أهل البيت (ع)

 في

 الكتاب المقدس

الأستاذ كاظم النصيري (أحمد الواسطي)

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 الإهداء إلى الهداة المعصومين... الذين عايشوا الأمة تطلعاتها وهمومها موظفين كل حياتهم لنصرة الخير والفضيلة وإعلاء كلمة الحق والصديق أقدم هذا الجهد البسيط...

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

لا يخفى على الناقد البصير المتتبع لفحوى الرسالات السماوية أن جوهرها ينصب على التعريف بخالق الوجود، والتمييز بين الخير والشر، وعرض نظام أخلاقي يساعد البشرية على التآخي والتعاون والعيش بأمان حيث يعبد الله عز وجل في كل أطراف الأرض. إلا أن اليد البشرية امتدت خلال القرون المنصرمة لتعبث بالكتب الإلهية القديمة، خصوصا التوراة والإنجيل،فمع أن الكتابين المحرفين قد جمعا تحت عنوان واحد وهو (الكتاب المقدس)، لكن أطروحتهما متناقضة جوهريا. فالعهد القديم يؤمن بوحدانية الخالق عز وجل، بينما يؤمن العهد الجديد بعقيدة التثليث. وما على القارئ إلا البدء بالتوحيد والانتهاء بالتثليث لنفس الكتاب العقائدي الذي يؤمن به. وأمام ذلك التناقض، فإنه لا بد لنا من التماس طريق سليم يوصلنا إلى معرفة مدلولات (العهدين القديم والجديد) بالنسبة لنا ولعقيدتنا التي صانتها اليد الإلهية عن التحريف والتزوير. وفي ضوء هذا التفكير، فقد أسرحت النظر في كتاب (أهل البيت (عليهم السلام) في الكتاب المقدس) لفضيلة الأستاذ الألمعي السيد أحمد الواسطي فوجدته كتابا رائعا قيما بذل فيه المؤلف الفاضل جهده المبارك من أجل استقصاء الحقائق الخاصة بأهل بيت العصمة (عليهم السلام) في الكتاب المقدس. وكان اضطلاعه باللغة العبرية وسعة عمقه في فك رموزها أهم ما ميز الكتاب وأضفى عليه قيمة علمية نادرة. إلا أن هذا العمل الفكري المبارك، وباعتباره عملا رائدا وجديدا في فكر الطائفة، لا بد له من ضوابط وأصول تعصمنا

وتعصم الجيل اليافع من المؤلفين والمحققين من الزلل الفلسفي والعقائدي إن شاء الله تعالى. ومن هذه الأصول:

 أولا: الحاجة إلى تمييز مواطن التحريف في كتاب (العهدين). فلا شك أن عقيدية التثليث، وأفضلية اليهود على البشرية دون النظر إلى فسقهم أو إيمانهم، وفلسفة الخطيئة تعتبر من أهم التحريفات التي طالت ذلك الكتاب، ولكن، ومع تلك التحريفات، إلا أن كتاب (العهدين) لا يزال يحتوي على قضايا لم تفلح يد التحريف من مسها، مثل: عقيدة التوحيد في العهد القديم، والتنبؤ بظهور المنقذ المنتظر ونحوها. فإذا استطعنا تشخيص المواطن التي ورد فيها التحريف، نكون - عندئذ - أكثر قدرة على استنباط المفاهيم غير المحرفة التي تتناسب مع عقيدتنا فيما يخص أهل البيت (عليهم السلام).

ثانيا: إن الرسالات السماوية، فيما لو سلمت من التحريف، فإنها - لا شك - تصدق أو تصادق بعضها بضعا. فالمفاهيم الإلهية متضافرة. وما قصص إبراهيم (عليه السلام) ويوسف (عليه السلام) في العهدين والقرآن المجيد إلا مصداقا لما نقول.وبمعنى آخر أن الرابط المشترك الذي يجمع الرسالات الإلهية يدور حول المفاهيم المشتركة التي أراد لها الخالق عز وجل أن تكون محورا فكريا في حياة البشرية. فمعاني الحياة، وأسباب الخلق والوجود، وطبيعة التكليف والوظائف الشرعية، وأسلوب التجمع والتعاون بين الأفراد كلها من مشتركات الأديان السماوية. فما نجده في دين سماوي معين إذا سلم من التحريف، نجد ما يماثله بالدلالة المطابقية في دين سماوي آخر. فليس عجبا من القول إذا أن نرى دور أئمة الهدى (عليهم السلام) مسطورة في ألواح إلهية أخرى غير الألواح التي ألفناها وعشنا معها.

 ثالثا: إن الوجود الفلسفي والتكويني لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) ليس وجودا عابرا أو منحصرا بمذهب معين، بل هو من صميم جوهر الوجود الذي نختبره في أحاسيسنا ووجداننا العقائدي. فالعصمة في تبليغ الرسالة ليست منفكة عن طبيعة الوجود البشري على هذا الأرض. بل إن التصميم الرائع لطبيعة الكون الصامت يقابله تصميم رائع على صعيد النقاء والطهارة والقدرة وأروع أشكال الاتصال بالخالق عز وجل وهم: أهل بيت النبوة (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

 فالتصميم في دقة الكون يقابله تصميم لا يوصف في الطهارة والنقاء والصفاء الإنساني المرتبط بالله عز وجل، الذي تمثل بأهل البيت (عليهم السلام). وإذا ثبتت الإشارة إلى أهل البيت (عليهم السلام) في كتاب (العهدين)، فإننا نفهمها ضمن هذا الاطار.

 رابعا: إن بعض الوقائع التأريخية التي ذكرت في العهدين لم تمسها يد التزوير والتحريف، بل إن دلالاتها قد زورت. فمريم (عليها السلام) حملت السيد المسيح وولدته بالقدرة الإلهية، وهذه واقعة تأريخية، إلا أن ما حرف فيها وهو دلالتها، فقد صورت وكأنها ولدت ابنا للخالق عز وجل وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وعندما تزوج النبي إبراهيم (عليه السلام) بهاجر، كانت تلك واقعة تأريخية، إلا أن دلالتها صورت وكأنه وقع على عمل حرام، فكان إسماعيل (عليه السلام) ابنا غير شرعي لإبراهيم (عليه السلام)، كما يزعم العهد القديم.

هذه بعض الرشحات التي خطها القلم الضعيف في هذا الحقل الشريف متمنين للكاتب الكريم التوفيق والتسديد في عمله الفكري الشاق. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

زهير الأعرجي

16 صفر الخير 1417 ه‍

المقدمة إن يد التحريف اليهودي التي امتدت إلى " الكتاب المقدس " طمست الكثير من معالمه وحقائقه، خصوصا ما يتعلق منها بالرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة الاثني عشر (عليهم السلام). هذا مما يجعل مهمة الكشف عن حقيقة الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) في الكتاب المقدس يكتنفها الكثير من المصاعب. غير أن أتباع المنهج التحليلي للنص وإرجاعه إلى أصوله اللغوية ونفي ما لحق به من إضافات وتشويهات متعمدة وبحثه في إطار سياقه ومحتواه المعرفي ودلالاته العامة يكفي لإماطة اللثام عن الحقائق المتضمنة فيه أو المستترة في بنيانه..

صفحة 20

 وهذا لا يعني أن جميع هذه الأسفار قد نالتها يد التحريف، بل هناك بقايا ومضامين تحمل الصحة بين طياتها. أما مظاهر الانحراف فنجدها في مسائل مختلفة كمسألة التفرقة العنصرية التي تجعل من اليهود الشعب المختار الذي اصطفاه الله وفضله على العالمين، علما بأن هذا الاصطفاء كان " لبني إسرائيل " بخصوص ذلك الزمان لا في كل زمان وعصر. كما أن أسفار " الكتاب المقدس " تنسب لبعض الأنبياء أو لبعض من تسميهم آباء " لبني إسرائيل " أو ملوكا لدولهم أعمالا قبيحة تتنافى مع وضعهم الديني والاجتماعي. هذا وإن التحريف قد يتناول قصة ما لتبرير وضع اجتماعي أو سياسي ظالم سار عليه " بنو إسرائيل " في مرحلة ما من مراحل تاريخهم. والجدير بالذكر أن القرآن الكريم قد عرض لكثير من القصص التي ورد ذكرها في أسفار " الكتاب المقدس " غير أن أسفار اليهود قد تناولت كل قصة من هذه القصص في صورة مسلسلة كاملة الأجزاء مترابطة الحوادث، كما تفعل كتب التاريخ وتناولتها لعرض تاريخي بحت، على حين أن القرآن يكتفي بذكر مواقف من هذه القصص ولا يذكرها للتاريخ في ذاته وإنما يذكرها

صفحة 21

 على الأخص للعظة والذكرى، ويذكرها بحسب المناسبات. واللافت للنظر أنه على الرغم من اتهام النصارى لليهود بخطيئة " صلب المسيح " نجد " العهد القديم والجديد " يطبعان تحت عنوان واحد هو " الكتاب المقدس "، ذلك أن هدفهم مشترك وهو حقدهم (الصهيوني - الصليبي) اللدود على كل ما يمت إلى الإسلام بصلة. فالعداء الصليبي قديم ومستمر وبرغم أن الصليبية قد وضعت أوزارها بانتصار المسلمين، فإن الصليبية والصهيونية العالمية لم تنس في يوم من الأيام ضحاياها وأحزانها، فأخذت دولها وساستها يسلكون في ظلال السلم سبل الكيد والمكر ما أمكنهم ذلك، بحبك المؤامرات وإرسال البعثات التبشيرية لحرف المسلمين، وتأسيس الجمعيات الهدامة في البلاد الإسلامية باسم المدارس التعليمية والخدمات الإنسانية، وهي في الحقيقة مؤسسات في خدمة الاستعمار العقائدي والسياسي والاقتصادي معا، وكان جل مهمتها زعزعة عقائد الشباب المسلم وزرع الشكوك في عقولهم وتعاليم دينهم، وفي معجزة الإسلام الخالد (القرآن الكريم)، كما قال أحد المستشرقين في أحد

صفحة 22

 مؤتمراتهم: " إننا إن أخفقنا في تنصير شباب المسلمين في المغرب فحسبنا زرع الشكوك في عقيدتهم، وإفساد قلوبهم نحو القرآن ". والحقد اليهودي - الصهيوني على الإسلام والمسلمين لم يكن وليد اليوم، بل له جذوره التاريخية، فهو لم يقتصر على طمس وتشويه الحقائق، التي وردت بشأن الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، في " الكتاب المقدس " وإنما تعدى إلى تشويه التاريخ الفلسطيني بشكل عام وتاريخ القدس بشكل خاص. وفي الختام أقدم الشكر الجزيل إلى مقام السيد الحجة الدكتور الأعرجي على ما أسداه لي من التوجيه والتشجيع على نشر هذا الكتاب. المؤلف

صفحة 23

 

 

الفصل الأول

أسفار الكتاب المقدس

لغات العهد القديم

الأسفار غير القانونية عند اليهود

المسيحيون وإنجيل برنابا

التفرقة العنصرية والاضطراب في أسفار اليهود

صفحة 25

أسفار " الكتاب المقدس"

 

يشتمل " الكتاب المقدس " على " العهدين القديم والجديد "، والعهد القديم عبارة عن تسعة وثلاثين سفرا، أي: (كتابا) (1)، الخمسة أسفار الأولى منها منسوبة لنبي الله موسى (عليه السلام) وتسمى بالتوراة والأسفار الباقية منسوبة إلى من جاء بعد موسى (عليه السلام) من الأنبياء إلى ما قبل زمان المسيح (عليه السلام) بنحو ثلاثمائة وسبع وتسعين سنة (2). وقد يسمى جميع العهد القديم " بالتوراة "، وأهم أسفار هذا العهد مجموعة تسمى كتاب موسى أو " الأسفار الخمسة " أو " التوراة ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. ربحي كمال، المعجم الحديث، عبري - عربي.

(2) الشيخ البلاغي، الهدى إلى دين المصطفى، ج 1، ص 4.

 

صفحة 26

 كما تعتبر " التوراة " من أكثر الكتب المعروفة ترجمة إلى لغات أخرى، فقد ترجمت بكاملها إلى (253) لغة مختلفة، بينما ترجمت بشكل جزئي إلى (1457) لغة أخرى (1). وتورا Torah هي اللفظة العبرية لأسفار موسى الخمسة وتعني: شريعة أو عقيدة أو نواميس، وقد أطلقت عليها في الفرنسية البانتاتيك أي المؤلف المكون من خمسة أجزاء وهي: 1 - التكوين: " بريشيت " (GENESIS في البدء). 2 - الخروج: " وئيلية شموت " EXODUS و (هذه الأسماء). 3 - اللاويين: " ويقرا " (LEVITICUS ودعا). 4 - العدد: " بمدبار " (NUMERI في البرية " الصحراء "). 5 - التثنية: " إيليه ههدباريم " (DEURERONOMIUM هذا هو الكلام). وتشير " التوراة " في مجملها إلى المخطوط الذي كتب باليد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الموسوعة البريطانية، إحصاء عام 1971 ج 1.

 

صفحة 27

 وحفظ في تابوت العهد، وكان اليهود يتصورون أن روح يهوه " يهوا " أو " الرب " " إيلوهيم " تحل فيه (1). ويقول (يوسيفوس فلا فيوس) (2) () Jesephus Flavius وهو أحد مشاهير اليهود الأقدمين، يقول عن التابوت: (إنه لم يكن يحتوي على أي شئ قط). ويرى (جوستاف لوبون) صاحب كتاب (اليهود في تاريخ) الحضارات الأولى): إن تابوت العهد قد دخل العقيدة اليهودية اقتباسا من الكفر الفرعوني، حيث عرف نظير لهذا التابوت المقدس ممثلا بمراكب الشمس. ويطلق على الأسفار المقدسة للديانة النصرانية اسم " العهد الجديد "، فهو عبارة عما كتب بالإلهام والوحي بعد عيسى (عليه السلام) (3)،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. عبد الوهاب المسيري، موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، ص 125.

(2) مؤرخ يهودي كتب تاريخ قومه في نحو (20) مؤلفا بالسريانية وترجمها باليونانية ومنها ترجمت إلى اللاتينية والفرنسية وغيرها. كما كان قائدا عسكريا لمنطقة الجليل عام (66) عند نشوب ثورة اليهود ضد الإمبراطورية الرومانية.

(3) الشيخ البلاغي، الهدى إلى دين المصطفى، ج 1 ص 4 - 5.

 

صفحة 28

 ومن أهم أسفار هذا العهد مجموعة تسمى (الأناجيل). ومما يجدر ذكره - هنا - أن المراد بكلمة (العهد) في هاتين التسميتين ما يرادف الميثاق أي كلتا الطائفتين من الأسفار تمثل ميثاقا وعهدا أخذه الله على الناس: فأولاهما تمثل عهدا قديما يرجع إلى عصر موسى (عليه السلام)، والأخرى تمثل عهدا جديدا بدأ بظهور عيسى (عليه السلام). أما النص الرسمي " العهد القديم " باللغة العبرية فلم يظهر إلا اعتبارا من أواخر القرن الأول للميلاد، بيد أنه لم ينته إلى شكله النهائي المعروف اليوم إلا في أواخر القرن الثامن للميلاد. ويعتبر النص الماسوري (التقليدي) أقدم مخطوط " للعهد القديم " في الوقت الحاضر، والمؤرخ في (895) للميلاد، الذي اكتشف في (مستودع) المعبد اليهودي بالقاهرة (1). ومما يجدر ذكره - هنا - أن " ماسوري " مأخوذة من كلمة " ماسوريت " العبرية التي أنت من " سفر حزقيال ". وتعني (ماسوريت هبريت) (2): قيد الميثاق، كما تعني كلمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) د. أنيس فريحة، اللغة العبرية وبعض مشكلاتها، ص 89.

 (2) سفر حزقيال العهد القديم، إصحاح 20: 37 الأصل العبري، ص 828.

 

 صفحة 29

 (ماسوريت): التقاليد المرعية، ومن كلمة (ماسوريت): (ماسورتي): أي تقليدي، متمسك بالتقاليد (1). وكان للعلماء " الماسوريين " الذين وضعوا النص العبري النهائي دور كبير في اختراع الحركات الصوتية وذلك بوضع مختلف الحركات: (الصغيرة، المتوسطة والكبيرة) فوق أو تحت الحرف لإعطائه اللفظ الصحيح وللمحافظة على طريقة لفظ اللغة العبرية حتى لا تندثر. والجدير بالذكر أن اليونانية لغة الحديث والكتابة في جميع البلاد اليونانية الأصل وفي جميع مستعمرات اليونان بآسيا وإفريقيا، كما كانت لغة الآداب والثقافة والعلوم في كثير من البلدان غير اليونانية اللسان، وخاصة في بلاد العراق والشام وفلسطين وشمال إفريقيا، بل مصر نفسها، فقد كان المصريون في عهد البطالسة إلى الفتح العربي يستخدمون المصرية القديمة في تخاطبهم وحديثهم العادي، بينما كانوا يستخدمون اليونانية في شؤون الكتابة والثقافة والآداب والعلوم، وباللغة اليونانية ألفت جميع أسفار " العهد الجديد " ما عدا " إنجيل متى " فالراجح أنه ألف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. ربحي كمال، المعجم الحديث، ص 272.

 

 صفحة 30

 " بالآرامية " ثم ترجم إلى اليونانية. وإلى اللغة اليونانية تمت أقدم ترجمة لأسفار العهد القديم من أصلها العبري وهي الترجمة السبعينية (وهي التي تمت في سنتي 282، 283 ق. م على يد اثنين وسبعين حبرا من يهود مصر بأمر بطليموس فيلادلف، ومراعاة لعدد من قام بها سميت الترجمة السبعينية. (.) Versionde septane وإلى اللغة اليونانية تمت كذلك أقدم ترجمة " لإنجيل متي " في العهد الجديد من أصله الآرامي. ومن اللغة اليونانية ترجمت أسفار العهدين القديم والجديد إلى اللغة اللاتينية. وعن اليونانية واللاتينية ترجمت هذه الأسفار إلى معظم لغات العالم قديمها وحديثها (1).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. علي عبد الواحد، علم اللغة، ص 181، وراجع المفصل في قواعد اللغة السريانية، محمد عطية الأبراشي.

 

 صفحة 31

لغات العهد القديم

 

دونت جميع أسفار العهد القديم بلغة واحدة وهي " اللغة العبرية " وإن كانت التراكيب والأساليب وبعض المفردات تختلف باختلاف هذه الأسفار وتنم على العصور التي ألف فيها كل سفر. كما جرى تداول " التوراة " باللغة الآرامية إلى جانب اليونانية وذلك وفق الحاجات الطقسية لدى الجماعات التي اعتنقت اليهودية من غير المتكلمين بالعبرية فقد وردت أجزاء من سفري " عزرا) Esdras و (دانيال) وفقرة واحدة من سفر أرميا Geremie وكلمتان اثنتان في " سفر التكوين " باللغة الآرامية عن قصد. وقد أصبحت هذه التراجم الآرامية رسمية ومقبولة وثبتت

 صفحة 32

 بشكلها النهائي في القرن الخامس للميلاد (1). وقد أخطأ بعض مؤرخي العرب إذ قرروا أن جميع أسفار العهد القديم قد ألفت باللغة العبرانية وأقدم ترجمة للعهد القديم هي الترجمة اليونانية التي اشتهرت باسم " الترجمة السبعينية " (2) () Versionde septante حيث جرى أول تحرير معروف للعهد القديم وتمت هذه الترجمة في سنتي 282، 283 قبل الميلاد على يد اثنين وسبعين عالما من كبار علماء اليهود، ستة من كل قبيلة من قبائل اليهود الاثني عشرة، بأمر بطليموس فيلادف، وكان ذلك لفائدة اليهود الذين كانوا يسكنون مصر حينئذ ويتكلمون اليونانية. وقد تأكد للباحثين بعد الاكتشافات التي جرت في كهوف " وادي قمران " على البحر الميت أن هناك أصل مكتوب " للتوراة " خلافا للاعتقاد السائد بأنها كانت تنتقل شفهيا. أما النص العبري المعمول به في الوقت الحاضر فقد تم تحريره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الموسوعة البريطانية، ج 2، ص 889.

(2) د. علي عبد الواحد وافي (الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام - دار الكتب - القاهرة)، ص 22.

 

 صفحة 33

 في القرن الثامن للميلاد (1). لذا فكل الدلائل تشير على وجود النص المكتوب بين أيدي الكهنة اليهود، فقد انتقل من جيل إلى آخر بشكل ما إلى أن حرر بصيغته النهائية المعروفة. ومما تقدم يظهر أن مكتشفات البحر الميت أثبتت أن النصوص المعمول بها إلى اليوم صحيحة مما دفع الكثير من العلماء إلى إفراد دراسات موسعة لمخطوطات البحر الميت التي أضافت أضواء جديدة إلى الديانتين اليهودية والمسيحية وكيفية تطور اليهودية نحو المسيحية. ومما يجدر ذكره - هنا - أن أضخم عمل بصدد تثبيت النص النهائي للتوراة هو الترجمة التي قام بها عالم لاهوتي من الإسكندرية اسمه (أوريجين) عام (230 م) وكان يعمل في مدينة قيصرية في فلسطين، فقد حاول هذا العالم الفصل في أمر تعدد النصوص والترجمات والاختلافات بينها، فكتب خلال عشر سنوات العهد القديم بكامله على أوراق كبيرة تحمل ستة أعمدة متقابلة (وقد أطلق عليها اسم (هيكزابلا) Hexapla أي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

 

 صفحة 34

 (السداسية)، وفيها على التوالي وبشكل متقابل النص العبري ثم النص العبري نفسه لكن بالأحرف اليونانية محاولة منه المحافظة على طريقة النطق بالعبرية، ثم ترجمتان معمول بهما في ذلك الزمان ثم الترجمة السبعينية ثم ترجمة أخرى من وضعه هو. وقد اندثر هذا العمل الضخم بأكثر أجزائه وبقي منه بعض الأقسام في المتاحف. وبمرور الأيام جرت ترجمة العهد القديم إلى معظم اللغات المعروفة ومنها العربية وأول ترجمة إلى العربية جرت بعد انتشار الإسلام في العصر العباسي الأول أو عند منصرم الحقبة الأموية (1).

وتشتمل الترجمة السبعينية على أربعة عشر سفرا لا توجد في الأصل العبري الذي وصل إلينا. وهذه الأسفار هي: سفر طوبيا Tobi، وسفر الحكمة لسليمان Sagesse de Saloman، وأسفار المكابيين وعددها أربعة أسفار 4 Liversde smaccabees، سفر يهوديت Judith، وسفر الكهنوت أو سفر الحكمة (ليسوع بن سيراخ) ونشيد الأطفال الثلاثة، " وسفر سوزان "، وسفر (بل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الموسوعة البريطانية، ج 2، ص 889، د. أنيس فريحة، دراسات في التاريخ، ص 177.

 

 صفحة 35

 والتنين)، وثلاثة أسفار منسوبة لعزراء زيادة على السفر المثبت في الأصل العبري (1)، وبعض زيادات في (سفر دانيال). سفر " طوبيا " هو وصف لسيرة يهودي اسمه طوبيا وسيرة ابنه، وكانا أسيرين في نينوى في القرن السابع ق. م، وسفر " الحكمة " يشتمل على أمثلة حكيمة وعظات بليغة لسليمان، وقد كتب لمقاومة الوثنية. و " المكابيون " هم الذين حكموا فلسطين حكما وطنيا في عهد الرومان في القرن الثاني ق. م وقد جاء اسمهم هذا من الشعار الذي كانوا يتخذونه ويكبرون به في الحروف وهو " مى كاموخا بحييم يهوا " أي (من مثلك من الأمم يا إلاهنا ؟) أو ليس كمثلك شئ يا رب، أو كما نقول نحن المسلمون " الله أكبر " فأخذ من كل كلمة الحرف الأول منها (م كا ب ي) وجعل مجموع هذه " مكابي " اسما أو (وصفا) لكل منهم، ومن ثم اشتهروا باسم (المكابيين). وعن الترجمة السبعينية ترجمت أسفار العهد القديم إلى اللغة اللاتينية Latine Lavulgate ومع أن هذه الترجمة اللاتينية كانت ترجمة للسبعينية اليونانية، فإنها لم تأت مطابقة لها كل المطابقة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

 

 صفحة 36

 فقد اشتملت على سطرين اثنين فقط للمكابيين (أسفار المكابيين) في السبعينية أربعة أسفار)، وحذفت منها أسفار عزرا الثلاثة التي زيدت في السبعينية على الأصل العبري وزادت سفر " باروخ " (1) كما اشتملت على زيادات في سفر " أستير " وهي سبع إضافات لتكملة قصة (أستير) و (هامان) ومردخاي، وفيما عدا ذلك لا يوجد بين الترجمتين خلاف ذو بال، وفضلا عن الأسفار والأجزاء التي تزيد بها الترجمتان اليونانية واللاتينية عن الأصل العبري، فإنهما في بعض المواضع لا تنطبقان على هذا الأصل تمام الانطباق، ولم يعرف إلى الآن على وجه اليقين الأسباب التي أدت إلى هذه الزيادات وهذا الاختلاف. وقد أقرت الكنيسة الكاثوليكية المسيحية جميع الأسفار والأجزاء التي تزيد بها الترجمة اللاتينية عن الأصل العبري واعتبرتها كلها أسفارا وأجزاء مقدسة واعتبرتها من أسفار العهد القديم وأجزائه. ولكن معظم البروتستانت من المسيحيين لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) باروخ (Baruch) euk هو تلميذ أرميا وقد أملى عليه أرميا تنبؤاته. وسفره هذا يمكن أن يعد من أسفار الأنبياء ويلحق بسفر أرميا ومراثي أرميا. ويتضمن هذا السفر صلوات وأدعية دينية لليهود ألفت بأسلوب رائع ويرجع تأريخ باروخ إلى حوالي القرن السادس ق. م.

 

 صفحة 37

 يعتبرون هذه الزيادات مقدسة ولا يعتبرونها من العهد القديم. وأما اليهود أنفسهم فإنهم يدخلون في القسم الذي يسمونه (الأسفار الخفية) Apocryphe، - والذي سيأتي الكلام عليه لاحقا - وهي عندهم لا يدخل شئ منها في العهد القديم ولكن بعضها يمكن أن يكون مقدسا في نظرهم (1). وفضلا عن الترجمتين اليونانية واللاتينية فإن العهد القديم قد ترجم إلى لغات أخرى كثيرة. فقد ترجمه أحبار اليهود - (مدرسة بيت المقدس) - من العبرية إلى " اللهجة الآرامية الحديثة " هي إحدى لهجات اللغة الآرامية وكانت مستخدمة في منطقة فلسطين وما إليها - وساروا في ترجمتهم هذه على منهج خاص يختلف عن مناهج التراجم المضادة. فكانوا يدونون الفقرة بنصها العبري يتبعونها بترجمتها إلى اللغة الآرامية. وقد أطلق على كتبهم هذه اسم " الترجوم " ومن أشهرها ترجوم أنقوس onclos وهو ترجمة لأسفار التوراة وحدها (الأسفار الخمسة أو أسفار موسى التي يتألف منها القسم الأول من العهد القديم وتتضمن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من فرق اليهود المنقرضة فرقة كانت تسمى فرقة السامرية. وهذه الفرقة كانت لا تؤمن إلا بسبعة أسفار من العهد القديم، وهي أسفار موسى الخمسة وسفر يوشع وسفر القضاة، وتنكر ما عدا ذلك.

 

 صفحة 38

 التوراة في نظرهم)، ترجوم يوناثان وهو ترجمة لبقية أسفار العهد القديم. وقد ألفت ترجماتهم هذه في الفترة الواقعة بين أوائل القرن الثاني وأواخر القرن الخامس بعد الميلاد، وثم معظمها في القرنين الرابع والخامس الميلاديين وفي هذه الفترة نفسها (بين أوائل الثاني وأواخر الخامس بعد الميلاد) ترجمت مدرسة الكنيسة المسيحية السريانية العهدين القديم والجديد إلى اللغة السريانية، وهي إحدى شعب اللغة الآرامية، ولم يترجموه مباشرة كما فعل أحبار اليهود من (مدرسة بيت المقدس) وإنما ترجموه عن الترجمة السبعينية اليونانية. والترجمة السريانية لا تكاد تبين عن روح اللغة العبرية التي ألفت بها هذه الأسفار. وترجم المسيحيون بفلسطين العهدين القديم والجديد إلى اللغة الآرامية الفلسطينية الحديثة، وهي إحدى اللهجات الآرامية التي كانت مستخدمة في فلسطين وما إليها. وذلك بعدما استقلوا في ثقافتهم وشؤونهم الدينية عن الكنيسة السريانية. وقد تمم لهم هذا الاستقلال في أواخر القرن الخامس الميلادي، ولم يترجموه عن العبرية مباشرة كما فعل مواطنوهم اليهود من (مدرسة بيت المقدس)، وإنما ترجموه من الترجمة السبعينية اليونانية كما فعل السريان. وجاءت ترجمتهم هذه ترجمة حرفية كالترجمة السريانية، بل تزيد في حرفيتها عن الترجمة السريانية، وتقل عنها في مبلغ إبانتها عن روح اللغة العبرية وأساليبها. وقد استغرقت ترجمتهم للعهدين القديم والجديد مدة طويلة تمتد من القرن الثامن إلى الحادي عشر بعد الميلاد (1). وعن الترجمتين اليونانية واللاتينية ترجمت هذه الأسفار إلى معظم لغات العالم قديمها وحديثها (2).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) دائرة المعارف اليهودية العامة، ص 290، نيويورك، 1948 م.

(2) ظهرت في سنة 1970 م ترجمة انكليزية للكتاب المقدس كله (العهدين القديم والجديد) قام بها جماعة من اليهود المنتمين إلى هيئات ممركزة في إنجلترا. وتختلف هذه الترجمة عن الترجمات الإنجليزية السابقة في أنها صيغت بأساليب اللغة العادية لا بأساليب الدينية التقليدية القديمة، وفي اتسامها بالتجرد الكامل من قيود والتزامات جميع الترجمات السابقة، وفي تصرفها في معنى ومغزى بعض النصوص بالانحراف بها إلى غير الاتجاهات الأصلية أو بإضافة أمور أخرى إليها، وفي اشتمالها على اثني عشر سفرا من الأسفار المعروفة بالأسفار الخفية.

 

 صفحة 41

الأسفار غير القانونية عند اليهود

 وبجانب هذه الأسفار التي يتألف منها العهد القديم توجد أسفار يهودية قديمة أخرى لم يدخلها اليهود في أسفار هذا العهد، ويطلقون عليها اسم " الأسفار الخفية " وبعض هذه الأسفار الخفية غير مقدس ولا معتمد في نظر اليهود، بينما بعضها الآخر مقدس أي معترف بأنه موحى به ومعتمد في نظرهم. ولكن رأى أحبارهم وجوب إخفائه، وقرروا أنه لا يجوز أن يقف عليه الجمهور ولا أن يدرج في أسفار العهد القديم. وإلى هذا يشير القرآن الكريم إذ يقول في صدد اليهود: (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ، قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها

 صفحة 42

 وتخفون كثيرا) (1) وإذ يقول: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب) (2)، وإذ يقول: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) (3)، وإذ يقول: (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) (4). ومن هنا يظهر أن السفر قد يكون خفيا ومقدسا في آن واحد عند اليهود، وفي هذا يختلف الاصطلاح اليهودي بعض الاختلاف في مدلول كلمة " الخفي " عن الاصطلاح المسيحي. فالمسيحيون يطلقون كلمة " الخفي " apocryphe على كل سفر يرون أنه غير مقدس أي غير موحى به، سواء أكان في نظرهم غير صحيح في حقائقه أو في نسبته إلى مؤلفه أو في كلتيهما كإنجيل " برنابا " وكتاب أعمال الرسل لبرنابا، فإن المسيحيين لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنعام: 91.

(2) سورة المائدة: 15.

(3) سورة البقرة: 59. (4) سورة البقرة: 174.

 

 صفحة 43

 يعترفون بصحة ما جاء فيهما ولا بصحة نسبتها إلى (برنابا). وأول من استخدم كلمة " أبو كريفا " هو القديس (إيرونيموس) مترجم النص الرسمي المعروف باسم " فولغاتا "، والرواية اليهودية الرسمية تقول: إن مؤتمرا عقد في (جنبة) في فلسطين (إلى الغرب من القدس) عام (90 أو 100) للميلاد وقرر ما هي الأسفار المقبولة وغير المقبولة قانونا، وقد ضم القديس (إيرونيموس) كل الكتب الموجودة في الترجمة السبعينية، أما البروتستات، فقد أخذوا الأسفار المقبولة يهوديا، وذلك في القرن السادس عشر للميلاد (1). أما سبب اعتبار هذه الأسفار غير قانونية وبالتالي سرية أو مخفية فمن المحتمل أن مجمع الكهنة اليهود الذي قرر ذلك قد أعلن " إنتهاء حقبة التأليف التوراتي "، واعتبر أن تاريخ إغلاق باب التأليف هذا هو عهد الإسكندر الكبير، أي في القرن الرابع قبل الميلاد، لذلك فإن كل سفر أتى بعد التاريخ مرفوض (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أو توراة بروتستانتية لم تضم الأسفار المخفية، يعود تاريخها إلى 1535 وهي معروفة تحت اسم " توراة مايلز كوفرديل " (.) Miles Coverdali ; TESTAMET ; Avon Books.) (2. ISAAC Asimov: Asimovs GIUDE TO THe Bible old. 427. New York ; 1791 ; p

 صفحة 44

 ومما يجدر ذكره - هنا - أن هذه الأسفار لم تأتي بشئ جديد يدلل على أنها ذات طابع سري سوى جزئين منها يلفتان الانتباه:

 1 - نجد هنالك إضافات إلى " سفر أستير " يثير من خلالها مؤلفها ملامح العداء لليهود من قبل الشعوب الأخرى وذلك لغرض تحفيز اليهود وشحن طاقاتهم لمواجهة مثل هذا العداء. هذا مع العلم أن (السفر الأصلي) لا يحتوي أي صفة إلهية ذات نزعة عدائية لمحاربة اليهود من قبل الشعوب.

 2 - سفر اسدراس الثاني، ونجد في هذا السفر الإشارة إلى الكتب السرية السبعين. غير أن هذه الأسفار لم تعد مخفية، بل أصبحت الشغل الشاغل للباحثين الشكليين خصوصا المسيحين منهم، الذين أفنوا حياتهم وكرسوا جل وقتهم محاولين تحديد مؤلفيها وتاريخها، إلا أن المؤلفات التي ألفت عنها واللجان المخصصة لها تعد بالآلاف (1). وتجدر الإشارة إلى أن بعض هذه الأسفار يحاول توثيق الربط والصلة بين اليهودية والمسيحية كالإشارة في " سفر اسدراس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Oxford University ; press ; New York ; 7791 ; p. 002 (1) (1. Dr. Bruce Metzger: ANITRO DU Tion To THE Apocrypha

 صفحة 45

 الثاني " إلى شهداء المسيحية والإشارة إلى " شاب وسيم " يقول: الملاك (لاسدراس) أنه " ابن الله " أي السيد المسيح (عليه السلام)، مما يدل قطعا إلى كونه قد ألف بعد نشوء المسيحية، حيث كتب من قبل مسيحي متحمس، غير أن محاولته باءت بالفشل رغم حماس المحاولة لأن المسيحيين أنفسهم رفضوا هذا السفر ابتداءا ومنذ ظهوره في أوائل العصور المسيحية بسبب التناقض الموجود فيه على غرار التناقض في " إنجيل برنابا " الشهير (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

 

 صفحة 46

المسيحيون وإنجيل " برنابا "

 " برنابا ": حواري من حواري المسيح (1) وداعية من دعاة المسيحية في عهدها الأول. ظهر له إنجيل منقطع السند يعرف باسم " إنجيل برنابا ". واستدلوا على ظهوره أول مرة بأنه إبان القرن الخامس الميلادي، ورد ذكره مع الأناجيل التي حرمت الكنيسة الكاثوليكية بروما قراءتها في عهد البابا " جلاسيوس الأول " (492 - 496 م) وإن كان بعض الباحثين يشك في هذا الأمر والبعض الآخر يقرر أن هذا الأمر لم يكن، " وإن بعض علماء أوربا يرتابون اليوم من ذلك المنشور الذي أصدره جلاسيوس " (2). ويذهب بعض العلماء المدققين إلى أن أمر البابا جلاسيوس المنوه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الوهاب النجار، قصص الأنبياء، ص 405.

(2) عبد الوهاب النجار، قصص الأنبياء، ص 404.

 

 صفحة 47

 عنه هو برمته تزوير (1)، وعلى أية حال فقد اتفقوا على أن سند ذلك الإنجيل قد انقطع، وأن نسخة منه قد اختفت ولم يعرف شئ من محتوياتها منذ القرن الخامس الميلادي إلى أوائل القرن الثامن عشر إبان سنة 1709 عندما عثر (كريمر) مستشار ملك بروسيا على نسخة من هذا الإنجيل مكتوبة بالإيطالية وبهامشها تعليقات باللغة العربية. فإنجيل " برنابا " يمتاز بقوة التصوير، وسمو التفكير والحكمة الواسعة والدقة البارعة والعبارة المحكمة، والمعنى المنسجم حتى أنه لو لم يكن كتاب دين، لكن في الأدب والحكمة من الدرجة الأولى لسمو العبارة وبراعة التصوير. والسبب الذي دفع بالمسحيين إلى إنكاره هو " أنه خالف أناجيلهم ورسائلهم في مسائل جوهرية في العقيدة. ولقد كنا نظن أن ظهور ذلك الإنجيل كان يحمل الكنيسة على التفكير من جديد في مصادر الدين، ليعرف أي الكتب أقرب نسبا بالمسيحية الأولى، أذلك الإنجيل بما خالف أم الرسائل والأناجيل التي توارثوها ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محمد أبو زهرة، محاضرات النصرانية، ج 1 ص 55.

 

 صفحة 48

 ولكنهم سارعوا إلى الرفض والإنكار، كما سبق أسلافهم إلى إنكاره من قبل!! (1). والأمور التي خالف ذلك الإنجيل فيها ما عليه المسيحيون الآن تتلخص في أربعة أمور: الأول: أنه لم يعتبر المسيح (ابن الله)، ولم يعتبره إله، وقد ذكر ذلك في مقدمته فقال: " يا أيها الأعزاء إن الله العظيم قد اختصنا بنبيه يسوع المسيح رحمة عظيمة للعالمين وخصه بمعجزات اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين فأخذوا يبشرون بتعاليم ممعنة في الكفر داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر به الله، ومجوزين كل لحم نجس، وقد ضل مع هؤلاء (بولس) الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسف والأسى (1). وهذا ما دعاني لأن أسطر ذلك الحق الذي رأيته " وذكر أيضا: " إن يسوع قد نظر إلى الحواريين عندما بلغه افتتان الناس به وادعاؤهم أنه إله أو أنه ابن الله وطلب إليهم أن يبدوا رأيهم في ذلك، فأجاب بطرس: إنك المسيح ابن الله فغضب حينئذ يسوع وانتهره قائلا: اذهب وانصرف عني لأنك أنت الشيطان. الأمر الثاني: أن الذبيح الذي تقدم به إبراهيم الخليل (عليه السلام) للفداء هو إسماعيل، وليس بإسحاق كما هو مذكور في التوراة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) محمد أبو زهرة، محاضرات النصرانية، ج 1 ص 58.

 

 صفحة 49

 وكما يعتقد المسيحيون، وهذا هو نص ما جاء في إنجيل برنابا على لسان المسيح (عليه السلام): الحق أقول لكم إنكم إذا أمعنتم النظر في الملاك جبرئيل تعلمون خبث كتبنا وفقهائنا، لأن الملاك قال: يا إبراهيم، سيعلم العالم كله كيف يحبك الله، ولكن كيف يعلم العالم محبتك لله ؟ حقا يجب عليك أن تفعل شيئا لأجل محبة الله، فأجاب إبراهيم قائلا: ها هو ذا عبد الله مستعد أن يفعل كل ما يريد الله فكلم الله حينئذ إبراهيم قائلا: خذ ابنك بكرك واصعد إلى الجبل لتقدمه ذبيحة، فكيف إسحاق البكر وهو لما ولد كان إسماعيل ابن سبع سنين ؟!! الأمر الثالث: هو أن (مسيا) أو (المسيح المنتظر)، ليس هو يسوع، بل محمد، وقد ذكر محمدا باللفظ الصريح المتكرر في فصول ضافية الذيول، وقال: إنه رسول الله، وإن آدم لما طرد من الجنه رأى سطورا فوق بابها بأحرف من نور " لا إله إلا الله محمد رسول الله " ولقد قال المسيح كما جاء في إنجيل برنابا: " إن الآيات التي يظهرها الله على يدي تظهر إني أتكلم بما يريد الله، ولست أحسب نفسي نظير الذي تقولون عنه، لأني لست

 صفحة 50

 أهلا لأن أحل رباطات أو سيور حذاء رسول الله الذي تسمونه " مسيا " الذي خلق قبلي وسيأتي بعدي بكلام الحق ولا يكون للدينة نهاية ". الأمر الرابع: أن هذا الإنجيل يبين أن المسيح (عليه السلام) لم يصلب، ولكن شبه لهم، فألقى الله شبهه على يهوذا الأسخريوطي، يقول في ذلك إنجيل برنابا " الحق أقول إن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه " يسوع " كذلك خرج بعضهم من تعاليم يسوع معتقدين أنه كان نبيا كاذبا، وأن الخوارق التي ظهرت على يديه إنما ظهرت بصناعة السحر " ثم يذكر أن يسوع طلب إلى الله أن ينزل إلى الأرض بعد رفعه ليرى أمه وتلاميذه وليزيل ما علق بنفوس الناس من شك في أمره ومن اعتقاد بأنه صلب، وأنه نزل ثلاثة أيام، ثم يقول: " ووبخ كثيرين ممن اعتقدوا أنه مات وقال لهم: إن الله قد وهبني أن أعيش أتحسبونني أنا والله كاذبين، الحق أقول لكم: إنني لم أمت، بل الذي صلب هو يهوذا الخائن احذروا، لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم، وكونوا شهودي في كل " إسرائيل " وفي العالم أجمع على جميع الأشياء

 صفحة 51

 التي رأيتموها وسمعتموها " (1). هذا هو إنجيل " برنابا " وما خالف فيه بقية الأناجيل من مسائل جوهرية وفي الحق أنه خالف المسيحية القائمة في خصائصها التي امتازت بها، فإن تلك المسيحية امتازت بالتثليث، وبنوة المسيح، وألوهيته. وكان هذا شعارها الذي بها تعرف وعلامتها التي بها تتميز، وقد خالف كل هذا وإذا كانت مخالفته للمسيحية القائمة في ذلك الأمر الجوهري وهو ينسب إلى قديس من قديسيهم، فقد كان من الحق إذن أن يحدث ظهوره وكشفه بين ظهراني المسيحين وفي مكاتب من لا يتهمون بالكيد للمسيحية، رجة فكرية عنيفة والمتعصبون من المسيحيين يرفضونه رفضا باتا ما دام قد أتى بما لا يعرفونهم ولا يعنون أنفسهم بدراسته دراسة علمية، ينتهون فيها إلى نقضه جملة أو قبوله جملة، أو قبول بعضه، ورفض بعضه الذي يثبت بالدليل أن فيه مخالفة لتعاليم المسيح الصحيحة الثابتة بسند أقوى من سنده ومتنها أقرب إلى العقل والفكر من متنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق.

 

 صفحة 52

التفرقة العنصرية والاضطراب في أسفار اليهود

 

 تتصف أسفار العهد القديم بمظاهر الانحراف والتضارب، ومن أهم مظاهر انحرافها أنها تقوم على التفرقة العنصرية. ذلك أنها تجعل اليهود الشعب المختار الذي اصطفاه الله وفضله على العالمين، وتنظر إلى ما عداه من الشعوب نظرتها إلى شعوب وضيعة في سلم الإنسانية، وتضع قوانينها ونظمها على هذا الأساس، فتفرق بين هؤلاء وأولئك أمام القانون وفي كثير من شؤون الاجتماع. فمن ذلك مثلا أن الإسرائيليين محرم عليهم أن يقتل بعضهم بعضا وأن يخرج بعضهم بعضا من ديارهم، على حين أنه مباح للإسرائيليين، بل واجب عليهم غزو الشعوب الأخرى، وخاصة شعب كنعان، وواجب عليهم بعد انتصارهم

 صفحة 53

 على بلد ما أن " يضربوا رقاب جميع رجالها البالغين بحد السيف " فلا يبقوا على أحد منهم، ويسترقوا جميع نسائها وأطفالها، ويستولوا على جميع ما فيها من مال وعقار ومتاع أو ينبهوه نهبا حسب تعبير أسفارهم (1). ومن ذلك أن الإسرائيلي إذا باع نفسه بيعا إختياريا لأخيه الإسرائيلي في حالة عوزه وحاجته إلى المال، فإن رقه يكون موقوتا بأجل رجع بعده حريته، على حين أن الرق المضروب على غير الإسرائيلي يظل أبد الآبدين (2). ومن ذلك أنه ما كان يجوز للإسرائيلي أن يتعامل بالربا مع أخيه الإسرائيلي ولا أن يأخذ منه رهنا بدينه، وإذا أخذ منه في الصباح رهنا من المتاع الذي لا يستغني عنه في حياته اليومية كالربا وما إليها وجب أن يرده إليه في المساء، أما غير " الإسرائيلي " فمباح " للإسرائيلي " أن يمتصه ويتعامل معه بأشنع أنواع الربا الفاحش (3). بل إن أسفارهم تقرر أن شعب كنعان قد كتب عليه في الأزل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر التثنية 20: 13، 14.

(2) سفر اللاويين 25: 10، 39، 47.

(3) سفر التثنية 20: 13، 14.

 

 صفحة 54

 أن يكون رقيقا " لبني إسرائيل " وأنه لا ينبغي أن يكون لأفراد هذا الشعب وظيفة ما في الحياة غير هذه الوظيفة، فإن تمردوا عليها أو طمحوا إلى الحرية وجب على " بني إسرائيل " أن يردوهم إليها بحد السيف، وتقرر أسفارهم أن هذا الوضع قد فرض عليهم لدعوة دعاها نوح على كنعان ونسله. وذلك أن نوحا - حسب ما يزعمه " سفر التكوين " - قد شرب مرة نبيذ العنب الذي غرس كرمه بيده بعد الطوفان بدون أن يعلم خاصته المسكرة، ففقد وعيه وانكشفت سوأته، فرآه ابنه حام على هذه الصورة فسخر منه وحمل الخبر إلى أخويه سام ويافث. ولكن هذين كانا أكثر أدبا منه، فحملا رداءا وسارا به مستظهرين أباهما حتى لا يقع نظرهما على عورته، وسترا به ما انكشف من جسمه. فلما أفاق نوح وبلغه ما كان من موقف أولاده حياله، لعن كنعان بن حام ودعا على نسله أن يكونوا عبيدا لعبيد أولاد سام ويافث (1). ثم إن أحكام أسفارها يتضارب بعضها مع بعض في كثير من الشؤون فقد يقرر سفر في حادث ما حكما ويجئ سفر آخر فيقرر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر التكوين 9: 20 - 29.

 

 صفحة 55

 في الحادث نفسه حكما آخر. فمن ذلك مثلا أن سفري " الخروج والتثنية " يقرران أن الإسرائيلي الذي يبيع نفسه بيعا اختياريا لأخيه الإسرائيلي في حالة عوزه وحاجته إلى المال لا يدوم رقة إلا ست سنين (1)، على حين أن " سفر اللاويين " يقرر أن رقة لا ينتهي إلا بحلول اليوبيل الإسرائيلي (وهو العيد الذي يجئ كل خمسين سنة) أيا كانت المدة التي قضاها في الرق قبل ذلك (2)، فيمكن بحسب هذا السفر أن يدوم رقة خمسين سنة إلا يوما أو أياما إذا استرق عقب العيد الخمسيني مباشرة. لذا يتضح أن كل سفر من التوراة يعكس التقاليد والنظم التي كانوا يسيرون عليها في العصر الذي ألف فيه، وعلى مبلغ الخلاف بين توراتهم المزعومة والتوراة الصحيحة التي أنزلها الله على موسى، فإن كتابا من عند الله لا تتضارب أحكامه بعضها مع بعض: (أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (3). وإن شريعة من عند الله لا تقر التفرقة العنصرية بين أفراد الآدميين: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر الخروج 21: 2، وسفر التثنية 15: 2.

(2) سفر اللاويين 25: 40.

(3) سورة النساء: 82.

(4) سورة الحجرات: 13.

 

 

 صفحة 57

الفصل الثاني

بشارة العهد القديم بالرسول (صلى الله عليه وآله)

 الأنبياء والكتب السماوية يبشرون بالنبي (صلى الله عليه وآله) يعقوب (عليه السلام) يبشر بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله). موسى (عليه السلام) يبشر بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله). داود (عليه السلام) يبشر بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله).

 صفحة 59

 بشارة العهد القديم بالرسول (صلى الله عليه وآله) أشار العهد القديم إلى الرسول محمد (صلى الله عليه وآله)، كما هو واضح في " سفر التكوين " قول (الرب) لإبراهيم (عليه السلام) ما نصه بالعبرية: وي ليشماعيل شمعتيخا كي هنيه بيرختي أوتو وي هفر يتي أوتو وي هر بيتي أوتو بمئود مئود

 صفحة 60

 شنيم عسار نسيئيم يوليد. وي نتتيو لگوي گدول (1). وتعني هذه الفقرة: (أن الرب استجاب دعوة إبراهيم في إسماعيل (عليهما السلام) بقوله: (وإسماعيل أباركه وأثمره وأكثره جدا جدا، واثنا عشر إماما يلد، وأجعله أمة كبيرة). فالنص العبري يشير بشكل صريح إلى اسم محمد (صلى الله عليه وآله) وسلم في كلمة (بمئود مئود) ورغم هذا التحريف فالواقع يصدق ذلك، لأن إسماعيل إنما عظم وازداد شرفا بمحمد (صلى الله عليه وآله) ولأن القيمة الرقمية لأول الحروف الأبجدية في لفظة (بمئود مئود) مقاربة للقيمة الرقمية لأول الحروف الأبجدية في لفظة محمد (صلى الله عليه وآله) وقد أشار إلى ذلك: أحد علماء اليهود المستبصرين في النص التالي من كتابه المعروف (بمنقول الرضائي) (2):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر التكوين 17: 20، ص 22 - 23.

(2) منقول الرضائي، فارسي - عبري 48، ط الحجرية القديمة، لمؤلفه المرحوم محمد رضا المعروف بالرضائي وهو يهودي مستبصر.

 

 صفحة 61

 فنجد كلمة محمد (صلى الله عليه وآله) وسلم وفقا لحساب الجمل، يبلغ عددها (اثنان وتسعون) حسب المصادر اللغوية العبرية، (فالميم) الأولى قيمتها الرقمية (أربعون) (والحاء) قيمتها الرقمية (ثمانية). (الميم) الثانية قيمتها الرقمية (أربعون) (والدال) قيمتها الرقمية (أربعة). وأما (بمأد مأد) فعددها أيضا (اثنان وتسعون) بحساب الجمل، لأن (الباء) قيمتها الرقمية (اثنان) والميم) الأولى قيمتها الرقمية (أربعون) (والألف) قيمتها الرقمية (واحد) (والدال) قيمتها الرقمية (أربعة)، (والميم) الثانية قيمتها الرقمية (أربعون) (والألف) (واحد) و (الدال) (أربعة) (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. ربحي كمال، دروس في اللغة العبرية، ص 68.

 

 صفحة 62

 وأما قول الرب لإبراهيم (عليه السلام) (وي نتتيو گوي گدول) نلاحظ أن (وي نتتيو) مكونة من حرف العطف (وي) أي: (و) ومن الفعل (ناتن) بمعنى: (أجعل، أهب) والضمير (يو) في آخر الفعل (نتتيو) يعود على إسماعيل (عليه السلام) أي: و (أجعله) وأما كلمة (گوي) فتعني: (أمة، شعب) و (گدول) تعني: (كبير، عظيم) (1) فتصبح و (أجعله أمة كبيرة). فنجد في هذه الفقرة إشارة واضحة إلى أن التكثير والمباركة من صلب إسماعيل (عليه السلام) بمحمد (صلى الله عليه وآله) لأن الله عز وجل أمر إبراهيم بالخروج من بلاد " نمرود " إلى الشام، فخرج إبراهيم وامرأته (سارة) و (لوط) مهاجرين حيث أمرهم الله فنزلوا أرض فلسطين ووسع الله تعالى على إبراهيم (عليه السلام) في كثرة المال فقال: رب ما أصنع بالمال ولا ولد لي فأوحى الله عز وجل إليه: أني مكثر ولدك حتى يكونوا عدد النجوم (2). وكان (لسارة) جارية يقال لها (هاجر) فوهبتها لإبراهيم ((عليه السلام) فوقع عليها فحملت وولدت إسماعيل (عليه السلام) وإبراهيم (عليه السلام) يومئذ ابن ست وثمانين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. ربحي كمال، المعجم الحديث، ص 317، ص 82.

(2) تاريخ اليعقوبي، المجلد الأول، ص 24 - 25.

 

 صفحة 63

 سنة (1). والقرآن الكريم يشير إلى هذه الحقيقة من خلال توجه إبراهيم (عليه السلام) بالدعاء إلى الله عز وجل، قال تعالى: " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون " (2). فالآية الكريمة تؤكد على إسكان إبراهيم من ذريته أي بعض ذريته، وهو إسماعيل (عليه السلام) ومن ولد منه ويجعل في ذريتهم الرحمة والهداية للبشرية ما بقي الدهر فاستجاب الله دعوته بأن جعل في ذريته محمد (صلى الله عليه وآله) وسلم ومن صلب إسماعيل (عليه السلام). ومما يجدر ذكره - هنا - أن المؤرخ الأرمني سبيوس Debeos وهو من رجال القرن السابع للميلاد، من أوائل المؤرخين الذين أشاروا إلى الرسول، وقد ذكر: أن محمدا (صلى الله عليه وآله) وسلم كان من " الإسماعيليين " " " Lshmaelites، وقد أنذر قومه بالعودة إلى دين آبائهم " إبراهيم " Abraham ووعدهم بالفوز (3).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر.

(2) سورة إبراهيم: 37.

 reli. and Ethi , 8 , p. 728.) (3. chronicle of sebeos , petrograd , 9781 , p. ff 401 , ency. of

 صفحة 64

 ولفظة (محمد) من أصل " حمد " ومن هذا الأصل: أحمد وحامد وحميد وحماد وحمد وحميد (تصغير حمد) ومحمود وما شاكل ذلك من أسماء (1). فالمسيح (عليه السلام) يشير إلى أن الذي يأتي بعده هو (أحمد) وهذا ما يؤكد عليه القرآن الكريم: " وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين " (2). فالحديث هو عن رجل يأتي من بعد المسيح ليرشد العالم إلى الحق. وقد ذكر المسعودي أن (المانوية) تقول (بالفارقليط) الذي وعد به المسيح وهو (ماني) عندهم، وذكر أن ماني نفسه ذكر ذلك في كتابه (الجبلة) وفي كتابه المترجم (بالشابرقان) وفي كتاب سفر الأسفار وغيرها من كتبه (3).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اللسان، ج 4، ص 125، الطبري، ج 2، ص 172.

(2) سورة الصف: 5.

(3) المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 117.

 

 صفحة 65

 وذكر بعض الأخباريين أن الرسول هو (المنحمنا) في الإنجيل، و (المنحمنا) بالسريانية محمد. وهذه اللفظة وهي: (منحيم، مناحيم) ()

في العبرية (1) وهي من الصفات التي نعت بها العبرانيون المسيح، وهي () consolator و () comforter في اللغة الانكليزية، أي: المسلي المعزي: وذكر بعض الأخباريين أن الرسول هو (مشفح)، و (مشفح) كلمة آرامية من أصل (شفحا) وتعني (الحمد)، كما في هذه الجملة: (شفحا لاها) أي: (الحمد لله) (2). وذكر صاحب السيرة الحلبية أن الرسول هو أيضا (حمياطا)، وقيل (حمطايا)، أي يحمي الحرم من الحرام. و (قد مايا) أي الأول السابق. و (ينديند) و (أحيد) بمعنى يمنع نار جهنم عن أمته. و (طاب طاب) أي (طيب). وذكر أن كل هذه الألفاظ هي أسماء في التوراة (3).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. ربحي كمال، المعجم الحديث، عبري - عربي (حرف الميم). السيرة الحلبية، ج 1 ص 248.. 9 , 2.) 741 (Uoldziher. in zdmg , Bd , 23 , 473 , Noldeke , l , S (3) السيرة الحلبية، ج 1، ص 248.

 

 صفحة 66

 وذكر أيضا أنه (منحمنا) كما ذكرت، و (حنبط) أي يفرق بين الحق والباطل، و (البارقليط)، و (صاحب المدرعة)، وأنه (راكب الجمل)، وكل ذلك في الإنجيل (1). فكل هذا المروي عن (حمطايا) و (البارقيلط) و (مشفح) و (منحنا) و (شفحا) و (حنبط) وأمثاله، هو من الأخبار التي نقلها الأخباريون عن أهل الكتاب. وهو لا يتعارض مع طبيعة رواية السيرة الواردة في أقدم كتب السير والتواريخ، ولا يمكن أن نستغرب من كون الرسول (صلى الله عليه وآله) يسمى (بأحمد ومحمد). لأنه يتضح من خلال الروايات المتواترة والمتضافرة أن اسمه في السماء (أحمد)، فقد جاء نفر من اليهود إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) فسألوه عن سبب تسميته (محمدا وأحمد)... فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أما (محمد) فإني محمود في الأرض أما (أحمد) فإني محمود في السماء (2). ومما لا ريب فيه أن (أحمد) أحمد أسمائه المعروفة، فأبو طالب (رض) يذكره في أشعاره بهذا الاسم حيث يقول: ألا إن خير الناس نفسا ووالدا إذا عد سادات البرية أحمد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السيرة الحلبية، ج 1، ص 248.

(2) علل الشرائع، ص 53.

 

 صفحة 67

 وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي (صلى الله عليه وآله): مفجعة قد سنها فقد أحمد فظلت لآلاء الرسول تعدد (1). وتذكر كتب السير أن (عبد المطلب) هو الذي سمى الرسول محمدا، سماه في يوم سابعه، أخذه، فدخل به الكعبة، ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها، وفي هذا اليوم عق له (2). وتذكر أيضا أن قريشا " قالوا: لعبد المطلب ما سميت ابنك هذا ؟ قال: سميته محمدا. قالوا: ما هذا من أسماء آبائك: قال: أردت أن يحمد في السماوات والأرض " (3). لذا عرف الرسول ب‍ " محمد " في جميع أدوار حياته. عرف بها بمكة أي قبل هجرته إلى يثرب، كما عرف بها بعد هجرته إلى المدينة. حتى الجاهليون عرفوه بها، ودعوه بها في مخاطبتهم وفي هجائهم له، كما بايعه من دخل في الإسلام بها. ووردت في جميع كتب العهود والمواثيق. وفي كتاب الله

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السيرة النبوية، ج 2، ص 667 - 669.

(2) ابن قيم الجوزية، زاد المعاد في هدى خير العباد (1 / 19)، الروض الأنف (1 / 106) سيرة ابن هشام (1 / 166).

(3) تفسير روح المعاني، ج 4، ص 73.

 

 صفحة 68

 وردت علما غير معرف. ولو كانت صفة له لعرفت بأداة التعريف، ولم يثبت أنها من النعوت المنقولة عن أصل يهودي أو سرياني (1). كما نجد في كتاب الصلح الذي عقد بين النبي والمشركين في أمر الهدنة بعد الحديبية أن الرسول (صلى الله عليه وآله) قد تسمى " محمدا " في المدينة، لرفض " سهيل بن عمرو " ممثل قريش ومبعوثها قبول هذه التسمية الجديدة. فقد اعترض (سهيل) على النبي في استعمال الجمل والمصطلحات الإسلامية، مثل جملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، التي اعترض عليها ولم يقبل استعمالها ووافق الرسول على استعمال باسمك اللهم. ثم اعترض على استعمال جملة: " هذا ما صالح عليه محمد رسول الله " بقوله: لو شهدت إنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن أكتب اسمك اسم أبيك فكتب: " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله " (2). " فبنو إسرائيل " يعرفون الرسول (صلى الله عليه وآله) بصفاته وسيرته، ولكنهم يحيدون عن الحق ويحرفون الكلم وقد ظهرت لهم

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

. 10 , 1.) 551 (Noldeke , I , S (2) ابن هشام، ج 3، ص 332.

 

 صفحة 69

 معجزات العصا واليد البيضاء والعجائب في مصر وانشقاق البحر لهم وعبورهم على اليابسة فيه والمن والسلوى وآثار عظمة الله وقدرته على جبل سيناء (1)، وبعد هذا كله لم تمضي سنة منه حتى ارتدوا من عبادة الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العهد القديم: سفر الخروج: 4: 1 - 9 ص 89.

 

 صفحة 71

 

الأنبياء والكتب السماوية يبشرون بالنبي ((صلى الله عليه وآله)) قال تعالى في محكم كتابه الحكيم: (قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين. قال أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) (1). فالبشارة بمقدم محمد ((صلى الله عليه وآله)) رسول الله ورسالته الخاتمة مما اشترك فيه رسل الله وأنبياؤه بغير استثناء يذكر وما تفرد به المسيح (عليه السلام) أنه بعث في الأصل من بعد هؤلاء كلهم ليهيئ الطريق لمجيئه ((صلى الله عليه وآله)). وقد أرخ القرآن لحقيقة بعثته ورسالته فقال تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحقاف: 9 - 10.

 

 صفحة 72

 (وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة) لأني لم آتكم بشئ يخالفها وفي نفس الوقت (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) (1) أي أنني بعثت لا عداد الطريق لبعثة (أحمد). فليس عجبا أن كان كتابه ومنهجه بمثابة الأخبار السارة والأخبار السارة عندما تصل إلى المخبر تسمى بشارة وبشرى. قال رأس الجالوت: هذا قول داود نعرفه ولا ننكره ولكن عنى بذلك عيسى (عليه السلام) وأيامه هي الفترة. وفي روضة الكافي علي بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة عن أي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى عهد إلى آدم (عليه السلام) إلى أن قال: فلما أنزلت التوراة على موسى بشر بمحمد ((صلى الله عليه وآله)) وكان بين موسى ويوسف (عليه السلام) أنبياء، وكان وصي موسى بن عمران يوشع بن نون (عليه السلام) وهو فتاه الذي ذكره الله في كتابه، فلم تزل الأنبياء تبشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) حتى بعث الله تبارك وتعالى المسيح عيسى بن مريم، فبشر بمحمد (صلى الله عليه وآله) وذلك قوله تعالى: يجدونه يعني اليهود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الصف: 6.

 

 صفحة 73

 والنصارى مكتوبا يعني صفة محمد (صلى الله عليه وآله) عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو قول الله عز وجل يخبر عن عيسى (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وبشر موسى عيسى (عليهما السلام) بمحمد (صلى الله عليه وآله) كما بشر الأنبياء (صلوات الله عليهم) بعضهم ببعض (1). والقرآن الكريم يؤكد على أن أهل الكتاب كانوا ينتظرون النبي (صلى الله عليه وآله): (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون (2) على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين) (3) وقال تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) (4).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير نور الثقلين، ج 2 ص 82 - 83.

(2) أي يطلبون من النصر الله على المشركين بالنبي الذي سيبعثه من جزيرة العرب.

(3) سورة البقرة: 89 - 90. (4) سورة البقرة: 145، سورة الأنعام: 20.

 

 صفحة 74

 وفي تفسير علي بن إبراهيم عن ابن عمير عن حماد عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى يقول الله تبارك وتعالى: (الذين آتيناهم الكتاب) يعني التوراة والإنجيل يعرفونه - يعني - رسول الله (صلى الله عليه وآله) - كما يعرفون أبناءهم لأن الله عز وجل قد أنزل عليهم في التوراة والزبور والإنجيل صفة محمد (صلى الله عليه وآله) وصفة أصحابه ومبعثه وهجرته وهو قوله (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل...) (1)، هذه صفة رسول الله وأصحابه في التوراة والإنجيل فلما بعثة الله عرفة أهل الكتاب كما قال تعالى: (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به)، فكان اليهود يقولون للعرب قبل مجئ النبي أيها العرب هذا أوان نبي يخرج بمكة وتكون هجرته بالمدينة وهو آخر الأنبياء وأفضلهم، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يلبس الشملة ويجتزي بالكسرة والتميرات ويركب الحمار عربه وهو الضحوك القتال يضع سيفه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الفتح: 29.

 

 صفحة 75

 على عاتقه ولا يبالي بمن لاقى يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر وليقتلنكم الله به يا معشر العرب قتل عاد، فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به كما قال الله تعالى (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير علي بن إبراهيم، ج 1، ص 32 - 33.

 

 صفحة 76

يعقوب (عليه السلام) يبشر بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ورد في القرآن الكريم ذكر كل من الاسمين (يعقوب وإسرائيل): (قل آمنا بالله وما أنزل على إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط) (1). ففي هذه الآية جاء ذكر (يعقوب (عليه السلام)) في معرض وجوب إيمان المسلم بكافة الأنبياء المرسلين. وقال تعالى: (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا) (2)، وجاء في هذه الآية ذكر الاسم الثاني (ليعقوب) منسوبا إليه الشعب اليهودي الذي بعث فيه. أما معنى التسمية الأولى لإسرائيل وأعني بها (يعقوب)، فقد أطلق عليه لكونه ولد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران: 83.

(2) سورة المائدة: 70.

 

 صفحة 77

 ممسكا بعقب أخيه (عيسو)، وفي ذلك تتوافق الرواية التوراتية مع رواية القرآن الكريم، قال تعالى: (... فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب) (1). وتقول التوراة في معرض حديثها عن (رفقه) زوجة النبي إسحاق: (فلما كملت أيامها لتلد إذا في بطنها توأمان، فخرج الأول أحمر كله كفروة شعر فدعوا اسمه عيسو. بعد ذلك خرج أخوه ويده قابضة بعقب عيسو فدعي اسمه يعقوب) (2). وعلى لسان النبي يعقوب جاءت الإشارة إلى الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) في سفر التكوين: وايقرا يعقوو إل باناو I وايومر هئسيفوا وي أگيدا لا خم إت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة هود: 71.

(2) سفر التكوين: 10: (24 - 26).

 

 صفحة 78

 أشير يقرا إتخم بأحريت هياميم. لو ياسور شيوط ميهودا أمحوقيق مبين رگلاو عد كي ياوو شيلوه وي لو يقهت عاميم (1). ويعني هذا النص أن: يعقوب دعا بنيه وقال لهم اجتمعوا لأخبركم بما يصيبكم في آخر الأيام لا يزول سبط (2) من يهوذا ومشرع عن حكمه حتى يأتي الذي هي له وله تطيع الأمم. يتضح من خلال النص العبري أعلاه أن بشارة يعقوب (عليه السلام) تنطبق على شخصية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لأن الله تعالى أرسله هدى للعالمين قال تعالى (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله) (3). ولعل أهم ميزة يمكن تسجيلها للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أن رسالته الكبرى عالمية الزمان والمكان، لا تختص بقوم دون قوم، ولا برقعة من الأرض دون أخرى، ولا بأمة دون سائر الأمم، ولا بزمن معين دون غيره من الأزمان. قال تعالى: (وما أرسلناك إلا

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر التكوين: 49: (1، 10): ص 81 - 82 الأصل العبري.

(2) السبط عند اليهود كالقبيلة عند العرب.

(3) سورة الفتح: 28.

 

 صفحة 79

 كافة للناس) (1)، (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) (2). فقد نصت هذه الآيات الشريفة بما لا يقبل المناقشة والتأمل على أن محمدا (صلى الله عليه وآله) رسول الله إلى الناس جميعا، من كان منهم حين البعثة ومن سيكون بعدها، ومن كان منهم في الجزيرة العربية ومن كان خارجها. وتلك ميزة كبرى لم يؤتها الأنبياء السابقون ولم يكرم بمثلها الرسل الأولون حين كان كل واحد منهم مرسلا إلى مجموعة معينة من الناس وطائفة مخصوصة من البشر، ولمدة معينة من الزمن، كما صرح القرآن الكريم بذلك، قال تعالى: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه) (3)، (وإلى ثمود أخاهم صالحا) (4)، (أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه) (5) (وإذ قال عيسى بن مريم: يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم) (6). وهكذا يتضح أن نوحا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة سبأ: 28.

(2) سورة الأنبياء: 107.

(3) سورة الأعراف: 59.

(4) سورة الأعراف: 73.

(5) سورة الزخرف: 46.

(6) سورة الصف: 6.

 

 صفحة 80

 مرسل إلى " قومه "، وصالحا إلى " ثمود " وموسى إلى " فرعون وملائه "، وعيسى إلى " بني إسرائيل ". وينفرد نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) بكونه مرسلا إلى الناس كافة وأن جميع الشعوب تنتظره وفقا لإشارة يعقوب (عليه السلام) في النص العبري (وي لو يقهت عاميم) أي (وله تطيع الشعوب).

 صفحة 81

 موسى (عليه السلام) يبشر بالرسول محمد (صلى الله عليه وآله) إن موسى (عليه السلام) ليس باسم " عبري " وهو ينسب إلى عمران بن قاهاث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. يقول " ول ديو رانت " في مصنفه: " تاريخ الحضارة " (1): إن موسى اسم مصري وليس باسم يهودي ولعله اختصار للفظ " حموس ". وتذكر كتب التراث الإسلامي أن زوجة " فرعون " التي رعت " موسى " هي آسيا... أما القرآن الكريم فلا يقول بأن زوجة فرعون أو ابنته هي التي التقطته وإنما آل بيته: (فالتقطه آل فرعون ليكون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تتمة المختصر في أخبار البشر (تاريخ ابن الوردي) زين الدين عمر بن الوردي، ج 1، ص 70.

 

 صفحة 82

 لهم عدوا وحزنا...) (1). وقد قيل في تفسير " موشى " إنه اسم من مقطعين يعني الماء والشجر وذكر (أبو العلاء) أن العرب لم تسم به قبل نزول القرآن ثم سمي به تيمنا (2). والرأي الراجح لدينا استنادا إلى المعطيات المواكبة لميلاد " موسى " وإلقائه في النيل، وانتشاله وتسميته من قبل آل فرعون واعتمادا على رواية التوراة أن " موسى " كنية " هيروغليفية " تعني المنتشل - المسحوب - من الماء. وفي موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية (3) هو اسم مصري قديم، قد يكون اختصارا لاسم " أحموس " أو " حورس " محرر مصر من الهكسوس. وفي رأي الفيلسوف اليهودي " سيجموند فرويد " أيضا أن كلمة (موسى) مصرية تعني الطفل أو العبد ونحن بما سقناه من رأي نكون مخالفين لتفسير الموسوعة الصهيونية ولرأي " فرويد "

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة القصص: 8.

(2) ول ديورانت، قصة الحضارة، ج 2، ص 326، ترجمة بدران.

(3) د. المسيري، موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية، ص 251.

 

 صفحة 83

 معا وإن كنا نتفق معهم في كون مصدر الاسم هو اللغة الهيروغليفية. وبتحقيق الكلمة فيما كتب الباحث (محمود أبو السعود) في مجلة الرسالة المصرية (1) أن الكلمة عبرية، وأنها اسم مفعول من الفعل " مشاه " بمعنى انتشل بالعبرية إلا أننا نخالف الباحث المذكور أيضا ونقول حقيقة إن الفعل الماضي الثلاثي من العبرية () (مشاه) يعني انتشل أو أنقذ (من الغرق)، ومن اسم المفعول: (): موشيه، موسى، ومنه المشتق. (): (نمشاه)، أنقذ. (): و (همشاه): انتشل، أنقذ. ولكن ذلك كله لا يبرر نسبه الكلمة إلى اللغة العبرية... فلطالما تلسن الشعوب بكلمات دخيلة ثم تطوعها وتسلس لفظتها، وتشتق منها بعد ما تصبح مع كثرة التداول، وتوالي الأجيال وكأنها من أصل لغتها، ومتن قاموسها ولفظة (موسى)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السنة الثامنة، مجلة الرسالة الأعداد (383 - 387 - 388 - 390، ص 1652 - 1780 - 1808 - 1864).

 

 صفحة 84

 الهيروغليفية في رأينا هي من تلك المفردات الدخيلة على العبرية، والتي تم انتظامها بالقاموس العبري، والرواية التوراتية تدعم ذلك، فتذكر أن (موسى) قد سمي كذلك من قبل آل فرعون، وبالطبع فإن قصر فرعون ليهتم بأن يطلق اسما عبريا على " لقيط " قرروا تبنيه من مرحلة شهدت فيها الجالية اليهودية في مصر تقتيلا وذبحا لكل طفل عبراني خوفا من غريم فرعون المتنبأ بمولده ليشب له عدوا وخصيما، وفي توقيت فيه من العداء لليهود وكراهية المصريين لهم ما فيه، فكان من الأولى أن يسموه باسم مصري... وهو ما حدث الأمر الذي أكدته التوراة... حينما أشارت إلى أن الطفل الملتقط سمي " موشى " حال التقاطه، بواسطة آل بيت فرعون. لقد جاء " بنو إسرائيل " الخبر اليقين بالنبي الأمي، على يد نبي الله موسى منذ أمد بعيد جاءهم الخبر اليقين ببعثته وبصفاته، ونهج رسالته وبخصائص ملته، فهو النبي الأمي وهو يأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عن من يؤمنون به من بني إسرائيل الأثقال والأغلال التي علم الله أنها ستفرض

 صفحة 85

 عليهم بسبب معصيتهم فيرفعها عنهم النبي الأمي حين يؤمنون به، وأتباع هذا النبي يتقون ربهم، ويخرجون زكاة أموالهم ويؤمنون بآيات الله، وجاءهم الخبر اليقين بأن الذين يؤمنون بهذا النبي الأمي، ويعظمونه ويوقرونه وينصرونه ويؤيدونه ويتبعون النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون قال تعالى: (عذابي أصيب به من أشاء، ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) (1). وأشار موسى (عليه السلام) في " سفر التثنية " إلى نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) قائلا (2):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأعراف: 156 - 157.

(2) سفر التثنية: 18: 15 - 22 الأصل العبري، ص 3070.

 

 صفحة 86

 ناوي مقربخا مئحيخا كاموني يا قيم لخا يهوا إيلوهيخا إيلاو تشماعون 15 بخل أشير شاءلتا ميعم يهوا إيلوهيخا بحوريو 16 بيوم هقاهل ليمور لو أوسيف لشموع إت قول يهوا إيلوهاي وي إت ها إيش هگد ولا هزوت لو - إرئيه عود وي لو آموت ويومر يهوا إيلاي هيتيووا أشير دبيروا 17 ناوي أقيم لا هم مقيرو أحيهم 18

 صفحة 87

 كاموخا وي ناتتي دواراي أقيم لا هم مقيرو أحيهم كاموخا وي ناتتي دواراي بفيو وي دبير أليهم إت كل أشير أتسوينوا وي هايا ها إيش أشير لو يشمع إل 19 دواراي أشير تدبير بشمي آنوخي إدروش ميحمو أح هناوي أشير يا زيد لد بير داوار 20 بشمي إت أشير لو تسويتيو لد بير وا أشير يدبير بشيم إيلوهيم أحيريم أو ميت هناوي ههو وي خي تو مر بلواويخا إيخا نيدع إت هداوار 21 أشير لو دبروا يهوا أشير يدبير هنا وي بشيم يهوا وي لو يهيه 22 هداوار وي لو ياوو هو هداوار أشير لو دبروا يهوا بزادون دبروا هنا وي لو تاگور ممنوا

 صفحة 88

 والترجمة العربية لهذا النص ما يلي: (سيقيم لك الرب إلهك نبيا مثلي، من وسطك ومن إخوتك، فاستمعوا له حسب ما يطلبه من الرب في حوريو في يوم الاجتماع. إذ قلت لا أسمعن صوت الرب إلهي أيضا، ولا أنظر هذه النار العظيمة لئلا أموت، فقال لي الرب: قد أحسنوا فيما تكلموا به، وسأقيم نبيا من بين إخوتهم وأجعل كلماتي في فيه وأطلب منه (1) أن يكلمهم بكل ما آمره به، ويكون كل من لا يسمع كلماتي التي يتكلم بها باسمي، والنبي الذي يدعي... أن يتكلم كلمة باسمي مما لم آمره بالتكلم به أو من يتكلم باسم آلهة أخرى فإن ذلك النبي يموت، وإن قلت في قلبك كيف تعرف الكلمة التي يتكلم بها الرب، فإذا تكلم نبي باسم الرب فإن كل شئ لم يكن ولم يأت فهو الشئ الذي لم يتكلم به الرب وإنما تكلم به النبي ادعاء فلا تخف). ومن النص العبري يتضح أن البشارة لا تخص (يوشع) من قريب أو بعيد كما يزعم أو كما يدعي أحبار اليهود، وأنها لا تخص السيد المسيح وفقا لتفسير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) (أطلب منه) أي: (فأكون أنا المنتقم من ذلك) نقلا عن (صاحب إظهار الحق)، ج 2، ص 362.

 

 صفحة 89

 علماء اللاهوت المسيحي وإنما لها علاقة وثيقة بنبينا محمد (صلى الله عليه وآله) لأن اليهود المعاصرين للمسيح كانوا ينتظرون نبيا آخر مبشرا به عندهم وهذا المبشر به عندهم غير المسيح. ثم نلاحظ في هذا النص لفظة (كموخا) أي مثلك في عبارة: (سوف أقيم لهم نبيا مثلك) ويوشع لا يصح أن يكون مثل (موسى (عليه السلام)) بدليل الفقرة العاشرة من الأصحاح الرابع والثلاثين من سفر التثنية التي تقول: (ولم يقم بعد ذلك بني إسرائيل مثل موسى يعرف الرب وجها لوجه)، هذا من جهة ومن جهة أخرى أن (موسى (عليه السلام)) صاحب كتاب وشريعة جديدة مشتملة على أوامر ونواه ويوشع لي يكن كذلك، بل هو تابع لشريعته. علما بأنه لا توجد مماثلة بين موسى والمسيح (عليه السلام) لأن الشريعة موسى مشتملة على الحدود والتعزيرات وأحكام الطهارات والمحرمات بخلاف شريعة المسيح (عليه السلام)، فأنها خالية منها، كما تشهد بذلك الأناجيل الأربعة، وأن موسى (عليه السلام) كان رئيسا مطاعا في قومه نافذة أوامره ونواهيه، والسيد المسيح لم يكن كذلك. وكما نجد في النص العبري عبارة (مقيرو أحيهم) أي (من بين أخوتهم)، فمما لا ريب فيه أن الأسباط الاثني عشر كانوا موجودين في ذلك الوقت مع موسى حاضرين

 صفحة 90

 معه، فلو كان المقصود كون النبي المبشر به منهم لقليل: (منهم) لأن الاستعمال الحقيقي لهذا اللفظ أن لا يكون المبشر به له علاقة الصليبية والبطنية (ببني إسرائيل) أي من فرع آخر غير فرعهم وهو ما لا يكون إلا من بني إسماعيل كما جاء لفظ الأخوة بهذا الاستعمال الحقيقي في وعد الله لهاجر في حق إسماعيل في الفقرة الثانية عشر من الإصحاح (الباب) السادس عشر من سفر التكوين: (بحضرة جميع أخوة يسكن) (1). والمقصود بالأخوة هنا بنو عيسو وإسحاق وغيرهم من أبناء إبراهيم، في الفقرة الرابعة عشر من الأصحح العشرين من سفر العدد هكذا: (ثم أرسل موسى رسلا من قادش إلى ملك آدوم قائلا هكذا يقول أخوك إسرائيل إنك قد علمت كل البلاء الذي أصابنا) (2)، وفي الإصحاح الثاني في سفر التثنية قوله: (قال لي الرب، ثم أوصى الشعب إنكم ستجوزون في تخوم أخوتكم بني عيسو الذين في ساعير وسيخشونكم فلما جزنا أخوتنا بنو عيسو الذين يسكنون ساعير...) (3).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر التكوين: 16: 12، الأصل العبري، ص 21.

(2) سفر العدد: 20: 14، الأصل العبري، ص 244.

(3) سفر التثنية: 2: 4، الأصل العبري، ص 277.

 

 صفحة 91

 والمقصود بأخوة بني إسرائيل بنو عيسو، ولا شك أنه استعمال لفظ أخوة بني إسرائيل استعمال مجازي و (يوشع) و (المسيح) كان من بني إسرائيل فلا تصدق هذه البشارة عليهما، لأنه لا يجوز أن يقوم أحد من بني إسرائيل مثل موسى. ومن النكات المهمة الأخرى التي يجب التوقف عندها في النص العبري هي لفظة " أقيم " أي (سوف أقيم) و (يوشع) كان حاضرا عند موسى داخلا في (بني إسرائيل)، ونبيا في ذلك الوقت، فكيف يصدق عليه هذا اللفظ ؟ ثم لفظة (وي ناتتي دواراي بفيو) أي: (أجعل كلامي في فمه)، وهذه إشارة واضحة وصريحة إلى أن ذلك النبي ينزل عليه الكتاب وإلى أنه حافظا للكلام. وهذا لا يصدق على يوشع لانتفاء كلا الأمرين فيه. فالفقرة تصدق على نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) وتتضح من خلال

النص العبري أيضا أوصاف النبي المذكور والتي تنطبق على نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، فمن هذه الأوصاف أنه نبي من بني إسرائيل (من جملة أخوتهم) وأنه مثل موسى، ثم الإشارة إلى أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب من خلال عبارة و (جعلت خطابي بفيه) وأنه ينسخ

 صفحة 92

 شريعة موسى (عليه السلام) ويكون أمينا على الوحي الإلهي من خلال عبارة (فيخاطبهم بكل ما أوصيه) كما أشار هذا النص إلى وصف آخر اتصف به النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ويتمثل بتحدث الرسول (صلى الله عليه وآله) عن غيب سيقع في المستقبل.

 صفحة 93

 داود (عليه السلام) يبشر بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) إن اسم الكتاب الذي أنزل على داود (عليه السلام) " هو الزبور " وهو (150) سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، بل فيها تسبيح وتقديس، وتحميد وثناء على الله تعالى، لذا فهو مجرد أدعية وتوسلات. ويدعي البعض أن " التوراة " نسخت بنزول (الزبور) وأن الزبور نسخ بنزول الإنجيل وهذا بهتان لا أثر له في القرآن ولا في التفاسير. والزبور ليس بناسخ للتوراة ولا بمنسوخ بالإنجيل. وكان داود (عليه السلام) على شريعة موسى، وكان الزبور أدعية له (1)، وإن الله تعالى أعطى لداود الزبور كما في قاله تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إظهار الحق، العلامة رحمة الله الهندي، ج 1، ص 9.

 

 صفحة 94

 (وآتينا داود زبورا) وهو عبارة عن قصائد وأناشيد تتضمن تسبيح الله وحمده والثناء عليه والتضرع له وبعض أخبار مستقلة (1). كما في قوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون). والزبور يسمى عند اليهود " بالمزامير " وعددها مائة وخمسون مزمورا وليست كلها لداود، بل بعض المزامير منسوبة (لقورح) إمام المغنيين، وبعضها منسوب إلى داود وبعضها منسوب للمغنيين على ألسن (آله)، وبعضها غير منسوب، والكثير منها منسوب إلى داود (عليه السلام). وبعض المزامير ألف بعد داود بمئات السنين، كالمزمور الذي أوله " على أنهار بابل " (وهو المزمور السابع والثلاثون بعد المائة) فإنه ألف بعد سبي إسرائيليين إلى (بابل) في حادثة " بختنصر ". فداود (عليه السلام) بشر في هذا (الزبور) بنبي يكون ظهوره بعد زمانه ولم يظهر إلى هذا الحين عند اليهود نبي يكون موصوفا بالصفات المذكورة في هذا الزبور (2). لذا نجد في (سفر المزامير) والمسمى بالعبرية " تهليم " (3) أي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الوهاب النجار، قصص الأنبياء، ص 311.

(2) رحمة الله الهندي، إظهار الحق، ج 1، ص 141.

(3) المعجم الحديث، عبري - عربي، ص 502.

 

 صفحة 95

 التسبيح والهيللة أن البشارة بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) جاءت على لسان داود النبي (عليه السلام) ففي المزمور الخامس والأربعين (1) نلاحظ النص التالي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر المزامير: مزمور 45، الأصل العبري، ص 979.

 

 صفحة 96

 راحش لبي داوار توو أو مير أني ممسيه لميلخ لشوني عيت سوفير ماهير يافا فيه مبنيه أدام هو سق حن بشفتوتيخا عل كين بيرخخا إيلوهيم لعولام مگور - حربيغاعل - باريخ گبور هو دخاوا هداريخا واهدارخا تسلح رخو عل - دور - إيمت وعنوا - تسيدق وي تورخا نورا ؤوت يميخا حتسيخا شنونيم عميم تحتيخا يپلوا بليو أو يويه هميلخ كسأخا إيلوهيم هولام واعيدر شيوط ميشور شيوط ملخوتيخا أهوت تسيدق وتشنا شع عل - كين مشاحخا إيلوهيم إيلوهيخا شمن شاشون ميحويريخا مور - وا أهالوت قتسيعوت كل بگدوتيخا من - هيخليه نتين مني سمعوخا بنوت ملاخيم بيقوشيخا تنسسبا شيگل ليمينخا بخيتم أو وير. شمعي - بت أورئي وي هطي أوزنيخ وي شخحي عميخ أو بيت آويخا

 صفحة 97

 وي بتآو هميلخ كي هو أونيخ وي هشتحوي - لو أووت تسور بمنحا پا نيخ يحلوا عشيريه عام كل كوودا بت - ميلخ ينيما ممشبتسوت زاهاو لووشا لرقا موت توول لميلخ بتولدت أخريهار يعوتيها موقا أوت لاخ تو ولنا بشما خوت واگيل تورئينا بهيخل ميلخ أووتيخا بهيوا بانيخا تشيتيموا ليساريم بخل - ها آرتس أكيرا شمخا بخل دور وادور عل كين عميم يهودو خا لعولام واعد فالنبي داود (عليه السلام) يؤكد في هذا المزمور على ظهور النبي بعد زمانه، ومن خلال الصفات المذكورة في المزمور الخامس والأربعين نلاحظ أنها تنطبق وبأكمل وجه على نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) منها: كونه أفضل البشر وحسنا وأن النعمة منسكبة على شفتيه ومتقلدا بالسيف ومحب لعمل الخير والفضيلة، إضافة إلى كونه مباركا إلى دهر الداهرين. وخضوع كل أغنياء الشعب إليه وإتيان الهدايا إليه وإنه قوي وذا حق وصدق.

 صفحة 98

 وصدق وكون نبله مسنونه وسقوط الشعب تحته... ونجد شواهد كثيرة لصفاته (صلى الله عليه وآله) - التي وردت في النص العبري لسفر المزامير - من خلال الآيات القرآنية والروايات النبوية والتأريخية،

فالقرآن الكريم يقول: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) وفي تفسير (ورفع بعضهم درجات) محمد (صلى الله عليه وآله) أي رفعه على سائر الأنبياء. وقال النبي (صلى الله عليه وآله): (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر). وفيما يتعلق بكلامه (صلى الله عليه وآله)، فقد قال الرواة في وصف كلامه إنه كان أصدق الناس لهجة فكان من الفصاحة بالمحل الأفضل والموضع الأكمل أما كونه مباركا إلى دهر الداهرين، فقال الله تعالى في محكم كتابه (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) (1) وقد أكد الرسول (صلى الله عليه وآله) مسألة تقلده بالسيف بقوله: (أنا رسول الله بالسيف) وبخصوص قوته الجسمانية فقد ثبت أن (ركانه) خلا برسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض شعاب مكة قبل أن يسلم فقال له (صلى الله عليه وآله): يا ركانه ألا تتقي الله وتقبل ما أدعوك إليه. فقال لو أعلم والله ما تقول حقا لا تبعتك فقال: أرأيت إن صرعتك أتعلم أن ما أقول حق قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأحزاب: 56.

 

 صفحة 99

 نعم، فلما بطش به (صلى الله عليه وآله) أضجعه لا يملك من أمره شيئا، ثم قال يا محمد عد، فصرعه أيضا فقال يا محمد: إن ذا العجب. فقال (صلى الله عليه وآله): وأعجب من ذلك إن شئت أن أريكه إن اتقيت الله وتبعت أمري، قال: ما هو ؟ قال: أدعو لك هذه الشجرة فدعاها فأقبلت حتى وقفت بين يديه (صلى الله عليه وآله) فقال لها ارجعي مكانك. فرجع (ركانه) إلى قومه فقال يا بني عبد مناف ما رأيت أسحر منه ثم أخبرهم بما رأى. (وركانه) هذا كان من الأقوياء والمصارعين المشهورين. ومن صفاته هداية يمينه ذلك أنه رمى يوم (بدر) وكذا يوم (حنين) وجوه الكفار بقبضة تراب فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا وتمكن المسلمون منهم قتلا وأسرا. ومن الصفات الجليلة له (صلى الله عليه وآله) الأمانة والصدق، كما قال النضر بن الحارث لقريش: (قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة. حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم إنه ساحر، لا والله ما هو بساحر) أما كون نبله (صلى الله عليه وآله) مسنونه لأن أولاد إسماعيل أصحاب النبل في سالف الزمان، غير محتاج إلى بيان، وكان هذا الأمر مرغوبا عنده وكان يقول: (ستفتح عليكم الروم ويكفيكم الله فلا

 صفحة 100

 يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه). ويقول (صلى الله عليه وآله) أيضا: (ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا) وبخصوص الصفة المتعلقة (بإتيان الهدايا) لأن النجاشي ملك الحبشة ومنذر بن ساوى ملك البحرين وملك عمان انقادوا وأسلموا، وهرقل قيصر الروم أرسل إليه بهدية والمقوقس ملك القبط أرسل إليه ثلاث جواري وغلاما أسود وبغلة شهباء وحمارا أشهب وفرسا وثيابا وغيرها. وكما جاء في هذا المزمور أن أسمه (صلى الله عليه وآله) مذكور جيلا بعد جيل لأن الملايين تنادي جيلا بعد جيل في الأوقات الخمسة (بأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله). وأضف إلى ذلك أن الوعاظ يبلغون وعظه والعلماء والسلاطين يصلون إلى خدمته ويسلمون عليه من وراء الباب ويمسحون وجوههم بتراب روضته ويرجون شفاعته (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إظهار الحق، ج 2، ص 385 - 390.

 

 صفحة 101

الفصل الثالث

عقيدتنا بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)

 الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام) في بشارة العهد القديم.

 الإمام الحسين (عليه السلام) في بشارات العهدين القديم والجديد.

 الإمام المهدي (عليه السلام) في بشارات العهدين القديم والجديد.

 الإمام المهدي (عليه السلام) في الأديان.

 صفحة 103

عقيدتنا بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)

 إن مسألة الإيمان بالأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) لم تنفرد بها الشيعة الإمامية، فقد جاء في صحيح البخاري بسنده إلى جابر بن سمرة أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: يكون اثنا عشر أميرا، وأضاف إلى ذلك الرواي أن النبي قال كلمة خفيت عليه ولكن أباه سمعه يقول: كلهم من قريش (1). وجاء في كتاب الإمارة من صحيح مسلم أن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش. وفي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح البخاري، ج 4، ص 165، كتاب الأحكام، وفتح الباري، ج 16، ص 338. ومستدرك الصحيحين، ج 3، ص 617.

 

 صفحة 104

 رواية ثانية رواها مسلم في صحيحه أيضا أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش (1). وفي رواية: (لا تزال هذه الأمة مستقيما أمرها ظاهرة على عدوها حتى يمضي منهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يكون المرج أو الهرج) (2).

وفي رواية: (يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيما لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش) (3). وعن أنس: (لن يزال هذا الدين قائما إلى اثني عشر من قريش، فإذا هلكوا ماجت الأرض بأهلها) (4). لذا يتضح أن الاثني عشر المعنيين من تلك المرويات هم الأئمة من عترته (صلى الله عليه وآله) على التعاقب.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) صحيح مسلم، 3: 1453 ح 1821.

(2) منتخب الكنز، ج 5، ص 321، وتاريخ ابن كثير، ج 6، ص 249، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، ص 10، وكنز العمال، ج 13، ص 26. والصواعق المحرقة، ص 28.

(3) كنز العمال، ج 13، ص 27. (4) المصدر السابق.

 

 صفحة 105

الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام)

في

بشارة العهد القديم

 جاءت في " سفر التكوين " - من خلال قول الرب لإبراهيم (عليه السلام) - الإشارة إلى الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ما نصه بالعبرية: " وي ليشماعيل بيرختي أو تو وي هفريتي أوتو وي هربيتي بمئود مئود شنيم عسار نسيئيم يوليد وي نتتيو لگوي گدول " (1). يلاحظ في هذا النص أنه بعد الإشارة إلى المباركة والتكثير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر التكوين: 17: 20، ص 22 - 23 (الأصل العبري).

 

 صفحة 106

 في صلب إسماعيل (عليه السلام) بمحمد (صلى الله عليه وآله) جاء ذكر الأئمة الاثني عشر ب‍ (شنيم عسار نسيئيم يوليد) أي (اثنا عشر إماما يلد)، فلفظة " شنيم عسار " تعني (اثنا عشر " ولفظة عسار تأتي في العدد التركيبي إذا كان المعدود مذكرا (1)، والمعدود هنا (نسيئيم) وهو مذكر وبصيغة الجمع تعني (أئمة) لإضافة (ال‍ (يم) في آخر الاسم، والمفرد (ناسي) وتعني: (إمام، زعيم، رئيس) (2). لذا يتضح أن التكثير والمباركة إنما هما في صلب إسماعيل (عليه السلام)، مما يجعل القصد واضحا في الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) باعتبارهم امتدادا لنسل إسماعيل (عليه السلام) قال تعالى: " ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون " (3). ومن هنا فالقرآن الكريم يؤكد أن إبراهيم (عليه السلام) قد أسكن بعضا من ذريته وهو إسماعيل (عليه السلام) ومن ولد منه في مكة ودعا الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. زين العابدين محمود، قواعد اللغة العبرية، ص 68 - 69.

(2) د. ربحي كمال، المعجم الحديث، عبري - عربي، ص 360.

(3) سورة إبراهيم: 37.

 

 صفحة 107

 تعالى أن يجعل في ذريته الرحمة والمباركة والهداية للبشرية ما بقي الدهر، فاستجاب الله لدعوته بأن جعل في ذريته محمدا (صلى الله عليه وآله) واثني عشر إماما من بعده. وقد قال الإمام الباقر (عليه السلام): " نحن بقية تلك العترة وكانت دعوة إبراهيم لنا " (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السيد عبد الله شبر، تفسير الكريم، ص 26.

 

 صفحة 109

الإمام الحسين (عليه السلام)

في

 بشارات العهدين القديم والجديد

 البعد الإنساني: يمثل الإمام الحسين (عليه السلام) شعور شعب حي، ويجهر بما تضمره أمة مكمومة الفم، مرهقة بتأثير حكام ظالمين فكان (عليه السلام) يرى في موت الحياة الخالدة، والحياة مع الذل هي الموت الذي لا حياة معه، فثورة الحسين لا تمثل ذاته ومصالحه الشخصية، بل إنها انعكاسات لآمال الآخرين ومصالحهم في نفسه، لذا نجد أن صدى الحسين ومحبوبيته قد شملت جميع البشر وهذا ما ورد على لسان النبي (صلى الله عليه وآله): (حسين مني وأنا من حسين) (1). فسيد الشهداء تيقن مسبقا من خلال موقعه الرسالي بالآثار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الشيخ المفيد، الإرشاد، ج 1، ص 249.

 

 صفحة 110

 التي ستتركها هذه الثورة وبالخصوص الأثر الاجتماعي (الإنساني) الذي سيرفد هذه الثورة ويستنير بنورها وشعلتها التي لا تنطفئ على مدى العصور والأجيال. ومن هنا نفهم سر عدم قيامه (عليه السلام) في عهد معاوية، والسر في قيامه بالثورة على هذا الشكل الضعيف عسكريا في عهد يزيد، عند ما جاءته كتب أهل العراق تسأله الثورة على معاوية فأجابهم: " فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالأرض واكمنوا في البيوت واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حيا " (1) لقد استحقت الثورة الحسينية التقدير والإعجاب على مر الأجيال، ومع مطلع كل (محرم) جديد نرى أن الحسين يطلع على العالمين من جديد، يخرج إليهم حيا خالدا، لأن فكرة الحسين تعيش في وجدان الإنسانية وعلى مختلف المستويات، فهي عقيدة راسخة في نفوس المفكرين والقادة المبدئيين، وعاطفة متأججة في نفوس عامة الناس، فالإمام الخميني الراحل (قدس سره) اعتبر قيام الجمهورية الإسلامية وما تحقق من انتصارات على الكفر العالمي ثمرة من ثمرات عاشوراء، عندما قال: (إن كل ما عندنا هو من عاشوراء).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الأخبار الطوال، ص 69.

 

 صفحة 111

وكما نجد رجال الفكر في العالم مهما اختلفت أديانهم ومذاهبهم الفكرية والثقافية يشاركون في الاستعدادات الواسعة لإحياء وتخليد ذكرى عاشوراء الحسين، حيث تعقد المجالس والندوات الفكرية لغرض الاستفادة من عطاء الثورة الحسينية الذي لا ينضب، فالقائد الهندي وهو هندوسي المذهب يقول: (تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر) ويقول العقاد في كتابه فجيرة كربلاء: " إن فلسفة تعظيم وإحياء ذكر سيد الشهداء مكافأة يقدمها التأريخ لأبطال عاشوراء، لأن العطف الإنساني هو كل ما يملك التأريخ من جزاء وهو الثروة الوحيدة التي يحتفظ بها الخلود " (1). فلقضية الحسين (عليه السلام) بعد إنساني مشرف، ظل يتألق رغم محاولات التزوير والترهيب، ومظلوميته (عليه السلام) تعتبر القاسم المشترك الذي يجمع الحسين مع المضطهدين على مر التأريخ ففي الجانب الفطري حينما تطرح مسألة الحسين (عليه السلام) على أي إنسان نراه يتأثر بها، لذا فهي لم تخص طائفة معينة وإنما تخص الشيعي والسني والمسيحي والسيخي والهندوسي واليهودي لأنها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العقاد، فجيرة كربلاء، ص 224.

 

 صفحة 112

 أصبحت تيارا اجتذب جميع الطبقات الفكرية والاجتماعية في العالم. وعندما أخذ (يزيد) ينكث ثغر الحسين الطاهر بالقضيب على مرأى الحاضرين في مجلسه، كان من جملة الحاضرين (رسول القيصر)، فما كان منه إلا أن قال ليزيد - مستعظما فعلته -: (إن عندنا في بعض الجزائر حمار عيسى، نحن نحج إليه في كل عام من الأقطار ونهدي إليه النذور ونعظمه كما تعظمون كتبكم فأشهد إنكم على باطل) (1). وحينما أدخل رأس الحسين (عليه السلام) على (يزيد)، دار حوار بين أحد أحبار اليهود و (يزيد بن معاوية) وكان الحبر اليهودي حاضرا في ذلك المجلس - حيث جسد هذا الحوار دفاع (الحبر اليهودي) عن مظلومية الحسين (عليه السلام) وإنكاره عليهم ما فعلوه بحق السبط الشهيد قائلا لهم: (إني أجد في التوراة، إنه من قتل ذرية نبي لا يزال مغلوبا ما بقي، فإذا مات يصليه الله نار جهنم) (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصواعق المحرقة، ص 119.

(2) العلامة المحقق مرتضى العسكري، معالم المدرستين، ج 3، ص 159.

 

 صفحة 113

 " يوحنا " يخبر عن المذبوح بكربلاء: فقد جاء في سفر يوحنا كي أتا نشحطتا وي بدمخا قانيتا لإيلوهيم من كل مشبحا وي لا شون وي كل عم وي گوي وي إيريه وا اشمع قول ملاخيم ربيم قورئيم عوشير وي حاخما وي گبورها وي هدار كاود وي براخا (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يوحنا 5: 9 - 12 ص 463 " الأصل العبري "، العهد الجديد.

 

 صفحة 114

 ويعني هذا النص: إنك الذي ذبحت وقدمت دمك الطاهر قربانا للرب ومن أجل إنقاذ الشعوب والأمم وسينال هذا الذبيح المجد والعزة والكرامة وإلى الأبد لأنه جسد البطولة والتضحية بأعلى مراتبها. يشير النص العبري إلى الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال ما جاء على لسان " يوحنا " بأنه المذبوح الذي ضحى بنفسه وأهل بيته من أجل الله وأنه سينال المجد والعزة على مر العصور حيث نجد الإشارة إلى أنه (ذبح، قتل) من خلال صيغة اسم الفاعل (نشحطتا) وهي مشتقة من الفعل (شاحط): (ذبح، قتل) (1) ثم نجد في النص العبري تأكيدا آخر على أن المذبوح يشري دمه الطاهر قربة إلى الله وابتغاء مرضاته من خلال عبارة: (بدمخا قانيتا) فالفعل (قانيتا)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الحديث، ص 471.

 

 صفحة 115

 هو بالأصل: (قانا): (اشترى، باع) و (التاء) في (قانيتا) هي (تاء المخاطب) (1) ثم الإشارة إلى نكتة مهمة وهي أن هذه التضحية وهذا القربان الذي قدمه الحسين (عليه السلام) لكل الشعوب والأمم على اختلاف لغاتهم وقومياتهم بقوله: (من كل مشبحا ولا شون وعم وگوي) (2). ثم يؤكد النص على أن الله سيجعل - لسيد الشهداء - المجد والكرامة والعزة بقوله: (وي اشمع قول ملاخيم ربيم قورئيم عوشر وي حاخما وي گبورا وي هدار كاوود) (3). وهذا ما ينطبق على سيد الشهداء المذبوح بكربلاء، الذي انفرد بهذه الخصوصية التي ميزته عن بقية الشهداء على مر التأريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نفس المصدر، ص 104، ص 425.

(2) المعجم الحديث، ص 240، 369، 48.

(3) المصدر السابق، ص 81، 114، 212.

 

 صفحة 116

 " أرميا " يخبر عن مذبحة كربلاء: فقد جاء في سفر " أرميا " وي هيوم ههوكاشلوا وي نافلوا تسافونا عل يد نهر فرات وي آكلا حيرب وي سابعا وي راوتا من دمام كي زيبح لأدوناي يهوا تسواؤوت با إيرتس تسافون إل نهر فرات (1).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر أرميا: 46: 6، 10 ص 782 " الأصل العبري " العهد القديم.

 

 صفحة 117

 ويعني هذا النص: في ذلك اليوم يسقط القتلى في المعركة قرب نهر الفرات وتشبع الحرب والسيوف وترتوي من الدماء التي تسيل في ساحة المعركة بسبب مذبحة رب الجنود في أرض تقع شمال نهر الفرات

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فالنص الذي أخبر عنه " أرميا " يكشف بكل وضوح عن ملحمة الطف في كربلاء الحسين، ومن خلال التحليل اللغوي للنص العبري نجد تعظيما لفداحة ما يحدث في ذلك اليوم حيث يسقط القتلى في المعركة: (كاشلوا وي نافلوا) في شمال نهر الفرات: (تسافونا عل يد نهر فرات) (1) ثم التأكيد على أن: الحراب والسيوف ستشبع وترتوي من الدماء التي ستسيل في ساحة المعركة: (وي آكلا حيرب وي سابعا وي راوتا من دمام)، والإشارة ثانية إلى أن هذه المذبحة ستقع شمال نهر الفرات:

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الحديث، ص 226، 311، 406.

 

 صفحة 118

 (تسافون إل نهر فرات). فإخبار " أرميا " بسقوط الشهداء وارتواء السيوف من دمائهم على أرض تقع على (نهر الفرات) يدل دلالة واضحة على أن هذه الأرض هي (كربلاء)، لأن (عبيد الله بن زياد) عندما بعث (بعمر بن سعد) على رأس جيش فلقي الحسين (عليه السلام) بموضع على الفرات يقال له (كربلاء) (1)، فمنعوه الماء وحالوا بينه وبين ماء الفرات. ويتضح من خلال هذين النص، وما تضمناه من تنبوءات بما سيحدث على أرض (كربلاء) وما سيلاقيه " سيد الشهداء " يتطابع مع ما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، بشأن مظلومية الحسين، وأشارت إلى مكان استشهاده والحسين كان طفلا صغيرا. قال العلامة السد محسن الأمين العاملي: ذكر الشيخ أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي في كتابه إعلام النبوة: ومن إنذاره (صلى الله عليه وآله) ما ورآه عروة عن عائشة قال: دخل الحسين بن علي (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يوحى إليه فبرك على ظهره وهو منكب ولعب على ظهره، فقال جبرائيل: يا محمد إن أمتك ستفتن بعدك وتقتل هذا من بعدك ومد يده فأتاه بتربة بيضاء وقال: في هذه الأرض - اسمها الطف -

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تاريخ اليعقوبي، المجلد الثاني، ص 243.

 

 صفحة 119

 يقتل ابنك. فلما ذهب جبرائيل خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أصحابه والتربة في يده وفيهم أبو بكر وعمر وعلي وحذيفة وعمار وأبو ذر وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله ؟ فقال: أخبرني جبرائيل: أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة فأخبرني أن فيها مضجعه) (1) وبكاه أمير المؤمنين (عليه السلام) لما علم من مصير الحسين ومقتله وأطفاله ومن سبي عياله، فقد روى الصدوق في الأمالي بسنده عن ابن عباس قال: كنت مع أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في خروجه إلى صفين، فلما نزل " نينوى " وهي شط الفرات، قال بأعلى صوته: " يا بن عباس أتعرف هذا الموضع ؟ قلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال (عليه السلام): لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي، قال: فبكى كثيرا حتى اخضلت لحيته وسالت الدموع على صدره، وبكينا معه وهو يقول: آه آه، ما لي ولآل أبي سفيان، صبرا يا أبا عبد الله، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم " (2) وكما نجد أن عيسى (عليه السلام) لعن قاتلي الحسين وأمر بني إسرائيل بلعنهم، وقال: " من أدرك أيامه

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إقناع اللائم على إقامة المآتم، ص 30، نقلا عن أعلام النبوة، ص 83.

(2) نفس المصدر، ص 65.

 

 صفحة 120

 فليقاتل معه، فإنه كالشهيد مع الأنبياء مقبلا غير مدبر وكأني أنظر إلى بقعته، وما من نبي إلا وزارها، وقال: إنك لبقعة كثيرة الخير، فيك يدفن القمر الزاهر " (1) وينقل الشيخ الصدوق (رض) في ص 295 من كتابه " إكمال الدين " أن عيسى (عليه السلام) مر بأرض كربلاء، وتوقف فوق مطارح الطف ولعن قاتلي الحسين ومهدري دمه الطاهر فوق هذه الثرى. فكأن الرسول (صلى الله عليه وآله) والأنبياء وعلي (عليه السلام) يقرأون في كتاب ما سيحدث " لسيد الشهداء "، وما سيلاقيه من قتل وتعذيب على يد الفئة الباغية، لأن خط الحسين وخط الأنبياء في إعلاء كلمة الله ونشر الخير والفضيلة في الأرض، وأن ميثاق الأنبياء والشهداء واحد لا يتغير ولا يتبدل كما أراد الله ذلك: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ابن قولويه، كامل الزيارات، ص 67.

(2) سورة الأحزاب: 33.

 

 صفحة 121

الإمام المهدي (عليه السلام)

في

بشارات العهدين القديم والجديد

 إن البشرية مهما توصلت إليه من علوم وتكنلوجيا وصناعة متطورة في شتى الميادين، نجدها تفتقد عنصر الاطمئنان والمجتمع السعيد وما سلسلة المتغيرات التي طرأت وستطرأ على الخارطة السياسية في العالم إلا دليلا على ذلك. وأن الانهيار والتغير والدمار الذي يشهده العالم اليوم يقدم لنا دليلا على إمكانية الحل الصحيح على يد منقذ البشرية الإمام المهدي (عج). والإيمان بوجود مصلح ومنقذ البشرية لم تكن مسألة تنفرد بها الشيعة الإمامية، بل إن جميع المذاهب والأديان تؤمن بذلك فاليهودية تؤمن بوجود منقذ ومخلص يظهر في " جبل صهيون " وقد جاءت في " سفر أشعيا " الإشارة إلى هذا المعنى:

 صفحة 122

 ميرو شاليم تتسيه شئيرت أو بليطامي هار تسيون كنئت يهوا تعسيه زوت (1). وهذا يعني: ستخرج من القدس بقية من " جبل صهيون " غيره رب الجنود ستصنع هذا. وكما ورد التأكيد على هذا المعنى في " سفر زكريا ": گيلي مئود بت تسيون هنيه ملكيخ يا وولاخ تصاديق وي نوشاع (2).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر أشعيا 37: 32، الأصل العبري، العهد القديم، ص 612.

(2) سفر زكريا 9: 9، الأصل العبري، العهد القديم، ص 134.

 

 صفحة 123

 وتعني هذه الفقرة: ابتهجي كثيرا يا بنت صهيون هو ذا ملكك سيأتي إليك عادل ومنصور. فالإيمان بمنقذ للبشرية مسألة لا غبار عليها مهما حاول الفكر اليهودي - الصهيوني تشويه ولبس الحقائق المتعلقة بظهور هذا المنقذ، لأن ذلك نابع من الطبيعة الصهيونية المعاندة للحق والمحبة للذات والاستعلاء وعدم الاعتراف بالشعوب الأخرى. " أشعيا " يبشر بالقائم (عج) وفي جانب آخر من سفر " أشعيا " نجد إشارات صريحة بظهور المنقذ وكيفية حكمه وارتباطه بالله تعالى، التي لها دلالات لما ورد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) بخصوص الإمام المهدي (عج) وفيما يلي نموذج لهذه الإشارات من " سفر أشعيا ":

 صفحة 124

 2 - وي ناحا علاو روح يهوا وي روح حخما أووينا روح عيتسا وي گوورا روح دعت وي يرأت يهوا 3 - وي هر يحو بيرأت يهوا. وي لا لمرئيه عيناو وي لا لمشمع أو زناؤ يشفوط 4 - وي هو خيح بميشور لعنوي آرتس. وي هكا آرتس بشيفط بيو

 صفحة 125

 وي بروح سافاتاو يا ميت راشاع. 6 - وي گار زئيو عم كيوس وي نامار عم گدي يرباتس وي عيگل وي كفير وي مري ياحدو وي نعر قاطان نوهيك بام 8 - وي شعشع يونيق عل حرباتن وي عل مئورت تسوعوني گامول يادوهادا 9 - لو يار يعوا وي لو يشحيتوا بخل هار قدشي كي مالأى هآرتس ديعا إت يهوا گميم ليم مخسيم. 10 - وي هايا بيوم ههو يسي أشير عوميد لنيسس عميم إيلاو گوييم يدرشوا وي هايتا منوحا توكا وود (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سفر أشعيا 11: 2، 3، 4، 6، 8، 9، 10، الأصل العبري، العهد القديم، ص 625.

 

 صفحة 126

 وهذا النص الذي أخبر به " أشعيا النبي " يعني: 2 - ويحل عليه روح الرب وروح الحكمة والفهم وروح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب. 3 - ولذته في مخافة الرب، ولا يقضي بحسب مرأى عينيه، ولا بحسب مسمع أذنيه 4 - ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويميت المنافق بنفخة شفتيه. 6 - ويسكن الذئب والخروف، ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل معا، وصبي صغير يسوقها. 8 - ويلعب الرضيع على سرب الصل ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان. 9 - لا يسيئون ولا يفسدون في كل جبل قدسي. لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر. وأما في الفقرة (10) فقد جاءت الإشارة إلى الإمام (عج)

 صفحة 127

 بأحد ألقابه وهو " القائم ": 10 - وفي ذلك اليوم سيرفع " القائم " راية للشعوب والأمم التي تطلبه وتنتظره ويكون محله مجدا. وتجدر الإشارة في هذه الفقرة إلى أمرين: الأول: إن لفظة " يسسي " في الفقرة (10) من النص العبري. تعني: سيرفع، وقد جاءت بصيغة الاستقبال لدخول حرف (الياء) عليها (1)، والماضي منه (ناسا) بمعنى: (رفع) (2)، ومترجم (العهد القديم) في النسخة العربية (3) لم يترجم لفظة (يسسي) العبرية والتي تعني: (سيرفع)، بل أبقاها بدون ترجمة إلى العربية محاولة منه لبس المعنى وإثارة الغموض حول مفهوم " القائم " (عج). وأما الأمر الثاني: أن لفظة " عوميد " جاءت (كاسم فاعل) (4)

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. زين العابدين محمود، قواعد اللغة العبرية، ص 98.

(2) د. ربحي كمال، المعجم الحديث، عبري - عربي، ص 315.

(3) سفر أشعيا 11: 10، ص 1005. (4) د. زين العابدين محمود، قواعد اللغة العبرية، ص 38.

 

 صفحة 128

 وتعني: (القائم) (عاقد) و (هعميد) بمعنى (قام وأقام) (1). لذا فإن هذه " البشارة " تنطبق على محمد (صلى الله عليه وآله) وآل محمد (عليهم السلام) لأنه لم يكن في " بني إسرائيل " ولا في ولد إسماعيل (عليه السلام) رؤساء بهذا العدد، وإن البركة والخير الكثير لا يناسب إلا الشجرة المحمدية المباركة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (إنا أعطيناك الكوثر) أي: الخير الكثير وكثرة النسل من الصديقة الطاهرة (فاطمة الزهراء) سلام الله عليها (2).

 

الإمام المهدي (عج) والنداء السماوي

يمكن أن نلحظ من خلال بشارة " يوحنا " الإشارة إلى الإمام المهدي (عج) حيث جاء في " سفر يوحنا " (3).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الحديث، ص 349.

(2) العلامة المحقق السيد عبد الله شبر، تفسير القرآن الكريم، ص 567.

(3) " سفر يوحنا " 14: 6 - 7، الأصل العبري، ص 474.

 

 صفحة 129

 وا ايريه ملآخ معوفيف بحتسي هشاميم أو بفيو بسورت عولام لبسير إت يوشويه هآرتس وي لا شون واعم ويقرا بقول گدول: يرؤا إت ها إيلوهيم وا هابوا لو كابود كي باءى عيت مشفاطو وي هشتحوو الا عوسيه شامايم وا آرتس إت هيام أو قعينوت همايم ويعني هذا النص: ثم رأيت ملاكا طائرا في وسط السماء. معه بشارة أبدية ليبشر الساكنين على الأرض وكل أمة وقبيلة ولسان وشعب مناديا بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجدا

 صفحة 130

 لأنه قد جاءت ساعة حكمه واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه نجد في هذا النص الذي أخبر عنه " يوحنا " إشارة إلى (الصيحة الحق)، قال تعالى: (فاستمع يوم يناد المناد من مكان قريب يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج) (1). فالقائم (عج) ينادي باسمه واسم أبيه حسب ما جاء في آية (41) وما جاء في آية (42) (الصيحة بالحق) هي صيحة القائم من السماء وذلك يوم الخروج (2)، ونلاحظ بعد تحليل (النص العبري) من الناحية اللغوية أن المنادي الذي ينادي في السماء حيث عبر عنه (بالملاك الطائر) يحمل بشارة أبدية للعالم: (بسورت عولام)، ولفظة (بسورت) اسم مضافه إلى (عولام): أي العالم وهي مشتقة من الفعل (بسير): أي: (بشر، نبأ). (3). وهذه البشارة الأبدية لجميع سكان الأرض: (يوشويه هآرتس) ولفظة يوشويه: سكان مشتقة من الفعل (ياشو): (سكن وأقام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة ق: 41، 42.

(2) تفسير القمي، ص 344، ج 2.

(3) المعجم الحديث، ص 78.

 

 صفحة 131

 وأما (هآرتس) فتعني: (الأرض) (1). ثم هناك تفصيل آخر بأن هذه " البشارة الأبدية " حسب النص العبري تشمل: (كل گوي): كل أمة، و (كل مشبحا): كل قبيلة، و (كل لا شون): كل لغة، و (كل عام): كل شعب (2). ثم نجد تأكيدا على مسألة مهمة أخرى وهي الإخبار بقرب ساعة حكم الرب. بواسطة دولة الإمام (عج): (باءى عيت مشفاطو) أي: (قرب وقت حكمه)، (فباءى) مشتقة من الفعل (با) أي: (قرب، جاء)، وعيت: تعني: (وقت، مدة) وأما (مشفاطو) فجاء هنا كاسم بمعنى (حكم، قضاء)، والفعل منه (شافط): (حكم، قضى) (3). وفي الخبر الذي ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) نجد إشارة إلى هذه المفاهيم حيث يقول (عليه السلام): (ينادي مناد من السماء - يسمعه جميع أهل الأرض - بالدعاء إلى القائم فيقول: ألا إن حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فإن الحق معه وفيه) (4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المعجم الحديث، ص 208، 59.

(2) المعجم الحديث، ص 84، 288، 240، 349.

(3) المجم الحديث، ص 62، ص 361، 289، ص 489.

(4) بحار الأنوار، ج 13، ص 322.

 

 صفحة 132

الإمام المهدي (عج)

في

الأديان

 لا تنحصر فكرة المنقذ بالأديان السماوية، بل إن هذه الفكرة نجدها في مختلف المذاهب والفلسفات بما فيها الوثنية والإلحادية. فقد وردت كلمة (مهدي) في أحاديث كل من الترمذي وابن ماجة وأبي داود والحاكم والإمام أحمد والطبراني وأبي يعلى وغيرهم. وحددت هذه الأحاديث بعض أوصاف المهدي ونسبه، وما يقوم به من أعمال. ومن هذه الأحاديث ما رواه عبد الله بن مسعود أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا) (1). ومنها أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا) (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داود، كتاب المهدي، ج 4، ص 106 - 109، سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في المهدي، ج 4، ص 505 - 506.

(2) المصدر السابق.

 

 صفحة 133

 وقد أشار بعض هذه الأحاديث إلى أن المهدي يخرج في وقت فتنة وزلازل واختلاف وفرقة بين الناس وأنه يخرج في آخر الزمان كشرط من أشراط الساعة ويبايع بين الركن والمقام... وفي عهده يظهر المسيح الدجال وينزل بعده عيسى فيقتل الدجال...) (1). ولخص الشهرستاني عقيدة النصارى في العبارة الآتية: (نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شئ وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد، بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إلاه حق من إلاه حق، من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شئ من أجلنا ومن أجل معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا، وقتل وصلب أيام فيلاطوس ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه وهو مستعد للمجئ تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء...) (2).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجة، كتاب الفتن، باب خروج المهدي، ج 2 ص 366 - 388.

(2) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 227.

 

 صفحة 134

 بينما استقرت أوضاع الديانة البرهمية على الاعتقاد بتثليث الآلهة وإن كان ثالوثها يختلف عن ثالوث المسيحين في نشأة كل أقنوم من أقانيمه وعمله وصفاته، وذلك أنها تقرر أن الإلاه براهما كان قبل الوجود وأنه خلق العالم وسمى نفسه الخالق. ثم انبثق منه الإلاه سيوا civa وهو الإلاه المدمر الموكل بالخراب والفناء ولو ترك هذا الإلاه وشأنه لفنيت السماوات والأرض ومن فيهن ولهذا انبثق من (براهما) إلاه ثالث حافظ مجدد هو الإلاه (فيشنو). Vichnou ويظهر أن فكرة الخلاص بتقديم الإلاه نفسه فداء لتكفير خطيئة أزلية متلبسة بها الإنسانية قد انتقلت إلى المسيحية من الديانات الهندية كذلك. فالبرهميون يعتقدون أن كريشنا هو إلالاه (فيشنو) قد خلص الإنسان بتقديم نفسه ذبيحة عنه ويصورون (فيشنو) مصلوبا مثقوب اليدين والرجلين وعلى قميصه قلب الإنسان معلقا (1). ويعتقد البوذيون في (بوذا) حتى أنهم ليسمونه (المسيح) المولود الوحيد ومخلص العالم، ويقولون: إنه إله كامل تجسد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) د. علي عبد الواحد، الأسفار المقدسة: 128 - 130.

 

 صفحة 135

 (بالناسوت) وأنه قدم نفسه ذبيحة ليكفر ذنوب البشر (1). وتجدر الإشارة هنا إلى أن (المسيح) في " العقيدة المانوية " كل حياته وولادته وآلامه من أجل التكفير عن خطايا البشر، فالشخص الذي ربط على الصليب في رأيهم لم يكن المسيح بعينه وإنما كان عميلا للشيطان الذي أراد أن يوقف نشاط المسيح فربطه المسيح على الصليب بنفسه عقابا على سوء سلوكه. أما المسيح فإنه اختفى وسيعود في المستقبل (2). ومن هنا يتضح أن جميع الديانات والفلسفات تؤكد على مسألة ظهور المنقذ والمخلص في آخر الزمان. فالحقائق والإشارات التي ورد ذكرها في " الكتاب المقدس " بشأن الرسول (صلى الله عليه وآله) أكد القرآن المجيد على وجودها فيه، كما أكد على وجود منتظرين للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من اليهود والنصارى في المدينة المنورة. قال تعالى: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر السابق، ص 130.

(2) فريد لندر، الفرق الإسلامية، ص 30.

 

 صفحة 136

 وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

 فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون.

 قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (1).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأعراف، ص 157، 158.

 

 صفحة 137

 النتيجة إن فكرة الأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام)، التي نبه عليها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) تتطابق مع القضايا التاريخية، في " الكتاب المقدس " وبما أن التحريف قليل في القضايا التاريخية، فإن النصوص الخاصة بالرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) على الرغم من التشويه واللبس الذي طرأ عليها إلا أنه بعد ترجمتها وتحليلها من الناحية اللغوية تظهر الحقيقة الناصعة والجلية بأنهم (عليهم السلام) هم المقصودون. كما أن قاعدة التصادق تؤكد على أن الكتب الإلهية يصدق بعضها بعضا لأنها من مصدر واحد.