـ 20.
(63) 9: 21، و 10: 18 و 21.
صفحة 52
وذكرت اسم واحد من أولاد شمعون بن يعقوب، فتارة (يموئيل) (64) بالياء في أوله، وتارة أخرى (نموئيل) (64) بالنون بدل الياء. وتارة تقول في (أعطى) للماضي الغائب المفرد (يتن) (66) بالياء، وتارة تقول فيه (نتن) (67) بالنون. وتارة في تقول في (أخرج) للماضي المتعدي (يوصا) (68)، وتارة تقول ذلك في (أخرج) (69) للمتكلم، وتقول فيه أيضا (اصا) (70). وتقول في (ظهر) للماضي (يرأ) (71) بالياء، وتقول فيه أيضا (نرأه) (72) بالنون وزيادة الهاء. وتقول في (تكون) للغائبة (تهي) (73) بالتاء (وهايتاه) (74) و (نهايتاه) (75). وتقول في (حلف) للمفرد المذكر (يشبع) (76) بالياء و (نشبع) (77) بالنون. وتقول فـي (حلفت) المسند إلى المتكلم المفرد (نشبعتني) (78)، وفي
ــــــــــــــــــــ
(64) تك 46: 10، وخر 6: 15.
(65) عد 26: 12.
(66 و 67 و 68) تك 24: 53.
(69) خر 8: 25، و 11: 4.
(70) خر 11: 8.
(71 و 72) خر 3: 2 و 16.
(73) تك 2: 12.
(74 و 75) خر 11: 6.
(76 و 77) لا 5: 22 و 14.
(78) تك 22: 16، و 26: 3.
صفحة 53
(أعطيت) كذلك (نتيتي) (79) بالنون في أولهما. وأمثال ذلك كثير حدا في التوراة والعهد القديم وإن اقتصرنا على بعض مواردها. فلماذا لا تكون النون في (نعسه) كهذه النونات، في عدم الدلالة على إرادة غير المفرد، بل جئ بها كغيرها مما ذكرناه؟!. ويطرد أيضا في التوراة واللغة العبرانية مجئ النون في أول الفعل المبني للمجهول المسند إلى المفرد الغائب، ويؤتى بالنون في أوله علامة للبناء للمجهول، فمن أمثلته في التوراة: (تقطع: نكرتاه) (80) و (يحرق: نأكل) (81) و (يقدم: نقرب) (82) و (يكسر: نشبر) (83) و (ينهب: نشباه) (84) و (تفدى: نفداتاه) (85) و (يباع: نمكر) (86) و (يبقى: نوتر) (87). وهذه الموارد وإن ترجمت في العربية بالفعل الماضي، لكن صيغتها في العبرانية صيغة الفعل المضارع، فإن العادة فيها أن تعبر عن الماضي الواقع بعد الواو بصيغة المضارع، وعلى هذا فإن كلمة (نعسه) هي فعل مضارع مبني للمجهول، ترجمته (يصنع). كما ذكرت التوراة أن الله جل اسمه قال في إنشاء خلق السماوات
ــــــــــــــــــــ
(79) تك 26: 4، وقض 1: 12.
(80) خر 12: 19.
(81 ـ 84) خر 22: 5 و 6 و 9.
(85) لا 19: 30.
(86) لا 25: 39.
(87) خر 10: 15، وعد 26: 65.
صفحة 54
وما فيها وما في الأرض: (يهي: يكون. ويقاوو: تجتمع. وتد شاء: تنبت) (88) فكان كما قال جل اسمه. ويدل على أن كلمة (نعسه) هي فعل مبني للمجهول، وأن (آدم) نائب الفاعل، هو أنه لو كانت كلمة (نعسه) فعلا مبنيا للفاعل و (آدم) مفعولا لقيل: (نعسه ات آدم) لأن لفظة (ات) لازمة في اللغة العبرانية للمفعول به، ولا تذكر مع نائب الفاعل، فكان عدمها ههنا حجة قاطعة من اللغة العبرانية على أن (نعسه) فعل مبني للمجهول، و (آدم) نائب الفاعل لا مفعول. وأيضا، فإن اعتمادك في ترجمة توراتك بقولك: (على صورتنا كشبهنا) فليس إلا على قول الأصل العبراني (بصلمنو كد موتنو) وهو اعتماد واه، وتشبث سخيف، يعرف سخافته كل من وقف على الغلط الفاحش في الأصل العبراني مما نبهت عليه الحواشي والتراجم وزيادة، وكل من وقف على الهرج والمرج القائم في أمر النون في أواخر الكلمات، فقد ذكرت اسما في آخر نون، وحذفتها عند النسبة إليه هو (نعمان ونعمي) (89) وكم عكست فزادت النون عند النسبة إلى ما لا نون فيه نحو (ادموني) (90) للأحمر، من: ادوم، ونحوه (شلاه وشلاني) (91) وتقول في كلمة
ــــــــــــــــــــ
(88) أنظر: تك 1: 3 ـ 11 (89) عد 26: 40.
(90) تك 25: 25.
(91) عد 26: 20.
صفحة 55
(بعد: عود) (92) (وبعدك: عودك) (93) وفي (بعده: عودنو) (94) وفي (تحت ـ أي عوض ـ: تحتنه) (95) أي عوضها، وفي (تفتح وتنفتح: وتفقحو وتفقحنه) (96). وقالت التوراة أيضا في الوثن الذي سمته (توعباه) أي قبيحا أو رجسا (شقص بشقصنو وتعب تتعبنو) (97) أي بغضا تبغضه وكراهة تكرهه، فسبيل النون في قولها: (بصلمنو كد موتنو) كسبيلها في الموارد المذكورة وأمثالها الكثير جدا، من حيث الغلط في الكتابة أو التوسع في اللغة.
فإن قلت: إن النون في مثل (عودنو وتشقصنو) عليها علامة التشديد بخلاف النون في (بصلمنو كد موتنو).
قلنا: إن علامات التشديد والحركات والسكون لم توضع في الكتابة العبرانية إلا في مدرسة طبريا التي انشئت في قرن المسيح (عليه السلام) أو بعده، فعلامة التشديد ونحوه لم تكن في كتب اليهود قبل ذلك العصر، بل وإلى الآن لا توجد في التوراة التي يكتبونها ويقدسونها للتلاوة في معابدهم.
فإن قلت: إن قرينة المقام تعين موارد التشديد من غيرها. قلت: وأي قرينة إذن أوضح من توحيد الله جل شأنه وتنزهه عن
ــــــــــــــــــــ
(92) تك 45: 3.
(93) تك 46: 30.
(94) تك 43: 27 و 28.
(95) 2: 21.
(96) تك 3: 7.
(97) تث 7: 26.
صفحة 56
الصورة والشبيه كما صادقت على ذلك صراحة العهد القديم المتكررة حيث قال: (من يشبه الرب بأبناء الله) (98)، (بمن تشبهون الله وأي شبيه تعادلون به. وبمن شبهوني وأساويه، يقول القدوس، وبمن تشبهونني وتساووا وتمثلونني فنتشابه) (99). وإن كنت تنجح لصحة التوراة الرائجة فعليك أن تفسر ما يوهم التشبيه، ويقول: إن الإنسان بصورته ومثاله خلقه الله، وعلى صورة مثال خلقه الله ذكرا وأنثى ولم يخلقه روحا مجردة.. وإن العهدين ـ وخصوص التوراة ـ لتنوه صراحتهما المكررة بوحدة الإله، فلماذا تحمل مشتبهات ألفاظها وأغلاطها على التعدد الذي يشمئز العقل والفطرة من فرض إمكانه؟! ومن لا يرضى بالعقل فيصلا في معرفة الإله كيف تقبل منه في أوهامه هذه الأغاليط المتضاعفة والغفلات المتراكمة؟!
((15)) و أما قول توراتك: (الإنسان صار كواحد منا). فلسنا نحتاج في إبطاله نحتاج في إبطاله إلى أن نذكرك بما ذكرناه إجمالا من حال توراتكم، وخصوص هرجها ومرجها في الغلط والاضطراب بالضمائر والحروف. بل يكفي في سخافته كونه كلام متحسر مقهور نادم مغبون، يمكن أن تستلب منه صفاته الخاصة بالقهر والاختلاس، إلا أن يتحذر عما يأتي ويحامي عن حوزة استبداده بإعمال التدابير اللازمة. بل مقتضاه مع الكلام السابق أن آدم قد تم له دست الألوهية،
ــــــــــــــــــــ
(98) مز 89: 6.
(99) أش 40: 18 و 25، و 46: 5.
صفحة 57
حيث كان على صورة الآلهة، ثم صار كواحد منهم، ولا يضر كونه مغلوبا بالإخراج من الجنة، فإنه كان غالبا بصيرورته كواحد من الآلهة، ولا يضر أيضا كونه يموت، فإنكم تقولون: إن أقنوم الابن قد صلب ومات ودفن! ثم التفت ـ عافاك الله ـ إلى قول توراتكم: (إن الله خلق آدم على صورته وشبهه) وما هي تلك الصورة؟! ولا تقدر أن تقول هي صفة المعرفة، لأن ذلك كان قبل أن يصير عارفا بالخير والشر!
((16)) و أما قول توراتكم ـ التي شرحنا حالها ـ: (هلم ننزل ونبلبل.. إلى آخره). فهو قول من لم يفهم من صراحة توراتكم معناها السخيف، فإنها قالت قبل ذلك: (فنزل الرب لينظر المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما، وقال الرب: هو ذا شعب واحد، ولسان واحد لجميعهم، وهذا ابتداؤهم بالعمل، والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه، هلم ننزل نبلبل.. إلى آخره) وحاصل هذه الخرافة هو أن الله القادر يقول جل شأنه: إن بناءهم لهذا الاستحكام يؤول إلى استقلال هذه الرعية، فلا بد من تدارك هذا الأمر قبل أن يحدث ما لا يمكن دفعه، وفي ذلك الحال قال: (هلم ننزل) فلا بد أن يكون قد طلب النزول ممكن لم ينزل معه.
فإن زعمت أن ذلك طلب لنزول الأقنومين اللذين بقيا في السماء ولم ينزلا معه.
قلنا: سامحناك في سخافة هذا الزعم، ولكنه دعوى بلا شاهد، ولو بمثل سخافتها! ولماذا لا يكون طلبا لنزول جند السماء وروح الكذب؟! كما ذكرت كتب إلهامكم في تاريخ (اخاب) ملك إسرائيل، أن الرب كان
صفحة 58
جالسا على كرسيه وكل جند السماء وقوف عن يمنيه ويساره فاستشارهم فيمن يغوي (اخاب) فتفاوضوا في المشورة، وقال هذا: هكذا، وقال هذا: هكذا، إلى أن توفق روح الكذب للرأي السديد، ففوض إليه العمل لأجل اقتداره، ولكن (ميخا) النبي أفشى سر هذه المشورة، وكاد أن يبطل تدبير الرب وروح الكذب فيها. فراجع: الملوك الأول 22: 19 ـ 23، والأيام الثاني 18: 18 ـ 22، وافرح بعناية الوحي بتكرار هذه الخرافة، وأظن الثاني 18: 18 ـ 22، وافرح بعناية الوحي بتكرار هذه الخرافة، وأظن متبعيه يحسبونها تمجيدا لله!!
((17)) و أما قولك: (ودانيال يخبرنا في كتابه أن الله قال لبخت نصر: لك نقول يا بخت نصر). فإنه كلام اتبعت فيه غفلة المدعو بعبد المسيح، فإن الذي تنسبه لدانيال إنما نصه في الأصل العبراني (لك آمرين نبوخذ نصر، لك طاردين) والتراجم العربية والفارسية مما عندي قد تجمعت ذلك بقولها: (لك يقولون) أو (لك يقال) أو (لك قيل) مع أنها اتفقت على ترجمة (طاردين) بيطردونك (100).
((18)) و أما قولك: (إن التوراة تقول في مقام آخر: إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب، فكررت لفظ الجلالة ثلاث مرات تفصيلا للجمع المتقدم، وإشارة إلى أن في هذا الموضع سرا وهو أن الله واحد ذو ثلاثة أقانيم، فثلاثة أقانيم إله واحد، وإله واحد ثلاثة أقانيم، فأي دليل أوضح، وأي نور أضوأ من هذا).
ــــــــــــــــــــ
(100) أنظر: دا 4: 31 و 32.
صفحة 59
فإنه قول اتبعت فيه المدعو بعبد المسيح، وليتك راجعت الأصل العبراني وتتبعت توراتكم لكي تسلم ـ أقلا ـ من سوء الاتباع والخطل في النقل. عافاك الله، فكم يوقعك الاتباع للسلف في المهاوي، فإن احتجاجك هذا لو سامحناك في جميع مقدماته ـ التي نسأل الله أن يعافي من وبالها كل من لم يعاند الله بالشرك ـ لكانت نتيجتها الشوهاء،: إما تربيع الأقانيم، أو مذهب المجوس في التثنية، فإن الذي في الأصل العبراني هكذا تعريبه. (إله آبائك إله إبراهيم إله إسحاق وإله يعقوب) (101). فإنك إن تشبثت بتكرار لفظ الجلالة فقد تكرر أربع مرات، وإن اعتمدت على المغايرة بالعطف بالواو فليس في المقام إلا عطف واحد، أفتقول: إن الإله أربعة؟! أحدهم إله الآباء خاصة، وثانيهم إله إبراهيم خاصة، وثالثهم إله إسحاق خاصة، ورابعهم إله يعقوب خاصة، واختص بالعطف بالواو لأجل امتيازه عن الآخرين، فتقول: إنه امتاز عنهم بمصارعته ليعقوب (102) وبمؤاتاته له في أخذ البركة من إسحاق بالخديعة والكذب (103)! أم تقول: إن المتكرر بلا عطف هو واحد، والمعطوف هو ثان كقول المجوس.. وإن المجوسي ليأخذك بمثل شطط حجتك، ويقول لك: إن توراتكم تقول (الهيم) وإن لغتها لا تميز بين التثنية والجمع، وقد تبينت هذا
ــــــــــــــــــــ
(101) خر 3: 6 و 15، و 4: 5.
(102) تك 32: 24 ـ 32.
(103) تك 27: 14 ـ 40.
صفحة 60
المجمل بالعطف، وقالت أيضا: إله إبراهيم وإله إسحاق (104) فالعطف في المقامين دليل الإثنينية، ثم يتحمس عليك ويقول لك مثل قولك: أي دليل أوضح وأي نور أضوأ من هذا؟! وإنها لظلمات بعضها فوق بعض.
((19)) و أما احتجاجك بقول توراتكم في شأن إبراهيم: (وظهر له الرب عند بلوطات (ممرا) وهو جالس في باب الخيمة، فرفع عينيه ونظر، إذا ثلاث رجال واقفون لديه، فلما نظر ركض لاستقبالهم وسجد إلى الأرض، وقال: يا سيد، إن كنت وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك). فإن اتباعك لغفلة المدعو بعبد المسيح قد أغفلك عن التدبر في محاورات توراتكم التي عرفت حالها، فإنها كثيرا ما تسمي الملاك بالله والرب، جهلا من كاتبها، الذي استعار لها اسم التوراة الحقيقية، أو لأنه قد دفعه إلى ذلك طوايا الوثنية وعبادة جند السماء! أفلا تراها بينما تكرر أن الرب يسير أمام بني إسرائيل (105) إذ تقول: إن السائر هو ملاك الرب (106) وتقول: إن الذي ظهر لموسى في عليقة النار هو ملاك الرب (107)؟! كما صرح به استفانوسكم الذي تقولون: إنه ممتلئ من الروح القدس!
ــــــــــــــــــــ
(104) تك 28: 13.
(105) خر 13: 21 و 14: 34، وعد 14: 14، وتث 1: 32 مع 33.
(106) خر 14: 19، وعد 20: 16.
(107) خر 3: 2.
صفحة 61
ثم تقول: إن الذي ظهر هو الرب الإله (108) وإنها تقول: إن الذي كلم موسى هو الله (109) واستفانوسكم يقول: إن الملاك الذي كان سائرا مع موسى في البرية هو الذي كان يكلمه في جبل سينا (110). وإن سفر القضاة قد نسب إلى ملاك الرب ما نسبته التوراة إلى الله جل اسمه ففيه: (وصعد ملاك الرب من الجلجال إلى (بوكيم) وقال: قد أصعدتكم من مصر، وأتيت بكم إلى الأرض التي أقسمت لآبائكم وقلت: لا أنكث عهدي معكم إلى الأبد، وأنتم فلا تقطعوا عهدا مع سكان هذه الأرض، اهدموا مذابحهم، فلا تسمعوا لصوتي، فماذا عملتم، فقلت: لا أطردهم من أمامكم، بل يكونون لكم وتكون آلهتهم لكم شركا، وكان لما تكلم ملاك الرب بهذا الكلام) (111). ثم قل ـ هداك الله وعافاك ـ: ما صورة احتجاجك بقصة إبراهيم؟! أتقول ـ عافاك الله ـ: إن إبراهيم كان عارفا بأن الرجال الثلاثة كانوا أقانيم الإله الواحد، ولذلك خاطبهم خطاب الواحد، لأجل الثلاثة كانوا أقانيم الإله الواحد، ولذلك خاطبهم خطاب الواحد، لأجل أنهم وإن كانوا ثلاثة فهم واحد حقيقة، ومن أجل هذه المعرفة دعاهم إلى الضيافة ليغسلوا أرجلهم، ويتكئوا تحت الشجرة، ويسندوا قلوبهم بكسرة خبز، فعمل لهم ثلاث كيلات خبز ملة وعجلا سمينا وزبدا ولبنا ووضعها قدامهم فأكلوا؟!
ــــــــــــــــــــ
(108) خر 3: 16.
(109) وهو كثير في التوراة وعليه مدارها، فانظر: خر 3: 4 و 11، و 4: 10، وعد 12: 8.
(110) أع 7: 38.
(111) قض 2: 1 ـ 5.
صفحة 62
عافاك الله، أفتدعوني إلى عبادة مثل هذه الآلهة؟! أفهذا إنصافك؟! وقد عهدنا من بعض السكارى المنصفين أنهم ـ في حال سكرهم ـ يعظون من يشفقون عليه، ويمنعونه عن السكر معهم، ويقولون له: إنا قد ابتلينا بشرب هذا المنحوس، ولا تدعنا العادة الوخيمة أن نتركه، فلا تبتل بسفاهتنا! أم تقول: إن إبراهيم لم يكن عارفا بأنهم أقانيم الإله الواحد، ولكن اتفاق هذه الواقعة في تعدد الرجال ووحدة الخطاب يشير إلى تثليث الأقانيم؟!
قلنا: وحاصل ما تقول إذن أن وحدة الخطاب مع تعدد الرجال كان غلطا، ولكنه يشير إلى تثليث أقانيم الإله الواحد، فبخ بخ لك في هذه الحجة، وهل يناسب الغلط أن يحتج له بغير الغلط؟! ولكن المجوسي يحتج عليك بأقوى من حجتك ويقول: إن هذا الغلط، الاتفاقي لا يصلح حجة، ولكن الحجة هو الغلط اللازم في المرض المزمن، وهو كون الأحول يرى الواحد اثنين متماثلين، فيه إشارة إلى أن الإله الذي يعتبره الموحدون واحدا إنما هو اثنان! ثم يجئ الوثني ويقول للمثلث والمثنى: لا ينبغي أن يحتج لمثل هذه المعرفة بالغلط، بل إن التوراة كثيرا ما خاطبت الألوف المتعددة ـ من بعيد ـ شبحا واحدا، وفي هذا كله إشارة إلى أن الإله الذي يعتبره الموحدون واحدا إنما هو ألوف من الأوثان! عافاك الله، وليس للموحد حينئذ إلا أن يوقفه العجب موقف
صفحة 63
الحيرة، لا يدري أيضحك أم يبكي!؟
((20)) و أما قولك: (قال داود: بكلمة الله صنعت السماوات، وبروح فيه كل جنودها (مز 33: 6). فذكر الله وكلمته وروحه. الأقانيم الثلاثة). فلم تعد فيه أن تكون تابعا لغفلة المدعو بعبد المسيح، أفلم تنظر في المزمور الذي تذكره لكي ترى فيه قوله: (في خلق الله للسماوات اسم الرب، لأنه أمر فخلقت) (112). ألم تسمع من إنجيلكم نقله عن قول المسيح: (إنه مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله) (113) وأشير بالمكتوب إلى قول التوراة ذلك مع زيادة في النقل، فإن نص الذي في التوراة (بل بما يخرج من فم الله) (114). أفلم تعلم من ذلك أن المراد بالكلمة هو فيض الله عليه العالم بالتكوين والتعليم والتشريع، فقيل عن الفيض: إنه كلمة.. وأمر.. وليكن.. وكلمة تخرج من فم الله.. وريح فمه، أو روح فمه، أفلا تفهم من قوله: (ريح فمه) أو (روح فمه) أنه كناية عن الفيض والمشيئة التكوينية التي يعبر عنها بكن.. ولتكن.. وكلمة، كما تذكر التوراة خلق الأشياء بقوله جل اسمه: (يهي) أي: لتكن. عافاك الله، وقد موه قلبك عبد المسيح فأخبر جازما بأن الذي في
ــــــــــــــــــــ
(112) مز 148: 5.
(113) مت 4: 4، ولو 4: 4.
(114) تث 8: 3.
صفحة 64
المزامير: (روح فمه) مع أن اللفظ العبراني يحتمل معنى الريح، كما هو الأنسب، وفسره مترجموكم بالنسمة، فانظر الأصل العبراني تك 3: 8، وخر 14: 21، وعد 11: 31. والحاصل أن كلمة الله، وريح فمه، ونسمة فمه، بل وروح فمه، هذه كلها كناية عن مشيئة الله التي بها أوجدت السماوات وكل جنودها.
((21)) و أما حجتك بقول المزامير: (لكلمة الله اسبح). فإنك اتبعت فيه عبد المسيح، وهو غير معتمد في نقله، ولم نجد هذا المنقول على الاستعجال في المزامير لننظر فيه! ولكنا نقول: هبه صدق في النقل، وهبنا أغمضنا عن مشاركة المزامير للتوراة في وجوه الخلل التي ذكرناها، فإنا يكفينا في جهالته في حجته أنه جاء في المزامير: (في كل يوم أباركك وأسبح اسمك.. دور إلى دور يسبح أعمالك وبجبروتك يخبرون) (115). فهل تقول: إن اسم الله هو الأقنوم الرابع؟! وإن أعمال الله أقانيم لا تحصى، وهي الله؟! أم لم تدر بأنه يوجد مثل هذا أيضا في المزامير؟!!
((22)) و أما احتجاجك بقول المزامير أيضا: (تبارك الله إلهنا، تبارك الله يوما فيوما، يسهله الله علينا). فقد سمعناه قبلك من المدعو بعبد المسيح، ولم نجد لمنقولكما في المزامير عينا ولا أثرا يشبه به إلا قولها: (مبارك السيد يوما فيوما، يحملنا إله خلاصنا، الله لنا إله خلاص) وكيف كان، فخرافة هذا الاحتجاج
ــــــــــــــــــــ
(115) مر 145: 2 و 4.
صفحة 65
تقتضي تكثير الآلهة والأقانيم حسب ما يتكرر في المزامير! وماذا تقول لمن يحتج عليك بأن المزامير قد تكرر فيها لفظ الجلالة أكثر من ألف مرة؟!!
((23)) و أما احتجاجك بالقول المنسوب لأشعيا: (والآن السيد الرب أرسلني وروحه). فلماذا غفلت فيه، كالمدعو بعبد المسيح، أو تغافلتما عن أن روح الرب هو الملاك الذي يكلم الأنبياء ويكون واسطة في إرسالهم؟! حتى أن التوراة الرائجة تسميه الله والرب، كما ذكرناه عن التوراة واستفانوسكم في شأن الذي كلم موسى وظهر له وسار معه.
((24)) و أما احتجاجك بما يذكره إنجيلكم عن قول المسيح: (وعمدوهم باسم الإله، واسم النبي العبد الصالح صاحب الدعوة ومبلغ الرسالة، واسم الروح القدس الملك المتوسط بين الله ورسله في الوحي.. ليعترفوا بالإله الواحد، ويصدقوا برسالة النبي ووحيه بواسطة الروح القدس، فإن الابن في اصطلاح العهدين هو الموحد والمؤمن كما سمت التوراة بني إسرائيل بالابن البكر (116) وقال الإنجيل: (لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات) (117). وبمقتضى احتجاجاتك هذه الأربع أنك لا بد لك من تربيع
ــــــــــــــــــــ
(116) خر 4: 22 و 23.
(117) مت 5: 45.
صفحة 66
الأقانيم أقلا! لأن كتابكم يقول: (إن الله محبه) (118)، فلماذا لا تعد ذلك أقنوما رابعا؟! بل عليك أن تخمس الأقانيم، لأنه قد تكرر ذلك! بل عليك ـ في سخافة هذه الحجج المضحكة ـ أن تزيد في عدد الآلهة والأقانيم كلما تنظر في كتبكم.
((25)) و أما قولك: (وقال الكتاب المقدس: فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة، الأب والكلمة والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد). فقد غشتك فيه أمانيك، وغالطك ـ عافاك الله ـ هواك، ولئن كنت لا تدري فإنا ندري بأن العهد الجديد الذي هو كملكي صاروق (119) بلا أب، بلا أم، بلا نسب، لا بداية أيام معلومة له، ولا نهاية وقوف لتقلبه، لطالما يقئ هذه الفقرة ثم يوجرها العناد في حلقه، وأن الكثير من أسلافك وقدوتك ومصلحيك قد أنكر هذه الفقرة فأسقطت حتى في التراجم المطبوعة في هذا الدور! وأن أنكر المطبوعات تجعلهما بين الخطين الهلاليين الذين هما علامة الشك فيها وعدم وجودها في أقدم النسخ وأوضحها.
((26)) و أما قولك: (وأما ألوهية المسيح فلا ينبغي بعد هذا أن يرتاب فيها ذو عقل). فلهفي عليك فيه من غفلتك عما شرحنا لك فيما أشرت إليه:
ــــــــــــــــــــ
(118) 1 يو 4: 8 و 16.
(119) عب 7: 3.
صفحة 67
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة * وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم (120) عافاك الله، إن أناجيلك هي التي تذكر في شأن المسيح ما لا يكون إلا من عبد مخلوق، حادث، فقير ضعيف، لا يقدر على شئ إلا بإقدار الله، ولا يعلم ما يعلمه الله، ولم يتخلص من غواية الشيطان، وتصرفه به، وطمعه في تكفيره إلا بعد اللتيا والتي.
((27)) و أما قولك: (إن المسيح ذاته قد كشف القناع عن ذلك باحتجاجه على اليهود في قوله لهم له المجد: أليس مكتوبا في ناموسكم، أنا قلت: إنكم آلهة. إن قال آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن أن ينقض المكتوب. فالذي قدسه الأب وأرسله إلى العالم أتقولون له: إنك تجدف، لأني قلت: إني ابن الله). فقد كنت أظن أن ذا الفطنة منكم يستر هذا على كتابه، أفلست ترى هذا القول يجاهر بتعدد الآلهة الكثيرة على خلاف ما تقوله التوراة، بل وجميع كتبكم؟! ولا أبهظك بذكر العقل الذي تضجر من اسمه وحكمه، وزيادة على هذا، إن هذا المحتج ـ وحاشا المسيح من ذلك ـ لم يفهم ما في ما في المزمور الثاني والثامنين، فلم يفهم أنه مسوق للإنكار والتوبيخ، وإلا كان من أقبح الشرك، ومع سوء الفهم لم يأت بشئ في حجته المضحكة أو المبكية! فإنه بعد إن وقع في أقبح ما يكون من سوء الفهم، والشرك، ونسبته إلى الوحي، لم يثبت للمسيح إلا كونه ابن الله، وكتبكم
ــــــــــــــــــــ
(120) (المحقق).
صفحة 68
قد سمت بذلك حتى فساق بني إسرائيل! وبهذا تعرف ما في تشبثك بقول إنجيلكم: (إنه جاء صوت من السماء: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت) فإنه على سخافة مستنده لا يدل ـ باصطلاح العهدين ـ إلا على أنه مؤمن محبوب، ولكنه لا يبلغ فضل الابن البكر، وهم بنو إسرائيل!
((28)) و أما قولك: (إن وحي بولس أوضح الحجة إذ قال ـ لمن من الملائكة قال قط: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك ـ: وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا). فنقول فيه: إن هذا الوحي انتهب نهارا جهارا وهو يحسب أنه اختلس ليلا، فإن الفقرة الأولى قد جاءت في المزمور الثاني وهي لا تنطبق على المسيح، لأن ولادته بأي نحو كانت لم تكن في اليوم الذي كتب فيه هذا المزمور، أو أوحي على زعمكم، لأن ولادات المسيح عندكم دائرة بين
ص 68:
هذا المزمور، أو أوحي على زعمكم، لأن ولادات المسيح عندكم دائرة بين الولادة الأزلية، أو الولادة الكائنة في بيت لحم، أو التي عند اعتماده من يوحنا بعد ثلاثين سنة من عمره الشريف! وأما الفقرة الثانية، فإن كتابكم صريح بأنها مقولة في سليمان بن داود (121). وقال بعض الظرفاء: ما أشأم التسمية بالابن على التوحيد، فقد سمت التوراة الرائجة بني إسرائيل بالابن البكر، فكان منهم ما كان من تقلبهم في الشرك، وتمردهم على التوحيد، من يوم عبادة العجل إلى سبي
ــــــــــــــــــــ
(121) 1 أي 22: 9 و 10، و 2 صم 7: 12 ـ 16.
صفحة 69
بابل. وسمى (صموئيل الثاني) و (الأيام الأول) سليمان بالابن، وقد ذكر (الملوك الأول) أن سليمان ـ وحاشاه ـ مال قلبه وراء آلهة أخرى، وذهب وراء عشتاروت آلهة الصيدونيين، وملكوم رجس العمونيين، وبنى مرتفعة لكموش الصنمين وذلك عبادة لهما. وسمت الأناجيل المسيح بالابن، فجاء الناس من ذلك بداهية التثليث، فصار المنادون يهتفون بنعي الإله ليبشروا بالفداء والتفلت من الشريعة.
((29)) و أما تشبثك بقولك: (وإن شئت التثبت في الاستيضاح فراجع المثل الذي ضربه المسيح بغارس الكرم، إذ أرسل إلى الكرامين عبيده ثم ابنه من بعدهم). فقد سمعنا بذلك قبلك عن أناستاس الكرملي نزيل بغداد حالا، فراجعنا المثل ـ عافاك الله ـ وإنه لو صحت الأحلام بنسبته للمسيح لما كان فيه إلا التمثيل لإرسال الأقرب منزلة بعد من هو دونه، ولا ينكر أن المسيح أقرب منزلة إلى الله مما عدا موسى من أنبياء بني إسرائيل الذين هم من أتباع موسى. وإن الالتزام بالمطابقة بين المثل له في جميع الخصوصيات المذكورة في المثل ليفضي إلى أقبح الكفر، فإن المثل يقول: إن غارس الكرم سافر، ويقول: إنه غرته الأوهام، وقال في عملة الكرم: إنهم يهابون ابني، فخاب ظنه وضل رأيه فلم يهابوا ابنه! أفتقول ذلك في الله جل شأنه؟!
صفحة 70
((30)) و أما قولك بأن (المسيح طلب من الأعمى الذي شفاه أن يؤمن بهذه الحقيقة قائلا: أتؤمن بابن الله؟ فأجاب الأعمى: من هو لكي أؤمن به؟ فقال له: إن الذي يتكلم معك هو هو. فقال الأعمى: أؤمن وسجد له). فقد سمعناه قبلك أيضا من اناستاس، ولو صح هذا الكلام عن المسيح ـ وأنى ـ لما عدا أن يكون جاريا على اصطلاح العهدين من تسمية المؤمن الصالح بابن الله.
((31)) و أما قولك: (إن هذا الأعمى ومريم المجدلية ومريم أم يعقوب والتلاميذ سجدوا للمسيح ولم يردعهم، مع أن السجود لا يحق إلا لله، فكيف يرضى المسيح أن يسجدوا له لو لم يكن إلها حقيقة). فقد سمعناه قبلك أيضا عن احتجاجات أناستاس، وكنا نعجب من أن الذي ينصب قسا ورئيسا في ديانته كيف يجهل من كتبه كثرة نقلها لسجود الأنبياء للبشر، وسجود البشر للأنبياء، وسجود النبي للنبي؟! وإن توراتكم لتقول مكررا: إن إبراهيم خليل الله قد سجد لشعب الأرض لبني حث (122) وقد كان هؤلاء مشركين! وإن يعقوب عند ملاقاته لعيسو سجد إلى الأرض سبع مرات، وسجد أيضا نساؤه وأولاده (123) ولسانها ينادي بأن هذا السجود كان تحية وتملقا لعيسو لئلا يبطش بهم، إذ كان يعقوب خائفا منه!
ــــــــــــــــــــ
(122) تك 23: 7 و 12.
(123) تك 33: 3 ـ 7.
صفحة 71
وإن إخوة يوسف سجدوا له (124). وسجد يوسف أمام وجه أبيه (125). وموسى خرج لاستقبال حميه وسجد وقبله (126) وفي الأصل العبراني: (ويشتحو ويشق لو). وسجد داود ثلاث مرات لما ودع يوناثان ابن شاول (127). وسجد لشاول (128). وسجدت له ابيجايل (129). وسجدت له بثشبع (130). وسجد ناثان النبي لداود النبي (131). وسجد سليمان النبي لأمه (123).
فإن قلت: إن هؤلاء كلهم قد أخطأوا وعصموا في السجود لغير الله!
قلنا: إن الاحتجاج الذي تنقله أناجيلكم عن المسيح ليخرسك عن هذه الجرأة، أولم تجد أن أناجيلكم تذكر أن المسيح لما اعترض عليه
ــــــــــــــــــــ
(124) تك 42: 6، و 43: 26 و 28.
(125) تك 48: 12.
(126) خر 18: 7.
(127) 1 صم 2: 21.
(128) 1 صم 42: 8.
(129) 1 صم 25: 23.
(130) 1 مل 1: 16.
(131) 1 مل 1: 23.
(132) 1 مل 2: 19.
صفحة 72
اليهود بأكل تلاميذه من الزرع يوم السبت، احتج عليهم بأكل داود من خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة (133) فلو لم يكن داود معصوما في فعله، بل لا يجوز أن يفعل الحرام، لما صح من المسيح هذا الاحتجاج. وإن سجود داود لشاول، وسجود ابيجايل وبثشبع وناثان النبي لداود كان بعد أكله من خبز التقدمة الذي احتج المسيح به.
فإن قلت: إن داود وهؤلاء الساجدين لغير الله كلهم قد أخطأوا وعصموا بسجودهم هذا، وإن هذا الاحتجاج المنقول عن المسيح إنما هو دخيل في الأناجيل، قد زاده عبث الأيام.
دخيل في الأناجيل، قد زاده عبث الأيام.
قلنا: مرحبا، فما العلامة القاطعة على أن حكاية سجود التلاميذ للمسيح، وكذا توما والأعمى والمريمين قد كانت من شق فم الوحي، وفلذة من كبد الإنجيل الحقيقي، لم يلدها العبث في حجر الضلال كحكاية الاحتجاج بفعل داود؟! وما الحجة القاطعة على أن المسيح مالأهم على السجود له؟! أولسنا نرى أن أناجيلكم قد أهمل كل واحد كثيرا مما يذكر الآخر، وإن اتفقت على مادة حكاية، أوردها كل واحد بصورة غريبة (134)؟! وما الحجة القاطعة على أن سكوت المسيح ـ عند السجود له ـ لم يكن على نهج سكوت داود كيفما تقول فيه؟! فإن زعمت أن الفارق ألوهية المسيح.
قلنا: هذه هي الدعوى الداهية التي ورطك بها الهوى في مزالق الأوهام!
ــــــــــــــــــــ
(133) مت 12: 2.
(134) تعرف بعض ذلك من الجزء الأول من كتاب (الهدى) صحيفة 205 ـ 227.
صفحة 73
((32)) و أما تشبثك بما يذكره إنجيلكم من (قول توما للمسيح: ربي وإلهي، وأن المسيح ارتضى إيمانه). فإنك تعرف وهنه من نفس إنجيل يوحنا ـ الذي ذكره ـ وغيره من الأناجيل، فإنه ذكر أن لفظ الرب تفسيره المعلم (135). وذكر أن المسيح قال للتلاميذ: اصعدوا إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم (136).
فبين بهذا الكلام أن إله التلاميذ هو إله المسيح. ولئن كان إله التلاميذ ـ ومنهم توما ـ هو إله المسيح فكيف يكون المسيح إله توما؟! إذن فمن هو إله المسيح وتوما والتلاميذ؟!
فبأي العبارتين ينبغي أن يكذب هذا الإنجيل؟! مع أنه نفسه، وباقي الأناجيل، قد تكرر فيها الصراحة والمجاهرة بأن الله إله المسيح، و (إلهي إلهي، لماذا تركتني؟!) ويعترف بأنه الإله الحقيقي، ويسوع هو المسيح الذي أرسله (137). وإنك ـ وأنت نصراني ـ يلزمك أن تعتقد بأن إنجيل يوحنا يوجد فيه ما تكذبه الأناجيل الثلاثة، فإنه يقول: إن التلاميذ ـ وخصوص بطرس ويوحنا ـ في يوم قيام المسيح من الموت لم يكونوا يعرفون الكتاب
ــــــــــــــــــــ
(135) يو 1: 38.
(136) يو 20: 17.
(137) يو 17: 3.
صفحة 74
أنه ينبغي أن يقوم من الأموات (138) مع أنه تكرر في الأناجيل أكثر من عشر مرات أن المسيح صرح لتلاميذه بأنه يقتل، وفي اليوم الثالث يقوم من الموت، حتى أن بطرس صار ينتهره عند هذا القول (139) وحتى أن اليهود كانوا يعلمون ذلك من قوله (140).
فإن قلت: قد سمعوا ذلك منه، ولكنهم لم يؤمنوا به، لأنهم لم يعرفوه من الكتب.
قلنا: فعلى هذا لم يكونوا آمنوا بنبوة المسيح وصدقه بأخباره، فكيف يقول الإنجيل بأنهم يقولون بألوهيته؟!
((33)) و أما قولك: (وإن لم ينجع بك العيان، وشئت أن تستأنس بالبرهان، فدونك الحجة البينة، واعتبر بأن قيام المسيح من الأموات أوضح دليل على ألوهيته، فإن الأنبياء مهما كانوا عظماء لم يقدروا أن يقوموا بعد موتهم، وإن أقاموا غيرهم من الموت، ولكن المسيح ـ له المجد ـ لما كان إلها قدر بقوته الإلهية أن يقوم من الأموات، ويعود إلى الحياة ويصعد إلى السماء حيا ممجدا إلى يومنا هذا). فقد سبقك فيه أناستاس ـ على ما حكي عنه ـ وجعله أعظم براهينهم على ألوهية المسيح، فكان من جملة البراهين ـ إن صح النقل عنه ـ على أن الرهبان والقسوس قد نصبوا أنفسهم لرئاسة الدين، وليس لهم خبرة بكتب دينهم، فصاروا يخبطون في الإلهيات حسب ما تترامى بهم
ــــــــــــــــــــ
(138) يو 20: 9.
(139) مت 16: 21 و 22.
(140) مت 27: 63.
صفحة 75
العشواء.
عافاك الله وهداك، من قال لك: إن الأنبياء أقاموا غيرهم من الموت بقدرتهم؟! أفلم تسمع من إنجيلك أن المسيح ـ الذي تغالي به ـ لما أراد حياة أليعازر، كيف انقطع إلى الله، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: أيها الأب، أشكرك لأنك سمعت لي، وإنا أعلم أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني (141) فتوسل إلى الله أن يحيي أليعازر على يده ليدل بإعجاز على رسالته. وإن اغتررت بقوله: (أيها الأب) فإنا نذكرك بقوله: (أبي أبيكم، وإلهي وإلهكم).
عافاك الله، ومن قال لك: إن المسيح قدر بقوته الإلهية أن يقوم بنفسه من الأموات؟!
أفلم تقرأ في عمرك كله كتبكم لكي ترى المجاهرة فيها من رسلكم، في أكثر من عشرين موردا، بأن الله أقامه من الأموات؟!
فانظر إلى الباب الثاني والثالث والرابع والعاشر والثالث عشر والسابع عشر من الأعمال، والرابع والثامن من رومية، والسادس والخامس من كورنتوش الأولى، والرابع من الثانية، والأول من غلاطية وافسس وتسالونيكي وبطرس الأوليين، والثاني من كولوسي، والثالث عشر من العبرانيين، فماذا ـ عافاك الله ـ تهزأ بنفسك؟!
((34)) و أما قولك: (بل إذا نظرت إلى ولادته المقدسة من روح القدس لم تشك بألوهيته لم يشارك البشر في التولد من فحل
ــــــــــــــــــــ
(141) يو 11: 41 و 42.
صفحة 76
بشري، وهذه حجة ما فوقها حجة، وآية ما بعدها آية). فنقول فيه: إن الاحتجاج على ألوهية المسيح بولادته المقدسة إنما هو من غرائب الأوهام.
أما أولا: فإن من عرفنا الإله ووجوب وجوده وأزليته وكمال ليسفه القول بألوهية من حدث بالولادة كيف ما كانت، كيف؟! وهي دليل النقص والحدوث والإمكان!
وأما ثانيا: فإن آدم المتكون بلا ولادة أولى بهذا الوصف من المسيح، لو كان معقولا!
أما ثالثا: فإن هذه الولادة قد تنازع فيها الإمكان والعادة، ولم يسمح لنا التثبت في الحقائق أن نعتمد على مجرد الإمكان، ولم يترجح عندنا، جانب الإمكان بدعاوى أمثالك أو أقوال كتبك التي هي بنفسها لم تدع مساغا للركون إليها، بل اعتمدنا في هذه الحقيقة على الوحي الصادق، وهو أشد المقاومين لدعوى ألوهية المسيح والمكفر لمدعيها، فكأنك سمعت بأنا نعترف بقدس ولادة المسيح فحسبت أنا اعتمدنا فيها على مجامعكم، أومنتك أوهامك بأن تخادعنا فلم تخدع إلا نفسك!
((35)) و أما قولك: (وإذا اقتفيت هدى الإنجيل فلا بد أن يسفر لك صبح اليقين بهذه الحقيقة). فأقول فيه: هداك الله، أي إنجيل تدعوني إليه؟! فإنها أربعة متنافية متعارضة متهافتة، لم يراع كاتب أحدها كاتب الآخر.. أفأقضي عمري بهضم الأعداد حقائقها، وتثليث الواحد، وتوحيد الثلاثة والأربعة؟!
صفحة 77
وإنا لو سلمنا الهدى ـ والعياذ بالله ـ إلى كتبكم لبهظتنا بما يعود منها إلى التعرض لقدس المسيح، وتناقض تعاليمه، ووهن حججه، وعدم صدور الآية منه، وانحصار دعواه بالرسالة إلى بني إسرائيل (142).
((36)) و أما قولك: (وكرم عنصره المتسلسل من أنبياء مطهرين إلى ملكوك مؤمنين). فكم لك ـ هداك الله ـ من غفلة لا تليق بعوام الناس: أما أولا: فأي ملازمة بين كرم العنصر وبين الألوهية وبين النبوة؟! أجل، لماذا لم تقولوا بأبي مريم وجدها قلتموه بالمسيح؟! وأما ثانيا: فهل عددت من الملوك المؤمنين رحبعام بن سليمان؟! الذي ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل معه، وأرخى العنان ليهودا، حتى بنوا لأنفسهم من شعائر الشرك وعبادة الأوثان مرتفعات وأنصابا وسواري على كل تل مرتفع وتحت كل شجرة خضراء. وكان أيضا مأبونون في الأرض، فعلموا حسب أرجاس المشركين.
أم من الملوك المؤمنين ابيا ابن رحبعام؟! الذي سار في جميع خطايا أبيه؟! أم منهم يهورام وابنه اخزيا؟! اللذان عملا الشر على ضلالة بيت اخاب! أم منهم يواش؟! الذي سمح ليهوذا بعبادة السواري والأصنام وترك بيت الرب إلههم!
ــــــــــــــــــــ
(142) تعرف مواقع ذلك في الإنجيل من الجزء الأول من كتاب (الهدى) صحيفة 185 ـ 235.
صفحة 78
أم امصيا؟! الذي أتى بآلهة ساعير وأقامها له آلهة، وسجد أمامها، وأوقد لها! أم احاز؟! الذي عمل تماثيل للبعليم، وذبح لآلهة دمشق، وأغلق أبواب بيت الرب وأبواب الرواق حتى احتاج حزقيا في تطهيره إلى عمل ثمانية أيام. أم من الملوك المؤمنين منسى؟!
الذي بنى المرتفعات، وأقام مذابح للبعليم، وسجد لكل جند السماء، وبنى لها مذابح في داري بيت الرب، ولكنه لما ذاق وبال أمره من ملوك آشور رجع إلى الله! أم منهم ابنه امنون؟!
الذي عمل كل ما عمله أبوه من الشرك ولم يرجع إلى الله! إمنهم يهواحاز، ويهوياقيم، ويهوياكين، وصديقا؟! واللذين علموا الشر، وذكر أرميا في أيامهم أن يهوذا سكلوا وراء البعليم وآلهة أخرى حتى صارت آلهتهم بعدد مدنهم، وبعدد شوارع أرشليم!! أفلم تطلع ـ هداك الله ـ على هذا كله من كتبكم حتى قلت ما قلت؟! إذن فراجع المقدمة الخامسة من كتاب (الهدى) صحيفة 21 ـ 28 تدلك على مواضع ذلك من كتبكم. وهذا وإن كان لا يضر في قدس المسيح ولكنه يشينك بوصمة الجهل أو التجاهل والتدليس.
((37)) و أما قولك: (وطهارة مواليده). فإني أشكرك فيه على الإذعان بهذه الحقيقة اللازمة في الأنبياء الذين لا ينبغي أن يكون فيهم نقص ينفر عن الانقياد إليهم، ولكني
صفحة 79
أشكو إليك كتبك التي كأن لها غرضا في مباهظة هذه الحقيقة، حتى استهدفتها بالتعريض وبالتصريح أخرى، ولا أدري هل غفلت عن ذلك، أو عرفت كذب كتبك فيه؟! أبدأ إليك ـ وإلى كل محب للمسيح ـ بالشكوى من إنجيل متى فإنه لما ذكر نسب المسيح خالس في الشتم والوقيعة مخالسة الأعداء، فأشار إلى مواقع الغميزة والثلب التي لفقها الضلال، فإنه لم يذكر ـ في طرد النسب من الأمهات ـ إلا من كان لكتبكم فيها كلام، فنص على ذكر ثامار، وراحاب، وراعوث، وامرأة اوريا (143) أفتراه لا يريد بذلك أن يشير إلى ما في الثامن والثلاثين أفتراه لا يريد بذلك أن يشير إلى ما في الثامن والثلاثين من التكوين؟!
وما في الثاني من يشوع؟! وما في ثالث راعوث؟! وما في الحادي عشر من صموئيل الثاني؟!
ثم اثني بالشكوى من كتب العهد القديم، فإنها لم تدع منقصة وخسة تكون في العائلة إلا ووصمت به عائلات الأنبياء، في هذه السلسلة الطاهرة وأطرافها.. فانظر إلى ما تحكيه عن لوط وابنتيه (144) وعن روابين ابن يعقوب (145) وعن يهوذا وكنته ثامار، وولادة فارص (146) وعن داود (147) وعن امنون بن داود وثامار اخته ويوداناب ابن عمها، وسكوت دارد عن
ــــــــــــــــــــ
(143): مت 1: 3 ـ 7.
(144) تك 19.
(145) تك 35: 22.
(146) تك 38: 13 (146) تك 38: 13.
(147) 2 صم 11.
صفحة 80
مثل هذه الواقعة، مضافا إلى ما زادته الترجمة السبعينية في شأن داود فيها (148) وعن ابشالوم بن داود مع سراري أبيه (149) وعن ادونيا بن داود في أنه طلب من سليمان ابيشج الشمونية زوجة أبيه لتكون له امرأة (150)؟! فهل كان للإلهام والوحي سابقة عداوة مع هذه السلسلة الطاهرة؟! أفلا ترى كيف جعل بيت داود؟! هداك الله، ولو لم يكن في كتبكم إلا مثل هذه الدواهي لكفى صارفا عنها؟! فكيف بها وهي تورد عليك كل آونة ـ إذا سبرتها ـ داهية أعظم من أختها؟! فخذ حظك ـ هداك الله ـ من رشدك، واتق الله في نفسك، وجاهدها في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذك فيه لومة لائم أو ميل هوى أو سابقة ألفة. ولا أبهظ هواك في أول الأمر بالدعوة إلى دين خاص سوى التوحيد، فإن أنوار الحقيقية لا تخفى على كل عين أميط عنها قذى العصبية وغبار الهوى. ولئن عرفت منك أن جوابي هذا لم يبهظ هواك، ولم يصدك اللجاج عن النظر فيه، وراجعتني فيه بالقبول أو المناظرة، فسوف أهدي لحضرتك ـ إن شاء الله ـ رسالة في تعريفك دين الحق وسبيل الهدى ووسيلة النجاة، والله الهادي الموفق.
ــــــــــــــــــــ
(148) 2 صم 13.
(149) 16: 21 و 22 مع 12: 11.
(150) 1 مل 2.
صفحة 81
ولئن لم تعرفني أيضا نفسك لحكمة تؤثرها، فسأجلوها لحضرتك ـ إن شاء الله ـ على نحو هذه الرسالة، وبالله التوفيق.
((38)) و أما مخادعتك بقولك: (فتستريح إلى النواميس الروحية عن المتاعب البدنية التي هي للفناء). فقد سمعنا ذلك قبلك من رابع غلاطيه، وثاني كولوسى: وغيرهما، وإن بعض الفساق المتمردين من برابرة المسلمين قد قال عند الاعتراض عليه في فسقه: (صلاة ملاة يوخدر، أصل قلبك نظيف) (151).
عافاك الله، أين النواميس الروحية التي استراح المدعون إليها؟! أفلسنا في العالم؟! فإن أهل الأمثال يقولون: (إن الرمح لا يخبأ في العدل) (152) ولا أرتني الأيام أني أستريح من حيث تعب الكرام وجهد الأنبياء والصالحون! أفلا تعلم ـ هداك الله ـ أن العبادات البدنية وسيلة لتمرين النفس على التوجه إلى الله، ومظهر للخضوع بحضرته، والانقياد إلى طاعته، إحكام للرابطة بين العبد ومولاه، ورصد للنفس عن التمرد عليه، وحصن لها عن تسلط الشيطان على حوزتها وطمعه في غوايتها.. هذا مع ما فيها ومن فضيلة المناجاة مع المولى، وشرف المثول بحضرته، ووسيلة القرب منه، وغبظة الاستنزال لرحمته. وإن أناجيلكم ـ مع تقصيرها في بيان عبادة المسيح وبره ـ قد
ــــــــــــــــــــ
(151) هذا تعبير كان شائعا بين فساق في العهد العثماني (التركي) ومعناه: ليس هناك صلاة، فالدين يريد أن يكون قلب الإنسان نظيفا.. أو ما هذا معناه. (المحقق).
(152) مثل عامي عراقي. (المحقق).
صفحة 82
ذكرت أنه اعتمد من يوحنا بمعمدية التوراة ليكمل كل بر (153) وصار مع الوحوش في البرية أربعين يوما ليجرب من إبليس (154) وكان يصعد الجبل ليصلي منفردا، وينقضي بذلك أكثر النهار وأكثر الليل (155) ويقصد لصلاته المواضع الخالية (156) والانفراد (157). ألم يذكر إنجيلكم أن المسيح ضرب مثلا في أنه ينبغي أن يصلي كل حين ولا يمل (158) وأعلم التلاميذ بأن المراتب العالية لا تنال إلا بالصوم والصلاة (159). أفآل تعس الوقت إلى الترغيب بالاستراحة من العبادة؟! عافاك الله، لا تليق هذه المغالطة إلا من الطبيعيين، وإن أردت أن تعرف موقع الصلاة في كتبكم فاستدل بما ذكره (مغني الطلاب) (160) في عنوانها وأوضاعها وفضلها ومن هم الذين ينكرونها.
((39)) و بذلك تعرف غفلتك في قولك: (ولا أقل من أن تسلم في سنتك من جوع شهر وعطشه في حر الهجير في البلاد الحارة). أفلم تقرأ من كتبكم نقلها أن موسى صام مرتين، كل مرة أربعين
ــــــــــــــــــــ
(153) مت 3.
(154) مت 4، ومر 1، ولو 4.
(155) مت 14: 23 ـ 25، ومر 6: 46 ـ 48.
(156) مر 1: 35.
(157) لو 9: 18.
(158) لو 18: 1 ـ 8.
(159) مت 17: 21، ومر 9: 29. (160) (المحقق).
صفحه83
نهارا وأربعين ليلة، لم يأكل خبزا ولم يشرب ماء؟! (161) والمسيح صام أربعين يوما وقال لإبليس: ليس بالخبز يحيا الإنسان، بل بكلمة تخرج من فم الله (162)؟! أفلم تسمع من كتبك عن قول المسيح أن بعض المراتب العالية لا تنال إلا بالصوم والصلاة؟! ألم تنظر إلى فضل الصوم وحكمته وفوائده في كتبكم؟! فإن كنت في غفلة عن ذلك فاستدل عليه بمغني الطلاب.
((40)) وأما ترغيبك لي (بنجاة أولادي من ألم الختان وشوهته) . فتلك مخادعة سبقت من كتبكم، إذ تذكر أن الرسل ارتأوا في أمر الختان، فرأوه عثرة في سبيل انقياد الأمم إلى رئاستهم، ووجدوا أن إبطاله مصيدة للأمم! حتى بدا ذلك على فلتات الخامس عشر من الأعمال، إذ ينقل عن يعقوب ما حاصله استحسان التخفيف عن الأمم بإبطال شريعة الختان ترويجا لأمر المسيح، لأن موسى له من يكرز به في كل سبت، وإن البصير ليعرف من مخايل الكلام أن الغرض ترويج أسباب الرئاسة. عافاك الله، هب أني ممن يعتمد على كتبكم، فهل يسوغ لي أن أعتمد على هذا الرأي الاستحساني وأترك ما تذكره التوراة من تأكيد الله على إبراهيم في أمر الختان، وأنه علامة العهد بين الله والمؤمنين (163)
ــــــــــــــــــــ
(161) تث 9: 9 و 18.
(162) مت 4: 2 ـ 5.
(163) تك 17: 9 ـ 15.
صفحة 84
أم ترك شريعة التوراة به (164) وصراحتها بكونه شرطا في عمل الفصح؟! (165) أم شهادة بولص بأن إبراهيم أخذ علامة الختان ختما لبر الإيمان الذي كان في الغرلة؟! (166) .
((41)) و أما زعمك (أن السبب في شريعة الختان لإبراهيم هو علم الله بأن ذريته سيدخلون مصر، فأراد الله أن يشوههم لتنفر عنهم الزواني المصريات فلا يؤاتينهم على الزنا).
فقد سمعت غلطه من رسالة المدعو بعبد المسيح، وما كنا نحسب أن أحدا غيره يقدم على ترويج العوائد الوثنية، وإبطال الشريعة بتكذيب التوراة، وتخطئة الأنبياء وتغليطهم في تبليغ شريعته الختان والعمل عليها، من موسى في تبليغ شريعته وجعله شرطا في الفصح بعد الخروج من مصر، ثم يوشع في ختانه لجميع بني إسرائيل بعد عبورهم الأردن، ثم الأنبياء إلى ما بعد ميلاد المسيح بنحو خمسين سنة. عافاك الله، فلماذا تقتفي أثر أوهام المدعو بعبد المسيح؟! وأقل ما فيها أنك أنت اهتديت إلى العلة في أمر الختان، وجميع الأنبياء ـ من موسى والذين بعده ـ ضلوا عنها! حتى رسلكم إذ تشبثوا لإبطاله بالاستحسان الملفق، ولم يعتمدوا عليها، وأن بولسكم كاذب في شهادته بالعله كما ذكرناه.
((42)) و أما قولك: (وتسلم من طيش بعض الأفعال إذا حظيت
ــــــــــــــــــــ
(164) لا 14: 13.
(165) خر 12: 43 ـ 49.
(166) رو 4: 11.
صفحة 85
بشرف الثروة، وأبهة الرفعة، ولا تستضر بمالك وراحتك ووقارك).
فإنك تعرض فيه بالحج إلى بيت الله الحرام، وقد أوضحت بنفسك عن وجه الحكمة الإلهية في شرعيته، حيث كشفت عن جبروت أمثال نفسك وانخداعها واغترارها بالثروة، التي عادت الشريف الفاضل، وواصلت الدني الخامل.
كم أعارت محاسن الدهر قوما * ملأوا عيبة الزمان عيوبا (167)
عافاك الله، كم شاهدنا مغرورا بالثروة، متجبرا بالغنى الموقت، قد ألقته الحاجة إلى مهانة السؤال بالكف! أفبهذه الأوهام يتكبر الإنسان على عبادة الله وتأديبات شريعته لعباده؟! أفلا ينبغي لك أن تتواضع من أنعم عليك بالثروة، وتعظم شعائره، وتتبع شريعته؟! فإنه لقادر على سلبها منك في طرفة عين. وقد صدقت إنجيلك في قوله: (لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لأنه إما يبغض أحدهما ويحب الآخر، أو يلازم أحدهما ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال) (168). وقوله: (يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السماوات، إن مرور جمل هداك الله، وماذا تنكر من شريعة الحج؟! فهل تنكر أن المتمكن
ــــــــــــــــــــ
(167) (المحقق).
(168) مت 6: 24، ولو 16: 13.
(169) مت 19: 23 و 24، ومر 10: 24 و 25.
صفحة 86
القادر يجب عليه السفر إلى بيت الله لأجل عبادة الله وتعظيم شعائره مرة في عمره، وإن تطوع بعد ذلك فهو خير يستفيده؟! وهذه توراتكم قد أوجبت على كل ذكور بني إسرائيل أن يقصدوا في أعيادهم في كل سنة ثلاث مرات إلى المحل الذي يختاره الرب (170) ويحملوا معهم عشورهم وأبكار غنمهم وبقرهم (171) فكانوا يقصدون حسب هذه الشريعة إلى خيمة الاجتماع موقتا، ثم إلى البيت الذي بناه سليمان. كما تذكر كتبكم أن سليمان بنى أيضا بحذاء هذا البيت مرتفعات لتعظيم شعائر الأوثان، آلهة الصيدونيين والموابيين والعمونيين (172). وإن البيت الذي نحج إليه بناه إبراهيم خليل الله وإسماعيل مبارك الله، وهما اللذان لم تقرفهما كتبكم بما قرفت به سليمان!
ص 86:
مبارك الله، وهما اللذان لم تقرفهما كتبكم بما قرفت به سليمان! ولا بد لمن يقصد الهيكل من أقاصي أرض إسرائيل أن يقطع مسافة تقارب المائة وخمسين ميلا، واستمر اليهود على هذه الشريعة، حتى أن المسيح كان يقصده ويصعد إليه في الأعياد، حتى من الجليل من مسافة ستين ميلا فما فوق. أم هل تنكر الإحرام ومناسك الحج؟! التي أقل حكمها وفوائدها الحميدة حبس النفس عن أهوائها وجبروتها ببطر الترف وأوهام الشرف، وإرغام طغيانها بخرافة الثروة، وكسر عادية غرورها الذي هو مفتاح
ــــــــــــــــــــ
(170) تث 16: 16.
(171) تث 14: 22 ـ 23.
(172) 1 مل 11: 7، و 2 مل 23: 13.
صفحة 87
الشر والفساد، فيتجرد العبد بذلك إلى محاربة الهوى والشيطان، ويتخلى من مصائدها لأجل التوجه إلى مولاه بالرغبة والرهبة، وينبه نفسه الأمارة إلى أنه عبد مخلوق، ضعيف حقير، لا يملك من أمره شيئا، فيطهرها من قاذورات الأماني بشرف الثروة وأبهة الرفعة، وينزهها من خسة التكبر بهذه الأوهام الفاسدة والخيالات الزائفة. عافاك الله، إن العليم الحكيم ليعلم أن الإنسان لا تنقاد روحه إلى النواميس الصالحة إلا إذا أدبته الشريعة الإلهية برياضة نواميسها، وقادته بزمامها، أفليس من هذا النحو ما تذكره أناجيلكم من أن المسيح صار في البرية مع الوحوش أربعين يوما ليجرب من إبليس، ومع هذه الرياضة لم ينقطع طمع إبليس في إغوائه بالشرك (173).
أفلم تسمع من كتبك أمرها بالخضوع والتواضع لله؟! (174) وأن المطلوب من العبد أن يسلك متواضعا مع إلهه (175).
أم هل وجدت في شريعة جامعة المسلمين لحجهم وعباداتهم كما تأمر به مزاميركم، إذ تقول: (ليسبحوا اسمه برقص) (177) (سبحوه بدف ورقص)؟! (178).
ــــــــــــــــــــ
(173) انظر: مت 4، ولو 4.
(174) 1 بط 5: 5، ويع 4: 7.
(175) مي 6: 8.
(176) 2 صم 6: 19 ـ 23.
(177) مز 149: 3.
(178) مز 15: 4.
صفحة 88
ولو أنك ـ على نصرانيتك ـ شهدت المواقف الشريفة وقد فزع فيها النساك إلى الله مولاهم، وهم على حالة واحدة، وزي واحد، في الخشوع والخضوع، لا تميز في ذلك فقيرهم من المتجبر المزدهي بشرف الثروة وأبهة الرفعة، واطلعت على تلك الهيئات الجميلة، لداخلك من الخشوع واستحسان ذلك النسك ما لا تحتسبه، ولقلت: أين هذه العبادة والخضوع من الصلاة بالترنيمات الموسيقية! هداك الله، وإن رابطة المراسلة قد أيقظت بيننا العواطف البشرية، والعلاقة الجنسية (179)، ونبهتها إلى المطالبة بحقوقها، وحكم الله لها بوجب المعاونة على البر والتقوى وعرفان الحق، فلتزل مما بيننا معثرة التعصب، ونعط الحق حقه ومن النصفة، ونفزع إلى الله في طلب التوفيق والهدى إلى سبيله، فنستنزل رحمته بالانقطاع إليه في الدعاء، والنية الصادقة، والإقبال الخالص، ونكون يدا واحدة في محاربة الهوى والشيطان، مستعدين بعدة المباحثة وأهبة النظر، وسلاح الإنصاف، وثبات الإخلاص، سائلين من الله النصر، فإنه خير المسؤولين وأرحم الراحمين. وحباك الله بلطفه، وأسعد حظك بالهدى إلى سبيله، والتوفيق لحقيقة طاعته ومعرفة دينه. وإني لأرجو منك العود إلى المراسلة، فإنك لا تذم عاقبتها المحمودة إن شاء الله.
وإنا قد اقتصرنا في رسالتنا هذه على ما جرى فيه كلامك، واقتصرنا في الجواب على أقل الواجب، ومسمى الإشارة، مؤثرين تعجيل البر بالجواب. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
ــــــــــــــــــــ
(179) أي جنس البشر. (المحقق).