الاستعمار و التنصير
في إفريقيا السوداء
عبد العزيز الكحلوت
بسم الله الرحمن الرحيم
((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا))
الأحزاب :45-46
مقدمة:
ظل الجانب الأكبر من إفريقيا آمناً مطمئناً بل و مجهولاً لا تصل إليه أيدي الأوربيين حتى بدأ الوجود العربي الإسلامي في الأندلس بالانهيار، و تساقطت الممالك العربية الإسلامية في الأندلس واحدة تلو الأخرى و ظهرت البرتغال كقوة سياسية و بحرية، فاحتلت سبتة من المغرب 1415.م، و تطلع البرتغاليون إلى ذهب إفريقيا و إلى الكيد للعرب . فظهر لديهم فكرة التحالف مع ملك الحبشة برسترجون لضرب العرب من الخلف ، كما فكر هنري الملاح من فتح طريق مائي عبر إفريقيا من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر ثم إلى الهند للسيطرة على تجارة الشرق، و محاصرة الإسلام و المسلمين من شمال إفريقيا بدول مسيحية.
و هاتان الفكرتان حددتا طبيعة التدخل الأوربي من القارة الإفريقية السمراء فالأطماع الاستعمارية اختلطت منذ البداية بالجهود التنصيرية ، و ارتبطت كل واحدة منها فكانا وجهين لعملة واحدة.
و مع حوالي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي بدأت طلائع البرتغاليين في التجوال على السواحل الإفريقية ، و بدأت عمليات قنص الأفارقة من هذه الشواطئ ثم نقلهم إلى أوربا ليباعوا في أسواقها بعد تعميدهم و تحويلهم إلى المسيحية، و لم يكن دخولهم في المسيحية محرراً لهم من الرق، بل أدخل الأوربيون في روعهم أن المسيحية تحرر الروح أما
ـ 9 ـ
الجسد فيبقى في الرق تكفيراً عن الذنوب و الخطايا التي ارتكبها الرجل الأسود.
و توالى قنص الأفارقة عبر القرون (مسلمين و وثنيين)(1) لدرجة أن سكان إفريقيا لم يزيدوا مطلقاً خلال الفترة من 1650-1750 إذ ثبت تعداد السكان عند المائة مليون نسمة خلال القترة المذكورة ، و هذا راجع إلى عمليات تزح القارة من سكانها، و نقل هؤلاء السكان و خاصة القادرين و من هم في سن الإنجاب إلى الأمريكتين و أستراليا و أوربا و مناطق أخرى من العالم ليستخدموا فيها كقوة عمل . فنمط الإنتاج في تلط الفترة اعتمد على القوة البشرية، و لم تكن الآلة بعد قد تطورت إلى الحد الذي يستغني فيه عن هذه القوة.
و بدخول القرن التاسع عشر الميلادي تطورت أنماط الإنتاج و أدواته تطوراً نوعياً، و اقتضت قوانين النمو الرأسمالي و آلياته وقف عمليات القنص و الاسترقاق و التحول إلى استعمار القارة أي أن القارة ذاتها أصبحت الهدف لاسكانها فحسب، و كان الغرض من هذا الاستعمار المباشر نزح ثروات القارة و موادها الأولية لتغذية الآلة الأوربية باحتياجاتها ، و لكي تتم هذه العملية بنجاح توجهت الجيوش الأوربية مرافقة بجيوش من المنصرين ، و سارت عملية استعمار القارة في اتجاهين : اتجاه عسكري يعتمد تفرغ الإفريقي من إفريقية و روحه، و نقل التراث الثقافي المسيحي إلى إفريقيا ، و هاتان العمليتان تمتا بتوافق و انتظام ، فانهالت الجيوش الأوربية و البعثات التنصيرية ، فكانت كل دولة ترسل بجيوشها و بعثاتها التنصيرية، و كلما نشب الصراع بين الدول الأوربية على المستعمرات و مناطق النفوذ انتقل على الفور إلى البعثات التنصيرية.
و استخدمت أوربا المسيحية في استعباد الإفريقي و إذلاله فبينما فهم
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) تعرض المسلمون في غرب القارة الإفريقية إلى عمليات قنص و استرقاق ، ثم نقلهم للعمل في مزارع البيض و ممتلكاتهم في العالم الجديد غير أن الجانب الأعظم من عمليات القنص أصاب الأفارقة الوثنيين في الجزء الأوسط الجنوبي من القارة .
ـ 10 ـ
الأوربي من الكتاب المقدس النصوص التي تملي و تؤكد التوجيهات الفوقية و السادّية قدم رجال الكنيسة للإفريقي النصوص التي تدعو إلى الإذعان و الخنوع و الخضوع للأوربي ، و نجح الأوربيون في بث هذه القيم حتى وصل الأمر ببعض الأفارقة إلى احتقارهم للقيم الإفريقية و التمسك بالقيم الأوربية ، بل و الدفاع عن هذه القيم الأخيرة .
و يتكون كتابنا هذا من بضعة فصول رأينا أن يكون الأول و الثاني منها تمهيديين ، حيث عالجنا فيهما حقيقة المسيحية و طبيعة أعمال المنصرين المضلين . فالمسيحية كما طرحها الأوربي على الإفريقي بل و إفراغاً له من إفريقيته و إنسانيته و ثقافته حتى بات الاستلاب الثقافي و الاغتراب الحضاري من الهموم الرئيسة التي تعاني منها القارة.
و برغم دخول جنوب إفريقيا في المسيحية فقد أقر نظامها العنصري نظام الفصل العنصري(الابرتهيد) الذي يكرس التمييز بين الأجناس و يمنع البيض من إقامة العلاقات الاجتماعية مع السود مع أنهما ينتميان إلى المسيحية، فلماذا لم ترقق المسيحية قلوب البيض على السود ، و لماذا لم تبن فيهم وجداناً رحيماً يأخذ في الحسبان أخوة الإنسان للإنسان.
إن الإجابة على هذا السؤال يمكن أن نجدها في المسيحية ذاتها فمارتن لوثر مؤسس المذهب البروتستانتي يدعو أصحابه و أتباعه إلى ارتكاب المعاصي و عب الملذات ، و الاكتفاء بمجرد الإيمان دون إقرانه بالعمل فيقول: ((إن أول ما يجب أن يهتم له كل مسيحي هو أن يطرح جانباً لك يقين من الأعمال و أن يقوي إيمانه وحده)) و يستطرد فيدعو الشباب إلى اقتراف الآثام و المعاصي فيقول:(اسع إلى مجتمع رفاقك الطروبين و اشرب و اقصف و انطلق بالفحش...!!)).
و قد أثبتنا في الفصل الأول من هذا الكتاب بطلان المسيحية و فساد جوهرها، فالمسيحية التي جاء بها عيسى عليه السلام ليست بأي حال من
ـ 11 ـ
الأحوال المسيحية السائدة اليوم ، و ما هو سائد اليوم ليس إلا مسيحية ملفقة من صنع بولس . فأسسها مبهمة و غامضة و متضاربة، و هي خليط من الأديان الوثنية التي سبقتها.
و عالجنا في الفصل الثاني نماذج من أعمال المنصرين في الماضي البعيد كما في الحاضر القريب من إفريقيا و غيرها، و هي أعمال تقوم على القهر و الغضب إلى حد التخيير بين اعتناق المسيحية أو الموت حرقاً أو جوعاً أو مرضاً.
أما الفصول الباقية فقد تناولنا فيها أعمال الإرساليات التنصيرية و وسائل التنصير و آلياته المستخدمة و هي وسائل لم تدع أمراً مهما كان لائقاً أو غير لائق إلا و استخدمته لتحقيق أغراضها. أما الفصل الأخير فقد عالجنا فيه أخطر نتائج التنصير و التي تمثلت في الاستلاب الثقافي و الحضاري الذي تعاني منه القارة السمراء حتى اليوم، فبلدان إفريقيا في الغالب الأعم لا تتخذ من لغاتها المحلية لغات رسمية ، كما أن نمط الاستهلاك الغالب فيها هو النمط الغربي و قد أوضحنا من خلال أعمال ليوبولد سنجور، و آكس لوبا الشعرية و الروائية معالم هذا الاستلاب و أبعاده. و كان دافعنا من وراء ذلك كله دعوة الإفريقي إلى التمسك بثقافته و أصالته، فالعودة إليها تمثل عودة الروح إلى الجسد الإفريقي ، و تمثل كذلك توافق الإفريقي مع ذاته بدلاً من رحلات الاغتراب و التوتر و معاناة عقد النقص و اضطرب الديمومة. فما لم يكن الحاضر منسجماً و نابغاً من الماضي فإن الاضطراب واقع لا محالة في الشخصية الإفريقية و هذه الشخصية بالتالي مدعوة للنظر إلى ماضيها بفخر و اعتزاز، و أنه إذا كان ثمة محاولة للتطلع إلى خارج حدود إفريقيا فينبغي ألا تكون على حساب إفريقيا و ثقافتها و تراثها.
و ختاماً فإن الإسلام و هو دين نصف إفريقيا تقريباً هو الدين الوحيد من بين جميع الأديان السماوية الذي يسوي بين الإنسان و أخيه الإنسان بغض النظر عن العرق و اللون و اللغة فالخلق في الإسلام عباد الله لا فرق بينهم و لا
ـ 12 ـ
تمييز ، و كلهم متساوون كما يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه و آله وسلم كأسنان المشط، فهلاً استفاقت إفريقيا المسيحية مما هي فيه من شطط و اغتراب و تحولت إلى الإسلام لتجد فيه مبتغاها من العدل و الخير و المساواة. إن الإفريقي أينما وجد مدعوّ لتأمل الإسلام و قراءته، لمعرفة روحه و تحسس قيمه و مبادئه السمحة العظيمة حتى ينحاز إليه عن طواعية و اختيار فهو خاتم الأديان السماوية و المعقب عليها.
عبد العزيز الكحلوت
ـ 13 ـ
الفصل الأول
التنصير: تبشير أم استرقاق و تضليل؟!
ـ 15 ـ
لم يعد يخفى على أحد أن الغرب الحاقد على الإسلام و المسلين يشن حملة ضخمة تستهدف نشر المسيحية و تنصير المسلمين ، و هذه الحملة ليست إلا امتداداً للحملات الصليبية التي فشلت في تحقيق أغراضها.
و في العالم الإسلامي اليوم جيوش جرارة مرئية و خفية من أولئك الذين يدعون بلا خجل أنهم(مبشرون) و يشعر المرء بالأسى و المرارة حين يقرأ أو يشاهد أعمال هؤلاء (المبشرين) و ما يفعلونه بعباد الله من أجل تحويلهم إلى النصرانية. فالمسيحية جاءت استجابة لمرحلة معينة من مراحل التاريخ. ولكن الدوائر الاستعمارية لا تزال ترى فيها الوسيلة الأهم لإخضاع الشعوب النامية و البلدان المتخلفة، و لا غرو في ذلك فالغرب الحاقد مكيافيلي في كل شيء و الدين في نظره ليس مقدساً حتى لا يتاجر فيه ، و كل شيء جائز ما دام يكيف له مصالحه و يسوي أموره وفق ما يريد و ما يشتهي.
و يحلو للإعلام الغربي الحاقد أن يقلب الأمور رأساً على عقب فيصور الباطل حقاً و الجريمة إحساناً(1) و أعمال التنصير الضالة المضلة تبشيراًَ و نجاةً
ـــــــــــــــــــــــ
(1) يستغل المنصرون في البلدان الفقية معاناة و مرضى المسلمين و غيرهم، و يربطون
بين معالجتهم و بين التحول إلى النصرانية و في إندونيسيا مثلاً يستغل الأطباء
المنصرون حاجة مرضى الضغط و السكري إلى الدواء و حقن الأنسولين و يشترطون لمنح
الدواء بالمجان ضرورة أيمان المريض بأن الشافي و المخلص و المنجي هو المسيح
، ثم ç
ـ 17 ـ
كما يحلو للدائرين في فلكه أن ينهجوا نهجه و يرددوا كلماته فتراهم يسبغون على أعمال التنصير الألفاظ البراقة و ينعتون المنصرين الضالين المضلين بالمبشرين متجاوزين الواقع. فأعمال التنصير ليست إلا ضرباً من ضروب الضلال لا عملاً من أعمال التبشير و النجاة كما يزعمون . فأي تبشير هذا الذي تبشره المسيحية و نصوصها مقرة للرق داعية إلى الخضوع، فها هو البابا و هو نائب المسيح على الأرض و المفسر النهائي للكتاب المقدس(1) و مالك مفتاح الرحمة و باب السماء يصدر في سنة 1455.م مرسوماً بابوياً يقرر سيادة النصارى على الكفار(2)، و هذا المرسوم أقر استرقاق الزنوج و الهنود الحمر و صاحبته لعدة قرون دعاية واسعة أشرقت عليه الكنيسة و الأوساط المسيحية مفادها أن الاسترقاق هو سبيل خلاص الرقيق الذين غضب الله عليهم، فالرق كما تتصور المسيحية لعنة من الله على أولئك الذين أصبحوا رقيقاً بفعل ظلم الإنسان ـ لأخيه الإنسان ـ و تستطرد الدعاية المسيحية في أدلجة الشرق فتدعوا الرقيق إلى دخول المسيحية زاعمة أنهم بدخولهم إليها إنما يدخلون مملكة الله ، و بينما فهم الزنوج هذه الدعوة على أساس أنها خلاص لهم من الرق أكد الرجل الأبيض على أنها خلاص لأرواحهم فقط أما أجسادهم فتبقي في الرق، و هكذا فإن المسيحية تطوع وفق ما يشتهي الرجل الأبيض لا وفق ما يتمنى الرجل الأسود ، و للأسف الشديد فإن في المسيحية نصوصاً تبيح
ــــــــــــــــــــــــــ
è بالتدريج لا يعطي الدواء إلا بالتحول إلى المسيحية ، فهل أعمال التنصير هذه إحساناً و نجاةً و تخليصاً ، أم جريمة و إهانة لإنسانية الإنسان؟!
راجع مجلة رسالة الجهاد العدد:
(1) العبادة فـي الإسلام ص:190 ـ سلسلة رسالة الجهاد وجمعية الدعوة الإسلامية طـرابلس ط1985ـ عبد العزيز الكحلوت.
(2) لون البشرة و أثره فغي العلاقات الإنسانية تأليف ر.د.ج سيمونز ترجمة علي عزت الأنصاري ـ مراجعة الدكتور عبد العزيز كامل ـ سلسلة الألف كتاب عن الإدارة العامة للثقافة بوزارة التعليم ـ الناشر مركز نشر الشرق الأوسط ط 1964 ص:90.
ـ 18 ـ
الاسترقاق و تزينه، بل إنها بها من النصوص ما يسمح بالاستغلال أكثر مما قد يخطر على البال، ففي رسالته إلى أهل أفسس أقر (بولس) الرق و أمر الغبيد بإطاعة أسيادهم و اعتبرها من طاعة المسيح ذاته : ((أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف و رعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح لا بخدمة العين. كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبداً كان أم حراً)). (من رسالة بولس إلى أهل أفسس) الإصحاح (5-9).
و في موضع آخر من إ،جيل متى تقرأ هذا النص الذي يبيح الاستغلال إلى أبعد حد ممكن: (من له يعطي فيزداد و من ليس له فالذي عنده يؤخذ منه، و العبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء و صرير الأسنان)).
إنجيل متى الإصحاح الخامس و العشرون :29
فهذا النص ليس إلا تكريساً و تأكيداً لغنى الأغنياء و فقر الفقراء و بالإضافة إلى هذه النصوص فقد أوصى بطرس بمثل وصية(بولس) إلى أهل أفسس و أوجبها آباء الكنيسة لأن الرق كفارة عن ذنوب البشر يؤديها العبيد لما استحقوه من غضب السيد الأعظم(1) أما (توما الأكويني) فلم يعترض على الرق بل زكاه و حبذه و ذهب إلى ما ذهب إليه أستاذه (أرسطو) الذي عدّ الرق حالة من الحالات التي خلق عليها بعض الناس بالفطرة الطبيعية و ليس مما يناقض الإيمان أن يقنع الإنسان من الدنيا بأهون نصيب))(2).
و في المسيحية نصوص كثيرة مقرة للرق داعية إلى الإذعان و الخضوع و بالرغم من كثرة هذه النصوص فإن الغرب الحاقد يسبغ على أعمال المنصرين كل ما هو براق و جميل ، و يحق للمرء أن يسأل: أي تبشير هذا
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الإسلام ـ أحمد شبلي ط 7 ـ 1983 مكتبة النهضة المصرية ص 238.
(2) حقائق الإسلام و أباطيل خصومه ـ ص 215 عباس محمود العقاد.
ـ 19 ـ
الذي يستهدف تحويل المسلم الموحد بالله إلى نصراني مشكك بهذه الواحدانية! و أي تشويه هو أكبر مما فعلته النصرانية حين جعلت الله الواحد الأحد ثلاثة؟ و حين جعلت له كسائر البشر ولداً يقول القرآن الكريم عن هذا الادعاء:
(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) (مريم:88-92). و قال تعالى في سورة النساء زاجراً أولئك الذين يقولون بالتثليث: (و لا تقولوا ثالثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد)(النساء:171)
فالعقيدة المسيحية قائمة على التثليث و صلب المسيح و التعددية و تقديس الأفراد و عبادة الأيقونات، وهي أمور يصعب على رجال الدين المسيحي تبريرها و هي كذلك حراب حادة مزقت الحرية كل ممزق، و يتساءل الأب (بولس إلياس) اليسوعي: ((من الناس من يقولون: لمَ يا ترى إله واحد في ثالثة أقانيم؟ أو ليس في تعدد الأقانيم انتقاص بقدر الله؟ أو ليس من الأفضل أن يقال : الله واحد و حسب؟ و يستطرد الأب (بولس إلياس) اليسوعي ليبرر وجود الأقانيم الثلاثة فلا يجد إلا كلاماً هو أقرب إلى الخرافة منه إلى العقل و المنطق و يقول : ((لكننا إذا اطلعنا على كنه الله ال يسعنا إلا القول بالتثليث و كنه الله محبة، و لا يمكن إلا أن يكون محبة، ليكون الله سعيد، فالمحبة هي مصدر سعادة الله و من طبع المحبة أن تفيض و تنتشر على شخص آخر فيضان الماء و انتشار النور فهي إذن تفترض شخصين على الأقل يتحابان ، و تفترض مع ذلك وحدة تامة بينهما ، ليكون الله سعيداً و لا معنى لإله غير سعيد كان عليه أن يهب ذاته شخصاً آخر يحوِ فيه سعادته و منتهى رغباته و يكون التالي ناطقة له. و لهذا ولد الله الابن منذ الأزل نتيجة لحبه إياه ووهبه ذاته ووجد فيه سعادته و منتهى رغباته و بادلَ البن الأب هذه المحبة ووجد فيه هو أيضاً سعادته و منتهى رغباته، و ثمرة هذه المحبة المتبادلة بين الأب و الابن كانت الروح القدس و إذن هو الحب الذي يجعل الله ثالوثاً وواحداً معاً))(1).
ــــــــــــــــــــــ
(1) يسوع المسيح ـ الأب بولس إلياس اليسوعي ص 71-77.
ـ 20 ـ
و هكذا نجد تفسيراً مجافياً للعقل و المنطق، موغلاً في الخرافة ، و معلوم أن البروتستانت و الكاثوليك يعتقدون أن الله رب العالمين قد أنجب الابن الذي هو يسوع المسيح بولادة طبيعية ، و هو بالولادة الفضل عن الأب. و الروح القدس منفصل عنهما، و لأن هذا الكلام غريب و مجافٍ للعقل فإن النصارى لا يصرحون به كثيراً، و عن هؤلاء قال رب العزة:(كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)(المائدة:73) أما الأرثوذكس فيعتقدون أن الله رب العالمين رحل بنفسه من بطن مريم العذراء و خرج منها يسوع المسيح ، و المسيح هو الله ، فعند هؤلاء الإله واحد لم يلد و لم يولد و لكن تجسد و تأنس في يسوع على نحو ما ذكرنا و الأقانيم على مذهبهم مراحل للواحد، و ليست ذواتاً قائمة بنفسها.
و أفكار المسيحيين عن هذه النقطة بالذات مشوشة و غامضة، وهم بطبيعة الحال لا يملكون غير هذا الغموض، و قد سأل الداعية الكبير الشيخ أحمد ديدات عديداً من المسيحيين قائلاً: ((اشرحوا لي ما الذي تقصدونه حينما تقولون: هو ولد يخلق؟ ويستطرد الأستاذ ديدات فيقول: صدقوا من خلال أربعين عاماً لم يستطيع إنجليزي ، أن يشرح لي ماذا تعني كلمة بيجتن:Begotten (1) بينما يصر المسيحيون أن المسيح هو الابن الوحيد الذي ولده الله و أنه مولود و ليس مخلوقاً ، و لكن لا أحد منهم يستطيع أن يوضح ذلك أو يفسره و في حوار مع القسيس سوجارات و أمام شاهدي التليفزيون الأمريكي سأل أحمد ديدات سوجارات عن عبارة ((ولد و لم يخلق)) فقال له: ((هذه العبارة بلغتكم أنتم . و من تعاليمكم . ومن تعاليم الكاثوليكية ، و تعاليم الكنيسة
ـــــــــــــــــــــ
(1) المناظرة الحديثة في لم مقارنة الأديان بين الشيخ ديدات و القسيس سوجارت جمع و ترتيب أحمد حجازي السقا تقديم فضيلة الشيخ محمد الغزالي ص 134، 135 مكتبة زهران 1988.
ـ 21 ـ
الإنجليزية، وتعاليم الماثولية والتعاليم اللوثاريه، فآدم خلق بواسطة الله، وكذلك كل كلب وخنزير وحمار، وعلى هذا الأساس فإن الله ـ مجازاً ـ والد لكل شيء(1) والأمر يختلف بالنسبة للمسيح أنه ولد ولم يخلق. وطلبت أن يفسر ما يقصده، ولكن دون جواب، و لذلك فأن المسلمين يعترضون على هذا القول. واستطرد فقال إن اثنين و ثلاثين من أرفع علماء المسيحية قدراً يساندهم خمسون من الطوائف الدينية قد حذفوا هذه العبارة. مما يعني أن هذه الكلمة هي في الأصل دخيلة، وأن الإنجيل محرّف.
وقد حذف العلماء المذكورين ما ورد في الإصحاح الخامس العدد 7 من رسالة يوحنا الأولى حيث يقول: (( لأن الذين يشهدون من السماء هم ثلاثة: الأب و الكلمة والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد)).(1 يوحنا 5 : 7)
وهذه الآية التي حذفتها بعض الأناجيل هي في الأصل موضوعة، فعندما صارت الديانة النصرانية بالتثليث ديانة رسمية بقوة الرومان 325م وضع محرفو الأناجيل تلك العبارة لإثبات أن التثليث موحى به من الله قديماً عن طريق يوحنا، تلميذ عيسى عليه السلام، ويقول الأستاذ أحمد حجازي السقا على أنها زائدة وملحقة (2) بما يلي:
1ـ قال بذلك (كريسباخ) و (شولز) و (هورن) و جامعو تفسير (هنري) و (اسكات) و(آدم كلارك) ما إلى أنها ملحقة و (اكستابن) في القرن الرابع لم يستشهد بهذه الآية على التثليث؟
ــــــــــــــــــــ
(1) الشيخ أحمد ديدات يقول: إن الله ـ مجازاً ـ والد كل شيء على معنى ما عند أهل الكتاب وهو أنه مذكور من سفر التثنية أن الله خاطب اليهود بقوله: ((أنتم أولاد للرب إلهكم)) التثنية:(14: 1) وليس هو بوالدي الحقيقة. المناظرة الحديثة المصدر السابق ص:136.
(2) من تعليق له على مناظرة ديدات ـ سوجارات ص 137 المصدر المشار إليه سابقاً.
ـ 22 ـ
2ـ أقر (بافندر) في المناظرة الكبرى الشفهية التي كانت بينه و بين الشيخ رحمت الله الهندي بأن هذه الآية محرفة.
3ـ إن هذه العبارة لا توجد في نسخة من النسخ اليونانية التي كتبت قبل القرن السادي عشر.
4ـ لا توجد في النسخ المطبوعة بعناية في الأزمنة الأولى من غير اللاتينية.
5ـ لا توجد في أكثر النسخ القديمة اللاتينية.
و يذكر الأستاذ أحمد ديدات (1) أن مراجعو النصوص المنقحة قد حذفوا تلك الآية وأزيلت من النصوص المنقحة المترجمة للغة الإنجليزية ولكنها ما تزال في الـ1499 لغة المتبقية من العلم التي مكتب بها الكتاب المقدس فكيف تستقيم ديانة بها هذا التحريف والتمايز والخطط.
والسؤال الآن: من أين استقى النصارى هذه الفكرة؟
تؤكد الحقيقة التاريخية أن التثليث قد نقله المسيحيون عن الثقافات المحيطة بهم القريبة والبعيدة، وقد تأثر بها بولس وأدخلها إلى المسيحية، وقد جرت بعد ذلك محاولة التوفيق بين الوحدانية التي هي سمة الأديان السماوية وبين القول بعبادة الثالوث فابتدعوا لهذا الثالوث أفراداً، وكان الله جلّ جلاله الأول في هذا الثالوث ثم قالوا بألوهية المسيح فأصبح ثاني الآلهة ثم قالوا بألوهية الروح القدس.
ويعتبر البابليون أول من قال بالثالوث وذلك في الألف الرابع قبل الميلاد حيث نظموا آلهتهم أثلاثاً، كل مجموعة ثلاثة ، كما ظهرت بدعة التعدد عند الهنود وقبل المسيح بأكثر من ألف عام، وأقام بطليموس الأول معبداً في الإسكندرية هو معبد (السيرايوم) كان يعبد فيه نوع ما من ثالوث
ــــــــــــــــــــ
(1) هل الكتاب المقدس كلام الله؟ أحمد ديدات ترجمة نورة أحمد النومان ط1(1987) صدر بالإنجليزية (الربيع) 1980 ص:24.
ـ 23 ـ
الأرباب مكون من أوزيرليس و ايزليس و حورس ولم يكن الناس يعبدونها أرباباً منفصلة بل هيئات ثلاثة لإله واحد(1).
فمعظم الأمم القديمة قالت باللاهوت الثالوثي (أي أن الإله ذو الثلاثة أقانيم) فبالإضافة إلى البابليين و الهنود والمصريين فإ، البوذيين يقولون بأن بوذا ويسمونه (فو) ويقولون أنه ذو ثلاثة أقانيم، والفرس ادعوا أن متروسا ـ الكلمة الوسيط وـ مخلص الفرس، وبالإضافة إلى ما سبق ذكره فقد كان للفنلنديين والاسكندنافيين والمكسيكيين آلهة مثلثة الأقانيم. فالتثليث كن شائعاً عند أكثر الأمم البائدة الوثينة وقلما تجد أمة قويمة لا تعرفه(2).
أما الموضوع صلب المسيح فيقول كتاب المسيحية عنه كلاماً لا يقبله عقل، فالمسيح يقدم نفسه لذنوب الناس، ويقولون كان على الله أن يعاقب ذرية آدم بسبب الخطيئة التي ارتكبها أبوهم وطرد بسببها من الجنة واستحق هو وأبناؤه البعد عن الله، وبمقتضى صفة الرحمة كان على الله أن يغفر سيئات البشر ولم يكن هناك من طريق للجمع بين العدل والرحمة إلا بتوسط ابن الله ووحيده وقبوله أن يظهر في شكل إنسان وأن يعيش كما يعيش الإنسان ثم يصلب ظلماً تكفيراً عن خطيئة البشر(3).
والسؤال الذي يطرح نفسه أي عدل هذا الذي يستهدف تعذيب من لا ذنب الله، ثم أليس قبول المسيح صلب نفسه وقتله انتحاراً؟ ثم أين رحمة الأب حين صلب ابنه وتعذيبه وتحقيره ودق المسامير في يديه؟ وكيف تكون صورة هذا الإله القاسي عند البشر؟ ولا تزال هذه الكراهية قائمة عند جل المسيحيين برغم موقف الفاتيكان ووثيقته التي برأت اليهود من دم المسيح نتيجة للضغط الصهيوني عليه.
ـــــــــــــــــــ
(1) المسيحية ـ أحمد شلبي ط7 1982 ص 132 مكتبة النهضة المصرية.
(2) انظر العقائد الوثنية في الديانة النصرانية المرحوم محمد ظاهر التنير انظر الفصل الأول(عقيدة التثليث عند الوثنيين والنصارى).
(3) المسيحية ـ أحمد شلبي ط7 ص155 مكتبة النهضة المصرية.
ـ 24 ـ
وأخيراًَ هل كان نزول ابن الله وصلبه للتكفير عن خطيئة البشر ضرورياً أو كانت هناك وسائل وغيرها تؤكد أن عملية صلب المسيح وقتله وتعذيبه تكفيراً عن ذنوب البشر عملية ملفقة ابتدعها(بولس) حين تحول من اليهودية إلى المسيحية وقد أثبت العلامة أحمد ديدات أن المسيح لم يمت على الصليب ولم يدفن ميتاً ولم يقض في المقبرة ثلاثة أيام وثلاث ليال بل مكث بها وهو على قيد الحياة مدة من الزمن لا يمكن أن تزيد على يوم واحد وليلتين ، وقدم ثلاثين دليلاً على صدق استنتاجه هذا من خلال دراسته للعهد الجديد(1). والقرآن الكريم يخبرنا بالحقيقة في هذا الصدد فيقول رب العزة في الآية 157 من سورة النساء:
(وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا)(النساء:157)
ويعترف رجال المسيحية ومشاهيرها بمنافاة المسيحية للعقل والمنطق ويقبلونها بأخطائها وأسطوريتها وها هو مارتن لوثر يقرر هذه الحقيقة في صراحة عجيبة ويقول: (لا تستطيع أن تقبل كلاً من الإنجيل والعقل فأحدهما يجب أن يفسح الطريق للآخر، إن كل آيات عقيدتنا المسيحية التي كشف لنا الله عنها في كلمته أمام العقل مستحيلة تماماً ومنافية للمعقول وزائفة فإذن كيف يعتقد ذلك الأحمق الصغير(2)الماكر أن هناك شيئاً يمكن أن يكون أكثر مجافاة للعقل واستحالة من أن المسيح يعطينا جسده لنأكله ودمه لنشربه في العشاء الأخير)(3) أو أن الموتى سوف يبعثون يوم القيامة؟ وأن المسيح
ــــــــــــــــــــ
(1) انظر مسألة صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء لداعية العصر العلامة أحمد ديدات ترجمة علي الجوهري دار الاعتصام ط1 1989 وبالإنجليزية Crucifixion oR Crucific-tion bx Ahmed Deedat .
(2) الأحمق الصغير: المقصود ((البابا)).
(3) قصة الحضارة ـ ول ديورانت الجزء الثالث من المجلد السادس الإصلاح الديني ترجمة ç
ـ 25 ـ
حملت به مريم العذراء وولدته ثم غدا رجلاً يتعذّب ثم يموت ميتة مخجلة على الصليب.. إن العقل هو أكبر عدو للإيمان .. إنه توطأ بالأقدام ويقضى عليها وحكتها.. فاقذف بالروث في وجهها.. و أغرقها في العماد.
وإذا عدنا إلى رؤية الكنيسة عن العالم الآخر والملائكة والشياطين فإننا نجد فيها تشويشاً وتجذيفاً فبالرغم من تسليم (مارتن لوثر) بالجنة والجحيم إلا أنه آمن بأن العالم لن يعمر طويلاً ووصف جنة حافلة بالمسرات فيها كلاب مدللة (لها شعر ذهبي كالأحجار الكريمة) وتصور الملائكة أرواحاً كريمة بلا أجساد وأنها مقسمة إلى ملائكة الرحمة العذاب وهم الذين يعزى إلى مشاربهم وجهودهم كل الظروف التي تحيط بالإنسان(1) ، مما يجرد الإنسان من ثواب العمل الصالح ومن قدرته على اختيار مصيره ، كما سلم (مارتن لوثر) بأفكار العصور الوسطى عن الشياطين وقال:(إن كثيراً من الشياطين تهيم في الغابات والمياه والبراري وفي الأماكن المظلمة المليئة بالبرك وهي متأهبة أبداً لإيذاء الناس وبعضاً منها يهيم في السحب الكثيفة السوداء)(2).
وأمن مارتن لوثر بأن الشياطين تتقمص القرود والثعابين وأن بوسعها أن تضاجع النساء وتنجب منهن أطفالاً. وفي هذه الحالة تصح مارتن لوثر بإغراق مثل هؤلاء الأطفال في البحر وقبل كذلك السحر والعرافة على أنها من الحقائق المسلم بها ومعاصرو لوثر من الكاثوليك شاطروه رأيه.
وأخطر ما استخلصه (مارتن لوثر) من الحقائق خلو الإنجيل من أي نص يدل على أن الأعمال هي وسيلة الخلاص وقال بالحرف الواحد:(إن الإنجيل لا يبشر بشيء من الجزاء عن الأعمال وإن من يقول أن الإنجيل نص
ــــــــــــــــــــ
è الدكتور عبد الحميد يونس ـ الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية ص154.
(1) ول ديورانت ـ قصة الحضارة ـ نفس المصدر السابق ص: 59.
(2) نفس المصدر السابق ص:60.
ـ 26 ـ
على أن الأعمال هي وسيلة الخلاص أقول له بصراحة تامة أنه كاذب)(1) (وأنه لا يمكن لقدر من الأعمال الصالحة أن تكفر عن الذنوب التي خير الناس، ولا يمكن أن تكفر عن الخطايا البشر تضحية المسيح المفتدية ولا يمكن أن ينجينا من عذاب جهنم إلا الإيمان بهذا التكفير الإلهي)(2) فالإيمان بتضحية المسيح وآلامه ورفعه من بين الموتى هو فقط طريق الخلاص والنجاة في المسيحية ، ويكفي المرء أن يؤمن بأن المسيح فد افتداه وحمل خطاياه وآثامه ثم بعد ذلك لا حاجة له بالمغفرة ولا ضرورة للندم و والتوبة والعمل الصالح، فأيمانه بافتداء المسيح قد كفاه ثم بعد ذلك ليفسق ويفحش ويرتكب من الآثام ما يريد، فقد رفع عنه القلم و مهدت له سبيل الدخول إلى جنة النعيم، وقد حث مارتن لوثر في كتاباته ورسائله الشباب على الفسق وقال (أن يسوع المسيح ينحني ويدع الخاطئ يقفز فوق ظهره وهكذا ينقذه من الموت)(3) ويستطرد قائلاً:(إن أول ما يجب أن يهتم له كل مسيحي هو أن يطرح جانباً كل يقين من الأعمال وأن يقوي إيمانه وحده شيئاً فشيئاً)(4) وقد وجد الفساق والخاطئون والمارقون من أقوال (مارتن لوثر) هذه ملاذاً لهم وذريعة للاستمرار في عبء الحياة وملاذها، وأوغلوا في الرذيلة إيغالاً وحسب القارئ أن يقرأ ما قاله (لوثر) عن المروق والخطايا يقول لوثر: (حسبك أن تعرف الحمل الذي يحمل خطايا العالم والخطيئة لا يمكنها أن تفرق بيننا وبينه حتى لو ارتكبنا ألف جريمة زنى كل يوم أو مهما ارتكبنا من جرائم القتل، ألا تعد هذه البشرى طيبة أن تعرف إنساناً غارقاً في الخطايا إلى أذنيه فيأتي الإنجيل يقول له: كن على ثقة وآمن تغفر لك خطاياك من الآن فصاعداً حالما يقتلع هذا الحائل تغفر لك خطاياك وليس ثمة شيء آخر تعمله من أجله)(5) وفي
ــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق ص:61.
(2) ول ديورانت ـ قصة الحضارة مصدر سابق ـ ص : 62.
(3) نفس المصدر السابق ص:63.
(4) نفس المصدر ص:63
(5) قصة الحضارة ـ ول ديورانت ـ ص63.
ـ 27 ـ
موضع آخر من كلمات (مارتن لوثر) نجده يهمس في أذن الشباب و يمتدح الخطيئة ذاتها فعندما يغوينا الشيطان بإلحاح مزعج فقد يكون من الحكمة أن نستسلم لإغرائه ونقترف ذنباً أو اثنين، اسع إلى مجتمع رفاقك الطروبين واشرب واقصف وانطلق بالفحش وسل نفسك فلا بد للمرء أن يقترف أحياناً ذنباً كراهية واحتقاراً للشيطان حتى لا يعطيه الفرصة لكي يجعله يشعر بتأنيب الضمير على مجرد أشياء لا تستحق الذكر، فالمرء يضل إذا اشتد فزعه من أن يقترف ذنباً.. آه بودي لو كان في استطاعتي أن أجد ذنباً عظمياً حقاً يقذف بالشيطان)(1).
هذه التداعيات اللوثرية لمؤسس المذهب البروتستانتي دعت الموجهين للبعثات (التبشيرية) إلى نصح الوعاظ اللوثرية بأن يحرصوا على الإقلال ما أمكن من القول بأنه يمكن الحصول على البراءة من الذنب بالإيمان وحده.
ونتيجة لهذا الحث اللوثري ولما في الكتاب المقدس من قصص داعرة(2) وأوصاف جنسية مقززة، فقد وصل معدل زنى المحارم في اتحاد جنوب إفريقيا (بين البيض) إلى نحو (8%) (3) ويعترف القسيس سواجارت أن النسبة في الولايات المتحدة قد بلغت معدلات وبائية. هذا إلى جانب انتشار مرض الإيدز وتعاطي المخدرات والمسكرات.
وقد أقام الرومان كاثوليك والميثوديون (إحدى طوائف النصرانية) أعراساً بين اللوطيين في (بيوت ربهم) وقام ثمانية آلاف لوطي بمسيرة
ــــــــــــــــــــ
(1) قصة الحضارة ـ ول ديورانت ـ ص:63.
(2) يحتوي الإنجيل أي العهد الجديد على (10) حالات من زنا محارم كما ذكر سواجارت في كتابه زنا المحارم (انظر المناظرة الحديثة ـ مصدر سابق ص 141) ومن هذه الحالات قصة يهوذا و ثامار في سفر التكوين، ويهوذا وهو ابن الرابع ليعقوب عليه السلام زنا ثامار زوجة ابنه ورأوبين الابن البكر ليعقوب زنى بامرأة أبيه يعقوب, وكذلك فقد أسكرت ابنتي لوط أباهما و زنتا به.
(3) المناظرة الحديثة في علم مقارنة الأديان مصدر سابق ص: 141.
ـ 28 ـ
استعراضية في حديقة هايدبارك بلندن في يوليه عام 1979 مصاحبين بتشجيع وهتافات وسائل الإعلام(1). فالكتاب المقدس ساهم في تكوين الوجدان الغربي المريض وأثر في تكوين هذه الاتجاهات الشاذة من السلوك الإنساني الغربي بخاصة والعالمي المسيحي بعامة.
وقد صدرت كتب عديدة تدلل من خلال نصوص الكتاب المقدس ذاته على أن الكتاب المقدس من صنع البشر، فثمة خلط وتضارب بين الأناجيل يشمل الأرقام والتواريخ والوقائع، مما لا تتسع له هذه الصفحات(2).
أما الكنيسة الكاثوليكية التي تتبع النظام البابوي فتعتبر البابا تلميذ المسيح الأكبر على الأرض وهو ممثل الله وإرادته لا تقبل الجدل والنقاش ويستطيع هذا البابا أن يفسر الكتاب المقدس كيف يشاء ويستطيع أن يعطي من يشاء ويحرم من يشاء وقد أصدر البابوات عبر التاريخ قرارات حرمان خطيرة ضد الأباطرة والملوك، كا أصدروا صكوكاً للمغفرة والرحمة في أكبر عملية نصب واحتيال عرفها التاريخ الوسيط ويدعون (3) أن روح القدس ما يزال موجوداً وهو ينزل على الآباء والقديسين ليرشدهم ويعلمهم ويهديهم ويتساءل المرء لماذا لم تهد روح القدس رجال المسيحية وأخبارها في اجتماعاتهم الكثيرة حتى تفرقوا إلى نحو اثنين وسبعين فرقة(4) ورمى بعضهم البعض بالكفر والهرطقة، ونشبت بينهم حروب طاحنة، ولماذا تتناقض أفكار وآراء الكنائس؟.
ــــــــــــــــــــ
(1) هل الكتاب المقدس كلام الله ـ أحمد ديدات ترجمة نورة أحمد النومان ص 61 الناشر/ مكتبة التوعية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي الطالبية جيزة 1987.
(2) نحيل القارئ الكريم إلى كتاب العلامة أحمد ديدات ، هل الكتاب المقدس كلام الله .
(3) أي البابوات.
(3) الملل والنحل للشهرستاني ـ المجلد الأول ـ دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت 1980 تحقيق محمد سعيد كيلاني ص 222.
ـ 29 ـ
وأخيراً هل حقاً يحل جسد المسيح في أجساد المسيحيين، وتسري في عروقهم دماؤه, ويصبحون أنصاف آلهة تمشي على الأرض بمجرد أكل قطعة خبز وشرب كوب خمر؟
وإذا كان الأمر كذلك فلماذا يحتقر المسيحيون البيض المسيحيين السود، رغم أن هؤلاء السود يأكلون كما يأكلون البيض من جسد المسيح ويشربون من دمه سواء بسواء، وهل تحسنت أخلاق أولئك الذين تناولوا القربان المقدس، فقدموا للعالم الخير أم أنهم حملوا على أكتافهم المدافع والرشاشات ، وراحوا يستعمرون العالم، ويعتلون ويدمرون، وينشرون الفساد عن طريق إرسالياتهم التنصيرية، وقد بلغ عدد الذين قتلوا وشردوا في الحربين العالميتين الأولى والثانية ما يربو على (40) مليون نسمة (1) كما أباد المسيحيون الأوربيون أربعاً وأربعين مليوناً من الهنود الحمر وباعوا أكثر من (25) مليون من الأفارقة السود في أمريكا وحدها(2)، ولا تزال حرب الأفيون ماثلة في الذاكراة، فقد قام الشعب الإنجليزي المسيحي بمحاولة إبادة شعب الصين عن طريق السموم الفتاكة، فأين هي قيم المسيحية السمحة قبل هذا وبعده...!! أم أنك تستطيع أن تقتل وتدمر وتشرد ثم تعتمد على افتداء المسيح وكفى!!
ويحق لنا أن نسأل أي تبشير هذا الذي تبشره الكنائس المسيحية طالما أنها تبيح الرذيلة والخطيئة ، والاستحواذ والنهب، وأي تبشير هذا الذي تبشره طالما أن رجالها يعترفون بمجافاة الإنجيل للعقل وتتخبط كل التخبط حتى فيما يتعلق بالمسيح نفسه حين تزعم أنه ابن الله ثم تضع له نسباً وآباءً، ثم يعطي إنجيل متى قائمةً لأنساب عيسى مختلفة عن تلك القائمة التي أعطاها إنجيل لوقا، فأي القائمتين أصح، ثم لا يكتفي كتاب هذين الإنجيلين بذلك فيحشرون أسماء الزناة من نسب ربهم ومخلصهم(3).
ــــــــــــــــــــ
(1) التخلف الاجتماعي ـ هشام شرابي مطبعة القدس 1978.
(2) يهوذا الإسخريوطي على الصليب ـ محمد أمير يكن منشورات دار اقرأ ط مارس 1990.
(3) من بين مؤلفي البشارات الأربعة (أوحى) الله لاثنين منهم فقط لتسجيل سلسلة نسب ç
ـ 30 ـ
وإضافة إلى ما سبق فإن الخلاف حول طبيعة المسيح وحول ترتيب نشأة الثالوث هو أكبر من أن تحصره هذه الصفحات وقد كان سبباً في انقسام الكنيسة إلى كنائس كثيرة، فأي هذه الكنائس الكثيرة على حق وأيها على خطأ، وإلى أي هذه الكنائس سيختار الداخلون الجدد في المسيحية.
إن أعمال التنصير ليست إلا تضليلاً للناس، وما المسيحية إلا وسيلة هامة من وسائل الاستعمار لتضليل الشعوب وإخضاعها. وعلى العكس من ذلك فإن الإسلام هو دين العزة والكرامة لبني الإنسان جميعاً فهو لا يميز بين شعوب الأرض بسبب لونها أو عرقها أو لغتها, بل ينظر إليها نظرة واحدة ويخاطبها خطاباً واحداً لا تمييز فيه ولا تفريق ويطلب منها أن نؤمن بالحرية كأساس وجوهر من خلال الإيمان بالله الواحد الأحد الذي (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) كما يجعل التفوى لا الجنس ولا الثورة ولا اللغة معياراً للتفاضل، فالأمة الإسلامية أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتدافع عن الحرية و تنتصر للمظلومين والمستضعفين في الأرض، وتحارب الفوقية والعنصرية وتدعو إلى التعايش الإيجابي والتعاون السلمي القائم على الحب والرخاء المتبادل قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)(1).
والإسلام يحارب الرق ويساوي بين معتنقية، وهو دعوة عالمية لتحرير الإنسان حيثما وجد من الظلم والاستغلال والعسف في أي صورة من الصور قال تعالى:(إنما المؤمنين إخوة) وقال الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله): شر الناس
ــــــــــــــــــــ
è ابنه. وقد سجل متى ستة وعشرين سلفاً لعيسى أما لوقا (الملهم) فقد سجل واحداً وأربعين سلفاً لعيسى ومن بين هذه الأسماء الموجودة من القائمتين لا نجد اسماً مشتركاً بينها إلا يوسف وهو (يظن) بأنه والد عيسى. ومن بين هؤلاء الأسلاف يوجد ستة زناة وذريتهم. (هل الكتاب المقدس كلام الله، مصدر سابق ص:67).
(1) الحجرات الآية 13.
ـ 31 ـ
من باع الناس) وقال عمر بن الخطاب مستنكراً استرقاق البشر للبشر:(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) كما نفى الإسلام نفياً قاطعاً أن تكون الإنسان الوصاية على إنسان آخر فكل مسلم في نهاية المطاف مسئول عن نفسه قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث وسولاً).الإسراء الآية 15.
والإسلام لا يكتفي من المرء بالإيمان وحده بل يطالبه بالعمل الصالح، وقد قرنت الآيات القرآنية في أكثر من موضع وصورة الإيمان بالعمل الصالح، والإيمان بمفرده ليس كافياً لينال رضا الله والفوز بجنته قال رب العزة: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنا منتظرون) ويعمل الإسلام على تحرير الإنسان من الاسترقاق الروحي والفكري فيحارب السحر والكهانة والوساطة ويدعو الإنسان إلى استخدام عقله وحمل الأمانة من خلال الفعل الإنساني الحر والأخذ بالأسباب الكونية المارية.
ونخلص مما سبق إلى أن التبشير لا يكون لغير الإسلام، والبشرية مطالبة باعتناقه حتى يسود السلام ويعم الرخاء والوثام بين بني البشر فوق الكوكب الأرضي، فالإسلام هو الوحيد المبشر بانعتاق البشرية من ربقة الكفر والهرطقة ومن براثن الاستغلال والهيمنة، وهو الدين الوحيد الذي يخاطب عقل الإنسان وقواه المبدعة، وبعد انقطاع الوحي واكتمال الرسالة وضع الإسلام العقل كدليل ومرشد ولم يعتمد الاعتباط والخرافة كما فعلت العقائد الأخرى فاستحق بذلك وبما فيه من نور وقيم عظمية أن يكون التبشير الحقيقي في عالم اليوم والغد قال تعالى : (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً. داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً).سورة الأحزاب الآيات 45، 46، 47.
ـ 32 ـ
ـ 33 ـ
مضت أعمال التنصير في الماضي كما هي في الحضر بأساليب لا تحترم آدمية الإنسان ولا تحسب لعقله أي حساب، ومن يمعن النظر في أعمال المنصرين يجدها عارية من أي ثوب إنساني وتتداعى إلى ذهنه صور الجبابرة والطغاة الغلاظ من أمثال نيرون وهولاكو وكرومر وهتلر ونابليون وغيرهم وهؤلاء المنصرون الذين يضيعون أنفسهم أحياناً في ثياب بيضاء لا يختلفون كثيراً عن النازيين والمغول والتتار في غزواتهم الأولى التي حركتها الدوافع العرقية والبيولوجية، وبعض هؤلاء المنصرين فاق في وحشيته وقسوته التتار والرومان والجرمان .
في 1830م سيّرت فرنسا جيشاً لاحتلال الجزائر واصطحبت معها جيشاً جراراً من المبشرين، ولم تمض سنوات حتى أصبح الكاردينال شارل مارسيا المان لافيجري قائداً لهذا الجيش، ومطراناً للجزائر وكبيراً لأساقفة إفريقيا(1)، ومبعوثاً للبابا في الصحراء الكبرى وبلاد السودان، وكان حلم هذا الكارجينال هو تحويل إفريقيا إلى التعاليم الكاثوليكية، وفي سبيل هذا الغرض منحته فرنسا ما يشاء من الأموال ليواصل عمله(المقدس). ومن جبال أطلس العربية أشعل المنصرون النار بقرى عديدة لإحراقها عن بكرة أبيها لحملها على ترك دينها واعتناق النصرانية، ولكن هذه القرى صمدت وقاومت ولم تستجب لترهات المتنصرين و بقيت متمسكة بالإسلام. وفي 1867 غزا الجفاف
ــــــــــــــــــــ
(1) الصحراء الكبرى ـ جيمس ويللارد ص 409.
ـ 35 ـ
والجراد الجزائر وأصابها الطاعون وعمت فيها المجاعات(1) فاغتنم المنصرون الفرصة وراحوا يساومون الناس على كسرة الخبز وشربة الماء وبعد هذا كله لم يدخل ولو مسلم واحد إلى النصرانية مما دعا أ.ن غوتتيه إلى القول (يبدو أن الدينين المسيحي والإسلامي يفصل بينهما حاجز لا يمكن اجتيازه وربما لم يوجد مسلم واحد سمح لنفسه بأن يصبح مسيحياً بإيمان صادق)(2).
وإذا عدنا إلى الوراء نجد أن عملية إعادة المسيحية في إسبانيا أيام فرديناند وإيزابيلا قد تجاوزت في بشاعتها كل تصور، ويروي لنا ول ديورانت صوراً لما اقترفته إيزابيلا فيقول أن اكسيمنس أقنع إيزابيلا بأن تنقض عهدها مع المسلمين باعتبار أنهم كفرة(3) فأصدرت في 1499 مرسوماً يخير المسلمين إما أن يدخلوا المسيحية أو يغادروا إسبانيا (4) ولم يكبف اكسيمنس بذلك بل قاد بنفسه حملة همجية لحرق التراث العربي الإسلامي فذهب إلى غرناطة وطلبيرة وأغلق المساجد ونصب المحارق العامة التي التهمت جميع الكتب والمخطوطات العربية تماماً كما فعل هولاكو في بغداد 1258 غير أنهذا الإخير لم يكن مسيحياً.
وتقدر بعض المصادر مجموع ما أحرقه اكسيمنس بمائة ألف مجلد(5) وفي ليون وقشتاله صدر في الثامن عشر من النوار (فبراير) 1502 مرسوم ملكي يخير المسلمين بين الدخول في المسيحية ومغادرة البلاد، فاحتج المسلمون بأن أسلافهم سمحوا باحرية الدينية لجميع اعلقائد والطوائف في الأندلس. ولكن هذا الاحتجاج لم يلق استجابة تذكر بل حرم الملكان(فرديناند
ــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق ص 410.
(2) نفس المصدر السابق ص 411.
(3) يشير بذلك إلى المرسوم البابوي الصدر 1415 والذي يعتبر غير النصارى يجوز استرقاقهم ولا يجوز التعاهد معهم.
(4) قصة الحضارة ـ ول ديورانت. الجزء الثامن من المجلد السادس ـ الإصلاح الديني ص97-98.
(5) رسالة الجهاد العدد 75 ص:50-15 السنة السابعة مارس 1989.
ـ 36 ـ
وإيزابيلا) على الأطفال الذكور دون الرابعة عشرة والإناث دون الثانية عشرة أن يغادروا إسبانيا مع آبائهم مما يعني إرغامهم على دخول المسيحية كما سمحا للأمراء الإقطاعيين، أن يسترقوا ما يشاءون من المسلمين وأن يجروهم مكبلين بالأغلال في الشوارع والطرقات.
وقد وصف الكاردينال ريشيه مرسوم 1502 الآنف الذكر بأنه(أكبر حدث همجي في التاريخ)(1).
وجرت أعمال التنصير بنفس الفظاعة في مختلف المدن الإسبانية فنصر أهل البشرات والمرية وبسط ووادي آش دون الالتفات إلى صراخهم وشكاويهم وثوراتهم. وبالرغم من فظاعة هذا كله فهو غيض من فيض، فأعمال محاكم التفتيش تجاوزت كل حد وستظل على مدار التاريخ وصمة عار في جبين المسيحية والمسيحيين حيث أصدرت أحكاماً بالحرق ضد(700) مسلم و(113) شخصاً في أبله. وفي مدينة طليطلة مثل أمام المحكمة ألف ومائتا شخص حكم عليهم بالإعدام في جلسة واحدة في بضع دقائق وكان يطلب من المسلم إما التحول إلى النصرانية أو الموت حرقاً(2) وتجاوز عدد الذين أعدموا وحرقوا أو شردوا في البحار مئات الآلاف وكل ذنبهم أنهم مؤمنون بإله واحد خلق الكون وأبدعه، إله فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. إله متفرد ليس له عائلة أو ولد كما تزعم المسيحية.
الغرب الحاقد لا يميز بين الإسلام الدين و الإسلام التاريخ والحضارة وخوفه من الإسلام جعله يجن ويتخبط ويضرب في كل اتجاه وبدون وازع أو ضمير، فالمسيحية متناقضة مشوشة في متونها العواطف المتضاربة والقصص المتناقضة، وهذا التناقض تسرب إلى أعماق معتنقيها، ويصعب
ــــــــــــــــــــ
(1) قصة الحضارة ـ مصدر سابق ص99.
(2) رسالة الجهاد ـ نفس المصدر السابق 75.
ـ 37 ـ
على المرء أن يفصل بين هؤلاء الجلادين الطغاة وبين الثقافة المسيحية التي تفشت فيهم وكونتهم حتى بلغوا هذا الحد من الوحشية والبهيمية.
ويوجه الغرب اليوم جيوشاً جرارة من المنصرين، والمسلمون في كل مكان مستهدفون ويقدر أن هناك (17) مليون منصر يعملون ليل نهار لإطفاء نور الله من الأرض وفق استراتيجيات بعيدة المدى ولديهم ميزانيات فلكية ينفقون منها بغير حساب فعلى سبيل المثال لا الحصر استطاع المنصرون جمع (9) مليار(1) دولار من خلال الكنائس الأمريكية وحدها.
وتستهدف عمليات التنصير جميع المسلمين في شتى أنحاء المعمورة ولا يستثنى من ذلك العرب، فقد نشرت صحيفة الأحرار المصرية في الخامس من مايو 1986 تحقيقاً خطيراً مفاده أن في قلب العاصمة المصرية القاهرة منظمة تنصرية تمارس نشاطها ضد الإسلام ومهمتها غسل مخ الأطفال أحياء مصر القديمة وهذه المنظمة تدعى فوستر بيزنس بلان أنترناشيونال Fouster Besens Blan international Blan international Egypt .
ومدير المنظمة بفرع القاهرة هو الدكتور الصهيوني الأمريكي تيموتي فاريل Themoth Farial ، ويقوم بتمويل هذه المنظمة الخطيرة سبع دول هي: الولايات المتحدة، وبريطانيا، وهولندا، وكندا، وأستراليا، وبلجيكا، وأخيراً اليابان(2).
ويتخفى المنصرون في القاهرة وراء أنشطة اجتماعية، فقد نشرت الصحف المصرية (أن في مصر وبالذات الأحياء الفقيرة، مراكز تسمى بمراكز الخدمة الاجتماعية تتبع الكنسية الأسقفية تعمل بين التلاميذ والشباب
ــــــــــــــــــــ
(1) منار الإسلام ـ العدد الثامن ـ السنة الحادية عشرة مجلة شهرية إبريل 1986 تصدر في أبوظبي.
(2) الجذور التاريخية لإرساليات التنصير الأجنبية في مصر/ دراسة وثائقية د.خالد محمد نعيم ـ كتاب المختار ـ الطبعة الأولى 1988 ص 348.
ـ 38 ـ
في مجال التنصير)(1) ويقول أحد المنصرين الأجانب في القاهرة (أن هذه المراكز تتبع أسلوب التنصير وتقديم الخدمة الاجتماعية في آنٍ واحد) وتأمل في إيجاد كنيسة قبطية إنجليزية موحدة، وأضاف، وقد عقد في القاهرة مؤخراً ـ ولم يحدد التاريخ ـ ما وصف باحتفال مسيحي استمر أربعة أيام موجه للمسيحيين بالاسم، وتم في هذا الاحتفال تعريف حوالي 2500 شخص بالإنجيل مما أدى إلى اتخاذ المئات منهم قرار التعمق والالتزام بالإيمان)(2).
وفي أواسط الفاتح (سبتمبر) 1986 عقد في القاهرة مؤتمر لكافة الكنائس الإنجليزية العاملة في إفريقيا وحضره ممثلون عن (كنيا، أوغندا، تنزانيا، نيجيريا، غرب إفريقيا، جنوب إفريقيا، زائير، ومصر) وقام بتمويل المؤتمر مجلس الكنائس العالمي المعروف بنشاطه التنصيري الخطير(2).
وتوجد في لبنان مؤسسات تنصيرية تدعى منظمة نشر المسيحية في الشرق الأوسط أسست عام 1979 نتيجة لاتحاد هيئة المطبوعات التنصيرية العربية والإرسالية(التبشيرية) بلبنان والهيئة التبشيرية العامة للشرق الأوسط تدّعي نشر المسيحية في الشرق الأوسط وهدفها المعلن في مطبوعاتها هو نشر الإنجيل في دول الشرق الأوسط وغيرها من المناطق من خلال النشاطات التعليمية، والرعاية الصحية والمطبوعات ووسيلة هذه المنظمة التنصيرية إلى ذلك هي التعاون مع الكنائس أو الهيئات المسيحية في الإقليم أو الدولة التي تعمل فيها(4).
وقد قامت بعض العصابات التنصيرية في لبنان ببيع حوالي (1000) طفل لبناني يتيم(5)، من أبناء المسلمين إلى المؤسسات التنصيرية في أوربا
ــــــــــــــــــــ
(1) الجذور التاريخية للإرساليات التنصيرية وكتاب المختار ط 1 دراسة وثائقية د.خالد محمد نعيم ط 1988 ص348.
(2) نفس المصدر السابق ص 342.
(3) نفس المصدر السابق ص 349.
(4) نفس المصدر السابق ص 15.
(5) نفس المصدر السابق ص 344،345.
ـ 39 ـ
والولايات المتحدة الأمريكية وقد أشرفت الأم تيريزا المنصرة المشهورة على عملية ترحيل تهجير أيتام المسلمين اللبنانيين خلال الحرب اللبنانية بدعوى إيوائهم، وكان الهدف الحقيقي من وراء إيداعهم ملاجئ الكنيسة وتنشئتهم على النصرانية أو إعطائهم لعائلات مسـيحية لتربيتهم وتحويلهم عن الإسلام(1).
ويمضي التنصير في العالم الإسلامي على قدم وساق وتعتبر نيجيريا من أولى الدول المستهدفة باعتبارها أكبر الدول الإسلامية في إفريقيا وتشكل الإرساليات التنصرية خطراً حقيقياً حيث تمتلك هذه الإرساليات الغربية أعداداً ضخمة من المدارس والمؤسسات إلى جانب المحطات الإذاعية التي تذيع برامجها باللغة العربية وفي تقرير عن النظام التعليمي في نيجيريا تبين (أن الكنائس والهيئات التنـصيرية تهيمن على قطاعات كبيرة من المدارس التابعة لهذا النظام، وفي المدارس التابعة للمنصرين والكنائس يجبر التلاميذ المسلمون على اعتناق المسيحية وإلا طردوا من المدرسة)(2).
وفي بنجلادش لجأ المنصرون إلى استخدام أجهزة تشغيل الأشرطة التي لا تعمل بالكهرباء أو البطارية وإنما بالتشغيل اليدوي، وذلك للوصول إلى الفلاحين المسلمين الأميين في المناطق البعيدة.. وبينما لا يزيد المسيحيين الكاثوليك من بنجلادش عن (170) ألف نسمة من بين (95) مليون مسلم فإن الكنيسة الكاثوليكية تدير عشرات المدارس من مستوى الحضانة إلى التعليم المتوسط وعشرات المستشفيات والمستوصفات المتنوعة الاختصاص، والملاجئ، وتقيم الكنيسة كذلك معاهد فنية ومصارف للتسليف، ومع كل ذلك لم تنجح الجهود التنصيرية بالقدر المطلوب فلجأت المؤسسات التنصيرية إلى الاستعانة بقساوسة يعرفون اللغة العربية وقدراً من المعلومات عن الإسلام.
ــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق ص:15.
(2) نفس المصدر السابق ص:17.
ـ 40 ـ
وقد نشرت صحيفة سنجيا التي تصدر في مدينة (1) (دكا) أن (البعثات التنصيرية نشطة جداً وتتلقى إعانات مالية ضخمة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ودولة العدو الصهيوني). (وقد خصصت إحدى الهيئات التنصيرية فرق عمل خاصة للدعاية في أوساط المسلمين فقط، الموجودين في بلدان غير إسلامية، وفي خططها استهدفت حوالي (25) ألف مسلم من السنغال يعيشون في مدينة (برمنجهام) الإنجليزية وتتضمن خطة عمل هذه الهيئات ثلاثة أهداف رئيسية مصادقة العمال المسلمين المتعطلين ومحاولة كسبهم إلى المسيح والثاني : استخدام النساء غير المتزوجات لمصادقة النساء المسلمات وتعليمهن الحياكة، واللغة الإنجليزية، ورعاية الطفل، والعقيدة المسيحية، أما الهدف الثالث فيتضمن إنشاء مقاهي لاستضافة المسلمين فيها وحادثتهم وعرض أفلام الفيديو المسيحية عليهم)(2).
وذكرت الصحيفة أن جيشاً من المنصرين في انتظار إشارة البدء في أكبر عملية استهدفت تحويل القارة الإفريقية كلها إلى قارة مسيحية قبل عام (2000) وتم رصد مبلغ ثلاثة مليارات من الدولارات من أجل تحقيق هذا الغرض سنوياً، وقد أطلق على هذه العملية اسماً حركياً خاصاً هو(عملية المسيح الكبرى)(3).
أما إندونيسيا فتتعرض لهجمة تنصيرية شرسة، وتستخدم المؤسسات التنصيرية فيها المؤسسات العلاجية والدوائية بالإضافة إلى المؤسسات التعليمية والاجتماعية الأخرى وقد بلغ عدد الصيدليات التنصيرية (245) صيدلية كنيسة أما المستشفيات فوصل عددها (80) مستشفى أما العيادات المتنقلة فبلغ عددها (35) عيادة ويعمل في هذه المؤسسات جيش جرار من
ــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر السابق ص:18.
(2) نفس المصدر السابق ص:19.
(3) نفس المصدر السابق ص:19.
ـ 41 ـ
والمنصرين من الأطباء والصيادلة والممرضين وهؤلاء جميعاً تلقوا إلى جانب العلوم الطبية دورات تدريبية (1).
أما المدارس فتنتشر في كافة جزر إندونيسيا، وفي جاكرتا وحدها (23) مدرسة وفي كليمنتين (34) مدرسة، وهناك دور النشر التي تعمل على نشر المعرفة المسيحية وأبرزها دار نشر الإنجيل في جاكرتا وتصدر في المتوسط (50) عنواناً في الشهر الواحد(2)، وقد وصل عدد الكنائس العاملة في إندونيسيا نحو (24) ألف كنيسة ويتبع هذه الكنائس أكثر من (30) ألف بين منصر وقسيس وإذا قسمنا عدد المسيحيين الإندونيسيين على عدد الكنائس فإننا نجد أن هناك كنيسة واحدة لكل (100) مسيحي.
وللمنصرين (17) مطاراً فوق الأراضي الإندونيسية لا يجوز لغيرهم استخدامها وقد قسمت الكنيسة إندونيسيا إلى (41) منطقة وأوجدت في كل منطقة مركزاً رئيسياً يشرف عليها ويتكون من هيئة من رجال الدين المسيحي، وتقوم هذه الهيئة بكتابة البقارير إلى الهيئة المركزية العامة في جاكرتا، حي يعقد مؤتمر عام للمنصرين في العاصمة مرة كل ثلاثة شهور(3).
وفي 1975 عقد مؤتمر جاكرتا وحضره (3000) منصر وكانوا ضيوفاً على الحكومة الإندونيسية وجاءوا من كل حدب وصوب ليتباحثوا في أنجع السبل الممكنة لتحويل المسلمين إلى النصرانية. وللفاتيكان ممثل في جاكرتا كما أن لمجلس الكنائس العالمي والكنيسة البروتستانتية والمخابرات الأمريكية ممثلين.
وقد وقف شعب الإندونيسي المسلم وقفة جادة في مواجهة عمليات التنصير وتحدى أكثر من مرة السلطات الإندونيسية المساندة لهذه البعثات التـنصيرية، حيث أنها تنعم بالحماية والحرية في عهد الرئيس سوهارتو الذي
ـــــــــــــــــــــ
(1) رسالة الجهاد العدد 49 والعدد 35.
(2) نفس المصدر.
(3) رسالة الجهاد العدد 49 ص:35.
ـ 42 ـ
يحلو للبعض بجنرال الكنيسة، وقد كان آخر الصدامات المسلحة بين المسلمين ونظام الحكم أحداث فبراير 1989 حيث احتجت جماهير المصلين في سومطرة الجنوبية على سياسة سوهارتو التنصيرية القمعية (1).
وفي بلغاريا تعرض 45000 مسلم من أصل مقدوني في عام (1958) لأضخم عملية إبادة إذ أبيد عشرات الآلاف وزج في السجون الكثير، وفيما بين 1957-1970 تعرض المسلمين المنحدرون من أصل تركي والبالغ عددهم 1.5مليون نسمة لخطة واسعة ومدروسة لتغيير هويتهم الإسلامية(2). وللقضاء على تقاليدهم وأعرافهم وتاريخهم من خلال الإسلام والمسلمين وتسخر من دينهم وعبادتهم وقد أعدت الدولة لإبادة المسلمين فرقاً إرهابية خاصة تسمى (الدوسو) وأشربت هذه الفرق روح العداء للمسلمين الذي صورتهم الدولة كعملاء وجواسيس وحكام سابقين للبلغار ولم تكتف السلطات البلغارية بعمليات الاضطهاد الثـقافي والديني السياسي ضد هؤلاء المسلمين الأبرياء بل قامت بنقلهم عنوة وبإلقائهم على الحدود التركية في وضح النهار وعلى مرأى ومسمع من العالم الذي يسمى بالعالم الحر، وحين يقع الاضطهاد على المسلمين فإن صمماً سريعاً يعطب سمع الهيئات الدولية وحين يبطش بالمسلمين تعصب منظمات حقوق الإنسان عينيها وتغط في نوم عميق، والمتفحص للأعمال القمعية البلغارية لا يجد كبير فرق بينها وبين أعمال محاكم التـفتيش التي شهدتها إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر الميلادي وأوائل القرن السادس عشر الميلادي حين أرغم المسلمون على تغيير دينهم وأسمائهم وحين طردوا تاركين أموالهم وديارهم. ويذكر التاريخ أن محاكم التـفتيش كانت تعدم شنقاً أو حرقاً كل من يرفض الدخول في النصرانية وكانت تحرق أولئك الذين كانت لهم ممتلكات ثمينة، وشيئاً من هذا القبيل فعلته
ـــــــــــــــــــ
(1) إذاعة لندن 12 من النوار(فبراير) 1989 نشرة الظهيرة.
(2) رسالة الجهاد العدد 84 ص:22.
ـ 43 ـ
السلطات البلغارية حين مكنت البلغار من الاستحواذ على ممتلكات(1) المسلمين وأراضيهم ظلماً وعدواناً لا لذنب اقترفوه وإنما لتشبثهم بدينهم وثـقافتهم فأين مدنية القرن العشرين؟ وأين مبادئ حقوق الإنسان؟ وأين ديمقراطية العالم الحر المزعومة حين يجبر المسلمون علانية ومن خلال القوانين على تغيير أسمائهم الإسلامية وعلى ارتداء الملابس الإفرنجية العارية، وحين تهدم مساجدهم أو تغلق، حيث بلغ عدد المساجد التي هدمتها السلطات البلغارية أو أغلقتها أكثر من (1500) مسجد(2). كل هذا حدث ويحدث في السنوات القليلة الباقية من القرن العشرين على مرأى ومسمع من العالم فلا يتحرك منه أحد ما دام العدوان منصباً على المسلمين إما لو حدث العكس وتعرض واحد من النصارى لشيء من المضايقة، فإن منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية سوف تقيم الدنيا وتقعدها.
أما ما يحدث للمسلمين في اليونان فلا يختلف كثيراً عما يحدث لإخوانهم في بلغاريا حيث تعرضوا لطمس الهوية ومصادرة(3) الممتلكات، كما أجبروا على الهجرة بوسائل قمعية مختلفة وأخذ جانب من أراضيهم ومنحه للكنيسة، ومما يؤكد مدى التعصب الذي يستعر في صدور المسؤولين اليونانيين رفض حتى الآن بناء مسجد كبير للمسلمين في العاصمة أثينا، وحملهم المسلمين اليونانيين على ترك ديارهم وممتلكاتهم والهجرة إلى تركيا أو أي بلاد أخرى.
ولا تتسع هذه الصفحات الأخبار التنصير والمنصرين فأعمالهم تتسع لتشغل مئات المجلدات وممارسات الدول الغربية ضد الإسلام والمسلمين لا تتوقف وقد كان آخر موقف الحكومة الفرنسية المتعصب الحاقد من الفتيات المسلمات وكذلك موقف حكومة السويد المعادي للإسلام والمسلمين حيث
ــــــــــــــــــــ
(1) رسالة الجهاد العدد 85 ص:10-15.
(2) رسالة الجهاد العدد 85.
(3) صحيفة الرأي العام القاهرة ـ العدد 72 ـ 15 شهر النوار فبراير 1987.
ـ 44 ـ
أصدرت في يناير 1987 قانوناً يجيز تنصير(2) الأطفال المسلمين فماذا نحن فاعلون للرد على هذه الأعمال التنصيرية القمعية؟ وماذا يمكن أن يحدث من جانب القوى المسيحية الغربية الحاقدة لو أننا قعدنا عن مجابهتها ولم نضرب على أيديها؟.
هذه الأعمال التنصيرية تكررت بصورة أبشع في القارة الإفريقية الوثنية عندما وطأتها أقدام الأوربيين في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، والفصول التالية من هذا الكتاب تخصصها لفضح العلاقة بين الإرساليات التنصيرية والاستعمار، فقد عملت الإرساليات التنصيرية كطلائع للجيوش الاستعمارية منذ البداية، وعندما بطش البرتغاليون بالأفارقة واقتـنصوهم فعلوا ذلك باسم المسيح فالتنصير والاستعمار وجهان لعملة واحدة.
ــــــــــــــــــــ
(1) صحيفة الرأي العام القاهرة العدد 72 ـ 15 شهر النوار فبراير 1987.
الفصل الثالث
القنص باسم المسيح
قنص الأفارقة باسم المسيح
الملكة إليزابيت الأولى وتجارة الرقيق
البداية:
كان النصف الجنوبي من القارة الإفريقية حتى القرن الخامس عشر آمناً مطمئناً لا تصل إليه أيدي الأوربيين ولقرون عديدة وقف الوجود العربي الإسلامي من الأندلس حائلاً في وجه الأوربيين، فشكل بذلك خطاً دفاعياً لإفريقيا، ولكن هذا الأمن لم يدم طويلاً فبعد انحسار المد الإسلامي من الأندلس احتل البرتغاليون سبتة من المغرب[1]. سنة 1415 م، وخلف جون الأول هنري الملاح عليها، وكان هذا الأخير محباً للبحر حانقاً على العرب طامعاً في ذهب إفريقيا[2] لذلك قرر التعامل مع القارة مؤملاً فتح طريق مائي عبر إفريقيا من المحيط إلى البحر الأحمر، ومن ثم إلى الهند وبذلك يتحطم الاحتكار التجاري مع الشرق وتصبح البرتغال دولة كبرى[3].
ولم تكن هذه كل أحلام هنري الملاح بل كان يتطلع إلى حصر الإسلام والمسلمين من الشمال ومن الجنوب أيضاً بدول مسيحية، وبهذا اختلطت منذ البداية الأطمال الاستعمارية بالجهود التنصيرية وارتبطت كل واحدة بالأخرى.
وفي سنة 1418 بدأت أولى المحاولات البرتغالية لتحقيق هذه الأهداف ونجح البرتغاليون في هذا العالم بإعادة اكتشاف ماديره[4] ثم باكتشاف جزر الآزور سنة 1444م، وتوالت البعثات الكشفية ولكنها بدلاً من أن تفتح طريقاً مائياً عبر إفريقيا أكبر مما كانوا يعتقدون وأن خريطة بطليموس ليست صحيحة، وفي سنة 1497 تمكن فاسكودا جاما من الدوران حول الرأس الذي اصبح اسمه فيما بعد رأس الرجاء الصالح، ووصل بعد ذلك بمساعدة ابن ماجد إلى الهند، وتوالت بعد هذه التاريخ رحلات البرتغاليين إلى الهند، وجزر الهند الشرقية، وعادت بعد كل مرة محملة بالمنتجات الهندية وبالأفارقة السود ليباعوا في أسواق أوربا، وبدأت بذلك تجارة
الرقيق المختطف من إفريقيا، ولم يدخر الأوربي جهداً ولا وسيلة في قنص الأفارقة ونقلهم عبر البحار إلى أوربا والأمريكتين. واستمرت تجارة الرقيق على أشدها قروناً عديدة، ولم يفرق الأوربيون في حقيقة الأمر بين الاتجار بالقطن والدجاج وبين الاتجار بالبشر طالما أن هناك ربحاً وفيراً.
قنص الأفارقة باسم المسيح:
واعتبر البرتغاليون منذ البداية اقتناص الأفارقة من الشواطىء الإفريقية وبيعهم في أوربا وغيرها عملاً مقدساً، إذ تم بعد اختطافهم اقتيادهم إلى أوربا وتعميدهم ثم جرى بيعهم وتسخيرهم للعمل في ضياع الأمراء الإقطاعيين، ونطر الأوربيين إلى هذا الأمر نظرة عادية طبيعية فالمسيحية إنقاذ لأرواح هؤلاء الزنوج أما أجسادهم فتبقى في الرق، ومرسوم سنة 1455 البابوي اعتبر غير النصارى كفاراً[5] ينبغي إذلالهم واسترقاقهم، وهكذا تطلع البرتغاليون إلى الأفارقة نظرة السيد للعبد، وجرى القنص والاختطاف باسم المسيح والقديسين، ولم يفكر الأوربيون في هذا الوقت بتنصير السود أو بتحريرهم وإنما كان جل اهتمامهم اختطافهم وتسخيرهم في أشق الأعمال وفي إعمار واستغلال العالم الجديد.
وينقل لنا أحد المعاصرين للحملات البرتغالية صورة حية لما فعله البرتغاليون بالأفارقة عندما اشتبكوا معهم، ويوضح لنا كيف أن عمليات القنص قد تمت باسم المسيح والقديسين والقديسات فيقول: (كان رجالنا يهتفون) القديسة ياجور، القديس جورج، البرتغال، ويسقطون عليهم فيقتلون أو يخطفون كل من تقع عليه أيديهم، وقد تشاهد هناك أمهات يهربن بأطفالهن، وأزواجاً يفرون بزوجاتهم، وكل منهم يبذل قصاراه للنجاة، يقفز بعضهم في البحر ويرى بعضهم أن يختبىء في أركان أخصاصهم، وخبأ البعض أطفالهم تحت الشجيرات... حيث كان رجالنا يعثرون عليهم. والله الذي يمنح كل إنسان ما يستحق من جزاء، وهب رجالنا آخر الأمر النصر على أعدائهم، تعويضاً لهم على ما بذلوه من عناء في خدمته أخذوا مئة وخمسة وستين بين رجال ونساء وأطفال ولم يحسب القتلى في هذا العدد).
وازدادت بمرور الوقت شراسة الحملات البرتغالية واتسع نطاقها وتنافست الدول الأوربية في جلب الرقيق من إفريقيا ودخلت الميدان إلى جانب البرتغال وهولندا وإنجلترا ثم فرنسا، ونجح هؤلاء في تفريغ القارة من سكانها، فبينما حققت كل من أوربا وآسيا زيادة طبيعية لا بأس بها، ظل عدد سكان القارة الإفريقية مستمراً عند المائة مليون نسمة، والجدول الآتي يبين ذلك:
(بالمليون نسمة)
|
1900 |
1850 |
1750 |
1650 |
العام |
|
القارة |
||||
|
120 |
100 |
100 |
100 |
إفريقيا |
|
423 |
274 |
144 |
103 |
أوربا |
|
857 |
656 |
437 |
257 |
آسيا |
وقد جرى نقل الأفارقة من قراهم إلى المزارع الكبيرة التي يملكها الأوربيون من أوربا والأمريكتين أو حتى في مورشيوس ورينون وسيشل، وقد تنافست الدول الأوربية في عمليات الاسترقاق والاختطاف وازدهرت المدن والموانىء الأوربية إلى درجة كبيرة ومن بينها ليفربول وبيستول ونانت وبوردو وإشبيلية[6].
الملكة إليزابت الأولى وتجارة الرقيق:
ولم تقتصر تجارة الرقيق على القراصنة والمغامرين بل تورط فيها الملوك والأمراء ورجال السياسة والدين ويذكر الداعية ديبوا ما يلي من تقرير خاص بعام 1862: (تفوق أعداد الناس المتورطين في تجارة الرقيق وكمية الأموال الموظفة بها طاقتنا عن التقدير وتعتبر مدينة نيويورك حتى الأيام الأخيرة من عام 1862 الميناء الرئيسي في العالم لهذه التجارة الآثمة بيد أن مدينتي بورتلاند وبوسطن تأتيان وحدهما في المرتبة الثانية من ذلك التصنيف)[7] وقد بلغت أرباح تجارة الرقيق أرقاماً خيالية وقد قام جون هوكنر على سبيل المثال بثلاث رحلات إلى غرب إفريقيا في ستينات القرن السادس عشر واختطف أفارقة وباعهم للإسبان من أمريكا وأغرت أرباحه الطائلة ملكة برطانيا إليزابيت الأولى فأرسلت في طلبه وعرضت عليه رغبتها في مشاركته في هذه التجارة الآثمة فوافق من فوره وقدمت لهذا الغرض سفينة تحمل اسم (المسيح) أو (يسوع) وبالفعل أبحر هوكنر على ظهر السفينة الكبيرة يسوع لاختطاف وسرقة المزيد من الأفارقة، وعاد إلى إنجلترا بإيرادات هائلة جعلت الملكة إليزابيت تمنحه لقب فارس[8] واختار هوكنر أن يكون شعار النبالة الخاص به على شكل إفريقي مقيد بالسلاسل الأمر الذي يفضح الطبيعة السادية العدوانية للرجل الأوربي الأبيض[9].
وشهدت هذه القرون استنزافاً لموارد إفريقيا البشرية والمادية وعلى السبيل المثال لا الحصر فقد جمع الملك ليوبولد الثاني حتى 1906 حوالي (20) مليون دولار من المطاط والعاج، ويقدر البلجيكيون أن حجم رأس المال الأجنبي المتدفق إلى الكونغو بين عام 1887، 1953 قد بلغ (5700) مليون جنيه كما حقق اتحاد كانتجا أرباحاً سنوية وصلت إلى (27) مليون جنيه في العام الواحد، ونزح رأس المال الأجنبي المصادر الطبيعية الإفريقية كالفوسفات والذهب والبترول الزنك والنحاس والحديد والبوكسايت والقصدير ورواسب التبر)[10].
وهكذا فقد جرى قنص الأفارقة منذ القرن الخامس عشر الميلادي باسم المسيح وتم نقل وبيع الأفارقة في أقاصي الأرض وأدانيها باسم المسيح، ورغم تعميد هؤلاء الأفارقة وإدخالهم في المسيحية غصباً وبمجرد وصولهم إلى موانيء الشحن والتفريغ فإن عبوديتهم ظلت قائمة، وادعى المسيحيون الأوربيون أن المسيحية قد خلصت أرواحهم فقط[11] أما أجسادهم فتبقى في الرق، ولذلك لم تأخذ الرحمة أو الشفقة قلب الرجل الأبيض فسخر السود في إدارة الطواحين والآلات وفي جر العربات وشق الطرق وحفر المناجم وحمل الأثقال وما إلى ذلك من أعمال شاقة ويتساءل المرء كيف تكونت النظرة الفوقية العنصرية عند الرجل الأوربي الأبيض، وما دور الكتاب المقدس في تكوين هذه النظرة؟ وإلى أي حد ساهم هذا الكتاب في معاملة الأبيض السيئة للأسود؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة هي موضوع الفصل القادم من هذا الكتاب.
الفصل الرابع
المسيحية ووجدان الرجل الأوربي
نصوص الكتاب المقدس
مجمل رأي الأوربيين من الأفارقة
يشعر المرء بالدهشة حين يقرأ أو يشاهد أعمال الرجل الأوربي الأبيض في القارة الإفريقية السمراء، وتزول هذه الدهشة حيت نتعرف على مصادر ومكونات وجدان هذه الرجل، فوجدان الأوربي وجدان عنصري حاقد ومشوش، والكتاب المقدس من المصادر الهامة التي شكلت هذا الوجدان، كما لعبت الكنيسة دوراً هاماً في هذا الصدد حيث كانت تسمح بأداء بعض التمثيليات الدينية في ساحاتها.
ففي الذكرى السنوية للقديس نقولا التي يحتفل بها الأوربيون في غرب أوربا[12] يمثل هذا القديس الطيب كاهن أبيض على جواد أبيض يوزع الصدقات بينما خادمه بطرس الأسود الذي يحمل الحقيقة السوداء ينشر الخوف والرعب ويخطف الأطفال الأشقياء، وفي اللحظة التي يهم فيها العبد بإمساك الطفل يتبعه القديس ويمنع الاعتداء عليه وسط تهليل وتصفيق الحاضرين وصيحاتهم[13] وسواء أكان الخادم من السود أم من مصر أو المغرب فإن هذا لا يغير من جوهر الفكرة التي يمثلها هذا الاحتفال وهي سيطرة الأبيض، وخيرية الأبيض في مقابل دونية الأسود والملون وعدوانيته.
هذه النظرة العنصرية لها أصولها في الكتاب المقدس فقد ورد في التوراة أن نوحاً سكر يوماً ثم تعرى ونام في خبائه، فاتفق أن ابنه حاماً أبصره على هذه الحال فلما استيقظ نوح وعلم أن حاماً قد أبصره عارياً دعا عليه ولعن نسله الذين هم كنعان وهاك القصة كما وردت في سفر التكوين:
(كان بنو نوح الذين خرجوا من الفلك ساماً وحاماً ويافث وحام وهو أبو كنعان. هؤلاء الثلاثة هم بنو نوح. ومن هؤلاء تشعبت كل الأرض.
وبتدأ نوح يكون فلاحاً وغرس كرماً. وشرب من الخمر فسكر وتعرّى داخل خبائه فأبصر حام أبو كنعان عورة أبيه وأخبر أخويه خارجاً. فأخذ سام ويافث الرداء ووضعاه على أكتافهما ومشيا إلى الوراء وسترا عورة أبيهما ووجهاهما إلى الوراء. فلم يبصرا عورة أبيهما، فلما استيقظ نوح من خمره علم ما فعل به ابنه الصغير، فقال ملعون كنعان عبد العبيد يكون لأخوته، وقال مبارك الرب إله سام وليكن كنعان عبداً لهم. ليفتح الله ليافث فيسكن في مساكن سام وليكن كنعان عبداً لهم.
سفر التكوين (9 من 18 : 27)
والأوربيون يقرأون هذه الحكاية ويعتقدون بأنهم يافث وأن الزنوج هم أبناء كنعان بن حام ولذلك أفتى الأوربيون بجواز استرقاق الزنوج وأوجبوه بلفظ التوراة[14]. والتوراة أساس الدين وشهوده يهوه يرون أن العهد القديم هو الممهد الأساسي للعهد الجديد وأنه لا يمكن فصلهما أو فهم الإنجيل بعد تجاوز التوراة[15].
وتفرغت عن حكاية العهد القديم حكايات وأساطير انتشرت في أجزاء متفرقة من العالم وكلها تعلي الرجل الأبيض وتحط من الأسود، وبينما تعترف هذه الحكايات للرجل الأبيض بالنقاء والطهارة لا تعترف بأن الأسود من البشر وإذا اعترفت فإن لونه الأسود لا بد أن يكون آية غضب الله عليه (وصمة قابيل).
وجاء في إحدى الأساطير التي اختلقها الرجل الأبيض، أن الله قد خلق الخلق سوداً كلهم وهيأ لهم جميعاً الفرصة لكي يتطهروا فاغتسل البيض وابيضت أجاسمهم أما الزنوج فلم ينظفوا إلا راحات أيديهم.
وتذهب قصة أخرى من جزائر فيجي إلى أن من أساء العمل صار أسود وأعطي قليلاً من اللباس ومن كان أقل منه سواءاً كان أسمر اللون وكان أكثر حظاً من الملابس أما من أحسن فقد ظل أبيض اللون وأعطي وفرة من الملابس.
وتذهب أسطورة ثالثة إلى أن الله رأى ثلاثة زنوج يبكون ولكي ينفى عنهم الحزن سمح لهم أن يغتسلوا ليصيروا ذوي بشرة بيضاء فلم يفعل ذلك إلا واحد منهم دون أخويه الآخرين. وهذا صار أبيض اللون جميل المنظر، فأكلت الغيرة قلب أحد أخويه، ولكن الماء قد نفذ فمسح بدنه بتربة الأرض الحمراء فصار لونه أحمر أما الثالث فلم يستطع إلا غسل راحتي يديه وقدميه وهي الأجزاء الوحيدة في جسمه التي أصبحت بيضاء.
نصوص الكتاب المقدس:
هذه الحكايات والأساطير تعطينا الخلفية الثقافية التي ساهمت في تشكيل وجدان أوربا الاستعمارية، وهي خلفية عنصرية أذكاها اختراع الأوربي للمدفع وابتكاره لوسائل الإشباع المادية وتفوقه التقني الواضح.
وللإنصاف والموضوعية فإن نصوص الكتاب المقدس الكثيرة قد غذت هذا الوجدان وأشربته بروح العداء والسيطرة، وجعلته وجداناً مجنوناً لا يقيم وزناً ولا اعتباراً للآخرين، فالأوربي يطالب الآخرين بالرضوخ والإذعان بينما يقوم هو بالتسلط والسيطرة، وكما يقال بأن الإسلام دين مقاتل للظلم والجور والاستغلال والعبودية يقال بأن النصرانية دين مرسخ للفقر والعبودية والاستغلال وإذا احتكمنا إلى نصوص الكتاب المقدس فإننا نجد فيها الكم الكبير من النصوص المثبطة للهمم الدافعة إلى الرضوخ والاستسلام، وهذا الكم من النصوص استخدمه الرجل الأبيض لتطويع الزنجي الإفريقي بينما اعتقد هو بتلك النصوص المغايرة في المضمون والاتجاه، فالمسيحية زاخرة بالنصوص التي تدعو للتسامح والمحبة، والإذعان، ولكن الرجل الأوربي لم يلزم نفسه بها بل طالب الآخر بذلك، وألزم نفسه بنصوص مغايرة تماماً ومن النصوص الداعية إلى الإذعان والتي رسخها الأبيض في وجدان الأسود.
(سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن، وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين).
إنجيل متى (الإصحاح السادس – الفقرة 25)
وكذلك النص التالي: (أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة في بساطة
قلوبكم كما للمسيح لا بخدمة العين. كمن يرضي الناس بل كعبيد ꗬ‹Ёደ¿ Ѐ걌[1]
橢橢쿽쿽Ё[1]ꖟꖟ㒳ὲlЀЀЀʀڀư࠰࠰࠰ࡄⳤⳤⳤⳤTⴸ¼ࡄ㔷Ő⸀⸀⸀⸀⸀⸀⸀⸀㐲[1]㐴㐴㐴㐴㐴㐴$㚇Ƞ㢧R㑘?࠰⸀⸀⸀⸀⸀㑘ى
الأغنياء:
(كل من له يعطي فيزداد ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه والعبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان).
(إنجيل متى – الإصحاح الخامس والعشرون – 29)
وفي العهد القديم نصوص عدوانية لا يمكن لمن يقدسها إلا أن يكون عدوانياً:
(هكذا قال السيد الرب، هأنذا اربع إلى الأمم يدي وإلى الشعوب أقيم رايتي فيأتون بأولادك في الأحضان وبناتك على الأكتاف يحملن ويكون الملوك حاضنيك وسيداتهم مرضعاتك، بالوجوه إلى الأرض يسجدون لك، ويلحسون غبار رجليك فتعلمين أني أنا الرب الذي لا يخيب من انتظره).
(1 شعيا: 49)
وفي موضع آخر: (حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح فإن إجابتك إلى الصلح وفتحت لك فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير، ويستعيد لك، وإن لم تسالمك بل عملت معك حرباً فحاصرها وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، وهكذا تفعل بجميع المدن البعيدة جداً التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيباً فلا تستبق منها نسمة ما).
سفر التثنية 20 : (10 – 11)
هذه النصوص التي يعتبرها النصارى مقدسة قد رسمت خطوطها في وجدان الأوربي فتمثلها وهضمها حتى أصبحت جزءاً من سلوكه فهو حين يغزو ويعتدي يطالب الآخر بالرضوخ والاستسلام، ولا يطالب الذات بما لا تهوى وتحب، وقد زخر الكتاب المقدس بقصص زنا المحارم، ووضعها في قالب محبب، فيهوذا يزني بكنته ثامار وتحمل فارص وزارح، وعير وأونان يرتكبون الخطايا، وهؤلاء يصبحون فيما بعد أجداد وأمهات أجداد (ابن الله الوحيد)، وابنتا لوط عليه السلام تزنيان بأبيهما بعد أن تسقياه خمراً، وتفعلان ذلك بدعوى حفظ النسل. وقصص الدعارة للأسف موجودة بين ثنايا الكتاب المقدس، وقد حملت هذه القصص والنصوص الأديب جورج برنارد شو إلى وصف الكتاب المقدس بأنه (من أخطر الكتب الموجودة على وجه الأرض، احفظوه في خزانة مغلقة بالمفتاح، احفظوه بعيداً عن متناول الأطفال)[16] وقد علقت جريدة الحقيقة المجردة على هذه القصص بقولها: (إن قراءة قصص الكتاب المقدس للأطفال يفتح الباب لفرص مناقشة العبرة وراء الجنس، وإن الكتاب المقدس إذا لم يهذب وينقح قد تعتبره مجالس الرقابة صالحاً للكبار فقط لمن جاوزوا الثامنة عشرة من العمر)[17].
وتحتل الخديعة حيزاً هاماً من الكتاب المقدس فيعقوب يتحصل على بركة أبيه إسحق بالخديعة، وأه رفقه تساعده على ذلك فتلبسه ثياب عيسو ابنه الأكبر، ثم يدخل على أبي إسحق ويدعي أنه عيسو ويعطيه من صيده، ويتحسسه الأب فلا يعرفه (لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه. فباركه. وقال: هل أنت هو ابني عيسو. فقال: أنا هو، فقال قدم لي لآكل ن صيد ابني حتى تباركك نفسي. فقدم له فأكل. وأحضر له خمراً فشرب فقال له إسحق أبوه تقدم وقبلني يا ابني، فتقدم وقبله. فشم رائحة ثيابه وباركه. وقال: انظر. رائحة ابني كرائحة حقل قد باركه الرب).
سفر التكوين 37 (31 : 37)
ونخلص مما سبق بنتيجة مؤداها أن الوجدان الأوربي وجدان حاقد ومتسلط، تغلب عليه النزعة المادية فالأوربي يسخر كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق مآربه، فحين اكتشف الأوربي إفريقيا الوسطى والجنوبية بدأ باسترقاق الزنوج الأفارقة الآمنين من الشواطيء الإفريقية ونقلهم إلى أوربا وباعهم في أسواقها ثم صعّد من أعماله العدوانية ووسع من تجارة الرقيق غير آبه بدين أو خلق، معتبراً الزنجي الإفريقي في مقام متدنٍ وفي مرتبة أقل.
مجمل رأي الأوربيين في الأفارقة:
إن وجدان الأوربي الأبيض الحاقد، وثقافته المريضة، جعلت نظرته إلى الأسود نظرة فوقية، وجعلت القارة الإفريقية بما فيها وما عليها من بشر غنيمة يغنمها، وقد لخص سيمونز في كتابه لون البشرة وأثره في العلاقات الإنسانية نظرة الأوربي الأبيض إلى الإفريقي الأسود فيما يلي[18]:-
- لون الزنجي الأسود يدل على سخافة عقله.
- الزنوج شهوانيون ولأجسامهم رائحة نتنة.
- الزنوج سطحيون ومتعلقون بالحلي وأدوات الزينة.
- الزنوج عراة وبدائيون ومعادون للحضارة المدنية.
- الزنوج وثنيون متعددو الآلهة ويجب إدخالهم في المسيحية غصباً.
هذه النظرة الخاطئة هي التي زينت للأوربي أعماله الوحشية، فإذا أضفنا على ذلك وجدانه المريض الحاقد، وجملة الظروف والعوامل التي أحاطت بالنمو الرأسمالي، أمكننا فهم الطبيعة العدوانية للشخصية الأوربية، فالكنيسة والكتاب المقدس لعباً دوراً خطيراً في استنزاف القارة بشرياً ومادياً، ثم لعبا الدور الأخطر في تفريغ الإفريقي من إفريقيته وفي استعمار القارة الإفريقية وربطها حتى بعد الاستقلال بالحضارة الأوربية، فاحتلت المسيحية مكان الصدارة في إفريقيا الوسطى والجنوبية كما اتخذت الشعوب الإفريقية اللغات الأوربية كلغات، وهكذا تمّ تهميش الثقافة الإفريقية واللغات الإفريقية وميهما بالعجز والقصور، فأصبحت إفريقيا المسيحية تابعة للغرب بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ ودلالات، وساهم المنصرون بالدور الأكبر في تطويع شعوب القارة للاستعمار، فكانوا طلائع الاستعمار وصنائعه وأدواته، ولم تكن المسيحية الأداة لإخضاع الشعوب وتضليلها.
الفصل الخامس
تلاحم التنصير والاستعمار في القارة الإفريقية
التنصير والاستعمار وجهان لعملة واحدة، هذه حقيقة أثبت التاريخ صدقها في القارة الإفريقية فحين رأت أوربا تطورها الرأسمالي يفرض عليها وقف استرقاق الأفارقة والبدء في استعمار قارتهم أرسلت جيوشاً جرارة من المنصرين وتزاحمت الجمعيات والإرساليات التنصرية، وبنيت الكنائس الجملية، وفتحت المدارس التنصيرية، ولم يكن الغرض منها جميعاً تمكين الأفارقة من العلم والمعرفة وإنما كان الغرض منها جميعاً تفريغ الإفريقي من إفريقيته وإنسانيته وإذا كان الاستعمار قد استهدف جسد الإفريقي وثرواته الطبيعية فإن التنصير قد استهدف روح الإفريقي وثقافته وتراثه وقد عبر الأستاذ سونو sono عن هذا المعنى بقوله:
(اتجه المستعمرون إلى استعباد جسد الإفريقي أما المنصرون فقد استهدفوا روحه)[19].
وحين حط المستعمرون في إفريقيا بادروا ببناء الكنائس الجميلة وصوروا المسيح زنجياً والعذراء زنجية، بملامح إفريقية محلية ونحتت تماثيل للعذراء أو المسيح باللون الأسود وبالملامح الزنجية وكان المنصرون يمثلون طلائع الاستعمار وعيونه وقواه الخفية المرئية ويقرأ أكثر من كاتب هذا الدور المزدوج للبعثات التنصيرية، يقول الدكتور والتر رودني: (وقد كانت البعثات (التبشيرية) المسيحية جزءاً من قوى الاستعمار إلى حد كبير مثلها في ذلك مثل المكتشفين والتجار والجنود، وربما يكون هناك مجال للمجادلة حول ما إذا كانت البعثات التبشيرية في مستعمرة ما هي التي جلبت قوى الاستعمار الأخرى أم أن العكس هو الصحيح، ولكن ليس هناك شك في حقيقة أن البعثات (التبشيرية) كانت أدوات الاستعمار من الناحية العملية وقد كان جونستون المغامر الإمبريالي بكره تلك البعثات (التبشيرية) لكنه قال في الثناء عليها: (كل موقع لبعثة تبشيرية هو تدريب على الاستعمار)[20].
وقد علق سيمونز على دور البعثات التنصيرية في إفريقيا بالقول: (جاء الرجل الأبيض إلى إفريقيا وبيده الإنجيل وأصبح الإنجيل بيد الزنجي)[21].
فالتنصير لم يكن إلا وسيلة ن وسائل الاستعمار شأنه في ذلك شأن المناديل القرمزية التي خدع بها الرجل الأبيض جموع السود الطيبين البسطاء إذ يذكر ايستبان مونتجو وهو إفريقي هرب من مزرعة كوبيه في القرن التاسع عشر أن شعبه قد وقع في حبائل الرق بواسطة اللون الأحمر حيث جاء البيض بمناديل قرمزية وأخذوا يلوحون بها من سفنهم، فاستثارت هذه المناديل السود وصعدوا إلى السفن الأوربية ليحصلوا على هذه المناديل القرمزية فوقعوا في الرق)[22].
فحين يقيم المنصرون الكنائس الجميلة وسط الحدائق الخضراء المحاطة بالأشجار الباسقة فإنهم لا يقصدون بذلك خدمة الرب وإنما خدمة القوى الاستعمارية التي ارتأت وقف الاسترقاق، واستعمار القارة لضرورات اقتصادية بحتة. فأرادت توجيه ضربتها الأخيرة القاصمة وهي الاستحواذ على الأرض والثروات الطبيعية وتقزيم الإفريقي وتفريغه من إفريقيته وثقافته وتراثه، والواقع الإفريقي منذ القرن الخامس عشر الميلادي حتى القرن التاسع عشر الميلادي يؤكد هذه الحقيقة ويدعمها. فطالما كانت أوربا مشغولة بفتح الأمريكتين وإفناء الهنود الحمر ونهب خيرات العالم الجديد اقتصرت على قنص الأفارقة واسترقاقهم نقلهم إلى الأمريكتين وأستراليا وأوربا ليعملوا في المزارع الواسعة ومناجم المعادن والذهب، وحين فرغت من مهمتها أدارت وجهها نحو القارة الإفريقية وكشرت عن أنيابها وبدأت حركة الاستعمار والأوربي وتزاحمت الدول الأوربية وتنافست وكانت تسويات مؤتمر برلين (1882) حيث تم توزيع مناطق النفوذ ورسم حدود إفريقيا المستعمرة المجزأة ومع اشتداد حركة الاستعمار الأوربي في إفريقيا جاءت الإرساليات التنصيرية من كل حدب وصوب ولم تكن قبل القرن التاسع عشر الميلادي قد ألقت بثقلها التنصيري ويحق للمرء أن يسأل لماذا لم تبدأ البعثات التنصيرية عملها منذ القرن الخامس عشر وهو تاريخ احتكاك أوربا بإفريقيا ولماذا لم تأخذ الرحمة قلب العالم المسيحي فيرسل المنصرين إلى إفريقيا الوثنية البدائية؟ ولماذا اقتصر نشاط الأوربيين على استرقاق الإفريقي واستعباده باسم المسيح؟ ثم أخيراً لماذا كان يعمّد الزنوج ثم يمنحون الأسماء المسيحية، ومع ذلك يستمرون في أغلالهم ورقتهم وعبوديتهم وبمعنى آخر: ما قيمة أن تصبح مسيحياً طالما ظللت عبداً منبوذاً، راسفاً في الأغلال.!!
وقد شهد مطلع القرن التاسع عشر بداية التدفق الاستعماري للقارة وهو نفس التاريخ الذي شهد تدفق الإرساليات التنصيرية إلى القارة، ومن هذه البعثات التنصيرية جمعية الآباء البيض white fathers التي تأسست في كل من نيجيريا والجزائر سنة 1868 ثم امتدت إلى منطقة البحيرات 1878 وإلى غرب إفريقيا 1885 وكذلك الجمعيات الآتية:
جمعية شهودة يهوه: Jehouas Witnesses وجمعية برلين التنصيرية: The Brlin Missonary وجمعية لندن التنصيرية The london Missonary Society وجمعية آباء الكنيسة الإنجليزية: Anglican Presbyterian بالإضافة إلى جمعيات الرومات الكاثوليك[23]: Roman lic Societies.
ويلاحظ أن الجمعيات البروتستانتية التنصيرية قد بدأت عملها مع نهاية القرن الثامن عشر وارتبطت بحركة الإصلاح الاجتماعي في إنجلترا[24].
أما الجمعيات الألمانية والفرنسية والأمريكية البرتستانية فقد تواجدت في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وقد حدث تنافس شديد وسباق بين هذه المؤسسات التنصيرية وكل واحدة من هذه المؤسسات حاولت كسب موقع جديد لها على حساب الأخرى، فالإرساليات التنصيرية الفرنسية والألمانية والسويسرية والأمريكية والرومانية والكاثوليكية تنافست فيما بينها تنافساً شديداً تماماً كما وقع في مؤتمر برلين (1881).
ولما نشبت
الحرب العالمية الأولى عام (1914) عاملت كل دولة في مستعمراتهاꗬ‹Ёደ¿ Ѐ걌[1]
橢橢쿽쿽Ё[1]ꖟꖟ㒳ὲlЀЀЀʀڀư࠰࠰࠰ࡄⳤⳤⳤⳤTⴸ¼ࡄ㔷Ő⸀⸀⸀⸀⸀⸀⸀⸀㐲[1]㐴㐴㐴㐴㐴㐴$㚇Ƞ㢧R㑘?࠰⸀⸀⸀⸀⸀㑘
إلا إذا حصل على إذن بذلك.
أما البلجيكيون فقسموا الإرساليات التي تريد دخول الكونغو قسمين: إرساليات وطنية وإرساليات غير وطنية، أما الإرساليات الوطنية فكانت في عرفهم تلك الإرساليات التي يكون ثلثا أعضاء المجلس الأداري فيها من البلجيكيين ولما احتلت إيطاليا الحبشة في عام 1936 اضطرت الإرساليات البروتستانتية إلى مغادرة الحبشة كلها[25].
فأهداف الإرساليات الأوربية كان استعمارياً قبل أن يكون تنصيرياً ولم تكن النصرانية إلا وسيلة استخدمتها هذه الإرساليات لتطويع الشعوب الإفريقية، ولتزيين الاستعمار أمام عينها، ولذلك تصارعت الإرساليات التبشيرية وتنافست بنفس الصورة والحدة التي كان عليها الصراع بين الدول الأوربية الاستعمارية، ولو كانت هذه الإرساليات تعمل من أجل المسيح والسلام لما اقتتلت فيما بينها، ولما وضعت العراقيل من جانب دولة ضد إرساليات الدولة الأخرى ولو كانت على نفس المذهب الذي تنتمي إليه الدولة المانعة.
وفي مطلع القرن العشرين بدأ الوعي الوطني ينمو بين الإفريقيين وأدركوا الصلة التي أقامها (المبشرون) بين الدين والسياسة وبتعبير آخر بين المسيحية والاستعمار، خاصة بعد أن عمت إفريقيا موجة من التمييز العنصري الفاضح، فقد مارس الأوربي الأبيض المستعمر سياسة التمييز العنصري وسياسة الفصل العنصري الذي لم يقتصر على شئون الحياة الاجتماعية بل تعداه إلى ممارسة الشعائر الدينية حيث حظر على الأفارقة السود دخول كنائس البيض، ومع افتضاح العلاقة بين التنصير والاستعمار ازداد الوعي الوطني في إفريقيا، وبدأت حركة إغتيالات واسعة بين (المبشرين) في الكونغو وغيرها، وقد عبر غروف عن افتضاح أمر (المبشرين) فقال: (إننا لا نستطيع أن نخفي عن أنفسها ولا عن غيرنا أن نفراً كثيرين يمثلون الجماعات الإفريقية أظهروا امتعاضاً شديداً من (التبشير) وأخبروننا أن الصلة بين الكنائس و (التبشير) وبين التعليم يجب في رأيهم أن تنتهي بسرعة، وكان هؤلاء إذا تكلموا في التعليم يقولون مدارسنا ومدارسكم يحددون بذلك الفرق بين مدارس الإرساليات (التبشيرية) وبين المدارس التي تريدها السلطات المحلية ومنهم من باشر قتل (المبشرين) في الكونغو وفي غير الكونغو.
وهكذا فإن العلاقة بين التنصير والاستعمار علاقة وثيقة وإن كان المنصرون قد نجحوا في إخفائها لقرون عديدة فقد شهد القرن العشرين وعي الإفريقي بهذه الحقيقة المرة، وإفريقيا المسيحية مطالبة اليوم بقطع صلاتها بالدول الاستعمارية التي نهبت واستنفذت خيرات القارة وحاولت طيلة القرون الماضية طمس تراثها وهويتها. فإفريقيا اليوم مطالبة بإحياء لغاتها وتراثها وثقافتها لتبقى إفريقيا الحرة المتميزة ومتفردة بعيداً عن هيمنة الغرب الحاقد الذي مدّ الكيان العنصري في اتحاد إفريقيا بكل إمكانيات التفوق المادي ومكنه من ممارسة أبشع أنواع التفرقة العنصرية، وبرغم قرارات الحصار الاقتصادي، فإن جميع الدول الأوربية والولايات المتحدة تمد جسور التعاون مع هذه الدولة العنصرية، غير عابئين بمعاناة السكان السود الأصليين، ولا آخذين في الاعتبار انتماء هؤلاء السود إلى المسيحية التي يتشدقون بنشرها في كل الأصقاع. إن عزة إفريقيا وكرامتها لا يمكن أن تكون بغير الإسلام، فهو الدين الوحيد الذي يساوي بين معتنقيه، ولا يسمح بأي تمايز مهما كان بين الإنسان وأخيه الإنسان.
الفصل السادس
وسائل التنصير في إفريقيا
لم يدع المنصرون وسيلة مهما كانت إلا واستغلوها لتحقيق اغراضهم وتراوحت أساليبهم بين الإغراء والشدة، واللين والقسوة، فمن الأساليب الرومانسية الساحرة إلى حرق القرى وإشعال النيران، وسخرت القوى الاستعمارية للتنصير الطلاب والمدرسين والأساتذة الجامعيين ورجال الدين والرحالة والمكتشفين والنساء الجميلات والمهنيين والمهنيات، ولم تدع أحداً يقدر على خدمة أغراضها إلا واستخدمته أو حاولت استخدامه، ومن بين الذين استخدمتهم الساسة والدبلوماسيين والعسكريين[26].
ويحدثنا الأستاذ سونو Sono عن تجربته الخاصة فيذكر أنه حين كان طفلاً في إحدى القرى الإفريقية كان يأتيهم المنصر صباح كل يوم أحد مرتدياً بزة بيضاء وقبعة بيضاء وقميصاً أبيض ورباط عنق أسود منتعلاً حذاء أبيض على ظهر حصان أبيض وكان يجيد لغتهم المحلية أكثر مما يجيدها بعض السكان المحليين[27] وكان اللون الأبيض في اعتقاده رمزاً للنقاء والطهارة ويستطرد الأستاذ سونو Sono)) فيقول (وأحياناً كان راعي الكنيسة فظاً قاسياً فيجمع العجائز والشيوخ بالسوط ثم يقتادهم إلى الكنيسة ولم يكن هذا عملاً إنسانياً ولا تبشيرياً كما يزعم هؤلاء المنصرون)[28].
ولجأ المنصرون في أحايين كثيرة إلى النساء فتوددوا إليهن بالهدايا والخرز والمناديل القرمزية والسلع الأوربية وبعد أن يتم إدخال المرأة في النصرانية يلحق بها أطفالها ويجري فصلها عن زوجها فلا يجد مناصاً من اعتناق النصرانية رغبة منه في اللحاق بأسرته، وفي أحايين أخرى كان التقرب إلى زعماء القبائل باعتبار أن كسب أحدهم سيجر من خلفه قبيلته)[29].
وبث المنصرون بين الإفريقيين اعتقاداً مفاده أن عرب الأفارقة (كونهم أنصاف عراة) من عمل الشيطان وأن الخطيئة قد التصقت بهم وأنه لا خلاص لهم من الخطيئة إلا باللجوء إلى المسيح فهو المنقذ والمخلص وقد أشاع المنصرون بين الأفارقة فلسفة التخويف والحشر والمناسك، وعمدوا إلى استغلال حب الإفريقي للموسيقى والغناء، فأقاموا لهم الحفلات الموسيقية ورتلوا بصحبتهم الأغاني الجماعية حتى أصبح الذهاب إلى الكنيسة عادة عند الإفريقي، وعندها بدأ إدخالهم في المسيحية وتعميدهم وطرح العقيدة المسيحية عليهم[30] مبتدئين بقصص القديسين والأبطال ثم بإخبارهم عن الأب الذي في السماء وعن الابن الذي هبط إلى الأرض لافتداء البشرية..الخ.
ونجح المنصرون في ترسيخ الماسوشية عند الإفريقي فربطوا بين تقدم الأوربي التقني والعلمي وبين فوقيته ذلك ضمناً بتخلف الإفريقي ودونيته وهو أمر قد يتاح للإفريقي إذا ما اعتنق المسيحية ولم يكن مثل هذا القول إلا دعاية فارغة، حيث عملت حيث عملت الكنيسة بعد سيطرتها على الأفارقة على بث الأفكار والمبادىء والمثبطة للهمم الداعية إلى الإذعان والخنوع والخمول.
واستخدم المنصرون النساء وخاصة في مجال الخدمة الاجتماعية والرعاية بدعوى تعليم الإفريقيات لبعض الصناعات والمهن المحلية وقد لخص مؤتمر قسطنطينة عمل المنصرات بين الفتيات والنساء اللواتي تعضهن الحاجة بما يلي: (إن الحاجة الملحة المستعجلة إنما هي إنشاء بيت أو بيوت للفتيات المطلقات وللأرامل الصغار ويجب ألا تكون هذه البيوت مؤسسات كبيرة. بل أماكن يخيم عليها الجو العائلي ثم تفرق النساء حسب أحوالهن وحاجاتهن وكذلك إقامة هؤلاء النساء في تلك البيوت يجب أن تقصر أو تطول حسب المقتضيات الشخصية لكل واحدة منهن ثم إن كل فتاة يجب أن تعلم من الصناعات المحلية ما يمكنها العيش به بعد أن تغادر تلك البيوت[31].
(وأخيراً نرى أن أمثال هؤلاء النسوة يكون في أثناء إقامتهن في هذه البيوت تحت تأثير الإنجيل ثم إننا نختار منهن أولئك اللواتي يرجى أن يمرن أكثر من سواهن ليكنّ بدورهن منصرات بين قومهن وقد اعتنق الفرنسيون هذا الرأي في التبشير بين النساء)[32].
ومن الوسائل التي استخدمها المنصرون الأندية وبيوت الشباب ومثل هذه الأندية والبيوت لم يبنها الأوربيون ليستمتع الشباب فيها بالثقافة والمعرفة أو يروحوا عن أنفسهم داخلها وإنما لتجتذب الشاب الإفريقي وخاصة المسلمين ليستعموا إلى أصوات (المبشرين) الإنجليز والفرنسيين والهولنديين والأمريكان..الخ.
وهي فضلاً عن ذلك وسيلة لنشر الثقافة الغربية وقيم الحضارة الاستهلاكية الغربية التي تعتبر مقدمة لتنصير الأفارقة وقبول النمط الغربي في الحياة.
وقد استغل المنصرون الأوربيون بيوت الشباب لإيواء ضحايا الحروب من الأطفال والصغار (الصبيان والبنات) الذين أصبحوا بلا بيوت ومثل هذه البيوت كانت أمكنة للتدريب على الأساليب المسيحية وقد اعتمد الفرنسيون البروتستانت على هذا النوع من الأندية والبيوت في شمال إفريقيا وجنوب الجزائر على الأخص للتبشير وبسط النفوذ[33]. وهناك نفر من المنصرين جاءوا إلى إفريقيا تحت ستار الاستكشافات الجغرافية والجيولوجية ومن هؤلاء وليم غودل وهالي سميث ووليم طومسون الذي ظل يعمل منصراً تحت ستار العلم في الشرق العربي لأكثر من خمسين عاماً[34].
واشتهر في إفريقيا من بين هؤلاء دافيد ليفنجستون (1813 – 1873) الذي أعد ليكون منصراً منذ سنواته الأولى حيث كان يعمل في جمعية التنصير اللندنية: The London Missionary.
ومهمتها الأساسية دراسة مشاكل التنصير في إفريقيا الاستوائية والعمل بين صفوف الأفارقة الوثنيين البدائيين وفي عام (1866) كان ليفنجستون لا يزال يفكر في التجارة أكثر من الاستعمار وبما أنه كان منصراً مسيحياً وعضواً في هيئة تنصيرية فقد بحث عن نهر تستطيع السفن أن تبحر فيه إلى داخل إفريقيا.
لقد ظهر ليفنجستون واشتهر أمام العالم كرحالة إنجليزي اخترق أواسط إفريقيا من مرفأ سان بول دي لاوندا في انجولا البرتغالية شرقاً إلى كليمان عند مصب نهر زامبيزي في مضيق الموزمبيق تجاه مدغشقر شمال خط العرض العشرين غرباً[35].
ومن واقع الأمر لم يكن ليفنجستون عاشقاً للاستكشاف محباً للعم والمعرفة بقدر ما كان يبحث عن أراضٍ جديدة وطرق جديدة يسلكها المنصرون والمستعمرون ويبثون فيها سمومهم ويستنزفون منها ثرواتها.
ويعتبر الكتاب من أخطر وسائل التنصير في إفريقيا وغيرها والمنصرون يحرصون على نشر الأناجيل الأربعة بالإضافة إلى التوراة وقد أعلن اتحاد جمعيات الإنجيل وهو هيئة تنصيرية تضم جمعيات نشر الأناجيل ولها نشاط يمتد إلى (150) دولة أنه سيعمل على تغطية إفريقيا كلها بالأناجيل سواء المطبوعات أو المسجلة على أشرطة كاسيت وقد تمت ترجمة الأناجيل إلى (488) لغة إفريقية ومن المخطط له قبل عام 2000 ترجمته إلى (200) لغة أخرى)[36].
ويصدر المنصرون نشرات عديدة تتناول موضوعات مختلفة ولكنهم يفرغونها في قالب مسيحي تنصيرية، ويتولى كتابة مثل هذه النشرات منصرون أفارقة من أولئك الذين صبأوا إلى النصرانية. وتعتقد المؤسسات التنصيرية أن مثل هؤلاء الأفارقة أقدر على مخاطبة السكان المحليين من غيرهم وبالنسبة للعنصريين العاملين بين جماهير المسلمين فإنهم يعمدون إلى تمويه الحقائق ويفسرون القرآ، الكريم وفق أغراضهم الخبيثة، فالقرآن الكريم يسمي المسيح كلمة الله: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين)[37].
والمقصود بذلك أمره سبحانه وتعالى بأن يولد المسيح على ذلك النمط المعجز في التاريخ باعتبار أن أمره سبحانه وتعالى نافذ: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)[38].
أما
المنصرون فيستدلون بهذه الآية على ألوهية المسيح، والمنصرون في غالب الأحايين ليست
لهم الدراية الكاملة بالإسلام وهم يطوعون النصوص القرآنية وفق ما يخدم أغراضهم
والمسيح ابن مريم مثله مثل آدم وآدم تلقى من ربه كلمات لا كلمة واحدة ولكن المنصرين
يأخذون ما يشاꗬ‹Ёደ¿ Ѐ걌[1]
橢橢쿽쿽Ё[1]ꖟꖟ㒳ὲlЀЀЀʀڀư࠰࠰࠰ࡄⳤⳤⳤⳤTⴸ¼ࡄ㔷Ő⸀⸀⸀⸀⸀⸀⸀⸀㐲[1]㐴㐴㐴㐴㐴㐴$㚇Ƞ㢧R㑘?࠰⸀⸀⸀⸀⸀㑘هاء
فتبث الأفكار المغرضة التي تشكك ونفسد، أي أن محورها هو القضاء على الإسلام
والمسلمين.
وبالإضافة إلى الإذاعات الكثيرة المنتشرة في أماكن مختلفة من إفريقيا فإن المجلات التنصيرية التي صدرة في بلدان مختلفة وبلغات مختلفة هي أكثر من أن يحصيها العد، فإذا أضفنا إلى ذلك بأن في العالم كله جرائد ومجلات سياسية أو أدبية أو عملية لا تظهر عليها صفة التنصير ولكنها في الحقيقة وسائل قوية من وسائل التنصير أمكننا أن ندرك حجم المنشورات التنصيرية الهائل ومدى قوة الإعلام التنصيري.
ومن الوسائل التي يستفيد منها المبشرون المخيمات الكشفية للتفيان والفتيات وجمعيات الشبان والمسيحيين وجمعية الشابات المسيحيات والمؤتمرات الطلابية والأندية الشبابية والرياضية والملتقيات العامة التي ينظمها المنصرون تحت عناوين مختلفة، وبيوت الطلبة التي قال عنها أحد المنصرين (إن هذه البيوت يجب أن تكثر حتى يمكن أن تجتذب هؤلاء الطلاب إلى مملكة المسيح)[39].
وقد أدرك الفرنسيون أهمية هذه الوسائل في المغرب العربي فأكثروا منها وأرسلوا القسيسين للإشراف على مخيمات الكشافين لتوجيهها وفق ما يريدون، ولقد عقد مؤتمران قبل عام 1938 لمنظمات الشباب المختلفة ومنها الكشافة والمرشدات (للفتيان والفتيات) ودار البرنامج فيهما حول (التوراة كلمة الله) ، (الكنيسة)، (جسد المسيح) وفي عام (1935) نظمت مؤسسة الحزمة المغربية بالتعاون مع اللجنة التنصيرية لشبان فرنسا مخيماً تنصيرياً نقل بعد مدة إلى جنوبي الجزائر وشارك في هذا المؤتمر ستون من زعماء (حزمة التنصير) في فرنسا وسويسرا[40] وتستغل المؤسسات التنصيرية الحروب والمجاعات فتساوم الناس على كسرة الخبر وشربة الماء وهذا الاستغال قد تم قديماً وما زال يتكرر حتى اليوم. ففي السنغال وقعت البعثات التنصيرية في الثلاثينات من هذا القرن عقوداً مع الأسر السنغالية الفقيرة المعدمة يتم بموجبها تقديم البعثات التنصيرية لمقادير ضئيلة شهرية من المواد التموينية إلى هذه الأسر مقابل حصولها على طفل من بين أطفال هذه الأسر تربيه على حسابها، وتنص مادة من العقد على التزام الأسر برد ثمن المساعدات المقدمة إذا هي طالبت برد أبنائها إليها، وبالطبع فإن البعثات التنصيرية قد تعهدت هؤلاء الأطفال المنتزعين من أسرهم بالتربية المسيحية الغربية فشبوا مسيحيين، مشربين بالثقافة النصرانية وبقيم الحضارة الغربية[41].
واليوم تقوم المنظمات التنصيرية تنصير ضحايا المجاعات في أثيوبيا وإريتريا والسودان مستهدفة المسلمين بالدرجة الأولى فتساوم الجوعى والمنكوبين على كسرة الخبز وجرعة الماء، وفي فبراير (1990) ازداد نشاط الاتحاد اللوثري بين سكان إرتيريا وأثيوبيا على أثر المعارك الناشبة بين النظام الأثيوبي وبعض القبائل الأثيوبية المناوئة من جهة وبين الثوار الإيريتريين والنظام الأثيوبي من جهة أخرى[42].
ولا يكتفي اتحاد الكنائس العالمي باستغلال الحروب والمجاعات بل يسخر الشركات العاملة في القارة لخدمة التنصير إما بطريق مباشر أو غير مباشر[43] فحين أممت ثورة 23 يوليه (1952) شركة قناة السويس فحصت دفاترها وميزانياتها. فوجدت أنها قد خصصت في ميزانيتها (ثلاثة ملايين) من الجنيهات سنوياً للتبشير بالمسيحية في بلاد الشرق الأوسط. كما ثبت أن مستشفى شركة قناة السويس بالإسماعيلية قد مارس نشاطاً تنصيرياً.
وهكذا فإن التنصير قد جرى على قدم جرى على قدم وساق في طول القارة وعرضها مستخدماً أبشع الوسائل وأخسها، فمن استغلال جوع الناس وفقرهم إلى اختطاف الأطفال، وبيعهم، فضلاً عن إغراء الشباب بالمال والنساء، أو التهديد بالموت، أو حرق القرى حيث أشعل المنصرون النار بقرى عديدة في جبال أطلس بالجزائر والمغرب، فالتنصير لم يعتمد الحوار والجدال الحسن والإقناع، وإنما اعتمد الإكراه المادي والمعنوي في كل الصور والأشكال التي قد تخطر على بال، وهو في ذلك قد ساوق الاستعمار وقلده، ولا غرو في ذلك فدربهما واحد وأهدافهما واحدة وهي إخضاع الشعوب وإذلالها واستنزاف ثرواتها وخيراتها وتفريغها من روحها وتراثها.
الفصل السابع
التطبيب من وسائل التنصير
لم يهتم المستعمرون بالصحة في القارة الإفريقية، ولذلك شهدت القارة الإفريقية جموداً سكانياً لمدة أربعة قرون[44] من القرن السادس عشر إلى مطلع القرن العشرين، وكان من أهم أسباب هذا الجمود نزح الأفارقة إلى أوربا والأمريكتين وتفشي الأمراض والأوبئة، وظروف الحياة القاسية، هذا إلى جانب عوامل أخرى كثيرة.
ففي الجزائر بلغت وفيات الأطفال بين المستوطنين البيض (39) لكل ألف من المواليد الأحياء لكن هذا الرقم يقفز إلى (170) لكل ألف من مواليد الأحياء بالنسبة للجزائريين المقيمين في المدن ويعني ذلك من الناحية العملية أن الخدمات العلاجية ورعاية الأمومة، والصرف الصحي كانت موجهة لصالح المستوطنين، وفي جنوب إفريقيا تصنف الإحصاءات الاجتماعية السكان إلى مجموعتين واحدة للبيض والأخرى للسود[45].
وفي شرق إفريقيا يصنف السكان إلى ثلاث مجموعات الأولى من الأوربيين وتحصل على معظم الخدمات والثانية من الهنود وتحصل على معظم البقية الباقية والثالثة من الأفارقة الذين يأتون في المؤخرة في بلادهم الخاصة[46].
وفي مدينة أبادان بنيجيريا تواجد فيها قبل الحرب العالمية الثانية حوالي (50) أوربياً فخصصت لهم الحكومة الإنجليزية مستشفى به أحد عشر سريراً بينما لم يكن هناك إلا (34) سريراً لنصف مليون إفريقي. وفي الثلاثينات من هذا القرن بلغ عدد الأوربيين أربعة آلاف وخصص لهم (12) مستشفى بينما تحصل باقي السكان البالغ عددهم (40) مليون نسمة على (52) مستشفى وفي مناطق مناجم الذهب والماس بجنوب إفريقيا عانت الطبقة العاملة من حالة مؤسفة حيث ورد في تقرير بعثة الدرن لعام (1912) (أنه من النادر أن توجد عائلة واحدة ليس بينها فرد واحد على الأقل لا يعاني من الدرن أو لا يموت بسبيه، وخدمات المستشفيات قاصرة لدرجة أن المصابين بالدرن وأمراض أخرى يتم إرسالهم ببساطة إلى المنازل ليموتوا بها وينشروا العدوى بين ذويهم وفي بعض النواحي كان على الطبيب أن يعالج (40) ألف نسمة، والسكان مطالبون رغم ظروفهم المادية القاسية بدفع نفقات العلاج كما أن حوالي (65 %) من أطفال السكان الأصليين يموتون قبل بلوغ الثانية من العمر[47].
ومن المدهش أن القارة الإفريقية لم تكن قد شهدت أيّ نقص في الغذاء قبل مجيء المنصرين والمستعمرين، بل سجلت التقارير تفوقاً غذائياً ولم يستطع ولو باحث واحد أن يعثر على حالة واحدة لتلف الأسنان من بين ست مجموعات أثنية في كينيا ولكن بعد مجيء الاستعمار سجلت حالات كثيرة، وانتشرت أمراض كثيرة بسبب نقص الغذاء[48].
ففي جامبيا ظهر مرض الكواشيو ركور بسبب انعدام البروتينات ذات النوع الجيد وذلك منذ القرن الخامس عشر وهو تاريخ احتكاك إفريقيا بالأوربيين، وفي جنوب إفريقيا حوّل المستعمرون البيض غذاء الإفريقي إلى الذرة المجروشة، فانتشر بين الأفارقة هنام مرض البلاجرا كما كشفت دراسات في إفريقيا الاستوائية من أعراض متكررة لنقص التغذية بسبب انعدام الأغذية الطازجة بين الأفارقة العاملين في خدمة المستعمرين ويشمل ذلك مرض بري بري، الكساح، والأسقربوط وانتشرت هذه الأمراض أيضاً في ليسوتو (باسوتو لاند سابقاً)[49] هذه التقارير وغيرها تكشف عن مدى رداءة الخدمات العلاجية والدوائية في عهد الاستعمار الأوربي. وبالرغم من هذا كله فقد سخر المستعمرون والمنصرون التطبيب لخدمة أغراضهم، ففي عام (1924) عقد المنصرون مؤتمراً في حلوان بمصر اهتموا فيه بالتطبيب كوسيلة من وسائل التنصير، وأفاضوا في وصف هذه الطريقة.
وقد عملت البعثات الطبية جنباً إلى جنب مع البعثات التنصيرية وفي أحايين كثيرة كانت بعثة واحدة، وغالباً ما تمتع الطبيب بالمعرفة المسيحية إلى جانب معرفته العلاجية، وسخرت المنظمات التنصيرية التطبيب في خدمة أغراض التنصير والاستعمار فاستغلت آلام البشر وأمراضهم أبشع استغلال.
والمنصرون يعترفون بهذه الحقيقة فقد كتب س . 1. موريسون (S. A. Morrison) في مجلة العالم الإسلامي التنصيرية يقول: (نحن متفقون بلا ريب على أن الغاية الأساسية من أعمال التنصير بين المرضى الخارجيين في المستشفيات أن نأتي بهم إلى المعرفة المنقذة معرفة ربنا يسوع المسيح، وأن ندخلهم أعضاء عاملين في الكنيسة المسيحية الحيّة)[50].
وقالت ايراهاريس كلاماً أكثر صفاقة ودجلاً في هذا الصدد، وهي تحث الطبيب المنصر على استخدام معرفته العلاجية من أجل التنصير: (يجب أن تنتهز الفرص لتصل إلى آذان المسلمين وقلوبهم فتكرز لهم بالإنجيل إياك أن تضيع التطبيب من المستوصفات والمستشفيات فإنه أثمن تلك الفرص على الإطلاق، ولعل الشيطان يريد أن يفتنك فيقول لك: (إن واجبك التطبيب فقط لا (التبشير) فلا تسمع منه)[51].
ولم تكن مستشفيات الإرساليات التنصيرية مستشفيات جيدة بالمعنى الذي قد يخطر على البال، بل كانت مستشفيات رديئة خالية من التجهيزات الطبية، ومن أشهر الأمثلة على ذلك مستشفى البرت شفتزر Albert Schweitzer المؤسس في 1927 في الجابون من لامبارين Lambarene فقد كان هذا المستشفى غاية في القذارة، وفي وقت متأخر من عام (1959) كتب أحد أصدقاء شفتزر مدافعاً عن قذارة المستشفى واصفاً إياها على أنها جزء من الثقافة الإفريقية والتراث الإفريقي: (ولنتجه الآن للحيوانات الأليفة في المستشفى، وقد صعق الناس بالإلفة التي اختلط بها الناس والحيوانات. وعلى الرغم من أن ذلك قد لا يمكن الدفاع عنه دائماً من النواحي الصحية إلا أن هذا الخليط يضيف الكثير إلى سحر المكان)[52].
وصديق شفتزر هذا طبيب أسنان في نيويورك ويعلم أن (المعيز والقطط والكلاب كانت تأتي إلى أجنحة مستشفى شفتزر وتقيم فيها حاملة حياة ميكروبية من أكثر الأنواع إثارة للفزع، لكنه دافع عن إقامتها بين المرضى الأفارقة مدعياً أنها جزء من الثقافة الإفريقية. وواضح مدى التجديف والتزييف الذي يمارسه هذا الطبيب وأنه ما كان ليقبل بهذا الوضع الشائن القذر في أحد مستشفيات نيويورك مثلاً.
وكان المرضى الذين يدخلون هذه المستشفيات التنصيرية أو غيرها يجبرون على الاعتراف بأن الشافي والمنقذ هو المسيح، ففي الحبشة والسودان كانت المعالجة لا تتم إلا إذا ركع المريض وسأل المسيح أن يشفيه .. وفي بلدة الناصرة بالسودان كان التنصير والتطبيب يسيران جنباً إلى جنب، ومن الحيل التي استخدمها المنصرون الأطباء استخدامهم لثلاثة مراكب، وجعلها مستوصفات عائمة في النيل، وكانوا يعلنون عن مجيء الطبيب قبل أن يصل بوقت طويل فيأتي الناس من كل صوب يحملون مرضاهم، وينتظر الجميع قدوم الطبيب، وفي هذه الأثناء يقوم المنصر ببث سمومه من غير أن يتحرك ضميره لآلام هؤلاء البشر المنتظرين، وقد تكررت هذه المشاهد في أكثر من بلد إفريقي.. وفضلاً عن هذا النوع من المستوصفات العائمة، تواجد في إفريقيا كما في غيرها نوع من الأطباء المنصرين الجوالة الذين كانوا يمارسون التدجيل والتزييف على مرضاهم، ولم يكونوا على دراية حقيقية بالطب، وإنما كان جل اهتمامهم، التسلل إلى الناس بهذه الوسيلة، وكان هؤلاء الأطباء المنصرون كثيراً ما يفضلون التعامل مع الأشخاص ذووي النفوذ والجاه في مجتمعاتهم اعتقاداً منهم أنهم أكثر نفعاً من غيرهم وأنهم أكثر تأثيراً في أوساطهم.
فالتطبيب لم يكن غاية في حد ذاته، ولم يبذل إلاّ لتنصير الأفارقة، ويرجع اهتمام المستعمرين به، إلى كونه أداة فعالة في الوصول إلى جميع طبقات الناس، وحسبك ما يقولونه بأنفسهم: (حيث تجد بشراً تجد آلاماً، وحيث تكون الآلام تكون الحاجة إلى الطبيب، وحيث تكون الحاجة إلى الطبيب فهنالك فرصة مناسبة (للتبشير). وعلى الطبيب أن يقدم للمريض إذا انصرف من عيادته نسخة حسنة الطبع من الإنجيل ووصفة خاطئة) ويستطرد دانيال بلس معلقاً (وبعد أيام يكتشف المريض أن إنجيل الطبيب كدوائه)[53].
الواقع يدحض هذا الزعم، فمعظم الأطباء المنصرين كانت تنقصهم الدراية الطبية الصحيحة، وبالرغم من استخدام التطبيب كوسيلة من وسائل التنصير إلا أن صحة الأفارقة في عصر التنصير والاستعمار كانت أسوأ منها قبل هذا العصر، ففي عهد التنصير والاستعمار انتشرت في القارة أمراض كثيرة كان أخطرها الدرن والأنيميا، والأسقربوط، والبلاجرا، والبري بري، والكواشيوركور، والملاريا، والبلهارسيا، والجذام، بينما أثبتت التقارير أن صحة الأفارقة الذين لم يحتطوا بالمستعمرين والمنصرين هي أفضل بكثير من صحة غيرهم، وهي الآن محل دراسة عملية بغرض التعرف على أسباب هذا التفوق الصحي لدى هذه الفئات وهي رعاة الماساي، والجالا، والباتوتسي، والأنكولي، ثم الصوماليين فالتطبيب الذي مارسه المنصرون لم يكن تطبيباً ناجعاً بقدر ما كان تضليلاً وتدجيلاً، وبقدر ما كان حراباً يغرسها المنصرون في أرواح وقلوب الأفارقة الطيبين.
الفصل الثامن
التعليم من أقوى وسائل التنصير
سيطرة المنصرين على التعليم
الاهتمام بالثقافة المسيحية الغربية الاستعمارية
خصائص التعليم الكنسي الاستعماري
سيطرة المنصرين على التعليم:
يجمع معظم المهتمين بالشؤن الإفريقية أن المستعمرين والمنصرين لم يهتموا بالتعليم في إفريقيا إلا بالقدر الذي يمكنهم من استنزافها وتنصير أهلها، بل كان الأوربيون العنصريون يعارضون بشكل مطلق وجود المدارس سواء أكانت مسيحية أو مستقلة أو حكومية أو إسلامية، وكانوا ينطلقون من موقف عنصري ويزعمون أن تقديم التعليم للأفارقة أشبه بإلقاء اللؤلؤ أمام خنزير.
وبالرغم من هذه النظرة الفوقية العنصرية فقد كان التعليم على قلته وانخفاض مستوياته أهم وسائل التنصر على الإطلاق، وأهم وسائل الاستعمار كذلك، وقد سيطرت البعثات التنصيرية على التعليم في إفريقيا وسخرته لخدمة أغراضها، فغرست في الإفريقي القيم الغربية، وعملت بدأب على تهيئتهم لتقبل الاستعمرا وقد بدأ النشاط المكثف للمؤسسات الكنسية التعليمية في غرب إفريقيا[54] عندما توقفت تجارة العبيد (1807) في المناطق الواقعة تحت النفوذ الإنجليزي، وقد نجحت المؤسسات التعليمية الكنسية في هذه المنطقة في إعداد جيل من السود القادرين على أداء مهمة غربنة ونصرنة الأفارقة Christianize and westrnize.
وقد انتشرت هذه الظاهرة وانتقلت من غرب إفريقيا إلى جنوبها ثم إلى شرقها ووسطها، وقد تم استغلال المدارس الكنسية أبشع استغلال فكان التعميد وتغيير الاسم أول آليات التنصير ثم تبع ذلك فرض لغة الكنيسة المهيمنة على المنطقة فإن كانت إنجليزية كانت اللغة إنجليزية وغن كانت فرنسية كانت اللغة فرنسية وهكذا[55]. ثم أرغم الأفارقة على ارتداء الملابس الأوربية وبالتدريج بدأ نمط الحياة الغربي يغزو الإفريقي وبالقدر الذي يخدم الكنيسة وتوجهاتها والاستعمار وأهدافه.
وقد عملت المؤسسات التنصيرية التعليمية في اتجاهين أولهما الاتجاه الديني وثانيهما الاتجاه العلماني، وكان الغرض في الأول حمل الأفارقة على اعتناق النصرانية أما الثاني فكان الغرض منه نقل موروثات الغرب وثقافته إلى إفريقيا.
وقد ظل التعليم في إفريقيا السوداء في أيدي (المبشرين) أكثر من قرب ونصف وأفضل مثال على ذلك أوغندا التي سيطرت فيها الكنيسة على التعليم منذ 1877 إلى 1925 حيث جرى في هذه السنة (1925) تأسيس المجلس الاستشاري للتعليم الإفريقي تمثلت فيه دوائر الحكومة والإرساليات التنصيرية والجماعات الإفريقية والأجنبية، أما قبل هذا التاريخ فقد كان (المبشرون) يضطلعون بأعباء التعليم، ومثل هذا القول ينطبق على المناطق الفرنسية وقد بلغ عدد المنصرين الإنجليز في 1925 في إفريقيا البريطانية 6300 معلم[56]، وقلة عدد هؤلاء المعلمين ترجع بالدرجة الأولى إلى قلة عدد المدارس في المناطق البريطانية من جهة وإلى عدم اهتمام الإنجليز بالتعليم من جهة أخرى، ومع ذلك فإن هذا العدد من المعلمين المنصرين كان يبذل درايته ومعرفته لأغراض تنصيرية بالدرجة الأولى.
الاهتمام بالثقافة المسيحية الغربية الاستعمارية.
ولم تكن المدارس التنصيرية تهتم بالبيئة الإفريقية أو بالذات الإفريقية أو بالذات الإفريقية وإنما ركزت جل اهتمامها على البيئة الأوربية والحياة الأوربية من أجل ترسيخ قيم الغرب وثقافته حتى منذ الطفولة المبكرة فقد كانت أغاني الأطفال أوربية في كلماتها ومضمونها وتوجهها ومنها مثلاً:
عندي ماري خروف أبيض
له صوف ناعم جميل
ولونه أبيض كالثلج[57]
وبعض هذه الأغاني اتخذ طابعاً سلطوياً عنصرياً مثل:
احكمي يا بريطانيا، يا بريطانيا احكمي الأمواج
والبريطانيون لن ولن، ولن يكونوا عبيداً[58]
ومن الكتب التي ظلت مستخدمة في مدارس المنصرين في إفريقيا حتى 1927 ذلك الكتاب الذي نشر 1857 والتي تؤكد موضوعاته على تكريس الفقر وصيد البشر، والعمل المرهق للإفريقي إذ تخلص قصة النمر والحمل إلى تحبيب الفقر للنفس إذ تنتهي القصة بهذه العبارة: (الفقراء مباركون. لأنهم سيرثون الأرض، الفقراء مباركون لأنهم سيرثون الملكوت)[59].
وفي موضع آخر من هذا الكتاب اقتباس من الكتاب المقدس يقول: (إن الله حين خلق الأرض وجعل فيها الإنسان الأول فقد جعل الزراعة مهنته الأولى)[60].
وفي موضع ثالث سأل عيسي عن الصيادين ليكونوا من حوارييه تساءل: (أتعرفون أسماءهم، لقد كانوا أندريه، وبيتر، وجيمس، وجول. أتعرفون ماذا طلب من أندرو أن يفعل؟ قال له: اتبعني وسأجعلك صائداً للبشر)[61].
والحقيقة أن قبول الأفارقة للمسيحيين لم يكن لاقتناعهم بما جاء فيها ولكن باعتبارها مصدراً للتعليم، يقول الأستاذ والتر رودني: (ومن الصحيح أيضاً أن بواعث قبول الأفارقة للمسيحية لم تكن لها علاقة في الغالب بمضمون الديانة والحق أن الكنيسة ربما كانت أكثر جذباً لعديد من المتحولين بوصفها مصدراً للتعليم أكثر منها مركزاً لنشر الدين وبغض النظر عن حجم التعليم الذي قدمته الكنيسة فإنه يمكن اعتباره إسهاماً في التعليم الرسمي وغير الرسمي في إفريقيا المستعمرة كما أن تعاليمها ينبغي أن توضع في إطار السياق الاجتماعي، فقد كان دور الكنيسة يتمثل أساساً في الإبقاء على العلاقات الاجتماعية للاستعمار)[62].
وقد أصدر القس بيرس بيفر كتاباً صغير الحجم اسمه من الإرساليات المتعددة إلى الإرسالية الموحدة قال فيه (لقد أصبح يقال عن (المبشرين) أنهم عملاء للاستعمار ولا يزالون يتهمون بأنهم أدوات لتغلغل النفوذ الأجنبي وللتخريب)[63].
ويعترف هذا القس في موضع آخر من كتابه بأن الذين دخلوا النصرانية قد اكتشفوا علاقتها بالاستعمار وبالرجل الأوربي الأبيض فقال: (إن الذين اعتنقوا النصرانية على يد (المبشرين) لا يقبلون اليوم أن يقال في النصرانية أنها دين إنساني عام وهم يضعونها بأنها دين عصبي خاص بالرجل الأبيض الذي يعزل الشعوب الملونة عنه في الكنيسة، ويقال اليوم أن اعتناق (الرجل الملون) لدين الرجل الأبيض يجعل منه خائناً لأبناء جنسه ولأمته)[64].
فهذه اعترافات ضمنية وصريحة بعلاقة الكنيسة وتعليمها بالاستعمار فالكنيسة عملت بدأب على نشر وترسيخ قيم الخضوع والطاعة والتواضع، وقد وجدت الكنيسة منذ أيام الرق في جزر الهند الغربية على أساس عدم إثارة الرقيق الأفارقة بمبادىء المساواة وكانوا يعلمون العبيد في تلك الأيام أغان تقول: أن كل شيء جميل ومشرق وأنه ينبغي تقبل حياة سيد العبيد في قلعته حسب مشيئة الله تماماً مثل المشيئة بأن يحيا العبد في كوخ بائس وأن يعمل عشرين ساعة يومياً تحت ضربات السياط[65] وعلى غرار ذلك كانت الكنائس في إفريقيا المستعمرة تستطيع أن تعتمد على عظات تدعو إلى إدارة الحد الآخر في مواجهة الاستقلال ومحاولة الإقناع برسالة تقول أن كل شيء سيكون منصفاً في العالم الآخر في مقابل (كل من له يعطي فيزداد ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه والعبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان).
(إجيل متى الإصحاح الخامس والعشرون – 29)
وقد نظرت الكنيسة إلى الأفارقة نظرة عنصرية فوقية واعتبرت معتقدات الأسلاف الأفارقة فاسدة، وسادت بينها وبين الشيطان الذي كان أسود كما وقفت الكنيسة موقفاً عنصرياً عدائياً من التراث الإفريقي، وتضافرت جهود السلطات الاستعمارية مع جهود الكنيسة وأخذت الأخيرة على عاقتها تنفيذ السياسة الاستعمارية لسلطات بلادها ولم تقر في مناهجها إلا المواد التي يرضى عنها المستعمرون ولم يترجم إلى اللغات الإفريقية المحلية سوى الأشياء التي تنسجم وسياسات الاستعمار، ولم تحترم الثقافة الإفريقية في مناهج التعليم الكنيسي إلا إذا كانت مورثة للانقسام باعثة على التنافر والاقتتال بين الأفارقة على نحو ما حدث في قانون تعليم لغة البانتو وهو القانون الذي عمل على توطيد الاختلافات بين الزولو والسوتو والأكسوزا[66].
وحذر تقرير لإحدى البعثات التنصيرية الكاثوليكية من موقع قريب من تنجانيقا في عام (1933) من السماح للأفارقة في تنجانيقا بإقامة مدارس يشرفون عليها بأنفسهم، وأشار التقرير على أن (المدارس المستقلة تسبب متاعب في كينيا ويمكن لمثل هذه المدارس أن تصبح بسهولة مواقع للعصيان)[67].
وحين اندلعت حرب ماوماو في كينيا من أجل الأرض والتحرير كان أول ما أقدمت عليه الحكومة البريطانية هو إغلاق (149) مدرسة تابعة لرابطة المدارس المستقلة للكيكيو ثم (12) مدرسة لرابطة تعليم كارينجا الكيكيو علاوة على أربع عشرة مدرسة مستقلة حرة[68]. واعتبرت هذه المدارس المستقلة (ساحات تدريب على العصيان) وهو تعبير تسيطر عليه أساساً المخاوف التي عبر عنها تقرير البعثة التنصيرية الكاثوليكية الذي أشرنا إليها، وقد أدرك الأوربيون بما فيه الكفاية أنهم إذا لم يتحكموا في عقول الأفارقة فإنه سرعا ما تنتهي هيمنتهم على الشعب مادياً وسياسياً، ومن هنا أنيط بالكنيسة القيام بهذا الدور الهام والخطير.
وفي الجزائر كانت القوى الاستعمارية، والمعمرون البيض، والمستوطنون لا يتقبلون بارتياح المدارس التي اقامها الجزائريون والتونسيون بالجهود الذاتية، وكان يغيظ المنصرون والمستعمرون أن يبدأ التلاميذ هذه المدارس المستقلة بأن ينشدوا معاً:
(العربية لغتنا، والجزائر وطننا، والإسلام ديننا)[69] فالمستعمرون يحاربون المدارس المستقل ولا يرتضون سوى المدارس التنصيرية وإليها أوكل أمر التعليم في المستعمرات فلعبت دوراً إشرافياً وكان هذا الدور من بين خطط الكنيسة لجذب انتباه الكنيسة الأم، لأن هذه البعثات نصبت من نفسها أميناً على الثقافة الإمبريالية وادعت لنفسها الخبرة في هذا الصدد.
خصائص التعليم الكنسي الاستعماري:
ويلاحظ على التعليم الاستعماري الكنسي في إفريقيا استخدامه لآليات متعددة بغرض إفراغ الإفريقي من إفريقيته وجعله خانعاً مطعياً حتى بعد الاستقلال وهذا ما عبر عنه أحد مؤسسي الأليانس فرانسيه بقوله (من الضروري ربط المستعمرات بالبلد الأم بواسطة رابطة نفسية شديدة الصلاة في مواجهة اليوم الذي ينتهي إليه سيعها للتحرر القومي إلى شكل من الاتحاد الفيدرالي حسبما هو محتمل حيث يصبحون ويظلون فرنسيين في اللغة والتفكير والروح)[70]. ويمكننا تسجيل الملاحظات التالية على التعليم التنصيري الاستعماري في إفريقيا خلال القرن التاسع عشر، فهذا التعليم اتسم بخصائص معينة تصب في السياق العام لحركة الاستعمار في القرن التاسع، وهي:
أولا: إن التعليم في إفريقيا لم يكن بغرض الأخذ بيد الإفريقي ليواكب ركب التقدم والحضارة وإنما كان بهدف التأثر على تفكير الإفريقي وروحه بحيث يصبح من السهل اقتياده وإخضاعه واستنزاف ونهب خيرات بلاده.
ثانياً: إعداد جيل من المواطنين والكتبة والسعاة لملء الوظائف الشاغرة في إدارة المستعمرات والشركات الرأسمالية المتواجدة فوق الأراضي الإفريقية، وإعداد مثل هؤلاء الكتبة والموظفين كان يتم في مدارس تنصيرية، أما التعليم العالي فكان حكراً على الأوربيين البيض، ففي الجزائر بلغت نسبة الجزائريين في التعليم الثانوي (20%) أما في كينيا فكان عدد الكينيين في المدارس الثانوية (3) آلاف من بين (11) ألف أوربي أبيض، وكان التعليم في الغالب للأفارقة الوسطاء التابعين ولأبناء النخبة والصفوة. وفي الأقاليم التي استعمرها البرتغاليون لم يكن ثمة تعليم للأفارقة لعقود عديدة وحتى حين توفر ذلك كانت نسبة الأفارقة إلى غيرهم (1%) فقط[71]. ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن ساحل الذهب حيث تم تجاهلها تعليماً لأنها لم تكن تزود المستعمرين بأي منتجات للتصدير، والأمر نفسه يمكن أن يقال بشكل نسبي في تنجانيقا وفي إفريقيا الاستوائية (تشاد، جمهورية إفريقيا الوسطى، الجابون، الكونغو برازافيل) التحق بالمدارس الثانوية بضعة آلاف (1938)[72]، وفي روديسيا الشمالية اقتصر التعليم الإفريقي والإسلامي من قاعدته الاقتصادية حتى تعبث يد التعليم التنصيري بكل شيء وحتى يصبح للمستعمرين اليد الطولى في هذا المجال فقد حارب الفرنسيون الجامعات الإسلامية خلال غزوهم لها.
ثالثاً: حرص المنصرون والمستعمرون على تقديم تعليم متواضع، وقد تم جلب الكتب والمناهج ومرافق التدريس والنظم التعليمية إلى إفريقيا في القرن التاسع عشر، وظل التعليم يحمل طابع القرن التاسع عشر برغم مرور أكثر من قرن على بدءه ولم تصل الأفكار الجديدة إلى المستعمرات. ولم تصل التغيرات العلمية الهائلة إلى الفصول الدراسية إلا في مدارس محدودة للغاية، كما أن التعليم التقني العالي لم يظهر في إفريقيا المستعمرة بتاتاً[73] بل عمد المنصرون إلى الحط من قيمة العمل اليدوي الإنتاجي.
رابعاً: لم يكن محتوى التعليم إفريقيا بل كان أوربياً بحتاً فعندما ذهب أطفال البمبا إلى المدرسة كي يتعلموا مقرراً دراسياً عن حياة النبات تلقوا تعليماً عن الزهور الأوربية ولم يتلقوا تعليماً عن أشجار إفريقيا، وفي أي ظهيرة حارة في أي مدرسة كنيسة قد تجد فصلاً من التلاميذ ذوي الوجوه اللامعة السوداء يستمعون إلى دروس في الجغرافيا عن فصول السنة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء وربما يتلقون دروساً عن جبال الألب ونهر الراين ولكنهم لا يتعلمون شيئاً عن جبال أطلس بشمال إفريقيا أو عن نهر الزمبيزي أو غيره من طبيعة إفريقيا وتضاريسها[74] وإذا كان التلاميذ في مستعمرة إنجليزية فسوف يدرسون التاريخ الإنجليزي ويترنمون بأمجاد بريطانيا ويكتبون في دفاترهم: لقد هزمنا الأرمادا الإسبانية في عام 1588، وهذا معناه تغريب هؤلاء الأطفال عن أمهم إفريقيا وطمس تاريخهم واستبداله حيث جرى في هذا التاريخ (1588) الإنعام على أكبر مقتنصي الرقيق الإفريقي على ذلك لتكونت لديه اتجاهات وميول مختلفة أقلها الحقد على إنجلترا وأوربا التي ساقت أجدادهم إلى الرق والعبودية وسامتهم سوء العذاب، ولكن الأطفال على العكس من ذلك تعلموا من المستعمرات البريطانية وفي ظل التعليم التنصيري أن يغنوا وينشدوا:
(احكمي يا بريطانيا... احكمي يا بريطانيا الأمواج
فالبريطانيون لن ولن ولن يكونوا عبيداً)
وإذا كان التلاميذ في مستعمرة فرنسية فإنهم قد يتعلمون أن (أسلافنا من الغال كانت عيونهم زرقاء) وربما يتغنون بأن نابليون كان قائدنا الأعظم بينما أعاد نابليون إرساء الرق بجوديلوب وهي إحدى جزر الكاريبي.
وقد مضى الأوربيون قدماً في تطبيق مناهجهم الدراسية دون إشارة واحدة إلى الأوضاع الإفريقية ففي تنجانيقا كان التلاميذ يتلقون دروساً إضافية عن العائلة الملكية وكان مسئول التعليم الأساسي يقول: ينبغي التأكيد على موضوع الملك البريطاني أبا طوال المنهج الدراسي والإشارة إليه في كل درس، وقد وصل الأمر بهذا المسئول إلى قيامه بحث المدرسي على اطلاع التلاميذ الأفارقة على صور عديدة للأميرات الإنجليزيات وجيادهن في ساندر بنجهام وقلعة دندسور.
أما تاريخ إفريقيا فقد جرى إهماله وإبراز دور الأوربي فيه، فالأوربي هو الذي اكتشف جبال كينيا ونهر النيجر، وهو الذي نقل التمدين إلى القارة... الخ وكان هدف البعثات التنصيرية من وراء ذلك هو حمل الإفريقي على التكفير بأنه ليس إفريقيا، وبأنه ينبغي أن يصبح إنجليزياً أو فرنسياً أو بلجيكياً... الخ.
ثم إن التركيز على الأوربي قديماً وحديثاً كمصدر للتمدين وكمبتكر ومخترع لوسائل الإشباع المختلفة إنما الغرض منه إعلاء الأوربي مطلوب منه الإفريقي أن ينظر إلى الأوربي كإله أو نصف إله كلماته قانون وإرادته نافذة نفاذ العقيدة الدينية، وفي الفصل القادم سنجد آكي لوبا من ساحل العاج يفسر العلاقة الرأسية بين الأوربي والإفريقي من خلال روايته (كوكومبو الطالب الأسود – يفسرها بقدرة الأوربي على تطوير أدوات الإنتاج وأنماطه.
وفي هذا السياق جرى التركيز على الأوربي كصانع لتاريخ إفريقيا، وجرى في نفس الوقت تهميش دور الإفريقي وتقزيمه مما دعا الطلاب الذين ظهروا في إرسالية ليفنجستونيا وإرسالية بلانتاير في مالاوي إلى القول بأنه اسكتلنديون سود، مما يشير إلى مدى نجاح البعثات التنصيرية الاسكتلندية بخاصة والأوربية بعامة وإلى مدى الخداع والتضليل الذي تعرض له الطالب في مالاوي على أيدي المنصرين المضللين. أما الكرييوليون والسيراليون فكانوا يختارون لقبين أوربيين، ويربطون بينهما بواصلة[75].
فالتعليم التنصيري لم يكن يرمي إلى تعليم الأفارقة والأخذ بأيديهم نحو التقدم والحضارة وإنما كان يرمي إلى تفريغ الإفريقي من إفريقيته وإلى تكوين طبقة متعلمة يكون بمقدورها الالتحاق بالوظائف الصغيرة الشاغرة في الإدارات والشركات الرأسمالية الخاصة، كما كان يرمي إلى إعداد نخبة قادرة على أداء دور خطير يتمثل في تأكيد القيم الأوربية، والقيام بدور الوسيط بين الحاكم الأبيض المستغل والمواطن الإفريقي المستغل، وقد عبر عبده موميني عن نحو هذا بقوله: (إن التعليم التنصيري الاستعماري قد أفسد تفكير الإفريقي وحساسيته وملأه بعقد شاذة)[76].
فالتعليم استغل من قبل الكثيرين لأغراض التنصير والاستعمار وكان كل شيء فيه يدور حول هذا الغرض ويتمحور فيه تماماً على نحو ما ذكره هنري جسب 1870 حين قال: (إن التعليم في مدارس الإرساليات المسيحية إنما هو واسطة إلى غاية فقط، هذه الغاية هي قيادة الناس إلى المسيح وتعليمهم حتى يصبحوا أفراداً مسيحيين وشعوباً مسيحية، ولكن حينما يخطو التعليم وراء هذه الحدود ليصبح غابة في نفسه وليخرّج لنا خيرة علماء الفلك وطبقات الأرض وعلماء النبات وخير الجراحين والأطباء وفي سبيل الزهو العلمي ... فإننا لا نتردد حينئذٍ في أن نقول إن رسالة مثل هذه قد خرجت عن المدى (التبشيري) المسيحي إلى مدى علماني محض... ومثل هذا العمل لا تقوم به الجمعيات (التبشيرية) التي تسعى إلى أهداف روحية فقط).
الفصل التاسع
التنصير والاستلاب الحضاري
المسيحية لم تلغ التفرقة العنصرية
لماذا تخلفت إفريقيا
إفريقيا لها حضارتها المتميزة
نماذج معبرة عن الاستلاب الحضاري
المسيحية لم تلغ التفرقة العنصرية:
عملت البعثات التنصيرية الأوربية طوال سنوات وجودها في القارة الإفريقية على نصرنة الإفريقي وغربنته Christianize and westernize.
وإذا كانت قد نجحت في إدخال الملايين من الأفارقة إلى المسيحية فإنها فعلت ذلك لإخضاع هذه الملايين وتطويعها في خدمة الرأسمالية الإمبريالية الأوربية، وحاولت هذه البعثات كذلك وكما سبق أن رأينا نشر الثقافة الغربية وسموم الحضارة الغربية. وبالرغم من تغريرها بالأفارقة من خلال الثقافة الأوربية المطروحة إلا أن الأوربيين المنصرين والمستعمرين لم يندمجوا في المجتمعات الإفريقية بل مارسوا ضدهم التفرقة العنصرية التي وصلت إلى حد الفصل بين السود والبيض في أقصى جنوب القارة، وتجلت هذه النظرة العنصرية في المدن الكبير حيث حظر على السود دخول الكنائس الكبيرة في أنحاء كثيرة من القارة الإفريقية، وكان هذا دليلاً قوياً على أن المبشرين بالنصرانية لا يريدون نصارى من السود يساوونهم في المنزلة، ولكنهم يريدون أشخاصاً تابعين يقبلون استغلال أوربا لقارتهم السمراء. وقد أدرك بعض الأفارقة هذه الحقيقة مما دعا الأستاذ وسترمان إلى الإفصاح بقوله: (حينما يعتنق الزنجي المسيحية فإننا نحن الأوربيين نبقى غرباء عن الإفريقي، وحينما هو يتبنى حضارتنا في ظاهرها فإنه في الحقيقة لا يفهمها. إننا لم نتعلم بعد ولا (المبشرون) منا أيضاً أن نتفهم الزنجي في خصائصه المميزة له، إننا لم نكلف أنفسنا عناء الاهتمام بفهم حضارته وبترقية حضارته بعوامل من حضارتنا وبالنصرانية، وبدلاً من أن نفعل ذلك رحنا نهدم حضارته ثم نحاول أن نبدلها بحضارتنا وهكذا نجدنا معرضين إلى أن نجعل من الزنجي صورة شوهاء للأوربي بينما الإسلام يجعل منه إفريقيا يحترم نفهس. وفوق ذلك لا نجد الزنجي المتدين بالمدنية الأوربية يبلغ تلك المساواة الاجتماعية التي يبلغه أياها الإسلام بطبيعة الحال ثم إن هناك نفراً من الأوربيين قلما كلفوا أنفسهم عناءً في إخفاء حقيقة وهي أن الأسيود (تصغير كلمة الأسود) المسيحي لا يزال محتقراً في أعينهم كالزنجي الذي يسكن الأدغال[77].
لماذا تخلفت إفريقيا؟
ثمة سؤال يردده البعض، لماذا تخلفت إفريقيا، وتقدمت أوربا، والإجابة على هذا السؤال تأخذ اتجاهين، فالأوربيون يرجعون هذا التخلف إلى نقص في المهارات التبشيرية الإفريقية، فالأفارقة في نظرهم يفتقرون إلى المقدرة البشرية المادية والعلمية لكي ينجحوا في تطوير أنماط الإنتاج وأدواته، وفي تطوير البيئة بما يتلائم وحاجات الإفريقي. أما المنصفون فيرجعون هذا التخلف إلى عدة أسباب يحسن بنا أن نعرضها بإيجاز وهي:
- تعرضت الأمة الإفريقية لاستغلال ونهب الأمة الأوربية من خلال التجارة وقد تعرضت القارة كما رأينا في الصفحات السابقة لعمليات نزح هائلة فاستولى الأوربيون على مواردها البشرية والمادية بواسطة التجارة، وكانت إفريقيا هي الطرف الخاسر في أي مبادلة، لأن الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة هي التي تحدد أسعار الصادرات والواردات، فترفع من أسعار صادراتها إلى إفريقيا، وتخفض من أسعار وارداتها منها.
- يلاحظ أن الأوربيين منذ القرنين الماضيين قد سيطروا على الأراضي الإفريقية وعلى المناجم، وطالما أنهم يمتلكون الأراضي والمناجم، والمصانع، والبنوك، وشركات التأمين، ووسائل المواصلات، والصحف، ومحطات الطاقة، فإن ثروة إفريقيا سوف تستمر في التدفق إلى الخارج عن طريق تلك العناصر الأجنبية.
- إن اقتصاديات إفريقيا في الغالب الأعم اقتصاديات تابعة مندمجة في بنية الاقتصاديات الرأسمالية المتقدمة ويتخذ الاندماج طابعاً ليس من مصحلة إفريقيا مما يجعلها تابعة للبلدان الرأسمالية الكبرى، وهذا الأخيرة تعمل بكل ما أوتيت من وسائل على تحجيم القدرة الإفريقية حتى لا تصل إلى حد الاستخدام الأمثل لإمكاناتها الاقتصادية وتواصل في نفس الوقت عمليات نزح ونهب الثروات الإفريقية، ومن الظواهر التي تساعد على اندماج البلدان الإفريقية المتخلفة في النظام الرأسمالي، الكنيسة المسيحية التي كانت دوماً إحدى الأدوات الرئيسة للتغلغل الثقافي والهيمنة الثقافية وذلك على الرغم من قيام الأفارقة ببناء كنائس مستقلة، إلا أن الكنيسة الإدارية قامت بالدور الأهم في خدمة النظام الرأسمالي وبواسطة التعليم التنصيري أعدت الأفارقة الذين يعملون لخدمة النظام الرأسمالي والذين هم على استعداد لاعتناق قيمه وأسسه، كما للغتين الإنجليزية والفرنسية دورهما في تأكيد تبعية إفريقيا لأوربا، حتى أن موسيقا الجاز وهي نموذج موسيقا الشعب الأسود المضطهد، استخدمتها الولايات المتحدة عن طريق إذاعتها الموجهة (صوت أمريكا) لإخضاع إفريقيا من خلال الدعاية[78].
- إن إفريقيا قارة غنية بالموارد الطبيعية ويؤكد ذلك مسح أجرته هيئة الأمم المتحدة في عام 1964[79] تبين منه أن إفريقيا غنية جداً بالمعادن ومصادر الطاقة الأولية فبينما يقدر عدد سكانها بـ (9%) من مجموع سكان العالم فإنها تحظى بما يقرب من (28%)[80] من القيمة الإجمالية للإنتاج العالمي من المعادن وحوالي (6%)[81] من الناتج العاملي من النفط ويتراوح نصيب إفريقيا في عشر مواد أولية من بين ست عشرة مادة هامة معدنية وغير معدنية بين (22%) (95%) من الإنتاج العالمي.
هذه الثروات الهائلة يتم نقلها إلى خارج القارة بفعل تبعية الاقتصاديات الإفريقية للاقتصاديات الرأسمالية. وقد تمكنت أوربا خلال الحقبة الاستعمارية من نزح ثروات القارة، وقامت ببناء هيكلها الاقتصادي من هذه الثروات. ولا ننسى في الختام أن نذكّر بملايين الأفارقة الذين اقتضتهم اليد الأوربية الآثمة ونقلتهم بعد ذلك إلى الأمريكتين وأستراليا للعمل فيهما، فجهد الإفريقي وثرواته لم يستغل في صالح القارة الإفريقية وإنما في صالح المستعمرين. وقد كانت القارة الإفريقية قبل مجيء الأوربيين غليها قارة لها حضارتها المتميزة، ومرت بنفس الأطوار التي مرت بها القارات الأخرى.
إفريقيا قارة لها حضارة متميزة:
وعند قدوم الرجل الأبيض إلى القارة الإفريقية في أوائل القرن الخامس عشر كانت إفريقيا قد قطعت شوطاً لا بأس به على درب التقدم والحضارة، فمستويات فلاحة الأرض متقدمة، بل إن شمال إفريقيا سجل تقدماً كبيراً في مجال الصناعة، فأخذت أوربا عنه صناعة الجلد المراكشي[82]. وغيرها وأعجب البرتغاليون بالمنسوجات المحلية الفاخرة المصنوعة من لحاء الشجر وألياف النخيل في السواحل الشرقية والغربية للقارة، كما أن أهالي الباجندا مهروا في هذه الصناعة، ويعتقد أن المنسوجات القطنية التي صنعت في ساحل غينيا في هذا القرن أكثر متانة من مثيلتها في مانشستر بإنجلترا، وفي كاتنجا وزامبيا استمر تفضيل النحاس المحلي على المواد النحاسية المستوردة والأمر نفسه ينطبق على الحديد المنتج في أماكن عديدة من القارة وخاصة سيراليون[83] وكان في بنين وتمبكتو طوائف الصناع المنظمين. فكان لكل طائفة ورشة عامة ورئيس يمول ويسوق، وكانت التجارة تم بين المجتمعات المتجاورة أو المجتمعات التي لا تفصل بينها مسافات بعيدة وكانت المجتمعات التي تنتج فوائض من سلعة ما تبادلها بسلع أخرى فائضة في مناطق أخرى. وصاحب هذا كله تطور في البنى الاجتماعية والسياسية في القارة الإفريقية كلها، ونحن حين نتحدث عن الحجم الحضاري لإفريقيا نركز على المناطق التي ركز عليها المنصرون وهي وسط وجنوب القارة الإفريقية لأن منجزات مصر والمغرب العربي الإسلامي البحرية والعسكرية والتجارية والثقافية تجاوزت الإنجازات الأوربية. كما دانت هذه البلاد بالإسلام وهو دين التوحيد والحرية. أي أن الحجم الثقافي في البلدان الإسلامية أكبر من أن يقارن بأوربا المسيحية وقد تحكمت أساطيل بلدان المغرب العربي في غرب البحر الأبيض المتوسط ووصل الإسلام إلى جناحي أوربا من الشرق والغرب وفي القرن الحادي عشر الميلادي قامت جيوش المرابطين بتجميع قواها في السنغال وموريتانيا وشنت هجومها عبر مضيق جبل طارق لتعزيز الإسلام في إسبانيا وتألق حكم المرابطين وازدهرت حضارتهم وشملت ايبيريا وشمال إفريقيا وسجلوا تفوقاً في مجالات الصناعات والمعمار وحتى بعد اضمحلال دولة المرابطين فإن مستوى الحياة الاجتماعية في المغرب العربي فاق بكثير مستوى الحياة الاجتماعي في أكسفورد فالحمامات العامة كانت شائعة في مدن المغرب في وقت لا يزال يتردد فيه في أكسفورد المبدأ القائل أن (غسل الجسد عمل محفوف بالمخاطر)[84].
فإفريقيا كانت قد صولت مرحلة متقدمة من التطور حين حطت أقدام الأوربي الأبيض على شواطئها الجميلة وحين بدأ اختطاف أهاليها وتفريغها منهم، ويكفي أن نعرف أن بعض العشائر في السودان الغربي مثل عشيرة كانتي كانت تمد غيرها بالمصنوعات الحديدية مع ما في ذلك من مقدرة على الاستخراج والطرق والتشكيل. ومن المعروف أيضاً أن غانا كانت ذات شهرة واسعة في إنتاج الذهب وكذلك غينيا، وإنتاج الذهب بالطبع يعتمد على صناعة التعدين، وقد انبهر البرتغاليون حين وصلوا إلى نهر جامبيا وأخذوا فكرة عن الطريقة التي تجري بها تجارة الذهب في أعالي النهر بواسطة تجار ماندنجا حيث كان لدى هؤلاء التجار موازين بارعة الدقة مرصعة بالفضة ومعلقة بخيوط من الحرير المجدول، ويتم وزن ترائب الذهب وسبائكه باستخدام أوزان من النحاس وترجع المهارة الفنية لتجارة ماندنجا في وزن الذهب وفي أشكال أخرى من التجارة.
وعندما بعث سيسل رودس بعملائه لسرقة زيمبابوي ونهبها وقفوا في ذهول ومعهم أوربيون آخرون أمام الأنقاض المتبقية لحضارة زيمبابوي، وافترضوا بشكل آلى تلقائي أن الذين قاموا بتشييدها كانوا من البيض ولا يزال يوجد حتى يومنا هذا اتجاه ينظر إلى تلك المنجزات بشعور يتسم بالتعجب بدلاً من تقبلها بهدوء بوصفها نمواً منطقياً.
فإفريقيا لم تكن قارة متخلفة كما يزعم الأوربيون البيض، والمنصرون الحاقدون، ولكنهم افترضوا هذه الفرضية لنشر ثقافتهم وحضارتهم الاستهلاكية حتى يتم نهب واستنزاف خيرات القارة من خلال إيجاد وتأكيد حضارة الغرب وقيمها في جانبها السلبي و الإيجابي.
نماذج معبرة عن الاستلاب الحضاري:
ومن المؤسف أن بعضاً من خريجي مدارس التنصير قد اعتنقوا الرأي الاستعماري الكنسي القائل بتخلف إفريقيا وبدونية أفرادها أي الرأي الذي يعزو تخلف إفريقيا إلى طبيعة أفرادها. وظهر ذلك في كتابات العديد من خريجي مدارس التنصير وسنقتصر في هذه الدراسة على عرض أعمال ليوبولد سنغور رئيس السنغال السابق كواحد من خريجي مدارس التنصير الذين أخذتهم البعثات التنصيرية من أسرهم المسلحة ثم تعهدتهم بالتربية المسيحية، كواحد من الذين افتتنوا بحضارة الغرب وسخروا إبداعهم الفني لهذا الغرض، كما سنعرض لعمل من أعمال آكي لوبا المشبع بالفكر الأوربي التقليدي.
في بدايات هذا القرن لجأت الإرساليات التنصيرية في غرب إفريقيا إلى توقيع عقود مع عدد من الأسر السنغالية مساعدات عينية ضئيلة من الأرز والمواد التموينية الأخرى في كل شهر ومقابل ذلك يكون لهذه البعثات التنصيرية حق اختيار طفل من أطفال الأسرة لتربيه على حسابها ويتضمن العقد فيما يتضمن مادة تنص على أن الأسرة التي تريد استرجاع ابنها تلتزم برد ثمن المساعدات ونفقات تعليمية وتربيته كشرط جزائي.
وعادة ما تختار البعثة طفلاً دون الخامسة من العمر وترسله إلى مدرسة تنصيرية ثم ينقطع الصبي عن أهله وينشأ مسيحية ثم يرسل إلى فرنسا لإتمام تعليمه العالي، وبعدئذٍ يعود الصبي إلى السنغال رجلاً ليستخدم في الأغراض التي توافق هوى فرنسا ومصالحها. وحينما يعود الصبي السنغالي الذي أصبح مسيحياً فرنسياً إلى السنغال يمنح حق المواطن الفرنسي من المستعمرات من حيث المستوى الاجتماعي والوظائف. أي أن هذا الصبي السنغالي يصبح رجلاً فرنسياً ويصبح اسمه سانجور ومعناها سان جورج أي القديس سان جورج وبينما هو مسيحي فإن أبويه سنغاليان مسلمان[85].
وقد كان ليوبولد سانجور مثلاً للإفريقي المتفرنس المنصهر وهو وإن ولد في جوال بالسنغال إلا أنه فرنسي بالتربية وقد حصل وهو في الثامنة والعشرين على شهادة عملية (Agregoition) في قواعد اللغة الفرنسية من السربون وقد أصبحت فرنسا وطنه المختار وعمل كجندي في جيشها وأصبح مرشح السنغال في الجمعية التأسيسية الفرنسية، وفي الوقت الذي كانت فيه حركات التحرير في الجزائر في ذروة غليانها كان هو سكرتير دولة لدى رئاسة مجلس الوزراء في حكومة أدغارموز[86]. عام (1955 / 1956) عندما أعلنت الحركات الإفريقية المعادية للاستعمار تضامنها انتخب سنجور اول رئيس للسنغال بمباركة فرنسية، وقد عبر سنغور في أشعاره عن الاستلاب الحضاري الثقافي الإفريقي، وأعطى أعماله كل اختلاجات الروح الكاثوليكية، وكرجل سياسة فقد كان سفير فرنسا بلا منازع في القارة الإفريقية وخاصة في السنغال[87]. وكان مثلاً للإفريقي المنصهر في حضارة الغرب.
في قصديته (صلاة القناصين السنغاليين) (من مجموعة لوكسمبورغ 1939) يتذكر سنغور أحلامه الإفريقية وكذلك أحلام الجنود السنغاليين الملتزمين في القتال. غير أن إفريقيا بالنسبة له هي البلد الذكرى لا يهم إن كانت مستقلة وإن كان الأسود مستعبداً. حمله الخاص به، حمله في الانصهار والعودة إلى فرنسا، فهو هنا يعبر عن انسلاخه عن وطنه إفريقيا:
قبيل، نعم قبيل رائحة القمح المقبلة
وقطوف العنب الغارقة في سكرتها
تلك التي نعصرها فلنذق عذوبة تراب
فرنسا
أيتها الأرض السعيدة!
عليها يصبح العمل الشاق الحر عملاً منيراً سهلاً[88].
فالقصيدة السابقة تقول بصوت عال إن فرنسا هي الأرض السعيدة عند ليوبولد سنغور، وهو بذلك أكثر إقليمية من سارتر[89] وهو فرنسي أكثر من الفرنسيين حين يقول من نفس مجموعته السابقة:
أيها السيد، استمع لقربان إيماننا
العسكري، تقبل أجسادنا قرباناً
صفوة هذه الأجساد
المتكاملة خلسة
تلك الضحايا من الحراب السوداء
ومن مجموعة قرابين سوداء يقول سنغور:
يا إلهي سامح أروبا البيضاء
حقاً يا إلهي إنها طوال أربعة قرون مضيئة
رمت لعابها وعواء كلابها على أرضي
ويستطرد سنغور معبراً عن اندماجه وانصهاره وماسوشيته فيطلب لفرنسا المغفرة ويقول:
اقبله يا إلهي، إذ يجب علي متابعة طريقي
وأريد أن أصلي خصيصاً
لفرنسا
يا إلهي بين الشعوب البيضاء
ضع فرنسا على يمين (الأب)
نعم يا إلهي سامح فرنسا التي تكره
المحتلين وتفرض عليّ الاحتلال بوقار شديد[90]
أما آكي لوبا من ساحل العاج فيصور هيامه بالثقافة الغربية والحضارة الغربية من خلال روايته (كوكومبو الطالب الأسود) ويعبر فيها عن تكيفه مع الإيديولوجية الغربية، وينصهر بها فكرياً وعملياً وماكي لوبا هذا حاز في عام (1960) على جائزة أدب إفريقيا السوداء باللغة الفرنسية[91].
كتاب (كوكومبو الطالب الأسود) يروي قصة إفريقي شاب من الأدغال حصل على شهادة المرحلة الابتدائية ثم أرسله والده لفرنسا كي يتم تعليمه، وبعد وفاة والده يضطرب مادياً ومعنوياً ويعود إلى باريس ويصبح على اتصال بالطلاب الإفريقيين الذين يقطنون الحي اللاتيني، فيشجعه نوع الحيات التي كان يعيشها هؤلاء الطلاب على البروز بدلاً من تلقي العلم والمعرفة ويحب إحدى الفتيات الفرنسيات ولكنها تموت فيضطرب وييأس ولا ينقذه غلا وصول السيد كاب الحاكم الفرنسي لبلاده ويساعده على متابعة دراسته في الحقوق[92].
تبين قصة كوكومبو الطالب الأسود كيفية الانصهار بالحضارة الأوربية وتشهد قصته على ذلك من خلال موضوعها وفكرها لأنه يعبر طوال هذه القصة عن هدفه باحتقار متعال لثقافته وبولاء دؤوب لثقافة المستعمر ويمر مجرى الانصهار له عبر ثلاث مراحل متتالية تبعاً للمحور الزمني والمحور الاجتماعي.
ففي إفريقيا مورست العنصرية من قبل أقلية، فالمستعمر الأبيض يسيطر على صاحب البلاد من خلال تطويره لاقتصاده وتكنولوجيته، فلا يستحوذ على الأسود لون جلده بل إنه يدرك أن الحاجز الذي يفصله عن الأبيض له أساس علمي، أي أن الكاتب يبرر العنصرية ويقرها من جانب الأبيض على الأسود مسقطاً تراثه الإفريقي وحضارته الغابرة وكرامته الوطنية الإفريقية، ومثلما انبهر الهندي بخط السكك الحديدية، انبهر الإفريقي بالآلة والسياة والطائرة وكلاهما نظر إلى الأوربي نظرة إعجاب يصل في بعض الأحيان إلى التقديس.
ويشدد آكي لوبا على رغبة الأسود في تقليد الأبيض كي يصبح مساوياً له، فالأسود يريد أن يكون طبيباً لا ليعالج المرضى ولكن للتفاخر بالشهادة وتبدو في خلال القصة رغبة البطل في التماهي[93] بالمستعمر لكي يحل محله إزاء إخوانه السود. ففي القطار الذاهب إلى مرسيليا يشاطر كوكومبو ودوراندو وجوزيف فرنسياً المقصورة نفسها فيغتنم دوراندوا الفرصة كي يبرهن على استلابه وكي يحصل على ود الأبيض فيضع بخساسه مسافة ذات طابع أخلاقي واجتماعي بينه وبين الأسود مثيله. ولذلك يبرر الاضطهاد الذي يمارسه الأبيض على الأسود (الأبيض لا يستطيع أن يندمج مع الناس جميعهم، فهناك الكثير من الهمجيين، إنني أؤكد لك أن هناك سوداً لا أستطيع أن أشاطرهم الطعام حتى أنني لا أستطيع أن أسلم عليهم باليد، إنهم فعلا شنيعون)[94].
إن آكي لوبا يعطي في عمله هذا قيمة للحضارة الأوربية ويمدح لباقتها على حساب حضارته التي يجردها من أية صفة حضارته ولا يترك لها سوى أسطورة الشر.
لقد نجحت المدارس التنصيرية في إفريقيا في شطب الثقافة الإفريقية ومسخها إلى حد كبير وأخرجت نخبة من المثقفين الماسوشيين الذين افتتنوا بحضارة الغرب وثقافته وعملوا في بلادهم (خداماً) للمستعمر، وأداة طيعة في يده، فحلت اللغات الأوربية مكان اللغات المحلية، وانتمت الدول الإفريقية المستقلة إلى مجموعات الدول الناطقة بالفرنسية أو الناطقة بالإنجليزية، كما تبعت الكنائس الإفريقية الكنائس الأوربية فيما عدا القليل منها في أثيوبيا وغيرها.
ومن الإنصاف، القول بأن ثمة أشخاصاً قليلين تربوا وترعرعوا في المدارس التنصيرية ولكنهم لم يذعنوا للاستعمار بل كافحوه وقاتلوه حتى الرمق الأخير ومن هؤلاء باترليس لولومبا فالمدارس التنصيرية خرّجت الكثيرة من زعماء إفريقيا فمنهم من قدس الاستعمار وعمل في خدمته ومنهم من قاومه. ومن الزعماء الذين درسوا في مدارس التنصير كوامي نكروما، وجوليوس نيريري، وروبرت موجابي.
وبالرغم من انتشار ظاهرة الأدب المعبر عن الاستلاب الثقافي المفتتن بحضارة الغرب إلا أنه بالمقابل فقد نمت اتجاهات مناهضة للاستعمار والمستعمرين، ولدينا في إفريقيا نماذج رافضة للغرب وحضارته، وتراثه الآثم وها هوذا دافيد أيوب في قصيدته (ساعة الاستشهاد) يصور الواقع تصويراً حقيقياً يوقظ في الإفريقي غضبه الإفريقي ضد العنصرية البيضاء والاستعمار البغيض:
قتل الأسود أبي
لأن أبي كان فخوراً
اغتصب الأبيض أمي
لأن أمي كانت جميلة
أحنى الأبيض أخي تحت شمس الطرقات
لأن أخي كان قوياً
ثم توجه الأبيض نحوي
يداه مضرجتان بالدماء
وبصق حقده الأسود في وجهي
وبصوت السيد قال
يا صبي: أريد كلباً، مِنشفةً وماء[95].
وإفريقيا مطالبة اليوم قبل أي وقت مضى بأن تتمسك بحضارتها وتراثها، وأن تضع لغاتها في المقام الأول وهي مطالبة كذلك بأن تسد الطريق على التنصير والمنصرين وبأن تعتنق الإسلام لأنه يحترم آدمية الإنسان وحريته ولأنه يحارب العنصرية والفوقية في كافة أشكالها وصورها ويجعل الناس أمام الله سواسية كأسنان المشط قال تعالى:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)
سورة الحجرات الآية: 13.
الفصل العاشر
دروس وعبر
نخلص مما سبق إلى أن الاستعمار والتنصير وجهان لعملة واحدة، وأن القارة الإفريقية كانت ولا زالت مستهدفة من الدوائر الاستعمارية والتنصيرية، كما أن العالم الإسلامي برمته موضوع في القائمة، ويمكننا القول بأن أهداف الحكرة التنصيرية الموضوعة في المؤتمر التنصيري الدولي المنعقد في مايو (1900) في مدينة نيويورك ما تزال نفس الأهداف التي يسعى المنصرون لتحقيقها.
ويحسن بنا أن نسجل أهم الدروس والعبر المستفادة من هذه الدراسة وهي:
- تتزعم الولايات المتحدة الأمريكية حركة التنصير العالمي، وهي التي قامت في (1900) بتوحيد جهود المنصرين في مؤتمر مسكوني وقد افتتح هذا المؤتمر الرئيس الأمريكي السابق بنيامين هاريسون (الرئيس خلال الفترة 1888 – 1891) وقد ألقى كلمة أفصح فيها عن الغايات الحقيقية للتنصير وهي الاستعمار والتجارة فقال: (إن العالم لا يعرف حالياً إلا الحروب التي تهدف لمجرد السيطرة السياسية. إن موقع كل بلد تتحدد أهميته قبل كل شيء على أساس قيمته التجارية، والمستعمرات تمثل محلات للبيع في أركان السوق العالمي. ولم يكن تأثير القوة التجارية على سلطات الحكم في مختلف البلدان بمثل هذه القوة التي تشهدها الآن. إن معركة الأسواف على أشدها والمطلب الأول للدول هو: (المستهلكون)[96].
وقد أوضح أحد أعضاء المؤتمر كلمة الرئيس الأمريكي فقال: إن كل (مبشر) حتى لأكثر الشعوب بدائية يهتم بالتجارة وكل تاجر هو جمعية (تبشيرية) مركزة، إن (المبشر) يقدم للتجارة الفصة والتوجيه، إنه يمنحها ميادين جديدة، ويساعدها بالمبادىء والخبرة التي بهما تستطيع أن تكون مفيدة ومستمرة.. ففي أعقاب (المبشرين) جاء التجار والمستعمرون)[97].
ومنذ ذلك المؤتمر والولايات المتحدة تتزعم حركة التنصير وترصد الأموال الطائلة لهذا الغرض، وقد كان عدد المبشرين الأمريكيين في (1958) (27.733) (مبشر) أما الآن فقد وصل إلى أكثر من (42) ألف عنصر، هذا بالإضافة إلى عشرات الإذاعات التي تخصصها الدولة أو الهيئات والأفراد لهذا الغرض. ولا تدع الولايات المتحدة فرصة تفوتها فهي تحرض الدول الصناعية على استقطاع جزء من ناتجها المحلي الإجمالي لكي تساهم معها في حركة التنصير، ومن هذه الدول اليابان التي انساقت خلفها، وبدأت في تمويل مجلس الكنائس العالمي، بل وفتحت أبوابها أمام المنصرين المسيحيين بالخصوص[98].
- لإفريقيا أهمية خاصة عند المنصرين باعتبارها قارة تتوسط العالم وقد أشار المنصرون في مؤتمر أدنبرة للإرساليات العالمي (1910) إلى هذه الحقيقة فقال أحدهم: (إنه إذا نجح (التبشير) في الشرق الأقصى (اليابان، وكوريا، ومنشوريا، والصين والهند) فستوجد مملكتان للمسيحية إحداهما الكنيسة الكاثوليكية في الغرب والأخرى مملكة الكنيسة في الشرق وعندئذٍ ستواجه المملكتان بحاجز مركزي ضخم وغريب عنها ومعادٍ لهما وهو الإسلام الذي ينتشر في القسم الأوسط من العالم، ويسيطر عليه، ويشطر مملكة المسيح شطرين[99] من أجل ذلك: (إذا ظفرت المسيحية بإفريقيا فإن أول ما ينبغي عمله هو إلقاء قوة (تبشيرية) صخمة في إفريقيا الوسطى، لتعوق تقدم الإسلام، ولتحمل الإنجيل في اتجاه الشمال إلى السودان، فإن الأمل يكمن في التغلب على الإسلام والظفر بما لم يظفر به من مناطق، وإن ما يجب الحذر منه هو أن يسيطر الإسلام على هذه المناطق إلى حد يصير به مبعوث السماء لتوحيد الجنس الإفريقي ومن بعده الجنس الأصفر في الشرق الأقصى)[100].
فإفريقيا تحظي بأهمية خاصة بالنسبة للحركة التنصيرية العالمية ولذلك تم إعداد جيش من المنصرين قوامه (112) ألف منصر في انتظار البدء في أكبر عملية تنصير للقارة الإفريقية تأخذ اسم (عملية المسيح الكبرى) وهي عملية تستهدف تنصير جميع أبناء القارة الإفريقية بدءاً من الآن وحتى عام (2000)م.
وقد أكد (مجلس الكنائس الإنجيلية) العاملة في إفريقيا بأنه يجب مضاعفة الجهود لمواجهة الإسلام في إفريقيا.
فواجبنا نحن المسلمين توحيد جهود الدعوة الإسلامية ووضع المخططات الكفيلة بإحباط خطط المنصرين، بدلاً من العمل المجزأ.
- إن الوطن العربي هو الآخر مستهدف من قبل حركة التنصير العالمية وقد أوضح القي تيدال (بضرورة تقوية حركة (التبشير) في مصر وفارس والشام ليتمكن (التبشير) بعد ذلك من فتح (البلاد الصعبة) مثل (الجزيرة العربية وبلاد الأفغان) ونصح زويمر بضرورة فتح مراكز (للتبشير) على طول ساحل الجزيرة العربية خاصة في (جدة) التي تعتبر ميناء (مكة)[101].
- إن هدف حركة الإرساليات التنصيرية العالمية لا ينحصر في نشر المسيحية بين المسلمين فحسب، وإنما تهديم الإسلام كعقيدة وسلوك لدى المسملين، فقد أشار زويمر إلى أنه كان من الصعب على المنصرين تحويل المسلمين إلى النصرانية فإنه بالإمكان العمل على هدم العقيدة الإسلامية في نفوسهم، فهذه هي الخطوة الأولى الضرورية لعملية (النصرنة). قال زويمر في هذا الصدد: (لقد جربت الدعوة إلى النصرانية في أنحاء الكرة من الوطن الإسلامي، وإن تجاربي تخولني أن أعلن بينكم على رؤوس الأشهاد، أن الطريقة التي سرنا عليها إلى الآن لا توصلنا إلى الغاية التي ننشدها، فقد صرفنا من الوقت شيئاً كثيراً وأنفقنا من الذهب قناطير مقنطرة وألّفنا ما أستطعنا أن نؤلف وخطبنا ما شاء الله أن نخطب ومع ذلك فإننا لم ننقل من الإسلام إلى النصرانية إلا عاشقاً بنى دينه الجديد على أساس الهوى أو نصاباً سافلاً لم يكن داخلاً في دينه من قبل حتى نعتبره قد خرج عنه بعد ذلك ولا محلّ لديننا من قبله حتى نقول: (أنه دخل فيه).
(ومع ذلك فالذين تنصروا، لو بيعوا بالمزاد لا يساوون ثمن أحذيتهم، فالذي نحاوله من نقل المسلمين إلى النصرانية هو أشبه باللعب منه بالجد، فلتكن عندنا الشجاعة الكافية لإعلان أن هذه المحاولة قد فشلت وأفلست. وعندئذٍ يجب علينا قبل أن نبني النصرانية في قلوب المسلمين أن نهدم الإسلام في نفوسهم حتى إذا أصبحوا غير مسلمين سهل علينا أو على من يأتي بعدنا أن يبني النصرانية في نفوسهم أو من نفوس من يتربون على أيديهم، إن علمية الهدم أسهل من عملية البناء من كل شيء إلا في موضوعنا، لأن هدم الإسلام في وجدان المسلم معناه هدم الدين على العموم وهي خطة مخالفة لما ندعو إليه، لأنها خطة إلحاد وإنكار للأديان جميعاً، ولكن لا سبيل إلى تخليص المسلمين من الإسلام غير هذا السبيل)[102].
وتعمل اليوم القوى الإمبريالية الصليبية، والصهيونية العالمية والحركات التنصيرية لتحقيق هذا الهدف الذي أشار إليه المنصر المشهور زويمر، حيث تسختدم لتحقيقه آليات ووسائل كثيرة منها ترويج الكتب والروايات والقصص الجنسي الذي يبرز قيم الغرب ويهدم قيم الإسلام، كما أن المؤسسات الغربية الفندقية والسياحية التي تتواجد ببلاد المسلمين تعمل هي الأخرى من جانبها على ترويج الحياة الغربية الفاسدة، فتبيح الاختلاط والتعري والرقص الخليع والمجون والشرب.. الخ.
ولا شك أن الغرب الحاقد قد وجد في المسلمين من يكتب لحسابه ويشكك بالإسلام على نحو ما فعل سلمان رشدي في روايته الساقطة (آيات شيطانية) وثمة من يكتب روايات جنسية ساقطة لا تقدم للمعرفة شيئاً يذكر وإنما الهدف منها إفساد الشباب، وتمييع القيم، وفي هذا السياق تعمل هذه القوى المتعاضدة على نشر الأندية الماسونية والمؤسسات الأخرى التي تفرعت عنها، كأندية الليونز والروتاري[103] وهما من أخطر المنظمات الهدامة وتتخفى وراء شعارات الإخاء والتعاون والمحبة بين بني البشر ولكنها في واقع الحال تعمل على هدم الأديان وخاصة الدين الإسلامي وبالإمكان القول بأنها تسعى إلى تحويل المسلم إلى إنسان لا ديني كما أنها تشيع الفوضى الأخلاقية وتسخر أبناء البلاد الإسلامية للتجسس على أوطنهم باسم الإنسانية ولهذا فهي تعمل في معظم بلاد العالم الإسلامي على استقطاب ذوي المناصب الهامة والمهن الضرورية إلى جانب نجوم الفن. وهذه الأندية المشبوهة تنظم رحلات اختلاط بين النساء والرجال الشباب إلى أوربا، فترسل الشباب من الدول الإسلامية ليقيموا علاقات مع أترابهم من الشباب الأوربي.
وواجب الحكومات الإسلامية أن تمنع تواجد مثل هذه الأندية المشبوهة، وأن تدقق كذلك في المنح التي تعطي للشباب من قبل هذه النوادي[104].
- تتخفى الأنشطة التنصيرية وراء تقديم الخدمات التعليمية الصحية والاجتماعية، ومن الدول الإسلامية من لا تعير هذه الأنشطة اية أهمية ولا تدقق في طبيعة هذه الأنشطة، وإهمال التعليم يفسح المجال للمؤسسات التنصيرية لكي تمارس أنشطتها من خلال المؤسسات التعليمية الغربية التي تسمح الدول الإسلامية بإقامتها على أراضيها، فالجامعات الأمريكية في القاهرة ولاهور واستانبول ذات أصول تنصيرية[105] وتعمل بالدرجة الأولى على نشر المسيحية وبث المفاهيم والمعتقدات الغربية وهي في الغالب الأعم لا تهتم بثقافتنا العربية والإسلامية بل إن تاريخ هذه الجامعات والمدارس يكشف عن تعصبها الأعمى حيث أرغمت هذه المدارس والجامعات طلابها المسلمين على ضرورة ارتياد الكنائس يوم الأحد وحين اشتكى الطلاب المسلمون من هذا القرار اكتفت إدارة هذه المدارس ببث سمومها عبر دروس الأخلاق والفلسفة واللغة الإنجليزية، وعلى سبيل المثال لا الحصر يذكر الأستاذ عمر فروخ أن دروس اللغة الإنجليزية في جامعة بيروت كانت مخصصة لأغراض تنصيرية، فكان يفرض على الطلاب ضرورة ترجمة نصوص الكتاب المقدس ومناقشتها مع المدرس. وقد هاجمت صحيفة السياسة المصرية الجامعة الأمريكية في القاهرة في الثلاثينات من هذا القرن لأنها قررت على طلابها في القاهرة مراجع تعرض بالإسلام وبالرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم محمد بن عبدالله، كما نشرت السياسة ملخصاً لأحد هذه الكتب التي تمتهن كرامة ومشاعر المرأة المسلمة ويركز على المتع الجنسية. واعترف عميد الجامعة الأمريكية بالقاهرة 1920 بأن التنصير كان يتم بين الطلاب المسلمين وأنه كان يشترط حضورهم إلى الكنيسة وفصول دراسة الكتاب المقدس لمدة أسبوعين شهرياً، وقد تعرض بعض الطلبة والطالبات للتنويم المغناطيسي لتحويلهم إلى النصرانية. فوجود الجامعات الأجنبية والتوسع في المدارس الأجنبية الابتدائية والإعدادية والثانوية أمر له آثار خطيرة على مستقبل الإسلام والمسلمين.
ومن ناحية أخرى فإن بعض الحكومات الإسلامية لا تدقق في طبيعة الأنشطة التي تمارسها بعض المنظمات الدولية على أراضيها سواء أكان ذلك عن قصد أو غيره، فالأم تيريزا وهي منصرة مشهورة ومعروفة عالمياً كانت على علاقة وثيقة بالرئيس المصري الراحل أنور السادات، وجاءت إلى مصر في عهده لتقيم عدد م المشروعات التنصيرية تحت ستار الخدمات الاجتماعية.
- وفي أواخر شهر أغسطس هانيبال 1989 نشرت جريد الأهرام القاهرية تقريراً لثلاثين مركزاً مالياً عالمياً مؤداه أن للعرب حكومات وهيئات وأفراد (670) مليار دولار تتركز معظمها في أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، فلماذا نضع أموالنا في أيدي أولئك الذين يشنون علينا حرباً تنصيرية لا هوادة فيها، ولماذا لا يقتطع جز من هذه الفوائض للدعوة الإسلامية، ولماذا لا يدفع كل مسلم ديناراً كما أشار إلى ذلك قائد الثورة العقيد معمر القذافي[106]، حتى نواجه الحركة التنصيرية العالمية، ونحمي الأقليات الإسلامية. فمتى يستفيق المسلمون من رقدتهم ويوحدوا صفوفهم لمواجهة المد التنصيري الخطير الذي يعمل في تنسيق تام مع المصالح الغربية المسيحية المتغلغلة في أقطار العالم الإسلامي.
تم بعون الله
عبدالعزيز الكحلوت
[1] قصة الحضارة – ول ديورانت – مصدر سابق ص: 54.
[2] نفس المصدر ص: 52.
[3] نفس المصدر ص: 53.
[4] قصة الحضارة – ول ديورانت – مصدر ص: 53.
[5] أشرنا إلى هذا المرسوم في الفصل الأول من هذا الكتاب.
[6] أوربا والتخلف في إفريقيا تأليف د. والتر رودني ترجمة د. أحمد القصير مراجعة د. إبراهيم عثمان ص: 128 سلسلة عالم المعرفة رقم 123 الكويت 1989.
[7] نفس المصدر السابق ص: 129.
[8] نفس المصدر السابق ص: 129.
[9] نفس المصدر السابق ص: 210.
[10] نفس المصدر السابق ص: 210.
[11] يعبر عن هذه الحقيقة والتر رودني في كتابه أوربا والتخلف في إفريقيا فيقول: (إن الكنيسة المسيحية اشتركت بالكامل في الإبقاء على الرق بينما ظلت تتحدث عن إنقاذ (الأرواح). ويستنكف والتر رودني من تصرفات الأوربيين والأمريكيين ويذكر أنه بالرغم من إقرار الولايات المتحدة الأمريكية للعبودية في دستورها إلا أن أوائل الذين ضحوا من أجل استقلالها كانوا من الأفارقة السود ويقول: (ونجد أن الرياء قد بلغ أعلى مستوياته داخل الولايات المتحدة، أن كريسباس اتوكس اول شهداء الحرب الوطنية من أجل التحرير من المستعمرين البريطانيين في القرن الثامن عشر من أصل إفريقي، كما أن الرقيق والأحرار الأفارقة على السواء لعبوا دوراً رئيساً في جيوش جورج واشنطن، ومع ذلك أقر الدستور استعباد الأفارقة).
أوربا والتخلف ص: 132.
[12] لون البشرة وأثره في العلاقات الإنسانية مصدر سابق ص: 16.
[13] لون واثره – سيمونز ص: 17.
[14] التبشير والاستعمار – الدكتور مصطفى الخالدي والدكتور عمر فروخ الطبعة الخامسة 1973 ص : 200 طبعة وزارة التعليم – ليبيا.
[15] رسالة الجهاد، كانون: 1987.
[16] هل الكتاب المقدس كلام الله – مصدر سابق ص : 62 ، 63.
[17] صحيفة الحقيقة المجردة اكتوبر 1977 – نقلاً عن هل الكتاب المقدس كلام الله ص: 62 – ومعلوم أن الكتاب المقدس يهذب وينقح مع كل طبعة جديدة ولا تستنكف المجلات والصحف الغربية عن التصريح بذلك، بل إنها تقوم بالرعاية مع مطلع كل عام للطبعات الجديدة.
[18] لون البشرة وأثره – مصدره سابق ص: 54.
[19] Critstianity Africa Missonaries and Change Published by the Africa Society Sciences P.o Box 4481 Tripoli page 31.
[20] أوربا والتخلف في إفريقيا – مصدر سابق ص: 369.
[21] لون البشرة دائرة – مصدر سابق – سيمونز ص 37.
[22] أوربا والتخلف في أفريقيا د. والتر رودمن ص : 117.
[23] Christianity in Africa ص: 13.
[24] التبشير والاستعمار د. عمر فروخ، د. مصطفي الخالدي مصدر سابق ص: 244.
[25] التبشير والاستعمار ص : 244.
[26] ومن الأساليب المستخدمة في وقتنا الحاضر صندوق النقد الدولي الذي يشترط على بعض الدول الإسلامية رفع سن الزواج للمسلمين مما يعني خفض معدلات النمو، خاصة في البلدان التي توجد فيها أقليات مسيحية. ويستخدم المنصرون هذه الأيام رؤساء الدول والحكومات، ومن هؤلاء مثلاً سوهارتو الذي فتح أندنوسيا أمام البعثات التنصيرية حتى استحق لقب (جنرال الكنيسة) كما أن الدول الكبرى الصناعية كلها تساهم في تمويل التنصير، وقد لوحظ في السنوات القليلة الماضية أن اليابان قد فتحت أبوابها أمام التنصير، وتحت ضغط الولايات المتحدة قبلت المساهمة في تمويل هذه البعثات في داخل اليابان وخارجها، أما الدول الفقيرة فتدخلها البعثات التنصيرية متخفية تحت أسماء وعناوين مختلفة ظاهرها الخدمات الاجتماعية والتنموية وباطنها التنصير.
[27] Christianity Africa ص: 30.
[28] Christianity Africa ص: .
[29] Christianity Africa ص: 39.
[30] نفس المصدر السابق ص: 33.
[31] التبشير والاستعمار – مصدر سابق ص: 205.
[32] التبشير والاستعمار – مصدر سابق ص: 205.
[33] نفس المصدر السابق ص: 241.
[34] نفس المصدر السابق ص: 51.
[35] التبشير والاستعمار – مصدر سابق ص: 52.
[36] جذور الإرساليات التنصيرية في مصر – د. خالد نعيم ص:19.
[37] سورة آل عمران الآية: 45.
[38] سورة يس الآية: 82.
[39] التبشير والاستعمار – مصدر سابق ص: 215.
[40] التبشير والاستعمار – مصدر سابق ص : 3.
[41] التبشير والاستعمار – مصدر سابق 215.
[42] إذاعة لندن 20 فبراير 1990 نشرة الأخبار.
[43] أوربا والإسلام – د. عبدالحليم محمود – دار المعارف بمصر ط 2 ص : 194.
[44] راجع الجدول السابق.
[45] أوربا والتخلف في إفريقيا – مصدر سابق ص: 302.
[46] أوربا والتخلف في إفريقيا – مصدر سابق ص: 302.
[47] أوربا والتخلف في إفريقيا – مصدر سابق ص: 303.
[48] أوربا والتخلف في إفريقيا – ص : 349.
[49] أوربا والتخلف في إفريقيا – مصدر سابق ص: 350.
[50] التبشير والاستعمار – مصدر سابق ص: 60.
[51] نفس المصدر ص: 63.
[52] أوربا والتخلف في إفريقيا صك 366.
[53] التبشير والاستعمار – مصدر سابق ص: 63.
[54] Christianity in Africa Page: 30.
[55] نفس المصدر السابق ص: 74.
[56] التبشير والاستعمار – انظر فصل (حقائق من إفريقيا).
[57] ترجمتها عن كتاب Christianity in Africa ص: 74.
[58] مأخوذ من كتاب أوربا والتحلف في إفريقيا – مصدر سابق ص: 168.
[59] أوربا والتخلف ص : 168.
[60] Christianity in Africa ص: 46.
[61] نفس المصدر السابق ص: 46 : 47.
[62] أوربا والتخلف في إفريقيا. د. والتر رودني – مصدر سابق 362.
[63] From Misson by Pierce Beaver (Reflection Copylight 1964 by National Board of yong Mens Christion Association, new york page 14.
[64] نفس المصدر السابق ص: 14.
[65] أوربا والتخلف في إفريقيا د. والتر رودني مصدر سابق من 369.
[66] أوربا والتخلف في إفريقيا – مصدر سابق ص: 398.
[67] أوربا والتخلف في إفريقيا – والتر رودني – مصدر سابق ص: 398.
[68] أوربا والتخلف في إفريقيا – والتر رودني – مصدر سابق ص: 399.
[69] أوربا والتخلف في إفريقيا – د. والتر رودني – مصدر سابق ص: 300.
[70] أوربا والتخلف في إفريقيا – د. والتر رودني – مصدر سابق ص: 400.
[71] أوربا والتخلف في إفريقيا د. والتر رودني ص: 351.
[72] أوربا والتخلف في إفريقيا د. والتر رودني ص: 360.
[73] أوربا والتخلف في إفريقيا د. والتر رودني ص: 361.
[74] أوربا والتخلف في إفريقيا د. والتر رودني ص: 361.
[75] أوربا والتخلف في إفريقيا د. والتر رودني ص: 370.
[76] أوربا والتخلف في إفريقيا د. والتر رودني ص: 369.
[77] التبشير والاستعمار – مصدر سابق ص: 9.
[78] أوربا والتخلف في إفريقيا – د. والتر رودني – ص: 39.
[79] أوربا والتخلف في إفريقيا – د. والتر رودني – ص: 36.
[80] ازداد إنتاج إفريقيا من النفط خلال السبعينات والثمانينات.
[81] نفس المصدر السابق – ص: 65.
[82] نفس المصدر السابق – ص: 65.
[83] أوربا والتخلف في إفريقيا – والتر رودني ص: 69.
[84] أوربا والتخلف في إفريقيا – د. والتر رودني – مصدر سابق ص: 82.
[85] التبشير والاستعمار – مصدر سابق – ص: 9.
[86] فرانز فانون – رؤيته لدور الكاتب والأدب الإفريقي باللغة الفنرسية د. سعاد شيخاني – كتاب الفكر العربي 6 ص: 72.
[87] نفس المصدر السابق صك 78.
[89] نفس المصدر السابق ص: 88.
[90] نفس المصدر السابق ص: 88.
[91] نفس المصدر السابق ص: 89.
[92] نفس المصدر السابق ص: 85.
[93] التماهي بقيم المتسلط: من أخطر درجات الاستلاب لأنه يتم بدون عنف ظاهر، بل على العكس من خلال رغبة الإنسان المسحوق في الذوبان في عالم المتسلط بالتقرب من أسلوبه الحياتي وتبني قيمه ومثله العليا. وهو يرى في ذاك التقريب وهذا التبني حلاً لمأزقه الوجودي وراتقاءً لكيانه إلى مرتبة ترضيه وتبث في نفسه الكبرياء، وهو يبذل كل جهد ممكن في هذا السبيل متنكراً لمصالحه الحقيقية التي تكمن في التغيير الجذري للعلاقة والبنية الاجتماعية التي تستند إليها. التخلف الاجتماعي – مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور د. مصطفى حجازي منشورات معهد الإنماء العربي فرع لبنان: ص 199 ط 1: 1976.
[94] فرانز فانون – رؤيته لدور الكتاب – مصدر سابق ص: 86.
[95] نفس المصدر السابق ص: 82.
[96] الجذور التاريخية لإرساليات التنصير الأجنبية في مصر – مصدر سابق – ص: 176.
[97] نفس المصدر السابق ص: 176.
[98] راجع تقرير صحيفة الدعوة الإسلامية منتصف مارس 1990 الخاص بالبابا.
[99] جذور الإرساليات التنصيرية – مصدر سابق – ص: 164.
[100] الجذور التاريخية لإرساليات التنصير – مصدر سابق – ص: 186.
[101] جذور الإرساليات – مصدر سابق – ص: 189.
[102] الجذور التاريخية لإرساليات التنصير – مصدر سابق – ص: 185.
[103] جاء في نشرة النور (المغرب) 26 شهر الربيع 1983 ما يأتي عن أندية الروتاري: تأسست أندية الروتاري في شيكاغو بأمريكا عام 1905 من قبل المؤسسين اليهود وهم باول هاريس، سلفستر شيلر، غوستاف ايه لوهر، وفي عام 1910 تشكل الاتحاد الروتاري الأمريكي الذي ضم (16) نادياً في ذلك الوقت وفي عام (1922) تشكلت منظمة الروتاري العالمية وذلك بعد انتشار هذه النوادي في عدد من مدن أوربا، واليوم هناك أكثر من (16700) ناد وتسعمائة الف عضو روتاري في أكثر من (151) دولة، وتنتشر نوادي الروتاري أعضاءها بأن يكونوا مواطنين عالميين مترفعين عن القومية. أما شعارهم فيتمثل في عجلة مسننة (ترس) بأربعة وعشرين سناً باللونين الأزرق والذهبي، وتضم داخلها كلمة روتاري كما تستعمل شعارات أخرى في اجتماعات رمزية لا تفيد المعنى مباشرة ويقع المركز العالمي لمنظمة الروتاري العالمية حالياً في مدينة (ايفانستون) بولاية (ايلينوى) في الولايات المتحدة الأمريكية كما يوجد سكرتير المركز العام في كل من لندن وزيوريخ وترتبط المقاطعات الروتارية مباشرة بالمركز العام ويتم انتخاب حكامها في الاجتماع السنوي ويعتبر هؤلاء الحكام مفوضين عن المركز العام – مجلة الأمة الإسلامية القطرية.
من مجلة الأمة القطرية الإسلامية العدد 33.
[104] لمزيد من التفاصيل انظر: الروتاري في قفص الاتهام. أبو إسلام عبدالله – ص : 261- 303 وانظر كذلك الملحق والوثائق ص: 290 – 300.
[105] انظر التبشير والاستعمار – باب التعليم من وسائل التبشير - .
[106] خطاب القائد في الأمانة المؤمنة للقيادة الشعبية الإسلامية.