رضا الصدر
شكر وتقدير
المقدمة
المسيح في موجز كلام الله تعالى
امه مريم
منبت مريم
زكريا ومريم
بشارة الله لمريم
خلقة المسيح
نفخة الهية
تاييده بروح القدس
رسالة المسيح الى بنياسرائيل دعوته الى عبادة الله
نعم الله على المسيح
النهي عن الغلو
المائدة السماوية
الام الصفية المطهرة
صفية الاله
النقية الزكية
ابو الصفية وامها
النذر المقبول
كفيل الصفية
القصة
بشارة الله للصفية
القصة
المسيح وخلقته
المسيح ومثله عند الله
روح ارسله الله الى مريم
بيان 1
النفخة الالهية
بيان 2
رسول الله الى بني اسرائيل
اتيان الانجيل والتاييد بروح القدس
المعلم والتلميذ
رسالة المسيح
بيان 3
قيام المسيح بالدعوة
بيان 4
الدعوة الى عبادة الله
التذكير بنعم الله على المسيح
جزاء المؤمن بالمسيح والكافر به
بشائر ووعود
النهي عن الغلو
نزول المائدة السماوية
الموجز بعد التفصيل
الصعود بعد الهبوط
عود الى بدء ورفعة بعد النزول
استفهام انكاري
نماذج من معالي امره وكراماته
احياء الميت
انقاذ الغريق
المشي على الماء
كنز على الطريق وكنز في البلد
الاخبار عن قتل ثلاثة
فوائد
المريمية
ومن مثله العليا مقتبسة من سنة نبينا الكريمصلى الله عليه وآله بطريق عترته الطاهرةعليهم الومن توجيهاته وارشاداته
ومن مواعظ الله للمسيح
هبوط المسيح الى الارض
هبوطه الى الارض
بيان 5
فهرس المصادر س
السلام عليك يا روح الله، اشهد انك حى عند اللهمرزوق، وها انذا اخاطبك في حياتك الطيبة،واهدي اليك صورتك الكريمة بريشة من اهداكالى امك، وهذه هدية مني اليك، والرجاء قبولالهدية فانه من شيم الكرام.
رضا الصدر.
17 شوال 1413.
لقد كان للمسيحيين حق نشكره ونقدره، وهو ان كثير من كتابهموفضلائهم صنفوا كتبا، وحرروا رسائل كثيرة حول نبينا محمدصلى الله عليه وآله، وبحثواعن سيرته، وهم لا يؤمنون بنبوته، بينما القليل من المسلمين الذين عالجواسيرة المسيحعليه السلام، وهم قائلون بنبوته. فرايت ان افرد له سيرة لسد هذهالثلمة، معتمدا على النظرة الاسلامية، دون سيرة المسيحعليه السلام المتخذة منالمصادر المسيحية.
ومن المعلوم ان اوثق المصادر الاسلامية هو القرآن الكريم، ونضم اليهما ورد من عترة نبينا محمدصلى الله عليه وآله ليكون المصدر ما تركه نبي الاسلام لقوله:
«اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتى...».
وحسبنا هذا مما يغني عن ابحاث ودراسات الافراد.
واساله تعالى ان يوفقني لذلك، ويوصلني الى المقصود.
رضا الصدر.
17 شوال 1413.
ان حضرة آية الله الحاج السيد رضا الصدرقدس سره (1300- 1373) مفسر بارع، وفقيه ذو منزلةعالية، وحكيم ومتكلم قل مثله. وهو من عائلة علمية عريقة ورثت العلم خلفا عن سلف وقد اشتهربالعلم والتقوى والفقاهة.
ولد في مدينة مشهد المقدسة، ودرس المقدمات في حوزتها، وبعد ان انهى دراسة المقدماتهاجر الى مدينة قم المقدسة برفقة والده آية الله العظمى السيد صدر الدين الصدرقدس سره، الذي يعتبر منالمراجع الكبار في ذلك الوقت.
لقد درس دروس السطح والخارج في الفقه والاصول والفلسفة والعرفان على ايادي كباراساتذة الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة; من امثال والده، والمرحوم آية الله العظمى حجت،والمرحوم مؤسس الجمهورية الاسلامية في ايران آية العظمى الامام الخمينىقدس سره.
وفي خلال مدة قصيرة عد من البارزين في الحوزة العلمية; وذلك بسبب جهوده الكبيرة،ونبوغه البارع. ولاتصافه بصفات خاصة عد من الشخصيات العلمية المشار اليها بالبنان.
وان هذا العالم الجليل الذي حصل على اعلى المراتب العالية في الاجتهاد كان في نفس الوقتفى مستوى المرجعية، ومدرسا للعلوم الحوزوية، وكاتبا مؤثرا في النفوس، وصاحب بيان جميل.
ولباعه الطويل في جميع ميادين العلوم استطاع ان يترك خلفه ثروة علمية كبيرة، ومن مجلتهافي العلوم القرآنية; ومن الآثار التي تركها في ذلك هي:
1. تفسير سورة الحجرات;
2. حسن يوسف «تفسير سورة يوسف»;
3. محمدصلى الله عليه وآله في القرآن;
4. المسيح في القرآن.
واخيرا كان في صدد تاليف كتاب «الكليم في القرآن» وقد حرر بعض صفحاته، ولكن الاجلحال بينه وبين اتمامه.
ان اجتماع اتقان الموضوعات والمطالب، ومراعاة الامانة في نقلها، مع تقوى الكاتب، بالاضافةللتفكير العميق والبحث الدقيق، قادر على ان يروي عطاشى معرفة الحقيقة من عين المعرفةالصافية. ونحن نرى بوضوح هذه الميزات في الآثار العلمية القيمة التي خلفها المرحوم آية اللهالصدر.
واما ترجمة حياتهرحمه الله فقد كتبت في العدد الاول من سلسلة آثاره، اي في تفسير سورةالحجرات.
وفي الختام، نسال الله سبحانه وتعالى ان يوفقنا لاتمام آثاره العلمية بالنحو اللائق، كى تقنعهابخدمة الحوزات العلمية والامة الاسلامية. وتتقدم بالشكر الجزيل لجميع المسؤولين في مركزالنشر التابع لمكتب الاعلام الاسلامي في قم المشرفة الذين هيؤوا السبل لنشر هذه المؤلفات.
السيد باقر خسرو شاهى.
بسم الله الرحمن الرحيم.
يطالعنا سيدنا السيد رضا الصدر بالفرادة دائما، وكان الفرادة نهجه، والانماط المختارة شانه.
قد تفرض الموضوعات اساليب التعبير عنها، وعن اغراضها، ولكننا نلاحظ ان سيدنا الصدريتعامل مع الموضوعات ذات الطبيعة الواحدة باساليب مختلفة الاداء.
لسيدنا السيد رضا الصدر(ره) كتب عديدة في موضوعات: الفقه، والفلسفة والاجتماع،والتفسير.
المسيح في القرآن هو الكتاب الثالثبموضوع التفسير، فقد اصدرت له هذه الدار «محمد فيالقرآن» بالعربية، ونشر له «حسن يوسف» بالفارسية، وترجم الى العربية ونشر، وهذا الكتاب.
في الكتاب الاول كان للبحث والتاريخ دور الى جانب التفسير. والثاني قدمه الينا باسلوبقصصي في فصله الاول، والتفت في فصله الثاني لتلمس الاصول الفلسفية، والايمانية، ثم الحقه بماذكره التوراة عن يوسفعليه السلام، فجمع في كتاب صغير ملفا شاملا.
وها هو في هذا الكتاب يلتزم قواعد التفسير التقليدية دون ان يتشعب او يستطرد، وكانه- حفظه الله - يتعبد في محراب المعجزة الالهية عبادة من يخشى بطلانها من زيادة، او نقصان، فابرزبهذا الالتزام عمق الفهم الاسلامى لموضوع النبي عيسىعليه السلام في امه، وحملها، فيه ذاته معجزة ونبوة،دعوة وحواريين، انصارا ومعاندين. فاوضح الارتباط العقائدي - لا السياسي - بالمسيح والمسيحيةبجلاء ووضوح، وان العلاقات كانت عقائدية - ولم تكن سياسية - كما هو الامر مع يهود الجزيرةالذين عقدوا عهودا، ومواثيق، ولذلك لم يكن هنالك صراع بين المسيحيين، والمسلمين في الجزيرةفي عهد النبيصلى الله عليه وآله، كما يشير الكتاب بلمحة عابرة.
و ان قلنا: العقائدي - لا السياسي - لان بيئة المؤلف ليس عندها صراع اقليات يحفزه انيكتب فيما هو مثار بحث، فلذلك ننظر الى هذا الكتاب بانه من واقع علمي بحت، وبتطبيق للتفسيرالموضوعى الذي يجمع الموضوع الواحد من تضاعيف سور الكتاب الكريم; لتاليفها في اطار واحدتبرز فيه كل الابعاد المنظورة، والمتصورة.
لسنا بحاجة لشرح اهمية هذا النهج التفسيري، فحسب القارئ ان يطلع على هذا الكتاب،وعلى سابقية; ليحس بالاجواء الفكرية للموضوع المتكامل.
اخذ الله بيد سيدنا، ومد بعمره، ليتحف المكتبة الاسلامية بمثل هذه الفرائد.
ناشر الطبعة الاولي للكتاب.
«واذ قالت الملئكة يمريم ان الله اصطفيك وطهرك واصطفيك على نساء العلمين يمريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين» (1) .
«ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقتبكلمت ربهاوكتبه وكانت من القنتين» (2) .
«اذ قالت امراة عمران رب اني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك انتالسميع العليم» (3) .
«فلما وضعتها قالت رب اني وضعتها انثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالانثىواني سميتها مريم واني اعيذها بك وذريتها من الشيطن الرجيم» (4) .
«فتقبلها ربها بقبول حسن وانبتها نباتا حسنا » (5) .
«وما كنت لديهم اذ يلقون اقلمهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون» (6) .
«وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم انى لك هذاقالت هو من عند الله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب» (7) .
«اذ قالت الملئكة يمريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهافي الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصلحين» (8) .
«قالت رب انى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء اذا قضىامرا فانما يقول له كن فيكون» (9) .
«ان مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» (10) .
«واذكر في الكتب مريم اذ انتبذت من اهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهمحجابا فارسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا » (11) .
«قالت اني اعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا قال انما انا رسول ربك لاهب لك غلمازكيا قالت انى يكون لي غلم ولم يمسسنى بشر ولم اك بغيا قال كذلك قال ربك هو عليهين ولنجعله ءاية للناس ورحمة منا وكان امرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فاجآءها المخاض الى جذع النخلة قالتيا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا » (12) .
«وهزى اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربى وقرى عينا فاماترين من البشر احدا فقولي اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا فاتتبهقومها تحمله قالوا يمريم لقد جئتشيئا فريا ياخت هرون ما كان ابوك امرا سوء وماكانت امك بغيا فاشرت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال اني عبداللهءاتني الكتب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا اين ما كنت واوصنى بالصلوة والزكوة مادمتحيا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا والسلم علي يوم ولدت ويوم اموتويوم ابعثحيا » (13) .
«ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقتبكلمت ربهاوكتبه وكانت من القنتين» (14) .
«والتي احصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلنها وابنها آية للعلمين » (15) .
«ولقد ارسلنا نوحا وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتب فمنهم مهتد وكثيرمنهم فاسقون ثم قفينا على ءاثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتينه الانجيل...» (16) .
«وءاتينا عيسى ابن مريم البينت وايدنه بروح القدس» (17) .
«ويعلمه الكتب والحكمة والتورية والانجيل» (18) .
«واذ قال عيسى ابن مريم يبنى اسراءيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدى منالتورية ومبشرا برسول ياتى من بعدى اسمه احمد...» (19) .
«... انى قد جئتكم باية من ربكم انى اخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيهفيكون طيرا باذن الله وابرئ الاكمه والابرص واحي الموتى باذن الله وانبئكم بما تاكلونوما تدخرون في بيوتكم ان في ذلك لاية لكم ان كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدى منالتورية ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم باية من ربكم فاتقوا الله واطيعون ان الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صرط مستقيم فلما احس عيسى منهم الكفر قال منانصارى الى الله قال الحواريون نحن انصار الله ءامنا بالله واشهد بانا مسلمون» (20) .
«فامنت طائفة من بني اسرءيل وكفرت طائفة فايدنا الذين ءامنوا على عدوهمفاصبحوا ظهرين» (21) .
«وقال المسيح يبنى اسرءيل اعبدوا الله ربى وربكم انه من يشرك بالله فقد حرمالله عليه الجنة وماويه النار وما للظلمين من انصار» (22) .
«ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا ياكلانالطعام انظر كيف نبين لهم الايت ثم انظر انى يؤفكون» (23) .
«اذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك اذ ايدتك بروح القدستكلم الناس في المهد وكهلا واذ علمتك الكتب والحكمة والتورية والانجيل واذ تخلق منالطين كهيئة الطير باذنى فتنفخ فيها فتكون طيرا باذنى وتبرئ الاكمه والابرص باذنىواذ تخرج الموتى باذنى واذ كففتبني اسرءيل عنك اذ جئتهم بالبينت فقال الذين كفروامنهم ان هذا الا سحر مبين» (24) .
«اذ قال الله يعيسىاني متوفيك ورافعك الي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذيناتبعوك فوق الذين كفروا الى يوم القيمة ثم الي مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم فيهتختلفون فاما الذين كفروا فاعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من نصرين واما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فيوفيهم اجورهم والله لا يحب الظلمين» (25) .
«ياهل الكتب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق انما المسيح عيسىابن مريم رسول الله وكلمته القيها الى مريم وروح منه فامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلثةانتهوا خيرا لكم انما الله اله واحد سبحنه ان يكون له ولد له ما في السموات وما فيالارض وكفى بالله وكيلا».
«لن يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله ولا الملئكة المقربون ومن يستنكف عنعبادته ويستكبر فسيحشرهم اليه جميعا » (26) .
«اذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماءقال اتقوا الله ان كنتم مؤمنين قالوا نريد ان ناكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلمان قد صدقتنا ونكون عليها من الشهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا انزل علينامائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وانتخيرالرازقين» (27) .
وما قتلوه
«وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبهلهم وان الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقينابل رفعه الله اليه وكان الله عزيزا حكيما» (28) .
«واذ قالت الملئكة يمريم ان الله اصطفيك وطهرك واصطفيك على نساء العلمين يمريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين».
«ذلك من انباء الغيب نوحيه اليك وما كنت لديهم اذ يلقون اقلمهم ايهم يكفل مريموما كنت لديهم اذ يختصمون» (29) .
«اذ قالت الملئكة يمريم».
اخبار عن نزول الملائكة على السيدة مريم، فهي محدثة يتنزل عليها الملائكة، وتكلمها،وهي تسمع كلامهم. ونزول الملائكة على بشر اشرف منزلة، واقدس مقام، ونزول الملائكةعليها وحديثهم لها لم يكن الا باذن الله، فالله خصها بهذه المنزلة، واعطاها هذا الوسام الذيلم يسبقها اليه احد من البشر، سوى الانبياء.
«ان الله اصطفيك».
مقول لقول الملائكة، والاصطفاء اختيار الاشرف، وازالة القشر من اللب. وهو تكوينيلا تشريعي. فقد ولدت السيدة صفية، وخلقت منزهة من النقص، وكذا يكون الاصطفاءالالهي. فهي ملاك في ثوب البشر. اختارها الله من بين نساء البشر; لتكون مهدا للمسيح منغير فحل.
«وطهرك».
من الادناس، والاقذار التي لا يخلو منها بشر الا من اعطاه الله العصمة من الذنوب،والخطايا.
ويمكن ان يكون ذلك عطفا تفسيريا لقوله تعالى «اصطفاك» وقد حذف متعلق التطهير;ليفيد العموم.
«واصطفيك على نساء العلمين».
تعدي الاصطفاء ب «على» يفيد شرفها على نساء العالمين، والاطلاق يفيد التقديم من جميعالجهات لا في خصوص اعطاء ولد بلا فحل. والمميز بين الاصطفاءين: ان الاول صفة لمريمباعتبار نفسها، والثاني صفة لها بالقياس الى غيرها.
«اقنتي لربك».
القنوت: هو الطاعة عن خضوع والاخلاص في العبادة عن معرفة، ويمكن ان يكونقنوت السيدة شكرا لربها; ازاء نعمة الاصطفاء.
«واسجدي واركعي».
السجود: وضع الجبهة على الارض; خضوعا وخشوعا، ويستعار لشدة الخضوع ونهايته.
والركوع: الانحناء; تعظيما وتكريما، وقد يراد به مطلق التذلل.
ويمكن ان تكون الجملة عطفا تفسيريا لقوله تعالى: «اقنتي».
وتخصيص مريم من بين النساء بامر من البارئ لعبادته تعالى يكشف عن عناية خاصةمن الله بها، وشرفها، وتقدمها على غيرها; ليزيدها كمالا على كمالها، وشرفا لشرفها، فانعبادة الله لا تفيد الا العابد، ولا يستفيد منها المعبود، فلم تكن السيدة متوقفة في الكمال، بلكانت صاعدة دائما لمراقي الكمال، وكذا يكون اولياء الله تعالى.
«مع الراكعين».
العبادة على قسمين: فردية واجتماعية، وكلتاهما مطلوبة، فانها خضوع وخشوع للهتعالى، وفناء ازاء عظمته. ويتشرف بها العابد الفردي والعابد الاجتماعي، فكانت السيدةمامورة بكلتا العبادتين، فردية في قوله تعالى: «اقنتي واسجدي». واجتماعية في قوله تعالى:«واركعي مع الراكعين». وهي المطيعة لربها باحسن اطاعة، وتعبدها باشرف عبادة.
وتختلف العبادة الفردية عن الاجتماعية انها كثيرا ما تقع سرا بحيث لا يعرفها العابد،ولكن العبادة الاجتماعية يستحيل وقوعها سرا، فالعبادة مطلوبة للحق سرا وعلانية.
وحصر العابد عباداته بالسر ليس بمحبذ; فانه يفيد خلو المجتمع من عبادة الله،فلا يوصف بالحسن والفضيلة، كما ان حصره عباداته بالعلانية يوجب كثرة الرياء في المجتمع،وتخرج العبادة عن كونها عبادة الله، فيجب على من يعبد الله الجمع بين العبادتين، ولا يخصعبادته باحد الامرين.
«ذلك من انباء الغيب».
التفات من كلام الملائكة، واصطفاء مريم، وامرها بالعبادة الى الخطاب برسوله محمدصلى الله عليه وآلهالنازل عليه القرآن الكريم.
والغيب حقيقة كونية لا تدرك باحدى الحواس، وانما المدركة لها هي البصيرة لا البصر،فالماضي غيب لا يرى الا بالبصيرة، وكذلك المستقبل، والواقع وراء الستار، او في مكان بعيدعن الحواس الخمس.
«يلقون اقلمهم».
القلم - بفتحتين - : القدح الذي يضرب به القرعة، ويسمى ايضا سهم، وجمعه اقلام.
والقرعة: الاستطلاع على الافضل المجهول بطلب من البارئ. وكان بالقاء الاقلامفي الماء، فارتفاع القلم من تحت الماء الى الفوق، يدل على ان صاحبه هو الحقيقمن بين الآخرين; لان بقاء ذلك القلم او ارتفاعه لم يكن من جانب نفسه; بل كان بارادةمن الله.
«وما كنت لديهم اذ يختصمون».
الاختصام: اختلاف شديد بين الافراد. وقد وقع هذا الاختلاف على كفالة السيدة مريمبعد ولادتها فيمن يكفل هذه الوليدة الطاهرة، فان كفالتها شرف عظيم.
يقال: ان ام مريم اتتبها بعد ولادتها ملفوفة في خرقة الى المسجد، وقالت: دونكم«النذيرة» (30) .
فتنافس الاحبار في كفالتها، فان النذيرة فضلا من ان تكون بكفالة امها، فهذه النذيرةبنت امامهم، وصاحب قربانهم، وقد توفي عند ولادة مريم، فقال النبي زكرياعليه السلام: «انا احق بهالان خالتها عندي».
وقال الاحبار - وهم خمسة - : لو تركت لاحق الناس بها لتركت الى امها التي ولدتها، اذليست الاقربية هي الملاك في اولوية الكفالة، بل الملاك امر آخر، فنحن ايضا مثلك نريد اننتشرف بهذا، ولم يتوقف الجدال حتى تراضوا بالاقتراع بينهم; ليعرفوا ان كفيلها هو الذييقصده الله، فانطلقوا، وكانوا ستة رجال الى نهر جار، فالقوا اقلامهم في الماء، فارتفع قلمزكريا فوق الماء، ورسبت اقلامهم.
فكفلها زكريا - وكان راس الاحبار ونبيهم دون غيره - فاخذها وضمها الى خالتهاام يحيى حتى اذا شبت وبلغت مبلغ النساء بنى لها محرابا في المسجد، وجعل مقامها في وسطه لايرقى اليه الا بسلم، ولا يصعد اليها غير زكريا، وكان ياتيها بطعامها وشرابها ودهنها، وكانالنبي زكريا عارفا بانه لا يليق بكفالة المولودة الطاهرة الا نبي، فلا يكفل المعصومة الاالمعصوم.
اخبرت ملائكة الله - وهم ملائكة الرحمة - مريم البتول بان الله انعم عليها بنعم ثلاثكونية:
الاولى: اصطفاؤها بذاتها بازالة الاقذار النفسية عنها، والادناس الروحية، وتزينها بمكارمالاخلاق ومحاسن الصفات، وهذا ينفي اي اتصاف دون ذلك، فان سلب الجبن هو الاتصافبالشجاعة، وازالة البخل هو الاتصاف بالكرم والسخاء، واستلاب الاقذار هو الطهارة.
الثانية: تطهيرها وتزكيتها من الذنوب والاخطاء، فحصلت لها ملكة العصمة، وتكوناول معصومة مطهرة في التاريخ بنص من القرآن الكريم.
الثالثة:اختيارها من بين نساء العالم، وتمييزها عنهن باعطائها ولدا دون ان يمسها بشربنفخة روحية الهية، وذلك لشرفها، وقد جعل ولدها سيد سادات عصره، وافضلهم نفساومنصبا.
ثم امرها بالعبادة، وهي طقوس دينية بعد اتصافها بالفضائل النفسية الكونية; لتكونصاعدة الى مقامات القدس العليا، تلك التي لا يصل اليها بشر الا بالعبادة والعبودية.
يخبرنا القرآن الكريم بنزول عدد من الملائكة عليها وابلاغها رسالة ربها حال كفاية ملكواحد للابلاغ، وهل ذلك الا لتعظيمها، وتجليلها، وللقداسة التي يرى مرسل الملائكة اليها.
«ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقتبكلمت ربهاوكتبه وكانت من القنتين» (31) .
«مريم».
لم يذكر القرآن اسم امراة سوى مريم، وذكره في بضع وثلاثين موضعا في نيف وعشرينسورة. لقد عبر القرآن عن غير مريم من النساء الصالحات او الطالحات بالوصف دون الاسم;لان ثبوت هذا الاسم للصفية الطاهرة كان معروفا بين الكل عدوا وصديقا، وهم اليهود الذينبهتوها والنصارى الذين قدسوها.
فكل من الطائفتين كانوا يعرفونها بهذا الاسم الذي يخصها دون غيرها، كابنة عمران،واخت هارون، وام عيسى، فان لكل منها مفهوما عاما يصلح لان يوصف بها غيرها، بخلافزوجة ابراهيم وامراة فرعون، فانهما لم تعرفا بالاسم، فكان ذلك الوصف اعرف اوصافهمافلم يات القرآن باسمهما عند ذكرهما، وكذلك كانتحال نساء نوح ولوط وابي لهب.
«عمران».
كان ابو مريم يسمى ب «عمران» وكان من القديسين الكبار، بل من الانبياء الكرامكما صدع به الامام ابو جعفر محمد بن علي الباقرعليه السلام خامس الائمة الاثني عشر.
قال ابو بصير: سالت ابا جعفرعليه السلام عن عمران: اكان نبيا؟ قال: «نعم، كان نبيا مرسلا الىقومه، وكانتحنة امراة عمران وحنانة امراة زكريا اختين، وولد لعمران من حنة مريم وولدلزكريا من حنانة يحيى، وولدت مريم عيسى وكان يحيى ابن خالة مريم».
وقال الامام جعفر الصادق سادس الائمة الاثني عشر: ان الله عز وجل اوحى الىعمران: اني واهب لك ذكرا مباركا يبرئ الاكمه والابرص، ويحيي الموتى باذني، فحدثامراته حنة بذلك، فكانتحنة ترى ان الذي تحمله ذكرا. وان وحي الله الى عمران يفيدنبوته ايضا.
«احصنت فرجها».
احصان الفرج: حفظه عن الرجل وصونه عن الحلال والحرام، وقد ذكر هذا الوصف فيالقرآن للصفية مريم مكررا; تكذيبا صريحا شديدا لما بهتها اليهود كما يشهد بذلك القرآن:«وقولهم على مريم بهتنا عظيما » (32) . ولعل قوله تعالى: «احصنت فرجها»، بانه لم يمسهابشر، حتى بعد ولادة المسيحعليه السلام.
«فنفخنا فيه من روحنا».
الفاء تفريع لقوله تعالى:«احصنت فرجها». والنفخ: هواء متحرك ادخل في شيء،والمنفوخ حادث مسبوق بالعدم، فكل نفخة حادثة، والمنفوخ مخلوق للنافخ.
وفاعل النفخ في قوله تعالى: «فنفخنا»، هو البارئ عز وجل، واسناد النفخ اليه تعالى منباب بنى الامير المدينة، فان النفخ كان بواسطة ملك بصريح القرآن كما سيجيء وكلمة (في)الدال على الظرفية المضاف الى الضمير راجع الى الفرج، ويفيد ان المنفوخ المخلوق للبارئ عزاسمه له نوع تعلق بالبدن، فليس بمجرد محض من اجل تعلقه بالمادة وهي البدن.
كلمة (من) بيان لذكر اسم المنفوخ الذي هو في لسان القرآن: الروح، فالمنفوخ:جوهر نوراني له تعلق بالبدن حدث بالنفخ، ولم يكن وجوده سابقا على النفخ. وليس المقصودمن الروح ما يقابل البدن; فان الحق تعالى عن ذلك وهو اللطيف الخبير، والشاهد اضافته الىالحق.
«صدقت».
التصديق: هو الاذعان اليقيني في القلب. ومريم هي الصديقة بصريح من القرآن:
«ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كانا ياكلانالطعام ...» (33) .
ان التصديق بكلمات الرب وكتبه موقوف على معرفتها والعلم بها، فهي العالمةغير المعلمة.
«بكلمت ربها وكتبه».
يمكن التفريق بين الكلمات والكتب: «ان كلمات الرب» هي التي اوحى بها الى الانبياء اوالى غيرهم من الاولياء، ويسمى هذا الوجه بالالهام، وان المقصود من «الكتب» هي النازلةعلى الانبياء المكتوبة المشتملة على الشرع والاحكام.
«من القنتين».
هم - بالمطلق - : العابدون الخاشعون للرب، والمقصود منه الجنس المشترك بين المذكروالمؤنث، كما في قوله تعالى: «واركعى مع الراكعين»، قد امرت السيدة مريم بالقنوت للرب،كما في الآية السابقة، فاطاعت امر ربها فاخبر الله تعالى باطاعتها ومدحها بانها كانت منالقانتين.
«اذ قالت امراة عمران رباني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني انك انتالسميع العليم». «فلما وضعتها قالت رباني وضعتها انثى والله اعلم بما وضعت وليسالذكر كالانثى واني سميتها مريم واني اعيذها بك وذريتها من الشيطن الرجيم». «فتقبلهاربها بقبول حسن وانبتها نباتا حسنا...» (34) .
«امراة عمران».
كانت تسمى ب «حنة» وكانت جدة المسيح، وهي قديسة مشهورة بالورع والتقى، وقدشهد بذلك القرآن في احتجاج القوم على السيدة عند ولادة عيسىعليه السلام: «وما كانت امكبغيا » فكانوا يعرفونها بالعفة والسداد، والآية شاهدة بمعرفتها العالية وكمال رقيها، فكانتعابدة زاهدة.
وقد نذرت ان تقدم فلذة كبدها الى الله; طالبة منه تعالى قبول نذرها، ثم اعترافها بانالله هو السميع العليم دون غيره، فهو تعالى عالم بصدق كلامها، وانها تاتى بما نذرت.
يحدثنا المفسرون:
ان «حنة» ام مريم قد امسك عنها الولد حتى يئست، فبينما هي تحتشجرة اذ رات طائرايزق فرخا له فتحركت نفسها للولد، فدعت الله ان يرزقها ولدا، فاوحى الله الى زوجها: انيواهب لك ولدا، فحملت فكانت واثقة بانها تلد ذكرا لمكان الوحي.
ونستفيد من الآية ان زوجها القديس لم يبق حيا الى زمان نذرها اذ استقلت هي بالنذرولم تشاركه فيه.
«نذرت لك».
النذر: ايجاب الانسان على نفسه ما ليس بواجب تقربا الى الله، فيجب ان يكون المنذورمقربا الى الله.
«ما في بطني».
اي ما احمله من جنين وهو اعز الاشياء لديها، واحبها اليها، لتجعل ما اعطاها الله فيسبيل الله ليرجع ما منه اليه، وتنقطع صلتها به، فلا تستعمله في حوائجها، ولا تنتفع منارباحه، بل يكون متصلا بالله; خالصا لوجهه الكريم.
«محررا ».
التحرير: هو الاطلاق عن قيد، ومنه تحرير العبد عن قيد الرق، فقصد من تحرير ما فيبطنها ان يكون خادما لبيت المقدس، خالصا في طاعة الله، وخارجا عن طاعة امه وعناطاعة كل انسان.
«فتقبل مني».
التقبل: هو القبول عن رغبة ورضى، ومنه تقبل الهدية، وتقبل الدعاء. قد طلبت امراةعمران من ربها قبول هديتها واجابة دعاءها.
«انك انت السميع العليم».
جملة اسمية مشتملة على كلمة التحقيق، وضمير العماد، وتعريف المسند، فهي مؤكدةبتاكيدات كل واحد منها تلو الآخر، مفيدة لحصر الوصفين به تعالى، ومبينة لمعرفة امراةعمران كمال المعرفة، فهي تدري ان الحق يسمع كلامها، ويعلم صدقها.
«رب اني وضعتها انثى».
كانت امراة عمران تزعم انها تضع ذكرا; ليكون صالحا لخدمة البيت، فلما وضعتها راتان الواقع خلاف ما كانت تعلم بسبب البشارة والايحاء الى زوجها، فظنت ان نذرهاغير متحقق; اذ الانثى لا تصلح لخدمة البيت; لابتلائها بالعادات النسائية المانعة من دخولهنالاماكن المقدسة، فلا يصير المنذور محررا، فكانها تعتذر الى ربها حيث لا يمكنها الوفاء بالنذر،فلا يزيد اخبار ربها بانها ولدت انثى.
«والله اعلم بما وضعت».
جملة مستانفة وقعتبين حديث امراة عمران مع ربها، وكان الرب عالما بوضعها انثى قبلان توضع، فهو تعالى اعلم منها، كما كان يعلم ان الذي وهبها ذكرا هو الذي تلده هذه المولودةبنفخة منه تعالى، ولم تكن السيدة ام مريم عارفة بذلك.
«وليس الذكر كالانثى».
اللام للجنس يفيد ان الذكر اشرف من الانثى، فان الانثى لا تستطيع التحرير لتصيرخادما للبيت. وان الذي يستطيع التحرير هو الذكر دون سواه.
«واني سميتها مريم».
رجوع الى كلام الام الواضعة للانثى وقد سمتها مريم. قالوا: ان مريم في لغتهم بمعنى العابدة.
«واني اعيذها بك وذريتها».
لما خافت عليها ما يغلب على البشر من اعمال الشيطان الرجيم، فقد جعلها وذريتها فيحصن الله; لئلا يستطيع الشيطان الدخول فيه. وقد استعمل في الآية كلمة الذرية فيولد البنت.
«فتقبلها ربها بقبول حسن».
اجابة لطلبها بقولها: «فتقبل مني» ثم قنوطها من القبول بسبب كون المولود انثى، فاخبرهاالله بقبول نذرها مع انوثتها; لشرفها واستثنائها من النساء بصلاحيتها لخدمة البيتوالتحرير; لاجل تطهيرها من العادات النسائية التي تمنع النساء من دخول البيت، وكان ذلكبشارة لها بقبول نذرها حين كانت آيسة من القبول من اجل وضعها انثى، فصارت مريمالمنزهة المطهرة محررة، وجاهزة لخدمة البيت.
«وانبتها نباتا حسنا ».
جعل الله نشوءها نشوءا حسنا، راقية الى الكمال، صاعدة الى مراتب القداسة، ولعلانبات الله لها حين كانت في حضن امها عند رضاعتها بل وصباها، وان طلب الكفيل كان بعدمضي هذه المدة التي كان ربها ينبتها نباتا حسنا.
«... وما كنت لديهم اذ يلقون اقلمهم ايهم يكفل مريم وما كنت لديهم اذ يختصمون» (35) .
«... وكفلها زكريا كلمادخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يمريم انى لكهذا قالت هو من عندالله ان الله يرزق من يشاء بغير حساب» (36) .
«وماكنت لديهم ».
خطاب من الله لرسوله بحكايته من انباء الماضي في قصة حياة السيدة مريم البتولالطاهرة التي اعدها الله ارضا لزرع عيسىعليه السلام; وانباء الماضي من انباء الغيب.
«اذ يلقون اقلمهم».
القلم - بفتحتين - : القدح الذي يضرب به القرعة، او الذي يكتبون به التورية، والجمع:اقلام، و «القاء القلم» عبارة عن القائه في الماء للاقتراع، فمن ارتفع قلمه على الماء فهو الذيرشحه الله للفوز في القرعة، ومن رسب قلمه فهو الفاشل، فان الاقلام كانت من حبر واحدفاختلافها بالرسوب والارتفاع كاشف عن قدرة البارئ، وعلمه تعالى واختياره الاصلح.
«يكفل مريم».
كفل فلان احدا: قام بامره وجعل نفسه لقضاء حوائجه. لما كانت مريم قد عرفتبالتقوىوالطهارة كان الاحبار يرون لانفسهم فخرا في كفالة مريم; ولذا وقع الاختصام بينهم، وكانذلك بعد وفاة امها، وصارت الصفية لطيمة.
«اذ يختصمون».
وقع الاختلاف بين الاحبار - وهم ستة - في ايهم يكون كفيلا لمريم الطاهرة ليفوزبالشرف، وبلغ الاختلاف الى الاختصام بينهم، فلا يرضى احدهم بهذا الشرف لغيره،فلم يتناهوا، ولما انتهى الامر الى ذلك رضوا بالقرعة ليكون الكفيل من نصبه الله للكفالة،ويحسم الاختلاف، وكانوا كلهم خاضعين ومطيعين لله تعالى.
«وكفلها زكريا».
خرجت القرعة لزكريا; اذ ارتفع قلمه على الماء، وبقيت اقلام الآخرين راسبة في الماء،ففاز زكريا بهذا الشرف، وزاد شرفا على شرف النبوة، ومن ذلك يعرف مكانة السيدة مريمعند الله، اذ نصب الله نبيا لكفالتها وهو زوج خالتها.
ويحق لزكريا ان يقوم مقام ابيها عمران، وخالتها عنده، وهي الام الثانية بعد فقد والديها،وحينما انبتها الله نباتا حسنا بالغة رشيدة.
ونستفيد في احتياجها الى الكفيل من قوله تعالى: «انبتها الله نباتا حسنا »، ان السيدةمريم كانت من اجمل النساء صورة، وافضلهن سيرة، واشرفهن نفسا حتى صارت سيدة نساءالعالمين. وان الانبات الحسن اذا كان من جانب الله يعطي اكثر من ذلك.
«المحراب».
هو المكان المخصوص للعبادة من المسجد، او من البيت، او من المقصورة التي تكون فيمقدم معبد النصارى، لها باب يصعد اليها بسلم ذي درجات قليلة، ومن يسكن فيه يكونمحجوبا عمن في المعبد.
«وجد عندها رزقا ».
الرزق ما تتقوم به الحياة من الماكل، والرزق الذي وجده النبي زكريا عند السيدة مريمقالوا: انه فاكهة في غير اوانها.
اقول: الرزق منكرا يفيدنا ان زكريا كان يشاهد عندها في كل مرة رزقا غير ما شاهده فيالمرة السابقة، اذ كان ياتيها انواع من الرزق، والمقصود ان الصفية مريم لم تكن بحاجة الى زرقياتيها به زكريا، وما ياتيها من الرزق كان كافيا لحفظ حياتها. والانبات الحسن الذي كان منجانب الله يفيد ذلك، تهيئة ليوم يكون له ما بعده.
«قالت هو من عندالله».
ولم يكن لبشر يد في وصول الرزق اليها، ولا يد فيه من طبخ ونضج، فكانت عطية الهيةمحضة، فكانت من عندالله.
«ان الله يرزق من يشاء بغير حساب».
احتجاج من السيدة مريم، وتذكير لزكريا ليزول تعجبه، ولاثبات صحة كلامها، وصدقاخبارها، وان قولها: «من عندالله» تعالى انما يفيد حصول الوثوق بقولها بانه لم يات احد منالخلق بهذا الرزق، بل جاء من عند الله العليم الذي على كل شيء قدير.
وقولها: «بغير حساب» يفيد عرفانها الاعلى بان الرزق الذي يرزقه الله من يشاء منعباده غير محدود لا يحصر بحسب نوعه وشخصه، وان الذي يعطي بحساب يطلب العوض منالمعطى اليه، وليس بجود وكرم، والذي لا يطلب العوض في عطائه هو الله الكريم.
نستفيد من الآية الكريمة ان ام مريم لم تكن في الاحياء عند وقوع الاختصام في كفالتها،فكانتسيدة البلاد بلا اب وام، وذلك سر الهي فيها; لذلك وقع الاختصام بين الاحبار فيكفالة الصفية الطاهرة، تلك التي هي عطية الله لابويها; فان كلا من الاحبار كان يطلب الفوزبهذا الشرف، ولم يكن يرضى لغيره، وذلك اول اختصام وقع بين البشر في امر الهي غير مادي،وهل كان ذلك آخر اختصام؟
والاحبار الستة كانوا كلهم مطيعين لله، راغبين بالآخرة، غير طالبين للدنيا. ويقال:ان النبي زكرياعليه السلام احتج عليهم بطلبه نيل هذا الشرف بالقول: «ان خالتها عندي تقوم مقامامها وهو بنفسه يقوم مقام ابيها».
ولكن الاحبار لم يقتنعوا بهذه الحجة، ولم ينقطع الاختصام، فرضوا بالقرعة، وجعلالحاكم الحاسم لهذا الاختصام هو الله تعالى باختيار الاصلح.
فكانت القرعة بينهم ان يضعوا اقلامهم في الماء فمن رسب قلمه في الماء هو الفاشل، والفائزمن طفا قلمه على الماء، فكان الفائز هو النبي زكريا، وهو نبي معصوم، ولا يكفل المعصومة الاالمعصوم المنزه عن الذنب والخطا، فضلا عن كونه اقربهم الى السيدة المتفرغة لعبادة الله.
فصنع زكريا لها محرابا في المعبد يخصها; لتعيش فيه مشتغلة بعبادة الله. واذا اتاها زكريابالرزق راى عندها رزقا فيسالها عمن اتى به، وكان جوابها ان ذلك من عند الله. انها مريم،ورزقها هبة من الله وعليه، وذلك من افضل المعجزات والكرامات.
«اذ قالت الملئكة يمريم ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيهافي الدنيا والاخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصلحين قالترب انى يكون لي ولد ولم يمسسنى بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء اذا قضى امرا فانمايقول له كن فيكون». (37) .
«قالت الملئكة».
تكلم الملائكة مع مريم انما يكون بنزولهم عليها، وكانوا حاملي البشارة، - و ان كان المتكلماحدهم واشرفهم - فكانت مريم محدثة، والنزول عليها يفيدنا قرب منزلتها عندالله.ولم تسبقها امراة بنزول الملائكة عليها، كما لم تلحقها بفضيلة الاستيلاد من غير فحل.
«يبشرك».
البشارة: الاخبار بما يسر، واخبار المراة بالولد يسرها، سيما اذا كانت غريبة بلا اب،ولا ام، ولا اخ، ولا اخت، سيما اذا كان الولد يكلم الناس في المهد.
«بكلمة».
تطلق «الكلمة» على اللفظ الواحد والكثير، ولكن المراد منها هنا ليس اللفظ، فانالمبشر به لميكن لفظا، فالمقصود هو عيسى بشهادة صيرورته عطف بيان للمسيح، كما يشهدبذلك قوله تعالى: «وكلمته القيها الى مريم وروح منه» (38) . ومن مميزات هذه «الكلمة» بينالكلمات انها تكلم الناس في المهد وكهلا، فهي كلمة ومتكلم، ولا وجود للكلمات من دونالمتكلم، ومن مميزات هذا المتكلم بين المتكلمين انه كان يكلم الناس في المهد، وله فضائلاخرى، كالوجاهة في الدنيا والآخرة، وكونه من المقربين، ومن الصالحين.
«المسيح».
معرب «هامشيحا» بالعبرية بمعنى المبارك، ويشهد له قوله تعالى حكاية عنه: «قال انيعبدالله ءاتنى الكتب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا اين ما كنت» (39) .
«عيسى ابن مريم».
ابن مريم صفة خاصة لم يقصد فيها النسب بقدر ما قصد التكريم للابن بام يخاطبها اللهفتكرم، وبولد هو روح الله فتتم بينهما الصلة الروحية، والاطمئنان الواثق.
«وجيها في الدنيا والاخرة».
الوجاهة: هي المقبولية، وتوصيف الله له بكونه وجيها في الدارين تكذيب لما بهته اليهود،فان البهت اذا كان صادقا يمنع من صيرورة المبهوت وجيها في العالمين. فالمبشر به كان وجيهافي الدنيا عند الناس، وبلغ غاية القداسة ولقب بروح الله، كما كان وجيها في الآخرة، فقد حازعلى مقام من القرب عند الله تعالى.
«ومن المقربين».
وهم الذين بلغوا السباق في عبوديتهم لله، قال الله تعالى: «والسبقون السبقون اولئك المقربون» (40) .
«يكلم الناس في المهد».
المهد: فراش الرضيع الى ان يمشي، وتكلمه في المهد آية خارقة للعادة، واطلاق اللفظ يفيداستطاعة المتكلم من اول ساعة وضعه في المهد الى آخرها، فان الفعل المضارع يفيد التجددوالحدوث والدوام والثبات ايضا، فهو الجامع بين ميزة الجملة الاسمية والفعلية، كان المسيحكلمة، والتكلم لا ينفصل عن الكلمة، فهو في المهد يتكلم.
«وكهلا ».
الكهولة: ما يقع بين الشباب والشيخوخة حين بلوغ الاعضاء الكمال دون ان تتعرضلضعف الشيخوخة، فكان المبشر به - حين كان في المهد - يتكلم بكلام الكاملين الذين هممنزهون عن الضعف والنقص. وتفيدنا الآية ان المسيح لم يبلغ مبلغ الشيخوخة، فبداية كلامهكانت في المهد، ونهايته كانت عند الكهولة.
«قالت رب انى يكون لي ولد».
اعرضت السيدة عن التكلم مع الملائكة، فتكلمت مباشرة مع ربها; لثقتها بان كلامالملائكة هو كلام الرب، ومعرفتها بقربها الى ربها بحيث اظهرت اعجابها بالبشرى مندون فصل.
«ولم يمسسنى بشر».
اي لستبمتزوجة - ولم اتخذ زوجا - فكيف يتسنى لي ان اكون ذات ولد. والمقصود منالبشر الرجل، عبر عنه تاكيدا، ويستحيل صيرورتها ذات ولد بدون ذلك.
«قال كذلك الله يخلق ما يشاء».
اجابها ربها من دون فصل، وازال تعجبها بانه تعالى يقدر على ذلك، فيجعلها ذات ولددون اتخاذ زوج، ودون ان يمسها بشر، وذلك من مشيئة الله، وهو الخالق لما يشاء، وذلك امرثابت لا يتغير تعلق به القضاء الالهي، وبه زال تعجب مريم، فان الله على كل شيء قدير، لاصعوبة في الخلق، فانه بكل خلق عليم.انما تتصور الصعوبة اذا كانت قدرة القادر محصورةبصورة كان مقدوره مترتبا على اسباب كثيرة وفقد بعضها، واذا لم يكن كذلك وكانت قدرتهغير متناهية وكان قادرا على اخراج شيء الى الوجود من العدم المحض بمجرد الارادة; فذلكهين عليه وسهل، كما كان خلق العالم كذلك.
«اذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون».
بيان لسهولة حصول الشيء ووجوده على الله، فالتلفظ بلفظ «كن» كما يكون سهلا علىالبشر كذلك ايجاد الشيء ووجوده سهل على الله، والامر الذي يكون مخاطبا هو صورتهالعلمية الحاضرة عند ذات البارئ الموجودة بوجوده، ولعل المراد من «كن» ارادته تعالى تلك،التي تعلقتبايجاد شيء في الخارج.
نزل عدد من الملائكة بامر من الله على السيدة مريم البتول فبشروها ببشارة من جانبالله. وهي اعطاؤها ولدا موصوفا بفضائل لم تجمع في غيره. انه عزيز ومكرم عند الخلقوالخالق. انه من مقربي عباده لديه تعالى. انه من الصالحين. انه يكلم الناس في المهد كما يكلمهمكهلا.
فابتهلت السيدة الى ربها باستغراب بان ذلك كيف يكون؟! فانها غير متزوجة،ولم يمسسها زوج; وان الولد من دون الزوجين غير ممكن عادة.
فاجابها ربها بان ذلك ممكن على ربك وان كان مستحيلا لغيره; لعدم تناهي قدرة الرب،فان وجود كل شيء تابع لارادته، ومخلوق لقدرته. ثم بين تعالى سهولة ذلك عليه بان ذلكيتحقق بمجرد ارادته ومشيئته.
فقوله تعالى: «يخلق ما يشاء»، يفيد ان قدرته غير محدودة بخلق خاص، بل هيغير متناهية; فانه قادر على ان يخلق ما يشاء، كما خلق آدم من دون اب وام، وخلق اسحاقمن زوجين عجوزين: سارة وابراهيم، واعطى زكريا يحيى، وهو شيخ، وزوجته عاقر.
پىنوشتها:
1) آل عمران (3) الآية 42 و 43 .
2) التحريم (66) الآية 12 .
3) آل عمران (3) الآية 35 .
4) آل عمران (3) الآية 36 .
5) آل عمران (3) الآية 37 .
6) آل عمران (3) الآية44 .
7) آل عمران (3) الآية 37 .
8) آل عمران (3) الآية 45 و 46 .
9) آل عمران (3) الآية 47 .
10) آل عمران (3) الآية 59 .
11) مريم (19) الآية 16 و 17 .
12) مريم (19) الآية 18 - 23 .
13) مريم (19) الآية 25 - 33 .
14) التحريم (66) الآية 12 .
15) الانبياء (21) الآية 91 .
16) الحديد (57) الآية 26 و 27 .
17) البقرة (2) الآية 253 .
18) آل عمران (3) الآية 48 .
19) الصف (61) الآية 6 .
20) آل عمران (3) الآية 49 - 52 .
21) الصف (61) الآية 14 .
22) المائدة (5) الآية 72 .
23) المائدة (5) الآية 75 .
24) المائدة (5) الآية 110 .
25) آل عمران (3) الآية 55 - 57 .
26) النساء (4) الآية 171 و 172 .
27) المائدة (5) الآية 112 - 114 .
28) النساء (4) الآية 157 و 158 .
29) آل عمران (3) الآية 42 - 44 .
30) المنذورة .
31) التحريم (66) الآية 12 .
32) النساء (4) الآية 156 .
33) المائدة (5) الآية 75 .
34) آل عمران (3) الآية 35 - 37 .
35) آل عمران (3) الآية 44 .
36) آل عمران (3) الآية 37 .
37) آل عمران (3) الآية 45 - 47 .
38) النساء (4) الآية 171 .
39) مريم (19) الآية 30 و 31 .
40) الواقعة (56) الآية 10 و 11 .
«ان مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون» (1) .
المثل: هو الصفة. والخلق هو الايجاد، وهو اخراج شيء من العدم الى الوجود، اما بصورتهكان يكون له مادة، او بصورته ومادته معا.
والامر للتراب بان يصير انسانا ليس باللفظ، فالمخاطب باللفظ والمامور بالامر يجب انيكون عاقلا، عارفا باللسان، قادرا على تحمل الامر، والتراب فاقد للاوصاف الثلاثة،فالمقصود من الامر بلفظ «كن» التكويني منه، وهو بمعنى اعطاء الحياة للتراب، حياة انسانكامل بارادة من الله تعالى، وهي نوع فعل من افعاله، لا صفة لذاته، وقد تسمى بالمشيئة.
ونظير هذا الامر ما صدر عنه تعالى للنار بعد مضي احقاب وسنين على آدم، فقال تعالى:«ينار كونى بردا وسلما على ابراهيم» (2) ، فانه امر تكويني، وليس بلفظ; لفقدان النارالاوصاف الثلاثة، فهي مثل التراب احد العناصر الفاقدة لتلك الاوصاف.
ان سهولة الايجاد له عز وجل واعطاء الحياة كسهولة التصورات والتصديقات لنا، بلاسهل من ذلك له، فقد لا نستطيع التصور في بعض الاحوال، وهو تعالى قادر على الخلق فيجميع الاحوال.
وبعبارة اخرى: نسبة الوجود الخارجي اليه تعالى كنسبة الوجود الذهني الينا، فكما انهمخلوق لنا، فالوجود الخارجي مخلوق له تعالى، ولكن نحن لا نستطيع في بعض الاحوال خلقوجود ذهني، ولكنه تعالى يستطيع في جميع الاحوال خلق الوجود الخارجي، فهو تعالى اقدرعلى ذاك منا على هذا.
ان الوجود الخارجي قد يكون مخلوقا بلا اسباب خارجية، فهو اخراج من العدم الصرفالى الوجود. وقد يكون موقوفا على اسباب خارجية، ولكن تلك الاسباب تكون مخلوقة لهتعالى ايضا.
واعطاء الآدمية للتراب بجعله انسانا كاملا بطي درجات الرقي والكمال من الجماديةوالنباتية والحيوانية الى الانسانية في آن واحد، بل اقل من الآن، فكان آدمعليه السلام هو الانسانالوحيد في تاريخ البشر، خلق كاملا ولم يمر بدور الرضاعة والصبا، وكذلك زوجته حواء.
ان آدم لم ير ابا، ولم يكن له ام، وخلقه من هذه الجهة اعجب من خلق عيسى بلا اب،فالخالق للاعجب قادر على خلق العجيب قطعا عند العقل، ومن يسهل عليه ذاك فهذا عليهاسهل، فبطل كلام من قال: «ان عيسى ليس بمخلوق; لانه بلا اب»; لان خالقه يقول: «منكان قادرا على خلق آدم بلا اب ولا ام فهو القادر بالقطع واليقين على خلق عيسى بلا اب; فانالخالقية في ذاك اشد من الخالقية في هذا. كان ذلك خلق الضد من الضد، فقد خلق الواجدللحياة مما يستحيل له الحياة.
ان خلقة آدم من جانب ثان اعظم من خلقة عيسى، فالعلة المعدة لخلق آدم كانت التراب،والعلة المعدة لخلق عيسى كانت مريم; والتراب ابعد من الانسانية المستقبلة بكثير.
كانتخلقة آدم امرا طبيعيا كونيا، فان البارئ (عز اسمه) هو الخالق له، ويستحيل تحققمخلوق بلا خالق، وحصول معلول بلا علة.
نعم، كانتخلقة آدم على خلاف السنة الجارية في البشر، وهي حاجة الولد الى الوالدين،وهذا السنة مخلوقة له تعالى وهو قادر على الاستثناء فيها. وكذلك خلقة المسيح، فانهاطبيعية كونية; اذ لم يخلق بلا خالق، وخالقه كان قادرا على انواع من الخلق، فهو بكلخلق عليم.
ان السنن الجارية في عالم الكون - كلها - مخلوقة لله تعالى، وهو - فوق تلك السنن - قادرعلى تبديلها وتغييرها وتخصيصها; فان كل ذلك بمشيئته وارادته.
كانت السنة الجارية في الوالدين ان لا ياتيا بالولد عند كبرهما - عند شيخوخة الرجلوياس المراة -، ولكنه تعالى خرق هذه السنة في اعطاء ابراهيم اسحاق، واعطاء زكريا يحيى،وقد اوغل سن الياس بزوجتيهما.
وكانت السنة الجارية في الكون ان النار لا تخمد الا بالماء، او بريح شديدة في زمان غيرقصير، ولكن خرقت هذه السنة بارادة الله، فصارت النار في اقصر من الآن بردا وسلاما علىابراهيمعليه السلام. والذي اقصر من الآن ليس بزمان; لان الزمان تدريجي الوجود، وهو ليس كذلكفلم نعرف له اسما.
كما ان السنة الكونية ان العين اذا ابيضت وزال عنها سوادها فهي غير قابلة للعلاج، وقدخرقت هذه السنة بالقاء قميص يوسف على عيني يعقوب فارتد بصيرا، فكان يوسف عالمابهذا المستثنى الكوني.
وقد تحققت انواع من هذا الاستثناء على يد المسيح، كابراء الاكمه والابرص، واحياءالموتى، وغير ذلك بمجرد امره تعالى بذلك.
جاء فعل (يكون) في الآية الكريمة بصيغة المستقبل; لكونه متاخرا عن الامر بالكون،ولكل من الامر المامور به حصول في الخارج وهل هما واحد هاهنا؟
واليك قوله تعالى: «انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون» (3) .
ويمكن ان يكون اخبارا بوجود المامور به بعد امره تعالى ب (كن) الوجودي بلا شك.
«واذكر في الكتب مريم اذا انتبذت من اهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهمحجابا فارسلنا اليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا قالت اني اعوذ بالرحمن منك ان كنتتقيا قال انما انا رسول ربك لاهب لك غلما زكيا قالت انى يكون لي غلم ولم يمسسنىبشر ولم اك بغيا قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله ءاية للناس ورحمة منا وكانامرا مقضيا فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فاجآءها المخاض الى جذع النخلة قالتيليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا فناديها من تحتها الا تحزنى قد جعل ربك تحتكسريا وهزى اليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا فكلى واشربى وقرى عينافاما ترين من البشر احدا فقولياني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا فاتتبهقومها تحمله قالوا يمريم لقد جئتشيئا فريا ياخت هرون ما كان ابوك امرا سوء وماكانت امك بغيا فاشارت اليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال اني عبداللهءاتيني الكتب وجعلنى نبيا وجعلنى مباركا اينما كنت واوصنى بالصلوة والزكوة ما دمتحيا وبرا بوالدتى ولم يجعلنى جبارا شقيا والسلم علي يوم ولدت ويوم اموت ويومابعثحيا ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون» (4) .
«واذكر في الكتب».
خطاب للرسول النازل عليه القرآن بالتذكر، كانهصلى الله عليه وآله كان عالما بقصة مريم، فذكره الله.والكتاب هو القرآن.
«اذ انتبذت من اهلها مكانا شرقيا ».
كانت مريم قد تخرج من محرابها، وتدخل في بيت اهلها. فاعتزلتهم زمانا، وانفردت فيمكان في مشرق بيت المقدس، واتخذت المكان منقطعة للعبادة، وكان ذلك بعد وفاة زكريا;اذ لم يات القرآن باسمه في هذه الملحمة الكبرى.
«فاتخذت من دونهم حجابا ».
ضربت السيدة مريم حول معبدها الجديد ومحرابها الحديثحجابا من دون اهلها;لئلا يروها في احوالها العبادية وغيرها.
«فارسلنا اليها روحنا».
اضاف الله تعالى الروح الذي ارسله الى نفسه; تشريفا للروح كاضافة العبد في قوله:«عبدنا او رسولنا» وتوضيح ذلك: ان الروح هنا ليستبالمعنى الذي يستعمل عند البشر;لاستحالته على الله تعالى. ان الروح في مصطلحنا تقابل البدن والجسد، ولا روح بلا جسد،فلا روح له تعالى بهذا المعنى، فانه سبحانه مجرد عن الجسم، ومنزه عن البدن وبريء منالجسد.
فالمقصود من الروح في هذه الآية ما تفسره الآية الواقعة بعدها الحاكية لقوله: «انما انارسول ربك».
اذن الروح المرسل الى السيدة مريم ملك من ملائكة الله وسدنته، فلننظر الى اوصافهالواردة في الآية; لنعرف الموصوف بها، فقد سماه تعالى بالروح، ويفيد ذلك انه موجود مخلوقلطيف مجرد عن الجسم والمادة - فهو ليس بمادي - وليس من جنس البشر الذي يقارن المادة،والذي هو مخلوق من العناصر الترابية.
وارساله تعالى الى مريم يفيد انفصاله عنه سبحانه، وانه مطيع له ومنقاد اليه، كما انه قادرعلى السير والرسالة، ولكن سيره ليس بالمشي ولا بالطيران; لان هذين هما من خواصذوات الابدان.
وابلاغه رسالة الله الى مريم يفيد انه عاقل مدرك فهيم، لا يزيد فيما ارسل به ولا ينقص،فهو امين في رسالته، انه الروح الامين، بريء من الخيانة والغش، وتمثله بصورة الكائنالبشري الكامل يفيد قدرته على التمثل، وان وجوده غير آت عن ذلك.
ومعرفته لمريم ومكانها وتكلمه معها، وسماعه كلامها وجوابه لتعجب مريم يفيد انه سميعبصير متكلم عارف بمكانها، يعرف الخطاب والجواب، وينطق بمنطق الصواب.
وتجرده عن البدن يفيد انه ليس بمكاني، فان المكان من لوازم الاجسام، اذن هو موجودشريف عاقل عالم قدير غاية الاقتدار، ليس ببشر، فهو اشرف الملائكة، فالملائكة انواع،وليسوا بحقيقة واحدة، وانه سيد الملائكة، وقد سمى في القرآن بروح القدس، كما قال تعالى:«قل نزله روح القدس من ربك» (5) وبالروح الامين، كما قال تعالى: «نزل به الروح الامين على قلبك» (6) .
ثم ان رسالة سيد الملائكة الى السيدة مريم وحضوره لديها وتمثله عندها وابلاغها رسالةربها - وهي ليستبنبي - يعد من الكرامات الباهرة لهذه السيدة الكريمة، وكذلك جعلها مهداطيبا لهبة الله من غير زوج، وذلك من آيات الله تعالى امرها.
«فتمثل لها بشرا سويا ».
قد تمثل الروح المرسل من الله الى مريم بمثال بشري كامل بحيث لم يحدث شك لمريم فيبشريته فانكرته، وكانها حسبته رجلا; ولذا قالت:
«اني اعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا ».
الاعاذة بالرحمن: هو الاعتصام به من شر البشر، فان السيدة حسبته رجلا من البشرهجم عليها ليسيء اليها عند وحدتها وخلوتها وبعدها عن اهلها، فكانت مريم شابة، راتنفسها في ازاء شيطانية الرجال فاستعاذت بالرحمن من هذا الشاب الذي توهمت انه رجل،فهو ان كان تقيا يرتدع عما يسخط الله وعمن اعتصم بالله.
«قال انا رسول ربك».
فازال خوفها بهذا الكلام، فانه رسول ربها الذي استعاذت به، واخبرها بانه ليس منالبشر، فلا سبيل الى الخوف منه.
«لاهب لك غلاما زكيا ».
الهبة: اعطاء من دون طلب عوض وانتظاره، فكان الموهوب بشرا زكيا، فان الغلام اسمصفة للبشر، وهو زكي طاهر من الادناس، وكذا تكون هبة الله، فهو معصوم عن الخطاوالزلل، ومطهر من الرجس.
«انى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر».
لما عرفت الرسول وعلمت من كلامه الاخبار بمنحها الولد قالت: «كيف الد ولستبمتزوجة ولم اك بغيا».
«قال كذلك».
اجابها الروح بعد سماع تعجبها من البشارة بان الامر كذلك، اي كما وصفت، ولكن ربكيهب لك غلاما زكيا من دون ان يمسسك بشر.
«قال ربك هو علي هين».
ثم اتى بكلام الله بان هبة غلام زكي لك من دون ان يمسسك بشر علي هين وسهل;لا صعوبة فيه.
«ولنجعله آية للناس».
مقول لكلام الله، اي نجعل هذا الولد آية ربه، ومعجزة باهرة للناس تكون دليلا علىنبوته.
«ورحمة منا».
كان ارسال الانبياء من الله رحمة بالخلق ليهتدوا به، ويخرجوهم من الضلال الى الرشاد،وكانت الآيات التي معهم رحمة فوق رحمة; ليقرب الناس الى قبول دعوتهم، وصيرورة النبيكعيسى بنفسه آية رحمة فوق الرحمتين من البارئ عز وجل للناس.
«وكان امرا مقضيا ».
كان خلق هذا الغلام الزكي من دون اب امرا مقضيا عند الله، قضى به قبل ان تعرف مريموقبل ان تخلق.
«فحملته».
لم يذكر هاهنا ما تحقق به الحمل، وقد ذكر في آيات اخرى و سنشير اليها، فحملت مريممن دون فصل زمان بذلك الغلام الزكي، فلم يفصل طول زمان بين اخبار الرسول به وبينقبولها هبة الله.
«فانتبذت به مكانا قصيا ».
تنحتبحملها الى مكان بعيد عن الناس، وقد وقع فصل زماني بين الحمل وانتباذهابدلالة «الفاء».
«فاجآءها المخاض الى جذع النخلة».
كانت النخلة يابسة; اذ لم يقل: الى النخلة، بل قال: جذع النخلة، فجاءها زمان الولادة،فالجاها الى الاتكاء على جذع النخلة والاعتماد عليه.
«قالتيليتنى كنت نسيا منسيا ».
تمنت ان تكون شيئا حقيرا متروكا لا يذكر ولا يعرف; كي لا يعرفها الناس بانها جاءتبولد من غير زوج.
«فناداها من تحتها الا تحزنى».
ان المنادي هو الروح المرسل اليها من جانب الله عز وجل - والضمير يرجع الى النخلة -وقد نزل عليها عند المخاض رحمة بها.
«قد جعل ربك تحتك سريا ».
السري: جدول من الماء، ناداها الروح المرسل اليها; ليزيل عنها ما عندها من الغموالجزع والحزن فقال: لا تحزني ولا تغتمي، قد جعل ربك تحت قدميك جدولا من الماءتتطهرين به، وتشربين منه; ليزول عنها الحزن.
«وهزى اليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا ».
اجذبي الى نفسك الجذع; ليتحرك وتتساقط منه الرطب - والباء الداخلة على الجذعللتاكيد، كما في قوله تعالى: «ولا تلقوا بايديكم» - والجني من الرطب: هو المجتنى منهوالمقتطف عنه. وكلمة «تساقط» تفيد سقوط رطب كثيرة - لا واحدة -; لتاكل منها وتشربمن الماء.
وهاهنا آيات وكرامات منها: صيرورة جذع يابس نخلة مخضرة ثم مثمرة بالفعل، ومنهاسقوط رطب كثيرة عليها بهزة واحدة، ومنها حدوث جدول من السلسال العذب تحتقدميها، ومنها تكلم الروح معها وارشادها بهذه الكرامات وبما يجاب الناس عندالاعتراض عليها.
«وقري عينا ».
اي طيبي نفسا وكوني مسرورة مبتهجة بهذه المعجزات: ولد بلا زوج، اخضرار واثمارجذع يابس، واعطاؤها رطبا كثيرة بمجرد هزة واحدة وغيرها.
«نذرت للرحمن صوما ».
اوحيت الى نفسي ان اصوم فلا اتكلم; لانهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم مع احد منالبشر، وان جاز الكلام مع الملك، وقد امرها بالصوم آنذاك.
«فاتت قومها».
بعد ان اكلت من الرطب، وشربت من الماء، وطهرت نفسها به، وصامت، وحملت ولدها،واتتبه قومها، وجعلته في المهد.
«لقد جئتشيئا فريا ».
امرا عظيما منكرا، لاتيان فتاة - عرفتبالصلاح والسداد - ولدا وهي غير متزوجة.
«يا اخت هرون».
كان هارون اخا مريم لابيها معروفا بحسن الطريقة.
«في المهد صبيا».
المهد: السرير الذي يتحرك، ويوضع الرضيع فيه، وينوم.
«اني عبد الله ءاتيني الكتاب».
تقديم الاقرار بعبودية الله على سائر ما عرف به نفسه مبطل لدعوى من قال: انه ابن الله،وعبودية الله افضل مرتبة يصل اليها بشر، فيستحق ان يصير رسول الله، ينزل عليه كتابمن الله. ثم كلامه في المهد شاهد لذلك ومعجزة، فان الرسول يجب ان تكون له معجزة.
«مباركا اين ما كنت».
المبارك: من له البركة، وينمو بالخير، فهو نفاع للناس.
«ذلك عيسى ابن مريم».
قد وقع الالتفات من كلام عيسى الى كلام الله، والمشار اليه لاسم الاشارة هوعيسى بن مريم القائل بتلك الاقوال في المهد، والاقوال كلها حق.
«يمترون».
اي يشكون في امرك، ويتنازعون فيه. لم يتعرض عيسى في كلامه بالجواب لمشكلةولادته، واتهام امه تلك التي كانوا يكررونها; لازالة ذلك بكلامه في المهد، فانه آية منآيات الله، ومعجزة زال الريب عنه، وعرف نفسه بانه معجزة ايضا.
كانت السيدة مريم تقوم بعبادتها لله، ويطول قنوتها له في محرابها، وهي بالغة رشيدةكاملة، وانطوى عنها بوفاته النبي زكرياعليه السلام، ذاك المقدس الذي كان يقوم مقام ابيها، ويكفلهاباشارة من الله تعالى، وهو بمنزلة عم لها; اذ كان زوج خالتها.
وفي يوم عزمت السيدة على الرجوع الى اهلها، والخروج من محرابها الذي كان في جانبمن المسجد، وقد اتخذت لنفسها محرابا جديدا خارجا عن اهلها، واقعا في شرقي البلد،وجعلتحوله حجابا ليكون فصلا بينه وبين الناس، وتكون متفرغة للعبادة، فكانت تدخله،وتشتغل وحيدة فريدة.
ولم يمض عليها في المحراب الجديد زمان فاذا بشاب حسن الوجه دخل عليها في المحراب،فلما راته السيدة ظنتبه السوء فقد كانتبعيدة عن الاهل والناس، لايعرفها احد في المحرابالجديد، فخافت منه وقالت: «اعوذ بالله منك ان كنت من اهل التقوى، فانهم لايضرون مناستعاذ بالله تعالى»، فاجابها الشاب، وهو الروح الذي ارسله الله اليها بلسان لطيف ازالخوفها فقال: «لا تخافي، فاني رسول ربك اليك، جئت لاهبك ولدا طاهرا شريفا»، قالت:«كيف يكون ذلك؟! وانى يكون لي ولد؟! وانا محصنة غير متزوجة، كما انيلستبغيا،والاستيلاد لايكون الا باحد الامرين؟!».
فاجابها الروح:
يهبك الله ولدا بامر ثالث على خلاف سنة الكون التي رايتها، دون ان يمسك رجل، واللهتعالى حافظ لك، ومثل هذا سهل يسير على ربك، ولا صعوبة فيه، فانه تعالى شاء ان يكونولدك آية للناس، ومعجزة للنبوة ليؤمنوا به، وذلك من رحمته على خلقه، فان هذه الآيةتوجب مسارعة الخلق الى التصديق به، وقد قضى الله بذلك قضاء حتميا، ولايكون فيهتغيير، ولا تبديل.
فاستسلمت السيدة لما شاء الله، فانها كانت واصلة الى مقام التسليم الذي هو اشرفمقام يمكن وصول العباد اليه.
فنفخ الروح المرسل نفخة فيها، فاحستبالحمل، ولكنها لم تحب ان يطلع احد على حملها،فابتعدت عن الناس، واتخذت لنفسها مكانا، وهو ثالث الامكنة التي كانت متفرغة فيهللعبادة.
ولما احستبآلام الولادة التجات الى جذع نخلة كان قريبا منها لتعتمد عليه، وهيشديدة الحزن والغم فقالت: يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا في الناس، لايعرفني احد،ولايذكرني.
وضعت الولد وهو هبة الله، فظهرت آية من آيات الله; اذ ناداها الروح فقال: «لاتحزنيقد جعل الله تحت قدميك ماء جاريا لتطهر نفسك به من النفاس»، ولم تكن على علم بماء فيذلك المكان، فكان الماء مخلوقا من قبل الله في تلك الساعة. فنسيتحزنها، وزال غمها.
ثم قال لها الروح:
اجذبي اليك جذع النخلة يتساقط عليك رطب جني كثير، فكلي منه واشربي من الماء،وكوني ذات بهجة وسرور من هذه النعم، وبكثرة المعجزات.
كانت السيدة صائمة بالامساك عن الكلام، فقال لها: اذا رآك احد من الخلق واعترضعليك فقولي له: اني صائمة بصوم الصمت لا اتكلم، واشيري الى ولدك حتى يبداهم الولدبالجواب.
ثم قامت السيدة حاملة ولدها، راجعة الى اهلها، ووضعت ولدها في المهد، فجاءها الناسمتعجبين معترضين يسيؤون الظن بها; اذ كانوا يعرفونها بانها غير متزوجة فبداوها بالملامةوقالوا:
يا مريم لقد حملت العار لبيتك فقد كان بيتك بيت الورع والتقوى، كان ابوك تقيا وكذا امكواخوك هارون، فكيف صرت انت تاركة لباس التقوى، فان التقوى لا تلد الا التقوى!!
فلم تجبهم السيدة، واشارت الى ولدها الذي كان في المهد ليسالوه فقالوا: «كيف نسالرضيعا؟!» فلم يمهلهم المولود المقدس، وبداهم هبة الله بالكلام، وهو بنفسه كلمة الله، فقال:«اني عبد الله ءاتيني الكتب وجعلني نبيا ».
«ومريم ابنة عمران التي احصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقتبكلمت ربهاوكتبه وكانت من القنتين» (7) .
«والتي احصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلنها وابنهاءاية للعلمين» (8) .
«احصنت فرجها».
كانت محصنة فرجها من الحلال فلم تتزوج، ومن الحرام فلم تك بغيا، وتكرار احصانفرجها في القرآن بالفاظ مختلفة ابطال لتهمة اليهود لها.
«فنفخنا فيه من روحنا».
المقصود نفخة الهية دخلت مريم وصارت ولدا لها. وكلمة (في) تفيد مكانية النفخة فهيجسمانية، فيتبين المراد من الروح المخلوق له تعالى المضاف اليه، فهو نوع من خلائقه غير الروحالمرسل اليه، والتعبير بالنفخ الذي هو صفة الهواء يفيد ان المنفوخ كان يشبه الاثير لا الماءالعنصري، وكان النافخ ذلك الروح الذي ارسل اليها، فروح نفخ بروح، واسناد النفخ اليهتعالى يفيد ان النفخ كان بامره تعالى، وان النافخ رسوله، فكان فعله فعل الله، وقوله قول الله،والشاهد هو اسناد النفخ الى ذاته المقدسة.
وغير خفي ان من نفخ الروح الى مريم لم يكن بشرا، فلم يكن متنفسا، فلم تكن النفخة منصنعه، فهو كان حاملا لها بافاضة من الله تعالى ليوصله الى مريم، فهو الحامل الامين، فادىالامانة الى مريم، فكانت مريم حاملة للامانة في المرتبة الثانية.
«وصدقتبكلمت ربها».
التصديق بكلمات الرب معرفتها باليقين الصادق، وكلمات الرب هي التي انزلها الله تعالىالى انبيائه، فكانت مريم عارفة بها، مؤمنة بها، ايمانا يقينيا، فهي عالمة غير معلمة.
«من القنتين».
ويقصد منه المعنى الجنسي الشامل للذكور والاناث، فكانت السيدة عابدة عاقلة عارفةبكلمات ربها; اذ القنوت عبادة الله عن معرفة كاملة، ولا يكون ذلك الا بالاتصاف بالاوصافالثلاثة.
«ءاية للعلمين».
وانما لم يقل: آيتين; لان حالهما واحد، فهي تلد من دون بعل، وهو يولد بلا اب، والمصداقواحد وان تعددا بحسب المفهوم.
ويحتمل ان يراد ان كل واحد من الابن والام آية ومعجزة للعالمين; لان اتيان المراة ولدابلا بعل خلاف السنة الكونية التي قررها الله تعالى في هذا العالم، وكذلك مجيء الولد بلا اب.وفي قوله تعالى: «وابنها»، دلالة على ان المسيح ليس بابن لله.
كانت السيدة مريم جامعة لمنقبتين، وحائزة لفضيلتين: العلم والعمل، كما يخبرنا القرآنبذلك.
فكانت في مقام العلم مصدقة بكلمات ربها، ومؤمنة بها ايمانا واصلا الى مرتبة اليقين، كماء;7)ظظانها في مقام العمل كانت عابدة متهجدة قانتة.
ولها ميزة بين النساء، وهي احصان فرجها من الحلال والحرام حال كونها اتتبولد وهيمحصنة لم يمسسها بشر، فان ولدها الطيب لم يكن بمس بشر لها، بل كان بنفخ روح من الله فيها،فجعلها الله آية للناس، كما جعل ابنها آية لهم. ولآيات الله انواع وافراد، فانه على كل شيءقدير.
والضمير المجرور ب «في» راجع الى مريم في الآية الثانية، كما انه راجع الى فرجها في الآيةالاولى; لانه الطريق الى الدخول في الرحم.
ولم تكن النفخة من قبيل المشروبات حتى يصب في حلقها، ويدخل في امعائها واحشائها،بل كانتحقيقة كونية مولدة للمسيح، فيجب ان ينفخ في مكان الاستيلاد، وهو الرحم للمراة،ولا طريق للدخول فيه الا من طريق الفرج، فيجب ان يكون النفخ في فرجها. فالمولد لعيسىحقيقة من قبيل النفخ بخلاف المولد للبشر، فانه من قبيل المصبوب، ولكنهما يشاركان في المحل،وهو الرحم.
پىنوشتها:
1) آل عمران (3) الآية 59 .
2) الانبياء (21) الآية 69 .
3) يس (36) الآية 82 .
4) مريم (19) الآية 16 - 34 .
5) النحل(16) الآية 102 .
6) الشعراء (26) الآية 193 و 194 .
7) التحريم (66) الآية 12 .
8) الانبياء (21) الآية 91 .
«واذ قال عيسى بن مريم يبنى اسراءيل اني رسول الله اليكم مصدقا لما بين يدىمن التورية ومبشرا برسول ياتى من بعدى اسمه احمد فلما جاءهم بالبينت قالوا هذاسحر مبين» (1) .
«اني رسول الله اليكم».
قد وقع التصريح باخباره برسالته من جانب الله تعالى، فيمكن ان يكون توطئةلما سيخبره بعد ذلك من انه من جانب الله، لا من جانب نفسه، فاخبر المسيحعليه السلام بنبوة انبياءثلاثة: الماضي، والحال، والاستقبال: موسى، ونفسه، واحمد (صلوات الله وسلامه عليهماجمعين).
خص المسيح نداء بني اسرائيل، كما انهم المخاطبون بضمير «كم» فهل يفيد ذلكاختصاص رسالته بهم كي لا تكون رسالته عالمية، ولا يكون الدين الحق قبل ظهور الاسلاممحصورا بالنصرانية وحدها لتكون الحنيفية واتباع ملة ابراهيم ايضا دين الحق؟
فاني لم اجد في القرآن ما يدل على ان شريعة ابراهيم قد نسختبشريعة موسى، كما انالتورية لم تصرح بذلك.
«مصدقا لما بين يدي من التورية».
صرح المسيح بان شريعته مصدقة لشريعة موسىعليه السلام، وان التورية حق في عصرهوباقية، فالمسيحي يجب ان يكون موسويا متبعا للتورية التي اكملها الانجيل، فكان المسيحمتمما لتلك الشريعة ومصلحا لها. فالمسيحيون موسويون، ولكنهم ليسوا باسرائيليين ويهود;لان اليهود متقومون بالعنصرية الاسرائيلية.
«مبشرا برسول ياتي من بعدى اسمه احمد».
البشارة من جانب الله، فقد بشر بها رسول الله، فليست البشارة من جانب المسيحنفسه، فان الله بشر بها، فالمسيحي يجب ان يؤمن برسالة احمد، والا لم يتبع المسيح.
والبشرى: عبارة عن الخير الذي فيه سرور للمخاطب بان خيرا ياتيه. وهل الخير اعظممن حلول رحمة للعالمين من جانب ارحم الراحمين؟ فهي بشارة للعالمين لا للاسرائيليينفحسب.
صرح القرآن بان المسيح قد بشر بنبوة احمد واعلن عنها، ولكن الاناجيل الاربعةالمتداولة بين النصارى خالية منها; لانها ليست كلمات الله المنزلة على عيسى عليه السلام، بل هي منمنقولات تلامذته، والنقل معرض لامور كثيرة.
«فلما جاءهم بالبينت قالوا هذا سحر مبين».
البينة في لسان القرآن - الذي هو الدليل الدال على صدق الرسول، وهو الذي يستحيل انيصدر من البشر، فهو فعل الهي يصدر عن رسوله - اصطلح عليه بالمعجزة، فانه يعجز البشرعن اتيان مثله، وقد يعبر عنه في القرآن بالآية.
فهل يستطيع انسان ان يحيي الموتى بمجرد امر للميت، ولو بلغ في الطب ما بلغ؟ وهذهاحدى البينات للمسيح، وكم لها من نظير.
ولست ادري؟! كيف كان السحر في عصر المسيح حيث لم يؤمنوا به وقالوا: «انه سحر»فان السحر هو التصرف في القوة الباصرة او غيرها من القوى، ولكنه يزول بسرعة.
وبينات المسيح كانت على رؤوس الاشهاد، وباقية غير زائلة، وكانت تعد من الحقائقالكونية، فكيف كان سحرا؟!
فقولهم: «ان البينة سحر» فرار من قبول دعوة الحق، كما قال به المشركون في القرآن حينماجاء به محمدصلى الله عليه وآله.
«ولقد ارسلنا نوحا وابراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتب فمنهم مهتد وكثيرمنهم فسقون ثم قفينا على ءاثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتينه الانجيل وجعلنافي قلوب الذين اتبعوه رافة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبنها عليهم الا ابتغاءرضوان الله فما رعوها حق رعايتها فاتينا الذين ءامنوا منهم اجرهم وكثير منهمفسقون» (2) .
«وءاتينا عيسى ابن مريم البينت وايدنه بروح القدس» (3) .
«ولقد ارسلنا نوحا وابراهيم».
الرسول: من يكون حاملا للرسالة الى غيره، ورسل الله هم: الحاملون لرسالة الله، وقدابتدات رسالة الله بنوح، وان لم تبدا النبوة به، فقد كان قبله انبياء منهم: آدم، وشيث،وادريسعليهم السلام، ولعلهم كانوا من قبيل المقننين والمشرعين.
وارسال الرسول من جانب الله انما يكون لدعوة قوم كافرين. ولست ادري هل كان قبلنوح قوم كافرون ليرسل الله الرسل؟
لقد كان آدمعليه السلام نبيا، وتبعه ابناؤه المؤمنون والفاسقون وهم قومه، كما بداارسال الرسل بعد طوفان نوح بابراهيم، ثم استمر ذلك قرنا بعد قرن الى ان ختمتبرسالةخاتم الرسلصلى الله عليه وآله.
«وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتب».
تفيدنا الآية بان انبياء الله كلهم جعلوا من ذرية نوح وابراهيم، واذا لم يكن الطوفانعالميا، ولم يصل الى الصين وما والاها، فلم يكن في الجنس الاصفر انبياء مبعوثون، وان كانفيهم حكماء يهدون الى الحق.
«فمنهم مهتد وكثير منهم فسقون».
ضمير الجمع راجع الى الذرية، والآية تخبر بان دعوة الانبياء خالية من البطش والضغط،وكان المدعوون احرارا في قبول الدعوة وعدمه، ولم يلب منهم الدعوة الا قليل، فلم نعرف فيالبشر قوما آمن الاكثرية منهم برسول فضلا عن كلهم، بل كان الباطل احب اليهم من الحق،ولماذا؟!
كان العرب قبل الاسلام يلبون كل بدعة ويستقبلونها احسن استقبال، فقد دعاعمرو بن الحي الى عبادة الاصنام فلبوا دعوته وتركوا ملة ابراهيم.
ودعا احمق جان الى قتل البنات فلبوا دعوته. يقول القرآن: «واذا الموءودة سئلتبايذنب قتلت»، كما طلب من قسم من النساء ان يطفن البيت عاريات فاجيب الطلب ونفذ،ولكنهم رفضوا دعوة الحق، وعارضوا الاسلام اشد المعارضة، وعزموا على قتل النبيمحمدصلى الله عليه وآله حتى هرب منهم، وهاجر الى المدينة. وهل كان ذلك خصيصة العرب ام هي منخصائص البشر؟
«ثم قفينا على ءثرهم برسلنا».
جرت سيرة الله تعالى في دعوة البشر الى الحق، والقيام بالقسط ان يكون له نبي او رسوليدعوهم اليه في كل عصر، فلم يخل عصر من نبي او رسول لم يدع الى الحق، والقيام بالقسط،فاتبع الله عزوجل برسول بعد رسول، و بنبي بعد نبي، واستمرت هذه السيرة في جميع العصورالى عصر الخاتمصلى الله عليه وآله حتى زاد عدد الانبياء عن مائة الف كما قيل.
والتقفية: جعل الشيءفي اثر الشيء على الاستمرار، ولذا قيل لمقاطع الشعر: قواف.
«وقفينا بعيسى ابن مريم».
ذكر عيسى واتيان اسمه بعد ذكر الرسل هو للاهتمام به واكرامه، ولعل قريشا لم يكونواعارفين بالنبوة، بل كانوا عبدة الاصنام، وان كانوا يعرفون اليهود فضلا عن معرفتهملموسىعليه السلام، لقد كانت طوائف من اليهود يسكنون ارض الحجاز، كخيبر، كما يسكنون حوليثرب، ولعلهم كانوا عربا ولم يكونوا اسرائيليين.
«وءاتينه الانجيل».
لم يكتف القرآن بذكر اسم عيسىعليه السلام في زمرة الانبياء، بل قال: وآتيناه الانجيل; للاخباربانه نبي مرسل قد اوتي الكتاب من قبل الله تعالى.
وغير خفي ان الاناجيل التي بايدينا هي غير الانجيل النازل على عيسىعليه السلام فان الذينتنسب اليهم الاناجيل الاربعة وغيرها هم رواة الانجيل.
«وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رافة ورحمة».
الرافة والرحمة مترادفتان ومن صفات القلب; بشهادة الآية، وتظهر بالافعال والاقوال،فهي صفة للانسان باعتبار غيرها، اذ لارافة ولارحمة الا بوجود من يراف ويرحم.«والرحمة» عبارة عن طلب السعادة للغير بقول او بفعل من دون ان يكون طالبا لعوض، فهياخص من المحبة، فانها قد لا تخلو من طلب العوض. فالله تعالى ارحم الراحمين، لا يطلبعوضا عن وابل نعمائه التي امطر بها البشر قبل وجودهم وحال وجودهم، وافضلها الحياةوخلقهم بشرا.
وصف القرآن بان الذين اتبعوا المسيح قلوبهم مغمورة بالرحمة والرافة على غيرهم،ولعل المقصود هم المسلمون.
التقى الاسلام بطوائف ثلاث: المشركين، واليهود، والنصارى. ولم يوصف الاولانفي القرآن بالرافة والرحمة، بل خص ذلك بالثالث. والشاهد الحروب التي اقامها المشركونعلى الاسلام، وكذلك اليهود، ولكن لم نعرف اقامة حرب من المسيحيين على الاسلام في عصرنبينا محمدصلى الله عليه وآله.
واما غزوة «تبوك» وجهاد «مؤتة» فقد كانت لازالة الاستعمار الروحي عن البلادالعربية، ولم يكن حربا مع المسيحية، ولا حربا منهم على الاسلام.
«ورهبانية ابتدعوها».
الرهبانية: الانقطاع عن المجتمع، سيما عن الزواج للتفرغ الى طاعة الله. طبق هذا السلوكتولدت ظاهرة الرهبان والراهبات التاركين للدنيا، كما اقيمت الصوامع في سفوح الجبالوالاديرة في السهول.
والابتداع: ادخال ما ليس من الدين في الدين، والعمل به باسم الدين، وهذا ماخذ ذكرهالقرآن على النصارى بعد تلك الصفات الغر.
«ما كتبنها عليهم».
ذلك بمثابة تفسير للبدع فنقول: ان الانسان بحسب طباعه يعرف ما يوجب القرب الىالانسان، فانه يعرف ما يحبه ويبغضه، فهو عارف بان مثله كذلك. تحبذ فطرته وعقله العدلوينفر بحسب فطرته وعقله من الظلم، ولكنه لا يعرف ما يوجب القرب الى الله، ولذلك قالوا:ان احكام الله توقيفية، فالعبادة التي توجب القرب الى الله تجب ان تكون نازلة من جانبالله بوسيلة رسله وانبيائه، ولذلك صدق الله تعالى بقوله: «ما كتبنها عليهم».
«الا ابتغاء رضوان الله».
استثناء منقطع، ويفيد تاكيدا شديدا بان الرهبنة ليس فيها ابتغاء رضوان الله، فانه هدمللمجتمع البشري، واكبر ظلم للغرائز الفردية، وموجب لردود فعل نتيجة لظلم الآخرين،ولقد راينا كثرة الظلم والجور على ايدي القساوسة في القرون الوسطى حين كانت السلطةبايديهم في الغرب.
«فما رعوها حق رعايتها».
الضمير راجع الى «الابتغاء»، فان المبتدعين للرهبنة ادعوا ذلك، وكانت نظرية لهم،كنظرية قتل البنات عندالعرب، فالمبتدعون طلبوا الابتغاء، ولكنهم لم يرعوها حق رعايتها،فوضعوا من عند انفسهم ما يبتغي به رضوان الله، وذلك خطا منهم، فان ما يبتغي به رضوانيجب ان يكون نازلا من عند الله، كما انهم لم يحافظوا على توجيهات المسيح نبيهم فتعدواحدودها.
«فاتينا الذين آمنوا منهم اجرهم».
ضمير الجمع راجع الى الذين اتبعوه، واعطاؤهم الاجر بازاء ايمانهم، وعملهم الصالحالذي عرفهم المسيح به، وتركهم الرهبنة. ان سنة الله التي لا تبدل على اعطاء الاجر يخص بمنآمن وعمل صالحا، وقد جاء ذلك مكررا في القرآن.
«وكثير منهم فسقون».
تكرار هذه الكلمة تاكيد منه تعالى على ذلك، وهل ذلك يفيد فسق العالمين بالرهبنة؟ فاناكثرية القساوسة الذين اتبعوا المسيح على ذلك، والاقلية التاركون للرهبنة.
«وءاتينا عيسى ابن مريم البينت».
البينة: هي الدليل الذي يدل على الحق، وهي في مصطلح القرآن عبارة عن المعجزة، وهيالفعل الذي يعجز منه البشر، انها فعل الهي يصدر عن فاعل الهي وهو النبي، كما يعبر عنهاالقرآن بالآية.
ان رسل الله لا ينفكون عن المعجزات; ليعرف النبي من المتنبي، والبينات التي اوتيتابن مريم كثيرة مما هي في ذاته، كخلقته بلا اب، وتكلمه في المهد، ومما يكون في فعله، كاحياءالموتى، وابراء الاكمه، والابرص وغير ذلك، ومما يكون مع امه، كنزول الروح عليها، وكجذبجذع النخلة اليابسة وتساقط الرطب عليها، وحدوث ساقية من الماء العذب تحت رجليها،و وجود رزق من الله عندها في محرابها من دون ان يكون فيه يد من البشر.
«وايدناه بروح القدس».
هذه فضيلة رابعة للمسيح، فضائل لايشاركه فيها احد، والآية مشتملة عليها، وهي كونهرسولا من رسل الله على البشر، واتيانه الانجيل، وجعل الرحمة والرافة في قلوب الذيناتبعوه، فهو المتبع ويكون اشد رحمة منهم وافضل رافة، وتاييده بروح القدس.
ويمكن ان يقال: ان المقصود من روح القدس ان الروح هو نوع من الملائكة المخلوقين لله،واشرف منهم، كما في قوله تعالى: «تنزل الملائكة والروح» حيث ذكره بالاسم من باب ذكرالخاص بعد العام مشيرا الى عظمة الخاص، وكونه افضل من الملائكة، واضافته الى القدسيفيد اتصافه به، كما يقال: حاتم الجود، وقد يوصف بالامين، كما جاءفي القرآن بهذا الوصف،ويكون مامورا من جانب الله باشرف الاعمال وافضلها، كالنفخ لاستيلاد المسيح، وهوالقديس الذي لا نظير له في البشر، وكالوحي الذي ينزله على نبينا محمدصلى الله عليه وآله.
وقد كان تاييده لعيسى من قبل ولادته الحامل للنفخة، وبعد ولادته الايحاء للتكلم فيالمهد، ثم صدور افعال منه لايقدر عليها البشر، وربما كانت هذه الآية شاهدة على هذا المعنى:«اذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك اذ ايدتك بروح القدستكلم الناس في المهد وكهلا » (4) .
فوقوع قوله تعالى: «تكلم الناس»، عقيب قوله: «اذ ايدتك بروح القدس» من قبلالتفسير لتاييد روح القدس، كما ان قوله تعالى: «اذ ايدتك بروح القدس» عقيب قولهتعالى: «اذكر نعمتى عليك وعلى والدتك»، يفيد هذا المعنى.
ويمكن ان يقال: ان المقصود بروح القدس هو الوصف لا الشخص، فان المستعمل فيهلكلمة الروح معنى مقدس عن المادة، ويكون المقصود من روح القدس حقيقة القداسةوالنزاهة تلك التي لا حقيقة اقدس منها وانزه، فهي اغلى الاوصاف واشرفها، واضافة الروحالى القدس تشهد لذلك.
وتاييد المسيح بروح القدس اتصافه بتلك الصفة الكريمة; لان تلك الصفة تكون ناصرة لهفي قبول دعوته حينما يراه الناس موصوفا بها، والاول اظهر.
«ويعلمه الكتب والحكمة والتورية والانجيل» (5) .
«ويعلمه».
عطف على قوله تعالى مخاطبا مريم: «ان الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح»،وهذه الجملة القصيرة تفيد معان ثلاثة: العلم، والمعلم، والمتعلم. مادة علم تفيد العلم،والضمير المستتر فيه الراجع الى الله يفيد المعلم، فالله هو المعلم للمسيح دون غيره، والضميرالبارز الواقع موقع المفعول راجع الى المسيح، فهو تلميذ الله دون غيره وما اعظم الاستاذ ومااشرف التلميذ!
واما العلم المعطى له فهو عبارة عن الكتاب والحكمة والتورية والانجيل. وذلك فضيلةتخص المسيح، انه تلميذ الله، ولم اعثر على تصريح بذلك في القرآن لغيره من الانبياء.
ثم كيف كان هذا التعليم؟ ومتى وقع ذلك؟ المستفاد من القرآن ان ذلك كان قبل رسالته الىبنياسرائيل، ويمكن ان يقال: ان تلك النفخة الالهية كانت مشتملة على العلوم الاربعة،فالمسيح خلق عالما بها، ويشهد بذلكتكلمه في المهد، واخباره عن كونه عبدا لله، واتيانهالكتاب من جانب الله، وجعله نبيا الى آخر ما قال.
وغير خفي انه لا يستطيع احد على مثل هذا التعليم سوى الله تعالى، كما انه لا يقدر احدعلى مثل هذا التعلم غير المسيح، وهذه معجزة كبرى وآية عظمى.
فكانت العلوم الاربعة داخلة في ذات المسيح ونفس حقيقته، [و] يستحيل الانفكاك عنه،ونسبة تلك العلوم اليه كنسبة البديهيات الينا، بل النسبةاعلى واشرف، فاننا لا نعرفالبديهيات في المهد، وكان المسيح يعرف النظريات في المهد، فاكرم بهذا التلميذ واعظم بذلكالاستاذ. اذن لم يمض على المسيح زمان لم يكن عالما فيه بهذه العلوم، فذاته تساوي العلومالاربعة، وحقيقته حقيقة العلم، وهي التي تصلح ان تكون بشارة الى مريم، بل والى الخلق، فهوالعلم المجسم، وخير تمثال للعلم.
وان الامر الهام الذي يستفاد من تعليم الله المسيح اولا، ثم بعثه رسولا هو ان رسل اللهوانبياءه كانوا مصحوبين بالعلم، وكان واجبا عليهم العلم، فان النبي لو لم يكن عالما لا ينجح فيدعوته، وان الجهل عيب وعار عليه، ويجب ان يكون منزها عن كل عيب وعار.
كما يستفاد منهافضيلة العلم وشرفه، فان الذي خص الله به عبده الكريم هو العلم،فليفخر المعلمون، فقد جلسوا مجلسا كان الله جالسا في ذلك المجلس، فالتعليم اقدس الوظائفالبشرية واشرفها، ولعل عدم اتصاف المسيح بالامية لاجل هذا التعليم المقدس.
«الكتب والحكمة».
الكتاب في لسان القرآن - هاهنا - عبارة عن معرفة امور يعجز عنها البشر، وان شئتقلت: هو القدرة على الاعجاز، والشاهد على هذا المعنى قوله تعالى في قصة ملكة سبا،واحضار عرشها في لحظة واحدة عند سليمان: «... يايها الملؤ ايكم ياتيني بعرشها قبل انياتونى مسلمين قال عفريت من الجن انا ءاتيك به قبل ان تقوم من مقامك واني عليهلقوى امين قال الذي عنده علم من الكتب اناءاتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فلمارءاه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى...» (6) .
فان الذي كان عنده علم من الكتاب قد اتى بالعرش العظيم الذي كان لملكة سبا بلحظةبغير احتراق واشتعال، ولايقدر على ذلك مجموع افراد البشر، فضلا عن فرد واحد، ولكنهقدر عليه; اذ كان له علم من الكتاب، فمن علمه الله جميع الكتاب فهو اقدر واقوى علىالاعجاز، فهو القادر على احياء الموتى، وابراء الاكمه، والابرص وغير ذلك الذي لايستطيعذلك من له علم من الكتاب فالمسيح افضل منه.
و«الحكمة» هي طريق توجيه الانسان الى السعادة فردا ومجتمعا، ومعرفة محاسنالافعال، والاشياء، وقبائحها، ومضارها، ومنافعها، والله اعلم.
ان الانبياء حكماء الهيون، خدمة للبشرية، والناصحون لها من غير طلب اجر، فهممظاهر رحمة الله على البشر، وممثلوا قدرته التي يعجز عنها البشر، يدعونهم الى الخيروالسعادة، ويطلبون ردهم عن الشر والشقاوة.
«التورية والانجيل».
التورية: هو الكتاب الذي نزله على موسىعليه السلام، وعلمه الله المسيح، اما لان ما كان بيداليهود لم يخل من التحريف فلم يكن ذلك الذي نزل على موسى فعلمه الله المسيح ليكونعارفا بمواضع التحريف، واما لان لا يكون المسيح محتاجا في تعلمه لاحبار اليهود، فهو اشرفواكبر من ان يكون متعلما من بشر; اذ هو تلميذ ربه دون غيره.
واما الانجيل: وهو البشارة - بحسب اللغة - فهو كتاب نبوة المسيح نازلا عليه بتعليمه منربه، ولست ادري هل هو موجود عند القسيسين ام لا؟ فان «متى» و «مرقص» و«لوقا»و«يوحنا» وغيرهم رواة الانجيل، وكتبهم كتب مؤلفة بعد المسيح، مكتوبة بالقلم البشري،محتوية على بعض الانجيل النازل على المسيح، وتلك الاناجيل بمنزلة السنة عند المسلمين،ولقد وقع فيها الاختلاف، وليس فيما نزل من الله وعلمه نبيه خلاف.
ومن المعارف الاولية، والاصول المسلمة الفلسفية والعلمية الثابتة عند جميع العلماءوالفلاسفة ان الفاقد لايعطي. وهو حكم بديهي عقلي وعقلاني، لايختلف عليه اثنان، بلوعليه الفطرة الانسانية، فالعدم المحض يستحيل ان يوجد نفسه، كما يستحيل ان يوجد غيره;لانه فاقد للوجود، والفاقد لايعطي.
هذا بالنسبة الى معدوم الذات، والامر كذلك بالنسبة الى معدوم الصفة، فيستحيل ان يفيدتلك الصفة، فالفقير يستحيل ان يعطي الغنى، والغني لا يعطي البقاء، كما ان الظلمة لا تعطيالنور، والضعف لا يقدر على خلق القوة.
هذا في الحقائق الكونية واضح غير خفي على احد، فاذا سال الولد الصغير والده درهماوسمع الجواب بان والده لا يملك هذا الدرهم فالولد حينذاك يسحب طلبه. وهل رايت احداذهب الى حانوت بزاز لطلب الخبز، او الى فرن خباز لطلب الثوب؟!
وهذا من البديهيات التي لا شك فيها، وبها يعترف كل احد حتى الصغار والمجانين،فالمجنون لايقرب من النار لرفع العطش، ولا الى الثلج ليدفئ نفسه، وذلك المقصود من حكمالفطرة، ومن هذا الباب ان الجهل لا يلد علما، والجاهل لا يستطيع اعطاء العلم; فانه فاقد له.
واليه يشير القرآن في قوله: «فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون»، فاذا حاولالجاهل ان يصير عالما يجب عليه التعلم عند عالم.
فيحدث هاهنا سؤال: وهو ان العلماء، والمكتشفين، والمخترعين، واولئك الذين جاؤوابعلم جديد، وكشف حديث، كيف استطاعوا ذلك وقبله كانوا جهلاء، لا علم، ولا كشف، ولااختراع لديهم.
وكذلك المحققون الباحثون في علم اذا اتوا ببحث جديد، وزادوا فصلا في فصول ذلكالعلم، او اصلحوا الاخطاء التي وقعت في ذلك العلم، كيف اتوا بذلك وهم كانوا جاهلينبالنسبة اليه قبل ذلك؟! والفكر الحاصل للجاهل لا يمكن ان يخلق العلم.
ولو صح ذلك لبطلت تلك القاعدة العقلائية البديهية التي عليها الجميع، وهي «ان الفاقدلا يعطي»، والجاهل فاقد للعلم، فكيف يعطي؟
والجواب عن هذا السؤال ان يقال: بان الله تعالى كما هو خالق للبشر وللكون جميعاكذلك هو خالق للعلم. فهو تعالى منذ خلق اول فرد من البشر خلق العلم واعطاه تحققاووجودا في عالم يناسبه; ليستطيع البشر ان يصل اليه ويصير عالما، فالعلم من مخلوقاته، ومننعمه، ومننه على الانسان.
وليس الفكر الا سلوكا الى عالم العلم، وطريقا لتعلمه في اي نوع من انواع العلوم، او ايبحث من ابحاث العلم. وان الخطا الذي يحصل لعالم فانما هو من اجل خطئه في الفكر، ونقص فيسلوكه الفكري وانحراف عنه.
فقد جعل الله تعالى الفكر سلوكا وطريقا لمن يريد ان يعلم، فيصل الى نوع من العلم، اوصنف وبحث ويخطا في علم خاص; اذ العلوم بانواعها واصنافها مخلوقات لخالق الخلق، حتىالعلوم التي لم يصل اليها البشر، وسيصلون اليها في المستقبل.
وغير خفي ان المنكر لوجود العلة الاولى - وهو غير مصدق بوجود الله تعالى، وانه خالقللكون - لايستطيع الجواب عن هذا السؤال، الا ان يقول: ان الجاهل يقدر على اعطاء العلم،وان الفاقد يعطي، فحينئذ تسخر منه الثكلى وجميع العقلاء. او لا يكون ملتفتا الى ذلك التاليالفاسد.
والى ذلك يشير ما في منطق الفلاسفة الالهيين من ان صغرى القياس وكبراه مقدماتاعدادية للنتيجة وصورتها مفاضة من عالم القدس; اذ لوكانت مقدمات القياس علة تامةلحصول النتيجة لزم ان يكون الفاقد معطيا، والجاهل عالما وهو جاهل; اذ العلة المعطيةللمعلول تجب ان تكون واجدة لما تعطي، فان الفاقد لا يعطي. والى ذلكيشير الفيلسوفالسبزواري في منظومته في المنطق:
والحق ان فاض من القدس الصور.
وانما اعدادها من الفكر.
وبيان ذلك: ان الفلاسفة يردون كل شيء الى مادة وصورة، ويرون ان المعطي للصورةغير المعطي للمادة، وذلك هو المقصود من قولهم: ان العلة المادية غير العلة الصورية، فصورةالخبز يخلقها الخباز الطابخ له، ولكنه ليس بخالق لمادته: الطحين، والملح، والماء. وهذا الحكمجار في جميع الحقائق الكونية.
وان حكمهم بالتغاير بين العلتين ينشا من ان العلة تجب ان تكون واجدة لحقيقة المعلول،فان الفاقد لا يعطي. وان العلل المادية للاشياء واجدة لمعلولاتها، فتكون معطية لها، ولكنهاليستبواجدة لصورها. فليستبخالقة لها.
ان النخل واجد لمادة التمر وهو خالق لها، لكنه ليس بواجد لصورته، وذلك بديهي، فانا اذاحللنا النخل لم نجد فيه صورة التمر، فلا يكون خالقا لصورة التمر، وان الخالق لصورة التمر هوالخالق لعالم الكون، وهذا الحكم جار في اصناف الجماد والنبات والحيوان و الانسان. فالابوانغير خالقين لصورة الولد، وانما هما خالقان لمادته، والخالق لصورته هو خالق الكون، فانهواجد لكل كمال، وهو كل الكمال وكله الكمال.
وغير خفي ان شيئية الشيء بكماله لا بنقصه; لان النقص فقدان وهو امر عدمي،ويستحيل تقوم موجود بمعدوم.
وقد بينا في ابحاثنا الفلسفية جواز صدور الكثير عن الواحد البسيط من جميع الجهات،مع الاعتراف بصحة القاعدة الكلية: «ان الواحد لا يصدر عنه الا الواحد».
اذا تبلور ذلك وثبت تحققه في عالم الكون فكذلك الامر في عالم العلم، فالصغرى والكبرىمن قبيل الابوين للنتيجة، فهما خالقان لمادتها وصورة النتيجة مخلوقة لخالق الكون.
ان خالق الكون هو المعلم لجميع الكائنات التي تكون صالحة لقبول العلم، حتى العلومالجزئية التي تدرك بالاحساس، ويسمى المعلوم بها بالمحسوس، فهو المعلم الاول لجميع افرادالبشر من الماضي والحال والاستقبال في كليات العلوم وجزئياتها، صغارها وكبارها، فصولهاومسائلها، واليك قوله تعالى: «وعلم ءادم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملئكة فقال انبئونيباسماء هؤلاء ان كنتم صدقين قالوا سبحنك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليمالحكيم» (7) .
ولعل تعليم آدم الاسماء كان قبل نبوته حين صلاحه للتعلم. ولماكان آدم ابا البشر فكانتعليم آدم تعليما للبشر فهو تعالى معلم للبشر، واول معلم له، كما انه تعالى كان معلما للملائكةبعد كونه خالقا لهم، وقد اعترفوا بذلك وتنبهوا له.
ثم انه تعالى بدا بتعليم خاص لانبيائه ورسله في علوم يخصهم لا يشارك فيها البشر، ولنيعرفوها من غير طريقهم.
ان الانبياء يشاركون البشر في علومهم، ولا يمكن للبشر بان يشاركوا الانبياء فيعلومهم، فهم جاهلون بها، ولذلك فضل الانبياء على اممهم في جهات كثيرة:
منها: فضل العالم على الجاهل الذي هو فضل كوني لا شرعي قانوني، وقد وصف نبينامحمدصلى الله عليه وآله بالامي الذي لا يقدر على الكتابة وقراءتها وهو اعلم الناس وضد للجهل.
ومن العلوم التي فضل الانبياء بها على البشر علم الغيب الذي يعجز عنه البشر، والمعلومالغيبي حقيقة من الحقائق الكونية، ولكنه لا يدرك باحدى الحواس الظاهرة الكائنة للبشر.
وقد صرح المسيح بذلك وقال: «اني اخبركم بما تدخرون في بيوتكم وما كنتم تكتمون»فان المدخر والمكتوم لا يعرفه الا صاحبه، فاخبار غيره عنه اخبار بالغيب.
فلا يعلم الغيب الا هو تعالى ومن ارتضاه من رسول، سواء اكان من الانبياء او منالاولياء. ومنها: تعليم المسيح بالعلوم الاربعة: الكتاب، والحكمة، والتورية، والانجيل، فاكرمبذلك المعلم واكرم بهذا التلميذ.
وقد تبين ان تلامذة الحق لا يعدون ولا يحصون، واختصاص المسيح للتلمذة بينهم شرفوفضل له.
پىنوشتها:
1) الصف (61) الآية 6 .
2) الحديد (57) الآية 26 و 27 .
3) البقرة (2) الآية 87 و 253 .
4) المائدة (5) الآية 110 .
5) آل عمران (3) الآية 48 .
6) النمل (27) الآية 38 - 40 .
7) البقرة (2) الآية 31 و 32 .
«ورسولا الى بني اسراءيل انى قد جئتكم باية من ربكم اني اخلق لكم من الطينكهيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرا باذن الله وابرئ الاكمه والابرص واحيالموتى باذن الله وانبئكم بما تاكلون وما تدخرون في بيوتكم ان في ذلك لاية لكمان كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التورية ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكموجئتكم باية من ربكم فاتقوا الله واطيعون ان الله ربى وربكم فاعبدوه هذاصراط مستقيم» (1) .
«ورسولا الى بني اسراءيل».
كانت رسالة المسيح بعد ان علمه ربه الكتاب، والحكمة، والتورية، والانجيل، بل تعلمهلكل شيء، فان جميع العلوم منطوية في هذه الاربعة. ورسول الله يجب ان يكون منزها عن كلشيء ومتصفا بكل زين، بريئا من كل نقص، طاهرا من كل رجس وعيب، حائزا لمحاسنالصفات، وحاويا لمكارم الاخلاق.
والجهل راس كل عيب واكبر نقص، فيجب ان يكون الرسول عالما بجميع العلوم التي يقعالسؤال عنها; اذ لو كان الرسول جاهلا لم ينجح في رسالته، فلا يجعل الله الجاهل مرشدا للقوم،وقائدا للخلق، علم الله المسيح وارسله واظهر على يديه علم الكتاب.
واذا كان المسيح رسولا الى بني اسرائيل فذلك لا ينافي رسالته العالمية، فان دين الحق لايخص بقوم دون قوم، وقد خص بنو اسرائيل بالذكر من اجل كون المسيح مصلحا ومكملالدينهم، وهو دين موسىعليه السلام، فلم يكن المسيح ناسخا لدين موسى; بشهادة قوله تعالى:«مصدقا لما بين يدى من التورية».
كما ان رسالة موسىعليه السلام لم تخص بني اسرائيل، فقد كان مامورا من جانب الله الى فرعونمصر. واليك قوله تعالى مخاطبا اياه: «اذهب الى فوعون انه طغى» (2) .
كما ان دعوة فرعون كانت دعوة قومه، ولم تخص الدعوة به، وقد آمن بموسىعليه السلام سحرةالقوم وقبول ايمانهم من جانب موسى، كما حكاه القرآن «... ءامنا برب هرون وموسى» (3) .
وقد خص بنو اسرائيل بالذكر بالنسبة الى رسالة المسيح; لانهم كانوا يرون انفسهممؤمنين بشرع موسى; ليجب على من آمن بدين موسى الايمان برسالة المسيح، والا لم يكنمؤمنا بشرع موسى، بل كان يدعي بذلك.
كان المسيح - ونفسه الشريفة - يعد من بنياسرائيل، فقد ولد فيهم، ونشا بينهم، فهمالذين راوا الآيات الباهرة في ذاته المقدسة، وفيما صدر عن يده، فهم الاقربون اليه، والسابقونالى دعوته. وقد وقع التصريح بلفظ «بني اسرائيل» لئلا يكون لهم عذر في الانكار عليه; لشدةتعصبهم فيما هم عليه، ويكون قبول دعوة المسيح في زمرة ما يتعصبون له.
«انى قد جئتكم باية من ربكم».
التفات من كلام الله الى قول عيسىعليه السلام. والآية التي جاء بها المسيح هي آية الرب، وهيالفعل الذي لا يستطيعه البشر، ولا يقدر عليه الا الله، ويشهد ذلك بان المسيح مبعوث منجانب الله، فما جاء به هو من آيات الرب.
ويمكن ان يكون المقصود من الآية التي جاء بها المسيح هو ذاته المقدسة، فانها اكبر آيةمن آيات الله، ولم يجئ بمثل هذه الآية احد من الانبياء ممن سبقه وتاخر عنه; لاختصاص كلنبي بآية، وقد اسند الآية الى رب بني اسرائيل; مشعرا بان الرب واحد وهو ربه وربهم.
ويمكن ان يكون المقصود الآيات التي يخبر بها المسيح، ويكون ما ذكر بعد ذلك تفسيرللآية التي جاء بها المسيح.
«اني اخلق لكم من الطين كهيئة الطير».
الخلق: ايجاد شيء مسبوق بالعدم، فهو اما ان يكون صورة لمادة كاعطاء شكل واحدلاجزاء متفرقة، او اعطاء شكل لمادة واحدة.
وكان الخلق الذي يصدر من المسيح فوق ذلك، فانه كان يعطي الحياة لمادة ميتة كالطين،فيصير طيرا بالقدرة التي اعطاه الله، وذلك نوع من احياء الموتى. وقد يكون الخلق غيرمسبوق بشيء من المادة، ولا يقدر عليه الا الله، وذلك كخلق العالم بكليته.
وبذلك صدر عنه نوعان من الخلق: اعطاء شكل الطير بالطين وهو الذي يقدر عليهغيره، واعطاء الحياة له وهو الذي لا يقدر عليه الا ربه. وهناك نوع ثالث من الخلق، وهوتبديل المادة الترابية لحما وعظما وريشا، ولا يقدر على ذلك الا ربه، او من علمه ربه الكتاب.
«فانفخ فيه فيكون طيرا باذن الله».
هذه النفخة التي كان المسيح ينفخها في الطين باذن الله هي الحياة، ونفخها في الطين اعطاءالحياة له، وذلك تفسير لقوله تعالى: «اخلق لكم من الطين»، كما انه مصداق لمجيئه بآية منالرب.
ان الحياة حقيقة مجردة عن المادة، ولها مراتب ثلاثة: نباتية، وحيوانية، وانسانية، واقربلفظ لاعطائها الى الحقائق الكونية والمادية هو النفخة. صرح المسيح في اعطائه الحياة للمادةالميتة انه باذن الله; لئلا يتوهم انه يستقل في الخلق او في احياء الموتى.
وتتميز هذه النفخة عن النفخة التي نفخت في مريم - حال كونهما مخلوقين لله وخالقينللحياة - بان النفخ في مريم اعطاء الروح والجسم، ولكن النفخ في الطين اعطاء الروح فقط،وتبديل الطين لحما وعظما وغيرهما.
وكان النفخ الذي في مريم صادرا من الله بشكل مباشر; لان الرسول الذي نفخه فيهالم يكن من المتنفسين، فلم يكن خالقا لها، ولكن النفخ الذي في الطين كان صادرا من رسوله،وكان من المتنفسين، فالنفخ في مريم افضل، واقدس واشرف، وقد برز منه نبي من اشرفافراد الانسانية الذين هم اشرف موجود في عالم الكون.
ولكن البارز من النفخة التي نفخت في الطين ان النفخة كانت في الطير الذي له الطبقةالوسطى في الحياة، وهي الحياة الحيوانية، وفوقها الحياة الانسانية وكانت نفخة مريم بواسطةرسول الله فوجد رسول الله، وكانت نفخة الطير بواسطة رسول الله ودلت على رسول الله،وتشارك النفختان ان جميع افراد البشر لا يقدرون على اي منهما، فكل منهما فعل الهي.
«وابرئ الاكمه والابرص».
الاكمه: من ولد فاقدا للبصر، وقد يقال لمن ذهب بصره. وابراء الاكمه: شفاؤه من مرضه،والشفاء لا يحققه عليها بشر، وذلك نوع من الاحياء; فانه خلق للبصر واحياء له.
والابرص: من كان به بياض في جلده او وجهه، وهو مرض جلدي معروف، وابراؤهوشفاؤه فيهما نوع من الاحياء; فانه اعطاء جلد حي لمن له جلد ميت لا يقدر على رفع ما فيهمن الاذى.
وغير خفي ان الشفاء غير العلاج، فانه انما يكون باستعمال دواء او عمل جراحي،والشفاء يكون بنفس ارادة الشافي.
«واحي الموتى باذن الله».
احياء الميت فعل يختص بالذات الالهية الاحدية، فلا يقدر عليه غيرها، وكان المسيحعليه السلاميحيي الموتى بالكتاب الذي علمه الله، والقدرة التي وهبه الله، فلا يكون ذلك من قبل نفسهالبشرية، بل كان من قبل ربه، واليه يشير قوله تعالى: «باذن الله» مرة ثانية.
والموتى: لفظ جمع يفيد صدور الاحياء الكثير منهعليه السلام، ويرشدنا التصريح بلفظ «اذن» كيلا يضل فيه اناس، فيرون فيه الالوهية استنادا الى هذه الآية الصادرة عن تلك التي لايمكنصدورها الا من الله.
«وانبئكم بما تاكلون في بيوتكم».
ما ياكله الانسان وحده، وما يدخره في بيته لا يعرفه غيره، فالاخبار بذلك اخبار عنالغيب، لا يستطيعه بشر; فان الاخبار بالغيب عبارة عن الاخبار عن واقع كوني لا يدركبالحس، وان كان يصلح لذلك لمسه.
واذا اخبر انسان امرا شاهده فان كان من المبصرات فقد شاهده ببصره، وان كان منالمسموعات فقد شاهده بسمعه، وان كان من غيرهما من المحسوسات فقد شاهده بالحسالذي يحسه، فلايقدر على الاخبار عن غير المحسوس له ولو كان المخبر به محسوسا بحسبذاته، اذن الاخبار بالغيب صفة خاصة بالله تعالى، وبمن اعطاه هذه الكرامة من رسلهواوليائه.
ولما كان المخبر به - بالاخبار الغيبي من المسيح - هو ما ياكلون وما يدخرون في بيوتهموذلك امر واقع ملموس لديهم فلا يتطرق اليه الشك والريب.
«ان في ذلك لآية ان كنتم مؤمنين».
كان في كل واحدة من هذه الآيات آية عظيمة تخبر بان المسيح مبعوث من جانب الله،فكيف في مجموعها، فهو اعظم الآيات واقواها، وخير دليل على نبوته، فلذلك يجب تصديقهان كانوا يؤمنون بالله، وبآياته، وبارساله الرسل، او ان كنتم مؤمنين بنبوة موسى، فهذه الآيةتكمل الحجة عليهم، ويمكن ان يراد ان كانوا في طريق الايمان بعلاقة المشاركة لا في طريقالمعاندة والعصيان.
«ومصدقا لما بين يدى من التورية».
عطف على قوله تعالى: «ورسولا الى بنياسراءيل».
وقد وقع فصل بين المعطوف والمعطوف عليه بكلام من المعطوف عليه; ليكون شاهدا علىرسالته، فالمسيح كما انه رسول من الله الى بنياسرائيل وهم قوم موسىعليه السلام، فهو مصدقلما اتاهم موسىعليه السلام بالتورية وليس بناسخ له، فهو مصدق بنبوة موسىعليه السلام وبما اتاهم منالتورية.
ان الانبياء كلهم يصدقون بنبوة اسلافهم من الانبياء، ولكن كان بعضهم ناسخا لدينالنبي الذي كان يسبقه، فالاسلام ناسخ للنصرانية، ولكنه مصدق بنبوة موسى وعيسى، ولكنالمسيح لم يكن ناسخا للتورية، بل كان مذعنا ومصدقا له، وان كان مصلحا ومغيرا لبعضاحكامه، كما يخبرنا القرآن بقوله:
«ولاحل لكم بعض الذي حرم عليكم».
ما احله المسيح من احكام التورية بعض الطيبات التي كانت محرمة على بني اسرائيل;لمصالح تقتضي ذلك العهد، فيكون المسيح رافعا لبعض ما كان يضيق عليهم، ومسهلا لما كانصعبا عليهم.
وفيه بشارة الى بنياسرائيل من ان المسيح المبعوث من جانب الله يزيل عنهم بعضما كان يضيق عليهم من جانب التورية، فالمسيح نبي ورسول من الله، مصلح، مسهل، موسعلدين موسى، ومحلل بعض ما حرم فيه.
«وجئتكم بآية من ربكم».
تكرار لما سبق، وتاكيد لرسالة المسيح وبعثه، وتسديد لها، ومقدمة لبيان وجوب اطاعته،فان طاعته طاعة الله، والامتثال لاوامره، ونواهيه هو امتثال لاوامر الله، ونواهيه، فامره امرالله، ونهيه نهي الله.
«فاتقوا الله واطيعون».
قوله تعالى: «واطيعون» من قبيل التفسير لقوله تعالى: «فاتقوا الله»; اذ ليستالتقوى العملية الا طاعة المسيح، وليست التقوى القلبية الا الايمان برسالته، والاذعانبدعوته، وذلك بعد ان اثبت رسالته بذلك الايمان.
«ان الله ربى وربكم».
ذلك بمنزلة التعليل للامر بالتقوى، فانه تعالى دون سواه، خالق المسيح، وخالقبني اسرائيل، وهو رب الكل - والكل مربوبون له - ، وهو المنعم على الكل بالخلق والحياة،وهو المحسن الى الكل بالنعم والاحسان.
واطاعته ارشاد الى سعادة المطيع دون غيره، هي واجبة بحكم العقل، وتقديم اضافة الربالى نفسه على اضافته لبنياسرائيل يفيد انه المربوب، كما هم المربوبون له.
«فاعبدوه».
ان الرب هو الذي يستحق العبادة دون غيره، فانه الذي من على الانسان بالوجودوالحياة، ثم بارشاده وتوجيهه الى الحق.
الآيات الكريمة معجزات في الكلام، فهي في اعلى مراتب الايجاز، وبينات لحقائق هامةفيها سعادة البشر، وهي الاخبار برسالة المسيح من جانب الله، وبما انعم عليه ربه من الآياتالصادرة على يديه; لئلا يشك احد فيها، وتلك الآيات انواع متباينة يجمعها عدم استطاعةالبشر على احداها. ومنها: خلق الطير، وجعل الطين الميتحيا، وابراء الاكمه والابرص الذييعجز عنه الطب، واحياء الموتى، والاخبار بالغيب.
ثم الاعلام بما جاء المسيح من المثل العليا، وهي تصديق التورية، وتحريم بعضما حرم فيه; تسهيلا على الناس، وختامها الامر بالتقوى، واطاعة المسيح، وتذكار ان الله هورب المسيح، ورب البشر، وانه دون غيره يستحق العبادة، وعبادة الله هي الصراط المستقيمالذي لا يضل احد فيه، وهي التي توصل رسالتها الى الحق الذي هو مطلوبه بحسب طباعهوبحسب عقله.
«ان الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فلما احس عيسى منهم الكفرقال من انصارى الى الله قال الحواريون نحن انصار الله ءامنا بالله واشهد بانا مسلمون ربنا ءامنا بما انزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشهدين ومكروا ومكر الله واللهخير المكرين» (4) .
«يايها الذين ءامنوا كونوا انصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحوارين من انصارىالى الله قال الحواريون نحن انصار الله فامنت طائفة من بني اسراءيل وكفرت طائفة فايدنا الذين ءامنوا على عدوهم فاصبحوا ظهرين» (5) .
«ان الله ربى وربكم فاعبدوه».
ولما ثبتت رسالة المسيح من جانب الله بتلك الآيات الباهرات، وتبين انه المبعوثلارشاد الخلق الى الحق، وتوجيههم الى الصواب افتتح روح الله دعوته بالامر بالتقوى،ولزوم اطاعته، فان التقوى حسن المطلع لدعوته، والخضوع لطاعته، ومفتاح لشريعته.
ثم دعا الى الاصلين من اصول دينه حيثيلزم الايمان بهما.
الاصل الاول: ان الله ربه وربهم، وانه الخالق له ولهم، وتقديم قوله: «ربي» على قوله:«ربكم» تاكيدا لقوله المكرر: «انا عبدالله»، ويفيد ذلك ان المسيح مثلهم في المربوبية،فهو عبدالله، ولاتظن به الالوهية، وهذا الاصل صفة للقلوب.
والاصل الثاني: هو الدعوة الى عبادة الله وذلك صفة للافعال; لان ربوبية الله له ولهم،وخالقيته تعالى لجميع الخلق تقتضيان ان يعبدوه، كما ان المسيح بنفسه الكريمة يعبد الله،فلم يدع الى غير ما هو عامل به.
«هذا صراط مستقيم».
وهو الطريق الذي لا عوج فيه، ويوصل السالك فيه الى المقصد، ولما كان المقصد الاسنىلجميع افراد البشر هو السعادة الابدية والفوز السرمدي - وقد ارسل المسيح ليعرف البشربها - فقد عبر عنها بالصراط المستقيم.
فان الصراط الموصل الى تلك السعادة مركز على امرين: قلبي، وهو الايمان بالله ربالمسيح ورب البشر. وخارجي، وهو عبادة الله، وطاعة اوامر المسيح ونواهيه، والعملبارشاده، وذلك انما يكون بعهد الايمان بالله وبرسالة رسوله، ان الافعال التي تصدر منالانسان بارادته لا يكون دافعا لها الا ما طلبه قلبه; فان السوانح القلبية من قبيل العلة الفاعليةللصوادر الخارجية.
وغير خفي ان الامرين اللذين يتقوم بهما الصراط المستقيم هما مما يسعد البشر لا ربالبشر، فلو كفر جميع الخلق بربهم لا يضره شيئا، كما اذا آمن الجميع به لن ينفعه ذلك شيئا; انواجب الوجود والغني بالذات لا يزيده شيء ولا ينقصه، وليس لغيره تاثير فيه، فهو اللهالصمد الموجد لغيره المؤثر فيه.
ان الصراط المستقيم هو الذي دعا اليه جميع الانبياء من قبل المسيح وبعده; لان فيهالسعادة للفرد وللمجتمع في جميع احواله.
فان من يؤمن بالله ويعبده لا يفكر في ظلم احد، فضلا عن انه لا يظلم، بل يجعل نفسه فيسبيل اسعاد الآخرين، فاذا كان في مجتمع عدد من هؤلاء الافراد يتحقق بهم افضل مجتمع فيالعالم، واسعد حياة للبشر، وذلك هو الذي اتى به المسيح، ودعا بنياسرائيل اليه.
«فلما احس عيسى منهم الكفر».
الاحساس: علم لا خطا فيه، فان الاحساس ظاهر في القوة اللامسة التي لا تخطئ ابدا،ولما كان الكفر امرا قلبيا لا يمكن ان يحس فانه ليس بمحسوس; لذلك كان احساس المسيحمنهم الكفر بسبب البوادر التي كانت تظهر منهم، فان بنياسرائيل لم يكتفوا بعدم تلبية دعوته،وعدم الايمان بنبوته بعد مشاهدتهم الآيات الباهرات، والمعجزات، والكرامات، بل بداوابالمشاغبة عليه، واستعدوا لقتله وقتاله، وشاهد المسيح ذلك، فراى ان يطلب الناصر امامذلك العدو اللجوج.
«قال من انصارى الى الله».
استنصار من المسيح حينما راى نفسه غريبا وحيدا ازاء خطر الاغتيال والقتل، كما راىصدودا عن دعوته، فقالعليه السلام: «من انصاري الى الله»، فلم يطلب الناصر لنفسه، بل طلبلله لبث دعوته ونشر شريعته. فان الانبياء لا يطلبون شيئا لانفسهم; لفنائهم في الله.
«قال الحواريون نحن انصار الله».
حواري الرجل: صفوته وخاصته، وحواريو المسيح هم الذين لبوا دعوته، وآمنوابرسالته، واخلصوا له، وهم عدد قليل، فقد كان عددهم لايزيد على اثني عشر، فاستعدواللشهادة في سبيله; لانهم فئة قليلة، واعداؤهم الاكثرية. وذلك يكشف عن شجاعتهموبسالتهم.
«ءامنا بالله واشهد بانا مسلمون».
اقرار من الحواريين بالايمان بالله الذي ارسل المسيح نبيا; فلذلك طلبوا الشهادة منهبانهم مسلمون، مطيعون لله، ولرسوله; لتكون شهادتهم حجة لهم عند عرض حالهم علىربهم، فان المسلم من دخل في سلم وطاعة الله ورسوله.
«ربنا ءامنا بما انزلت واتبعنا الرسول».
التفات في الكلام من حديث طلب المسيح الى كلام الحواريين الذين لبوا طلبه،وعاهدوه بالنصر، والتضحية في سبيله، وذلك خطاب منهم مع الله يؤيدون وعدهم بالنصر،ويفسرون قولهم: انا مسلمون باقرارهم الايمان بالله، وبما انزله على المسيح، وباتباعهم له،كما امرهم بذلك.
«فاكتبنا مع الشهدين».
ابتهال من الحواريين الى الله بعد اقرارهم بالحق، وشهادتهم بالايمان بالله، وبما انزل علىرسوله، واتباعهم; ليكتبهم الله مع الشاهدين بالاصلين: القلبي، والخارجي.
«ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين».
المكر: الخدعة، ومكر الله، المجازي على المكر، فلا يبدا به ابدا، فان المكر ينشا مناحساس الماكر ضعفا للوصول الى مقصده، فيتوسل بالمكر; ليجبر الضعف، يسد النقص،والذات الالهية بريئة من الضعف، ومنزهة من النقص، ولكنه تعالى قد يقابل المكر بالمكر حينمااريد به المكر لرسوله، والصدود عن دعوته.
قد قصد الذين احس عيسى منهم الكفر ان يمكروا به، وعزموا ان يقتلوه غيلة، والاغتيالاقبح الجنايات، سيما بالنسبة الى رسول الله الذي لا يطلب الا الخير لهم، ويرشدهم الى صراطمستقيم، وهو السعادة الابدية لهم.
ومكر الله: عبارة عن انقاذ رسوله من مكرهم بالقاء شبهه على من اراد اغتياله حتى قتل،فالله خير الماكرين، فانه لم يبدا بالمكر عليهم، بل جعل مكرهم على انفسهم.
«كونوا انصار الله».
قد امرهم الله بالثبات في نصرة رسوله، والاستقامة في طريق الحق، فان انصاررسول الله انصار الله; اذ لا بينونة بين الرسول وبين من ارسله.
«فامنت طائفة من بنياسراءيل».
وهم غير الحواريين الذين هم انصار الله بشهادة كلمة «ف»، ولكنهم قليلون بشهادة ذكر«طائفة» منكرة، ومنونة بتنوين التنكير.
«وكفرت طائفة».
وهم الذين عاندوا المسيح فصاروا كافرين، ولم يكونوا كذلك; لانهم كانوا مؤمنينبشريعة موسىعليه السلام، فصاروا كافرين بتلك الشريعة، وذلك بانكارهم لرسالة المسيح الذي كانمكملا لشريعة التورية.
وتفيدنا الآية ان بنياسرائيل لم يكونوا متفقين على كلمة واحدة، بل مختلفين في الراي،فالشرفاء منهم صاروا حواريين انصارا للمسيح، وطائفةمنهم آمنوا به من دون ان يشاركواالحواريين في نصرتهم للمسيح، وطائفة منهم كفرت بالمسيح، وجحدت، وعاندت الطائفةالمؤمنة حتى وقع الحرب بينهما، والبقية الباقية كانوا ابناءها متفرجين لم يؤمنوا بالمسيح،ولم يجحدوه.
«فايدنا الذين ءامنوا على عدوهم».
لفظة «عدوهم» تفيد ان عداءهم للذين آمنوا كان عداء دينيا لا دنيويا، ولا سياسيا، وانالمعادين للمؤمنين - كمؤمنين - هم اعداء الله.
وكيف كان تاييد الله لهم؟ وباي شيء كان التاييد؟ وهل كان بجنود لم يروها، ام كانباعطائهم الشجاعة، والبسالة، والتخصص في علم الحرب، ام بغير ذلك؟ فان الله علىكل شيء قدير.
«فاصبحوا ظاهرين».
وعند وقوع الحرب بين الطائفتين كان عدد المؤمنين قليلا، وكان اعداؤهم اوفر عدة،واكثر عددا; لتكون الغلبة للطائفة الكافرة، فنصر الله المؤمنين، وكانت الغلبة لهم،كما قال تعالى: «وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله» وهذه احدى المعجزاتللسيد المسيحعليه السلام.
قد اخبر المسيح بنياسرائيل - وهم امة موسىعليه السلام - بقوله: «اني رسول الله اليكم»،ومصدق للتورية. وقد اتاهم باصناف من الآيات البينات التي يعجز عن احداها البشر فضلاعن جميعها; ليكون شاهد صدق على رسالته، واحل بعض الذي كان محرما عليهم في التورية،فقد اتى باحكام جديدة من جانب الله قبل تشريعات الكنيسة.
وبدا المسيح دعوته الى الايمان بالله والى عبادته تعالى - ربه ورب الخلق اجمعين -ووصفه بالصراط المستقيم; ليطهر الانسان من الاثم والرجس، ويجعله انسانا بعد ان كان بشرامزدوجا من جزئين: حيواني، وانساني.
فالانوثة والذكورة، وكذا الشهوة والغضب، والاكل والشرب، والرذائل من الصفاتكالبخل، والطمع، والحسد، والتي هي من خصائص جزئه الحيواني.
وان العقل، وطلب المعرفة، والعفو، والحلم، والكرم، ومكارم الاخلاق هي من نعوتجزئه الانساني.
وغير خفي ان الحاكم عليه في صباه وشبابه هو جزؤه الحيواني، ثم ينمو جزؤه الانساني،ويقف امام الجزء الحيواني، ويقع البراز والمباراة بينهما، وكثيرا ما تكون الغلبة لحاكم الوقتالمسيطر عليه، وتصير انسانيته مغلوبة مستعمرة ومستخدمة له، فيصير الانسان حيوانامستقيم القامة يمشي على رجلين، وقلما يكون الفوز والنصر في هذه المباراة الداخلية للجزءالانساني.
لقد اقتضت الحكمة الالهية والرحمة الواسعة ان تنتصر الانسانية; لتتيح لها الغلبة والفوزعلى الحيوانية، فبعث الانبياء والرسل تاييدا للانسانية، ورحمة من الله تعالى بالبشرية مندون ان يكون لذاته المقدسة نفع في ذلك وطلب عوض، وذلك رحمة منه تعالى بالبشر، فلواستولت الهمجية البهيمية على كافة البشر لما انتقص من مقامه المقدس شيء، كما لو سادتالانسانية على البشر جميعا لما ازدادت ذاته المقدسة الا رحمة وفضلا.
فارسال الرسل قد نجم من شدة رحمته تعالى للانسان; ليصير سعيدا في حياته، ورابحا فيتجارته، فان الرحمة هي الاعطاء والانعام من دون انتظار عوض.
وغير خفي ان دعوة الانبياء والرسل انما تكون بالارشاد والتوجيه، لا بضغط واكراه، فهميهدون السبيل، ويكون البشر احرارا في سلوكهم السبيل.
اذن الانبياء سفراء الله الى الخلق، وانصار للعقل الانساني بعثهم الله الى الخلق للقيامبالقسط، وذلك هو الهدف الاسمى لهم، وانما يتحقق ذلك اذا سلك البشر الصراط المستقيم.
ولما كان الواجب على كل سفير ان تكون معه وثيقة تشهد بصدقه في السفارة،ولايستطيع احد ان يدعي السفارة كاذبا، فاقتضت الرحمة الالهية ان يعطي كل سفير منسفرائه وثيقة تشهد بصدقه، وتلك الوثيقة المصاحبة لكل نبي تجب ان تكون موشحة بوشاحمن الله، لتكون آية صدقه، وبينة لصحة دعواه بحمله الرسالة من ربه.
وقد سميت تلك الوثيقة في لسان القرآن بالآية، وفي لساننا بالمعجزة، وان الآيات الدالةعلى صدق الانبياء اقسام: قسم من مقولة الكلام كالقرآن لنبينا محمدصلى الله عليه وآله، وقسم من مقولةالافعال كاحياء الاموات، وشفاء المرضى للمسيح.
وكل هذه الاقسام متفقة في ان البشر قادر على ان ياتي بمثلها. ومن الآيات التي كانت معابراهيم الخليلعليه السلام صيرورة نجاته من النار الموقدة في زمان اقصر من الآن بردا وسلاما عليه،كانت النار اوقدت في ساحة عظيمة من الارض، ولا يستطيع احد ان يقربها، فضلا عن انيمسها، ولذلك وضعوا الخليل في منجنيق بعيد عن النار ورموه الى وسطها، ومن الآيات التيكانت مع موسى الكليم صيرورة عصا من خشب - حية كبيرة تسعى في الارض في لحظة القائها.
وكل واحدة من هاتين الآيتين حقيقة كونية واقعية لا ريب فيها، وكانت منفصلة عنوجود النبي، ومصدقة له.
ولكن قسما من الآيات التي كانت للمسيح، وشهدت بصدق دعواه، الرسالة التي كانت فيذاته المقدسة، فالمسيح بنفسه آية، بل آيات وآيات. خلقته وولادته من دون اب هما آيتانعظيمتان. وخلافان لسنن الكون. وتكلمه في المهد ساعة الولادة مثل كهل عبقري آيةعظيمة. وقد جعله الله آية للناس. واخباره عن نفسه بانه عبد الله، وانه الذي اوتي الكتاب،وانه النبي المبعوث من جانب الله آية من الآيات. وتميز طفل ساعة الولادة مفاهيم هذهالالفاظ وذكر بعضها قبل بعض آية من الآيات. واسناد عبودية الله الى نفسه واسناد الكتابوالنبوة الى ربه آية كبرى. وامثال هذه الآيات مستحيلة على الخلق كلهم، فضلا عن فردمنهم. فهو النبي الذي ارسله الله الى الخلق.
فهل هناك وثائق اصوب واحكم من هذه الوثائق الموشحة بتوشيح الله فمن آمن بالمسيحآمن بالله، فمن كفر بنبوته وجحد رسالته فقد كفر بالله، فان المسيح هو الممثل والسفير الكبيرلله على الناس. امره امر الله، نهيه نهي الله، طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، ولهالولاية المطلقة في عالمي الكون والشرع.
وكذلك كان الانبياء ورسل الله المقدسون، فهم الخدام للبشرية خدموها اشرف خدمةمن دون ان يطلبوا اجرا; فان اجرهم على الله. فاكرم باشرف خادم في اشرف خدمةلمن دونه في الشرف.
ولما قام المسيح بالدعوة ودعا بنياسرائيل ليتركوا عبادة الخلق لعبادة الحق لم يلبوادعوته، وجحدوا بها، وكافحوه، وكفروابه، واقاموا بوجهه الحرب.
فلما احس منهم ذلك وراى ذاته المقدسة غريبة طلب انصارا للدفاع عن نفسه، وعندعوته، فقامتبنصره شرذمة قليلة تسمى بالحواريين، وقالوا: نحن ننصرك وعددهم لا يزيدعلى اثني عشر.
وآمنتبه طائفة من بنياسرائيل، ولكنهم لم يعدوه بالنصر، فلم يلحقوا بتلك الفئةالمقدسة المسماة بالحواريين.
وكفرت به طائفة فاعلنت الحرب على الطائفة المؤمنة، فكانت الغلبة للكافرين لولا انايد الله المؤمنين بالنصر، فغلب الايمان الكفر، والحق الباطل، ووقع نظير ذلك في الاسلام فيغزوة بدر; اذ كان عدد المشركين المناوئين لرسول الله ثلاثة اضعاف المؤمنين، ولكن الله نصرنبيه والمؤمنين، فكانت لهم الغلبة على المشركين.
«لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يبنى اسرءيل اعبدواء;ثاظظالله ربي وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وماويه النار وما للظلمينمن انصار لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلثة وما من اله الا اله واحد وان لم ينتهواعما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم افلا يتوبون الى الله ويستغفرونه واللهغفور رحيم ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل وامه صديقة كاناياكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الايت ثم انظر انى يؤفكون» (6) .
«لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم».
ظاهر التعبير بالموصول ان قسما ممن يتبع المسيح قالوا بهذا القول. ويقصد من الكفرما يقابل الايمان، تقابل العدم والملكة. والايمان: هو الصراط المستقيم، فالكفر: هو الانحرافعن ذلك الصراط. فالايمان واحد وللكفر انواع واصناف. منها: القول بان الله هو المسيح بنمريم. والقائل به من يعد نفسه من اتباع المسيح.
وهذا القول يشتمل على التضاد المستحيل، فان الله الواجب الوجود الغني عن كل شيءيستحيل ان يكون ابن مريم. فان ابن مريم محتاج في وجوده الى امه مريم، فنعتهم للمسيحبابن مريم هو ضد لقولهم: انه الله، فهو القول الباطل، ولله الحجة البالغة.
وهل تصح نسبة الالوهية الى انسان مخلوق، وابن انسان مخلوق؟ فان كانوا عارفين بفسادقولهم فكيف يقولون به؟
واذا كانوا غير عارفين ولا يلتفتون الى فساده والى ما يستلزم من الكفر القبيح فيجبان يعلموا ذلك، ويخرجوا من هذا الراي الفاسد الذي هو الكفر، فهم ليسوا باتباع المسيح، فانهالقائل: «اعبدوا الله».
ومن اعجب الامور. ان المسيحعليه السلام قد وقع بين شدة عداء اليهود المناوئين له والذين قالوا:هو المولود من الزنى، وبين شدة غلو المحبين له، فقالوا: «انه الله». فذاك افراط، وهذا تفريط،وكلاهما باطلان خلاف الحق وانحراف، ومن خصائص القرآن الكريم انه المكذب لكل منالطائفتين، فكل منهما منحرفة عن الخط الحق والصراط المستقيم. والانحراف باطل، سواءاكان الى اليسار ام الى اليمين.
«وقال المسيح يبني اسرءيل اعبدوا الله ربي وربكم».
دعاهم المسيح الى عبادة الله ربه ورب بنياسرائيل، فانه تعالى هو الذي يستحق العبادة;لانه رب الخلق اجمعين، فكل الناس مربوبون له، ولا تجوز العبادة لغيره، فانه لاتجوز عبادةالمربوب.
ونستفيد من هذه الآية ان بنياسرائيل قد انحرفوا عن شريعة موسى، وكانوا يعبدونغير الله، وقام المسيح لارجاعهم الى عبادة الله، ثم ان في قوله تعالى: «ربي وربكم» دلالةعلى ان رب الكل واحد، فقول بعض اكابر العرفاء: ان لكل شخص ربا خاصا، وهو اسم مناسماء الله يغاير رب شخص آخر، وانه يجب ان يكون الشخص مرضيا عند ربه لا عند ربغيره، خلاف الحق وخلاف القرآن.
«انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وماويه النار».
لم يكتف المسيح بالامر بعبادة الله، بل انذرهم وهددهم بان من يشرك بالله يكن محرومامن دخول الجنة.ولم يكتف بذلك ايضا، بل اكده بقوله: «وماويه النار»، والسلب والايجابيفيدان معنى واحدا، ان المشرك لا يدخل الجنة، ومرهون بالنار خالدا فيها، فان الماوى يفيدالخلود، ثم ان امره بعبادة الله لا يخص بنياسرائيل، بل يشمل الذين اتبعوه، فلا يعبدون، فانهمربوب ولا عبادة الا للرب.
«وما للظالمين من انصار».
من اشرك بالله فهو ظالم باقبح اقسام الظلم، ولا ناصر للظالم، فان النصر لا يكونللمظلوم، ومن اشرك في عبادته غير الله فلا ينصره الله، ولا يجد من ينقذه من النار.
«لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلثة».
وذلك هو النوع الثاني من الكفر، فقد تبين ان للكفر انواعا واصنافا، وان الحق واحدلا تعدد فيه، وقد سمى ذلك ب : «القول بالتثليث» بان يكون كل واحد من الثلاثة الها: الاب،والابن، والروح، ثم يقولون بانهم اله واحد. واذا قيل لهم: كيف يساوي الثلاثة الواحد؟!يكون جوابهم ان ذلك وراء العقل!!
ومثل هذا المذهب ليس بعقلائي; لان اساسه وراء العقل، كما يفتح الباب لاهل الاهواء،والبدع باحداث مذاهب، وتشريعات كثيرة لا يصححها العقل.
«وما من اله الا اله واحد».
ابطال لمذهب التثليث، فالله واحد لا شريك له، وليس لذاته المقدسة كفء، وهذه الجملةهي على الفطرة الانسانية.
«وان لم ينتهوا مما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب اليم».
تهديد وانذار لمن جحد الحق وعانده بعد وضوح بطلان القول بالتثليث.
وكلمة «منهم» تفيد بان القائل بهذا القول فرقة من اتباع المسيح. وان الآية الكريمة في«وان لم ينتهوا» تفيد ان باب التوبة، والعدول عن الباطل، والرجوع الى الحق مفتوح، فذلكوعد لهم بصورة الوعيد، وهذا من لطائف القرآن.
«افلا يتوبون الى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم».
تصريح بذلك الوعد، وتحريض على التوبة، وطلب الغفران، وسد لباب الياس على الكافروالمشرك والعاصي. فان الله تعالى يقبل التوبة، ويتبسم لوجه التائب، فهو غفار الذنوب،وذلك من شدة رحمته بخلقه، فلم يسد باب التوبة والاستغفار لهم; فانه غفور رحيم، لقد وصفذاته المقدسة بالوصفين بصيغة المبالغة.
«ما المسيح ابن مريم الا رسول قد خلت من قبله الرسل».
فالمسيح ابن مريم يحتاج في وجوده الى امه، فلا يستحق الالوهية; لانه عبد مخلوق مالوه،وليس باله، ولا بشريك في الالوهية، بل هو رسول كبقية الرسل السابقين له، فهو الداعي الىعبادة الله وحده، كما ان جميع الرسل كانوا داعين لعبادة الله.
فلم يدع المسيح الى عبادة نفسه، كما ان رسولا من اولئك الرسل لم يدع الى عبادة نفسه،فكلهم دعوا الى عبادة الله، وكلمة التوحيد كانتشعارا لجميع الانبياء والمرسلين، وكانافتتاح دعوتهم بها.
«وامه صديقة كانا ياكلان الطعام».
لم يستحق المسيح ولا امه للعبادة; فانهما كانا محتاجين لحفظ حياتهما باكل الطعام، وانالذي يستحق العبادة غني في ذاته عن غيره. والمسيح بنفسه كان يعبد الله كما ان امه الصديقةكانت تعبد الله، فلم تعبد ولدها، كما لم تعبد نفسها ولم يعبد المسيح امه.
ونستفيد من الآية ان قوما جعلوا مريم احد الثلاثة، والبسوها ثوب الالوهية، وذلكباطل; فان مريم تلد وتولد، والله لم يلد ولم يولد، وهي تاكل الطعام، وتحتاج في حفظ حياتهاالى جماد، ولا احتياج في ذات الله المقدسة، فهو الغني بالذات دون غيره، والناس كلهم فقراءالى الله، وان المسيح وامه داخلان في زمرة الناس ياكلان الطعام، كما ان الناس ياكلون الطعام.
«انظر كيف نبين لهم الآيات».
الخطاب لمن نزل عليه القرآن وهو محمدرسول اللهصلى الله عليه وآله، فيامره بالنظر في ما بين الله وبينخلقه، وانه تعالى من شدة رحمته بالخلق لميكتف بمجرد الدعوة بارسال الرسل المصحوبينبالمعجزات والكرامات، بلاستدل لبيان الحق بالبراهين القاطعة والحجج الواضحة،وتوجيههم الى ما يصحح عقولهم ليتبين فساد اقوالهم، وما اتخذوه من آرائهم، فالدعوة الىعبادته مستدلة بالحجج العقلية والبراهين الجلية، فلم تكن الدعوة قولا بلا بينة وبرهان.
«ثم انظر انى يؤفكون».
انهم بعد معرفة هذه البراهين والآيات لجوا في طغيانهم، ولم يؤمنوا بها، وتمادوا في كفرهم،وكذا يكون صنف من البشر يعرفون الحق ويجحدونه، ويرون الباطل ويحبذونه! وهل ذلك الانوع من الانتحار في الآراء والمعتقدات، ولا يخلو من السخافة والحمق؟
فان المنتحر يعانق الانتحار عند الاضطرار والياس في كل جانب، وهؤلاء مختارون غيرمضطرين، مفتوحة عليهم ابواب الرجاء والنجاح، وهم يعرفونها، فهلترى اسوا حظا منهم؟!
«اذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك اذ ايدتكبروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا واذ علمتك الكتب والحكمة والتورية والانجيلواذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتنفخ فيها فتكون طيرا باذني وتبرئ الاكمهوالابرص باذني واذ تخرج الموتى باذني واذ كففتبني اسراءيل عنك اذ جئتهم بالبينت فقالالذين كفروا منهم ان هذا الا سحر مبين» (7) .
«واذ قال الله يعيسى ابن مريم».
يكون هذا القول يوم يجمع الله الرسل بشهادة الآية السابقة، ولعل ذلك يوم القيامة،خص النداء المسيح للمسيح حتى لا يشاركه احد في هذا النداء.
والآية محتوية على ذكر نعم الله على المسيح وعلى امه، وان النعمة على الام نعمة على ابنها،وكان هذه النعم من البشائر التي بشرت بها مريم، بان الله يعطيها ولدا يكون محلا لهذه النعم.
فان اعطاء مثل هذا الولد افضل نعمة على الام، ونعم الولد نعمة على الام، والاخبار بهالمريم بشارة لها، وتذكارها لعيسى وحكايتها في القرآن تاكيد لوقوعها، وتشييد لرسالة عيسى،وانه المرسل من جانب الله ليكون الايمان بمحمدصلى الله عليه وآله ايمانا بعيسىعليه السلام.
«اذ ايدتك بروح القدس».
تاييد الله للمسيح بروح القدس كان من ساعة ولادته; ليستطيع ان يكلم الناس في المهد،ويكون الطفل الذي في المهد نبيا، حكيما، فصيحا، بليغا، كما يكون كذلك كهلا، ولايمكن ذلكلغيره ممن كان او يكون في المهد، فالتاييد بروح القدس من نعم الله على عيسى بن مريم.
«تكلم الناس في المهد كهلا ».
وقوع هذه الجملة عقيب ذكر التاييد بروح القدس بلا فصل يفيد تفسيرا للتاييد،وبيانا له، فالتكلم في المهد كان من تاييد روح القدس، كما ان وحدة كلامه في المهد، وكلامهكهلا من دون ادنى اختلاف كان من ذلك التاييد.
وان النبي المرسل - عند صيرورته مامورا بالرسالة - كان يكرر ما ارسل به بحسباقتضاء الوقت والزمان، فكان المسيح يكرر كلامه حين كان كهلا بما اخبره حال كونه في المهدساعة ولادته، ولم يعرضه النسيان، ولا التغيير في كلامه، وذلك من تاييد روح القدس.
«واذ علمتك الكتاب والحكمة والتورية والانجيل».
صعود من مقام كونه مؤيدا بروح القدس - وهو رسول من الله - الى مقام صيرورته متعلمامن ربه بلا واسطة بينهما، ولعل التاييد بروح القدس اعطاءه هذه القابلية; فان هذا المقاماشرف مقام، وافضل مرتبة لنبي من الانبياء، وقد مر تفسير الكتاب والحكمة.
«واذ تخلق من الطين كهيئة الطير».
وقوع هذه الجملة عقيب تعليم الكتاب يفيدنا ان ذلك مما علمه الكتاب، ومما اعطاهالاستاذ العظيم لتلميذه الكريم بشهادة كلمة «باذني»، وكذلك ابراء الاكمه والابرص.
«واذ تخرج الموتى باذني».
مجيء الاخراج مكان الاحياء يفيد شمول الاحياء للموتى المقبورين بافاضة الحياة لهم،فكان هناك خارقتان للعادة بنفس الامر الصادر من المسيح: حياة الميت، وشق القبرالمبني عليه.
وغير خفي ان فعل المضارع يفيد صدور هذه الآيات من المسيح مكررا لا صدورهاء;چپظظمرة واحدة.
«واذ كففتبنياسرءيل عنك».
وهم الذين جحدوه، ونصبوا له العداء، وعزموا على قتله، فكف الله شرهم عنه، كما قالتعالى: «وايدنا الذين ءامنوا على عدوهم فاصبحوا ظاهرين».
«فقال الذين كفروا منهم ان هذا الا سحر مبين».
هذا القول يكشف عن شدة عدائهم للمسيح وللمؤمنين به، فان من يرى ابراء الاكمهوالابرص واحياء الميت ولا يؤمن به، ويقول: هذا سحر مبين، ان هذا الا كفر واضح، بل وفوقالكفر انكار للبديهة والعقل.
پىنوشتها:
1) آل عمران (3) الآية 49 - 51 .
2) طه (20) الآية 24 .
3) طه (20) الآية 70 .
4) آل عمران (3) الآية 51 - 54 .
5) الصف (61) الآية 14 .
6) المائدة (5) الآية 72 - 75 .
7) المائدة (5) الآية 110 .
«اذ قال الله يعيسىاني متوفيك ورافعك الي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذيناتبعوك فوق الذين كفروا الى يوم القيمة ثم الي مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم فيهتختلفون فاما الذين كفروا فاعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والاخرة وما لهم من نصرين واما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم اجورهم والله لا يحب الظلمين ذلكنتلوه عليك من الايات والذكر الحكيم» (1) .
«اني متوفيك ورافعك الي».
الآيات الثلاث مشتملة على بشائر من الله، ووعود للمسيح واتباعه، كما تحتوي علىايعاد ووعيد لمن جحده وخالفه فنقول: التوفي: هو اخذ الشيء اخذا تاما. توفيت من فلانمالي عليه: اذا اخذته اخذا تاما، فهو مطاوع التوفية، يقال: وفى حقه اذا اعطاه اياه تاما، ومنهقوله تعالى: «فيوفيهم اجورهم».
وكان المسيح هو المنادى بهذا النداء، والمخاطب بهذا الخطاب، والاخبار من ان الله ياخذهمن اليهود، وينقذه من شرورهم بحيث لا يقدرون عليه، كما يشهد بذلك قوله تعالى:«ومطهرك من الذين كفروا»، والتوفي يتحقق بالحفظ وصونه من الاذى.
كان المسيح حين نزول هذا الخطاب كان مبتلى بهم ومحصورا في ايديهم، فقد وعده اللهبالانقاذ من شرورهم فانجز وعده، وضم الى هذا الوعد وعدا ثانيا اشرف وافضل من هذاالوعد، وهو رفعه الى الله، وذلك اكبر بشارة من الله للمسيح،
وان اسناد الرفع اليه يفيد اعطاء منزلة عظيمة عالمية للمسيح، فان الرفع ليس بمكاني; اذالمكان من خواص الاجسام والجسمانيات، ويستحيل ان يكون الواجب تعالى جسمااو جسمانيا.
«ومطهرك من الذين كفروا».
الكفر: رجس نفسي، وضده الطهارة الذاتية، فوعده الله بوعد ثالثبعد الانقاذ من ايدياليهود الذين هم اعداؤه الارجاس، فوعده الله بتطهيره من تلك الارجاس، وتخليصه منهموتطهيره من قذارتهم، واخراجه من بينهم.
«وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا الى يوم القيمة».
تحتوي الآية الكريمة على نوعين من البشارة: بشارة تخص المسيح وقد تبينت، وبشارةلاتباع المسيح بان لهم التفوق على من خالفهم من الكافرين بنبوته وهم اليهود.
ولعل التفوق هو التفوق السياسي الاجتماعي لاتباع المسيح، كما نراه الآن مسيطرا علىالعالم. وسياق الآية مشعر بان هذا الجعل بدا من ذلك الزمان ومجعوله مؤيد ينتهي بانتهاءالعالم، فوقع اليهود منذ ذلك العصر حتسيطرة اجتماعية لامة المسيح الى يوم القيامة، ولولااعانات تلك الامة لهم لما كان لهم في العالم عين ولا اثر.
وغير خفي ان امة المسيح بشعوبها المتعددة اكثر افرادا، واشرف علما، واقوى قدرة مناليهود، بل كل شعب من شعوبهم متفوق عليهم، وقائم على نفسه بخلاف شعب اليهود، فانهقائم على غيره من شعوب امة المسيح.
ثم ان الوعدين يختلفان، فالوعد الذي كان للمسيح بذاته كان وعدا معنويا نفسيا ذاتيالا يصل الى معرفة حقيقته احد الا الواعد والموعود; وهو الذي كان المسيح يطلبه ويعتبرهالغاية القصوى له ولغيره من اهل المعارف والسلوك، وطلاب الحقائق والكمال.
ولكن الوعد الذي بشر به اتباع المسيح امر دنيوي شاهد واقع قبالة اعين الناس، فانهمبحسب المقام والمنزلة والرقي الانساني ليسوا في طبقة المسيح، وتكون الدنيا لهم الهدفالمرموق، فوعدهم الله باعطائهم ذلك الهدف، وايصالهم الى تلك الغاية، وقد وصلوا.
«ثم الي مرجعكم فاحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون».
التفات من الخطاب للمسيح الى الخطاب لمجموع الثلاثة في الآية وهم: المسيح، والذيناتبعوه، والذين كفروا به. واخبرهم بان من ارسل المسيح هو المرجع في جميع امورهم، وذلكبشارة للمطيع، وانذار للعاصي باعطاء كل منهما جزاء عمله.
ثم امر المسيح بان يكون حاكما على الكل وللكل، فيكون حكمه حكم الله; لانه القاضيبالحق عند اختلاف الناس في امورهم بين المؤمن والكافر، والسعيد والشقي.
«فاما الذين كفروا فاعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة».
تفصيل لموجز قوله تعالى: «الي مرجعكم» ويفيد انه تعالى ضامن لتنفيذ حكم المسيحواطاعته. فمستقبل من ابى وخالف ولم يؤمن به هو العذاب الشديد في الحال، وهو الذلة فيالآخرة، وهي النار.
«وما لهم من ناصرين».
ان الناصر غير المنصور، فلا نصرة للكافر عند عذاب الله من مؤمن; اذ الكافر داخل فيزمرة المعذبين.
«واما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم اجورهم».
تتمة التفصيل لاجمال قوله تعالى: «الي مرجعكم»، لما كان الله تعالى اولا قبل كل اولوآخرا بعد كل آخر فالله هو المرجع سواء كان للمؤمن ام للكافر، فهو كما كان مرجعا لافعالالكافرين واقوالهم وكان لهم الوعيد، كذلك ذاته المقدسة مرجعا لافعال المؤمنين واقوالهموكان لهم الوعد بتوفية الاجر بلا نقص، وقد اكتفى في الآية بلفظ «الكفر» في الكافرين، فان«الكفر» حقيقته شر، والكافر شر في نفسه، وشر في قوله، وشر في عمله.
ولكنه لم يكتف من المؤمنين بمجرد الايمان، بل ضم اليه العمل الصالح; فان الايمان صفةقلبية لا جزاء لها، فان الاجر والجزاء للفعل الخارجي; اذ العامل يستحق الاجر بعملهلا بفكره، فمن آمن وعمل صالحا يستحق الاجر من الله، ويوفي الله اجره.
وقوله تعالى: «عملوا الصالحات» من قبيل التفسير لقوله تعالى: «الذين اتبعوك» فانالاتباع لايتحقق الا بالعمل بعد الايمان.
وان المطلوب عند الله ان يكون الباطن والظاهر كلاهما طيبين طاهرين، فالايمان طهارةالقلب وهو الباطن، والعمل الصالح طهارة القول والفعل، وما اسعد مجتمع يكون افرادهمتصفين بطهارتين، ومنزهين عن قذارتين!
«والله لا يحب الظلمين».
الحب في البشر صفة قلبية، انه يهدي المحب ويرشده الى ما كان محبوبا له في القول والفعل،ولكن حب الله صفة خارجية، وذلك توفية اجور عباده امام عملهم الصالح الخالي من الظلم،والعاري عن الجور.
فليس لغير من آمن وعمل صالحا اجر عند الله، فان الكافر بقصده وارادته جعل نفسهمحروما من الاجر الالهي، فهو ظالم لنفسه; فلا يكون موردا لحب الله له، ولا مستحقا لهذهالنعمة العظمى.
«ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم».
التفات جديد من الخطاب للمسيح الى الخطاب لمحمدصلى الله عليه وآله، فهو تعالى يتلو الآياتالخارقة للعادات، الواقعة في حياة الانبياء السابقين لحبيبه محمدصلى الله عليه وآله، وكذا يذكر احوالاقوالهم ممن آمنوا به وممن كفروا; ليكون توجيها وارشادا الى من اتبع حبيبه.
ان قصص القرآن مرشدة وموجهة للقارئ لما فيهامن الصلاح والرشاد، وان الخطاب- وان كان للرسول ولكنه - من باب اياك اعني واسمعي يا جارة. ولعل في تعبيره عن القرآنب «الذكر الحكيم»، اشارة الى ذلك.
فاعلم ان الدعوة والارشاد قد يكونان بلسان الخطاب فيكون المدعو والمرشد له عارفينبانه المقصود بالدعوة فيقبلها او يجحدها، وقد لا يكون بلسان الخطاب ليصير الارشاد غيرملتفت اليه، ولا يتحقق فيه الانكار، وذلك يتحقق بذكر احوال السابقين، وسرد قصصتاريخية.
والقرآن الكريم مشتمل على كلا النوعين، فقد يدعو بلسان الخطاب، وياتي فيه بخيرالدنيا والآخرة للمخاطب، ويرشده الى سعادة الدارين، وذلك بحسب اقتضاء الحال، وقد ياتيبقصص من الانبياء والامم السابقة; لتصير معرفة حال الغابر عبرة للحاضر فيتاسى بحسنفعاله، ويتنحى عن سوء عمله.
وذلك من اللطائف القرآنية التي اتى بها القرآن، فان في كل واحد من القصص التييسردها عبرة وهداية لمن اراد ان يعتبر ويهتدي.
ومن ذلك ذكر حال المسيح وسائر الانبياء، ودعوتهم، وذكر من لبى دعوتهم، ومنجحدها، فليس القرآن كتاب تاريخ، بل هو كتاب الدعوة والارشاد، وبيان صلاح حال الفردوالمجتمع.
«ياهل الكتب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله الا الحق انما المسيح عيسى ابنمريم رسول الله وكلمته القيها الى مريم وروح منه فامنوا بالله وبرسله ولا تقولوا ثلثةانتهوا خيرا لكم انما الله اله واحد سبحنه ان يكون له ولد له ما في السموات وما فيالارض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله ولا الملئكة المقربونومن يستنكف عن عبدته ويستكبر فسيحشرهم اليه جميعا فاما الذين ءامنوا وعملواالصلحت فيوفيهم اجورهم ويزيدهم من فضله واما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهمعذابا اليما ولايجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا » (2) .
«ياهل الكتاب لا تغلو في دينكم».
المنادى بالخطاب الالهي هم المسيحيون، فانهم اهل الكتاب النازل من الله وهو التوريةعلى موسىعليه السلام، والانجيل على عيسىعليه السلام، والنداء يفيدنا بان المسيحي - لكونه مناهل الكتاب، وعارفا بما فيه - يجب ان لا يكون منحرفا عن الحق; لانه من اهل الكتاب.
قال علماء الادب: تعليق الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فهو يدري ببطلان الانحراف.وان الغلو هو الغلاء في الراى والعقيدة، وادخال ما ليس في المعتقد تعصبا، وذلك باطلوانحراف عن الحق والصراط المستقيم، فانه زائد على ما نزل في الكتاب، والقول الحق هوالذي نزل في الكتاب واهله عارفون به فهم يعلمون ان الله منزه عن الشريك والولد.
«انما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله».
بيان للقول الحق، ونفي للغلو، ووصف عيسى بابن مريم يبين المراد من المسيح، لئلا يكونفي الكلام سبيل الى التاويل، كما يبين ان المسيح انسان مخلوق، ولدته امه وهو رسول منجانب الله، وان الرسول يجب ان يكون من جنس المرسل اليه، فهو بشر كبشر، كما قال اللهتعالى: «قل لو كان في الارض ملئكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم ملكا رسولا » (3) .
«وكلمته القاها الى مريم».
«كلمته» عطف على رسول الله ويفيد ان المسيح مضافا الى كونه رسول الله فهو كلمة اللهالتي القيت الى مريم، فهو البشر المولود بلا اب، وولدته مريم بلا بعل، وذلك فعل يعجز عنهالبشر، فالمسيح بذاته معجزة، انه انسان وجد من غير وساطة اب ولا نطفة.
و«الكلمة» من صفات الالفاظ وهي مخلوقة المتكلم بلا واسطة، والمبينة لمراده، وكذا كانالمسيح، فانه مخلوق لله بلا واسطة، فوجوده كلمة الله، مخبر عن الله وعن قدرته وعلمهوحكمته; اذن كلمة الله من مقولة الفعل بخلاف سائر الكلمات، فانها من مقولة اللفظ.
قد خص المسيح بين الانبياء في القرآن بوصف «كلمة الله» ولم يوصف بها نبي غيره،كما انه خص بينهم بالولادة من غير اب، فان انبياء الله لم يكونوا كذلك، انهم ولدوا منامهاتهم وآبائهم، وكانت الوساطة بينهم وبين الله كثيرة بخلاف المسيح، اذ لم يكن بينه وبينالله وساطة، ولذا صار «كلمة الله» دون غيره من الانبياء.
وذلك يكشف عن سعة قدرة الله، فكما انه قادر على خلق بشر من اب وام وجعله عادةكونية، كذلك هو قادر على خلق بشر من دون اب وهو المسيح، كما انه قادر على خلق بشربلا اب و ام وهو آدمعليه السلام، ولم يوصف آدم بكلمة الله; اذ لم تلق على احد، ومن مميزات الكلامالقاؤه الى احد، ومالم يكن هناك احد فليس للكلام وجود; فقد تبين ان المسيح دون غيره منالانبياء قد خص بهذا الوصف.
«وروح منه».
عطف على «كلمته» مع اختلاف يسير، فان «الكلمة» اسندت اليه تعالى بلا وساطةحرف الجر، ولكن الروح اسندت اليه بوساطة حرف الجر (من)، فالاسنادان مختلفان، يفيدكل منهما معنى غير الآخر. وليس المراد من «الروح» ما تقابل الجسد التي بها حياة الجسد;فانها مستحيلة على الله الواجب الوجود. ولفظة «من» تفيد صدورها منه. كما ان لفظة«كلمة» مفيدة لذلك، ولم يكتف في الآية بقوله تعالى: «وكلمته»، بل عطف عليها انها روحمنه وصادرة عنه، لئلا يتوهم احد ان كلمة الله من قبيل كلمات البشر، حية ميتة لا روح لهاخالية من الحياة، فعطف عليها الروح لافادة ان تلك الكلمة روح صادرة من الله فهي واجدةللحياة، بل هي نفس الحياة.
وقد تبين فيما مضى ان الروح من قبيل الحياة، ونوع فعل من افعال الله، ومجردة عن المادةولوازمها، ولكن المادة تقبلها، فاذا القيت الى مريم تلبستبالمادة عند حلولها فيها فصارتانسانا من اشرف افراد الانسان. فالمسيح رسول الله، وكلمته، وروح منه.
«فامنوا بالله ورسوله».
تفريع لما قبله واستنتاج منه، فاذا كان المسيح رسول الله وكلمته وروح منه، فآمنوا باللهولا تشركوا به، وآمنوا برسوله المسيح، ولاتجعلوه شريكا لله.
«ولا تقولوا ثلاثة».
تاكيد بعقد سلبي بصيغة النهي بعد الامر بالايمان بالله ورسوله بعقد ايجابي بصيغة الامر،وتلك دعوة التوحيد والرسالة، فالقول بالثلاثة باطل، فان النهي عنه نهي تكويني عبر عنهبالنهي التشريعي، وكثيرا ما يكون التشريع متحدا مع التكوين، كما وقع ذلك مع المسيح.
«انتهوا خيرا لكم».
الانتهاء: امتثال للنهي الصادر بقوله تعالى: «لا تقولوا» فرفض للقول بالثلاثة، والايمانبالله خير لامة المسيح، كما ان القول بالتثليثشر لهم، وفيه ارشاد الى ان الله بذاته المقدسةلا ينتفع من ايمانهم ولا يتضرر بكفرهم. وان التي تتضرر من هذا وتنتفع من ذاك انفسهم دونغيرهم.
«انما الله اله واحد سبحانه ان يكون له ولد».
ان الالوهية محصورة في ذات الله التي لا شريك له فيها، وانه اجل من ان يكون له ولد،فان ذلك من صفات المالوه المخلوق.
سبحان: مصدر لباب التفعيل و مفعول مطلق لفعله المقدر، والمقصود بيان شدة تنزههتعالى ان يكون له ولد، فليس المسيح ابن الله، بل هو رسول الله، وكلمته، وروح منه.
«له ما في السموات وما في الارض».
اللام الداخلة على الضمير الراجع الى الله تعالى تفيد الملكية الحقيقية الخاصة بالله،وليس للبشر مثل هذه الملكية، بل له الملكية الاعتيادية، فما في السماوات والارض مملوك لهتعالى حقيقة; لانه مخلوق له، وان المسيح مملوك له تعالى لا ابنه.
قوله تعالى: «له ما في السموات» كناية عن العالم كله وهو ما سوى الله، والسماواتوالارض داخلة في العالم.
«وكفى بالله وكيلا ».
الوكيل: من القي الامر اليه لثقة في عقله وحكمته، فمن القى زمام امره الى الله يرشده الىما هو خير له; بشهادة قوله تعالى: «خير لكم».
«لن يستنكف المسيح ان يكون عبدا لله».
كان المسيح يعترف بكونه عبدا لله، وقد اقر - مكررا - بان الله ربي وربكم، كما انه امربعبادة الله بقوله: «فاعبدوه» بعد ذلك الاقرار، فلا يابى ان يكون عبدا لله، فهو معترفبكونه عبدا لله، وكان يصرف عمره في عبادة الله، ويدعو قومه الى عبادته، وهذه الدعوة مناصناف عبادة الله.
وغير خفي ان عبادة المسيح لربه تكشف انه ليس بولد له، ولا مثله، ولا احد الثلاثةالذين هو احدهم; اذ لا معنى لعبادة الولد لوالده، ولا لعبادة من هو مثله في الالوهية والربوبية،كما لا معنى لعبادة احد لنفسه، فان المقصود بالعبادة هو ان تكون لغير العابد به، فلا معنى لعبادةاحد الثلاثة لمن هو مثله; لان الغاية من العبادة الكمال الذي يحصل للعابد بسبب عبادته، فاذاكان المعبود نفسه او من هو مثله فلا يحصل ذلك الكمال.
«ولا الملئكة المقربين».
ان الملائكة كلهم مخلوقون لله، ولهم انواع واصناف، كما ان لهم مراتب ودرجات بحسبالرتبة والشرف والفضل، وافضلهم الملائكة المقربون، فانهم عباد الله المطيعون لاوامرهونواهيه، فمنهم ركع لا يسجدون، كما ان منهم سجدا لا يركعون، ولا يتخلفون عن اوامرهونواهيه مقدار عشر شعرة، كما ان الملائكة ليسوا ببنات الله - كما زعمت جماعة من مشركيالعرب - اذ الابن والبنت من صفات البشر المملوك لله ومخلوق له، وان الله تعالى ليس ببشرليكون له ابن او بنت، فهو مالك للبشر وخالقهم.
«من يستنكف عن عبادته فسيحشرهم اليه جميعا ».
فيرى المستنكف عن عبادته جزاء استكباره وهو الرفض لعبادته، وحرف السينالداخل على الفعل المضارع يفيد قرب ذلك الحشر ويقينيته.
«واما الذين ءامنوا».
تفصيل لبيان الحشر الى الله فيجزي الذين آمنوا ويوفيهم اجورهم التي حددها لهم،ولا يكتفي بذلك بل يزيدهم من فضله وقد تفضل بهذا الوعد في القرآن مكررا، وقد تبين اناليه مرجع الجميع بقوله تعالى مخاطبا للذين اتبعوا المسيح: «الي مرجعكم».
«واما الذين استنكفوا واستكبروا».
فيجازيهم بالعذاب الاليم، وليس لهم ولي ولا نصير ينقذهم من العذاب. وقد سكتتالآية الكريمة عن الصنفين الباقيين: الذين آمنوا ولم يعملوا الصالحات، والذين استنكفوا عنعبادته جهلا واستضعافا لا استكبارا.
ولعلهم يجدون وليا ونصيرا ينقذهم من العذاب، وتشملهما الشفاعة، ومفهوم الجملة خيرشاهد لما ذكرنا.
«ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ».
ذلك من قبيل قوله تعالى: «وما للظالمين من انصار» الذي جاء في القرآن مكررا عندالاخبار عن مجازاة الظالمين.
ويمكن الاستفادة بمفهوم الوصف ان هناك اصفياء من قبل الله يكونون اولياء وانصارالا يستحقون العذاب وان لم يكونوا مستنكفين عن عبادة الله، واولئك هم الذين يصيرونشفعاء بين الله وبين هؤلاء.
«اذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة منالسماء قال اتقوا الله ان كنتم مؤمنين قالوا نريد ان ناكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم انقد صدقتنا ونكون عليها من الشهدين قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا انزل علينامائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وانتخير الرازقين قال اللهاني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فانى اعذبه عذابا لا اعذبه احدا منالعلمين» (4) .
«اذ قال الحواريون».
«اذ» ظرف زمان متعلق بفعل مقدر، والتقدير: «اعلم» او «اذكر» والمخاطب به نبينامحمدصلى الله عليه وآله نظير الآيات السابقة التي كانت مصدرة بكلمة «اذ».
«هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء».
المائدة: خوان فيه طعام.
والمتبادر من الاستفهام جهل المستفهم بما يستفهم به، وذلك لا يناسب صدوره عنالحواريين، وهم السابقون الى الايمان بالله ورسوله، فانهم اقروا بذلك عند دعوة المسيح مرة،وعند وحي من الله مرة، وطلبهم شهود ايمانهم من الله ورسوله، وتلبية هذا الطلب من اللهورسوله، ثم اجابتهم لطلب النصرة من المسيح، وقولهم نحن انصار الله.
فان من له هذه المنزلة الكبرى من الايمان يعلم ان نزول المائدة في استطاعة الله، فان اللهعلى كل شيء قدير، فلا يسال عن استطاعة الله.
وقد يفيد ذيل الآية الكريمة ان الحواريين كانوا عالمين بان مسؤولهم في استطاعة الله، وانمطلوبهم يتحقق بقدرة الله، واليك قولهم في ازاء عتاب المسيح: «نريد ان ناكل منهاوتطمئن قلوبنا ونعلم ان قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين».
فطلبوا الاكل منها للعلم بصدق المسيح وهم كانوا عالمين به، وسالوا ان يشاهدوا ما كانوايؤمنون به، فكان لهم علم اليقين فطلبوا عين اليقين.
وبعبارة اخرى: كانوا عالمين بذلك نظريا فطلبوا ان يعلموه بديهيا، ثم ان تعبيرهم بخطابالمسيح بقولهم: «ربك» لا يليق بشانهم، فان مثله لا يصدر عن مؤمن بالله ورسوله، فضلا عنمثل الحواريين الذين هم في اعلى مراتب الايمان بالله، اولئك الذين علموا ان المسيح صدقهم;ولذا اقروا بايمانهم مرتين.
ويمكن ان يقال: ان مقصود الحواريين هو السؤال عن تعلق ارادة الله بذلك، فاناستطاعته تعالى عين ارادته ولا انفكاك بينهما، وكان عتاب المسيح لهم من اجل عدممراعاتهم الادب في الكلام حال كونهم مؤمنين بقدرته تعالى على ذلك بشهادة بيانالغرض من سؤالهم، فان ظاهر جوابهم للمسيح انهم كانوا عالمين بقدرة الله، مؤمنين بقدرتهعلى ذلك.
وهناك احتمال لاختيارهم هذا التعبير الذي هو كلام غير مؤمن بالله ان يخبروه بذلك،ويدعوه الى الحق، ويقولوا له بانا سالنا المسيح ذلك، واجيب سؤالنا باحسن جواب، وصرنامشاهدين له.
«قال اتقوا الله ان كنتم مؤمنين».
امرهم المسيح بالتقوى، والنهي عن مثل ذلك القول الذي لا يليق بمن يؤمن بالله،كما يشهد بذلك قوله: «ان كنتم مؤمنين»، مع ان الحواريين كانوا متقين ومؤمنين بلا شك،وكان المسيح عالما بايمانهم وتقواهم، ولكنه حذرهم من كلام لا يناسب صدوره منهم،ويحتمل ان يكون هذا العتاب من باب: «اياك اعني واسمعي يا جارة» ويكون المقصود منالخطاب غير المؤمن، ذاك الذي تكلم الحواريون مع المسيح بلسانه.
«قالوا نريد ان ناكل منها».
احتجاج من الحواريين لسؤالهم من الله ان ينزل المائدة عليهم من السماء، واعتذار منهمامام التوبيخ الذي صدر من المسيح.
ومن الواضح ان طلب الاكل منه ليس من اجل انهم كانوا جياعا فارادوا الاكل للشبع،بل طلبه لحصول ذلك الفخر لهم باكل المائدة السماوية، فان غيرهم لم تحصل له هذه المنزلةفاعتذروا بذلك للتخلص من توبيخ المسيح.
ويحتمل ان يكون ذلك للاخبار بمن لا يؤمن ليقولوا له: نزلت علينا من السماء وقد لمسناها،واكلنا منها وصار امرا بديهيا لنا لا ريب فيه، ونحن نشهد عليها شهادة الحس اليقيني.
«وتطمئن قلوبنا ونعلم ان قد صدقتنا ونكون عليها من الشهدين».
القرائن الثلاث وقعت عطفا على الاكل، وتفيد ان كل واحدة من تلك الاربعة هدفبراسه لطلب نزول المائدة، وهي الاكل، واطمئنان القلب، والعلم بصدق المسيح، وشهودالمائدة.
وكان من الممكن ان تجعل الاغراض الثلاثة مترتبة على اكل المائدة لتكون الآية كذلك:«نريد ان ناكل منها لتطمئن قلوبنا، ونعلم ان قد صدقتنا، ونكون من الشاهدين» ليكون الاكلوسيلة الى تلك الغايات الثلاث، ولكن لم تنزل الآية كذلك، بل نزلت كماترى لتفيد ان كلواحدة من هذه الاربعة هدف براسه، فلا يكون الاكل وسيلة، بل هو الغاية ايضا. ويقصد مناطمئنان القلب سكونه امام المخاطر المنافية للاخلاص، فيكون القلب جبلا راسخا لاتحركهالعواصف.
وان المقصود من العلم بصدق المسيح الذي كان حاصلا لهم هو المرتبة الاعلى منالانكشاف الذي هو عبارة عن العلم، وهو اليقين الحاصل في القلب بعد ازالة الوساوسالنفسانية.
وبذلك تبين ان طلب الشهود ليصير اليقين النظري يقينا بديهيا ملموسا مشاهدا، ليتيحلهم حكاية مشاهدتهم المائدة لغيرهم، فان الشهود غير العلم بان الله قادر على ذلك. فشهودقدرة الله غير العلم بقدرة الله.
«اللهم ربنا انزل علينا مائدة من السماء».
مقول لقول المسيح وابتهاله الى الله; اجابة لطلبهم منه، فلم يتاخر عن تلبية طلبهم; وثوقاباجابة دعواته من جانب الله اتى بقوله: «ربنا» بضمير المتكلم مع الغير فلم يقل: «ربي»،كما قالوا: «ربك». ويفيد ذلك ان ربه ربهم وليس لكل منهم رب خاص، فوافق الدعاءطلبهم، كما ان قوله: «انزل» من قبيل البيان لقولهم: «ينزل»، ويفيد ذلك ان الانزالوالتنزيل جاء بمعنى واحد وهو النزول الدفعي، وصدر المسيح كلامه بقوله: «اللهم» واكدهبقوله: «ربنا» تاكيدا تفسيريا مشعرا بعنايته بمربوبه وسماحه له كذلك للطلب والدعاء.
«يكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا».
كان غرض الحواريين من هذه المسالة انتفاع انفسهم من المائدة انتفاعا ماديا ومعنويا،ولكن المسيح غير الغرض حين سال من الله المائدة وعممه من الاختصاص بالحواريين الىنفسه وامته من الاولين والآخرين، ليتجدد لهم السرور عند حلول ذلك اليوم في كل سنة، فانالعيد يوم السرور الذي يتجدد في كل عام ولا يخص بنسل ولا بزمان، فهو باق ابدا فكل نبييحب امته ويطلب الخير لها، ثم ان طلب نعمة من الله للعموم اقرب الى الاجابة من طلبهاللخصوص، ولما كان المسيح عالما بنزول المائدة ويكون شرفا لامته ولم تتشرف امة من اممالانبياء السابقين بهذا الشرف فيكون نزولها شرفا للاولين والآخرين; لاختصاصهم بهذاالفخر والشرف.
«وآية منك».
الآية في لسان القرآن في مثل هذه المواضع بين الدليل على صحة نبوة نبي بعثه الله الىالخلق، ويكون فعلا يعجز عنه الخلق، ولا يقدر عليه الا الخالق، او من اعطاه الخالق القدرةعلى اتيانه من الانبياء والاولياء. وان نزول المائدة من السماء آية باهرة، وتدل على صحة نبوةالمسيح، ورسالته، وشدة صلته بالرب والقرب منه، فهو آية وحجة قاطعة توجب علم اليقينبصدقه.
«فارزقنا وانتخير الرازقين».
لما كانت في نزول المائدة صلة بالخالق وهي الانزال وصلة بالخلق وهو القابل له، وكانتآية للخالق وغذاء للخلق فكان رزقه الذي ياتيه من قبل رازقه، رتب المسيحعليه السلام علىمسالته سؤالا ثانيا وهو طلب الرزق، فان الحواريين كانوا مرزوقين بالمائدة; لانهم احبواالاكل منها، فاكد كلامه بقوله: «انك خير الرازقين»، فانه تعالى لا يطلب عوضا بدل رزقهللخلق، فهو خير الرازقين من حيث انه رازق ومن حيث انه تعالى رازق الرازقين، فانهمالمرزوقون له، ومن حيث انه لايطلب عوضا عن رزقه.
فانظر الى الادب البارع الجميل للمسيح وقارن بين طلبه وطلبهم وهما واحد، ولكن لفظالسؤال يختلف.
فقد غير سؤالهم المشكوك فيه المصدر في قولهم ب «هل» الى سؤال مقطوع فيه بقوله:«انزل»، واحتج لطلبه بحجة راجعة الى الحق بقوله: «آية منك» ثم اردفه بقوله: «عيدا »لخلقك سرورا وسعادة لهم.
ثم اكمله بسؤال جديد - وهو ليس بجديد - بقوله: «فارزقنا». فان رزق الخلق سيرة اللهتعالى، ثم وصفه بانه «خير الرازقين» لا يرد سائله ولا يخيب آمله ليكون الدعاء اسرع فيالاجابة; اذ ليس المطلوب امرا جديدا بل ما جرى سيرته عليه.
وكان ذلك تعليما للحواريين ليعلموا كيف يدعون الله جل جلاله ويبتهلون اليه، فانالسؤال كان بمحضرهم ومرآهم.
«قال الله اني منزلها عليكم».
قد عبر جل جلاله عن نفسه بصيغة الغياب، فانه تعالى كان يقص تلك الملحمة واخبربانه تعالى قد لبى طلبهم من دون فصل بين طلبهم وتلبيته; رحمة منه تعالى للمسيحوالحواريين وللامة.
فان المائدة قد نزلتبمجرد دعاء المسيح، فقد اخبر الله عن نزولها لا انه واعد بنزولها.فان قوله تعالى: «منزل» بصيغة الفاعل يفيد نزول المائدة من دون تاخير لحظة.
ويشهد لذلك قوله تعالى: «فمن يكفر بعد منكم»; اذ المتبادر من لفظة «بعد» ان الانذاركان عقيب نزول المائدة. وعلام اشتملت المائدة؟
قيل: انها كانت مائدة حمراء بين غمامتين تنزل من السماء وهم ينظرون اليها. فبكىالمسيحعليه السلام شوقا وسرورا، وقالعليه السلام: «اللهم اجعلنى من الشاكرين».
ثم كشف المنديل وقال: «بسم الله خير الرازقين»، فاذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك،وعند راسها ملح، وعند ذنبها خل، وحولها من الوان البقول ما عدا الكراث. وقيل: انها ستةحيتان وستة ارغفة.
وكان ذلك اليوم يوم الاحد، وقد اتخذه المسيحيون عيدا; امتثالا لكلام المسيح في دعائه.وقد خرج بعد عن صورة العيد وصار يوم العطلة الاسبوعية.
«فمن يكفر بعد منكم فاني اعذبه عذابا لا اعذبه احدا من العالمين».
اذ الكفر بعد حصول الاطمئنان واليقين بصدق المسيح وشهود تلك الآية ليس الا عنادامع الله ورسوله، فيستحق لمثل هذا العذاب.
وهل كفر احدهم بعد ذلك ام القضية الشرطية لا تستلزم وقوع المقدم؟ فلا تفيد الآية اناحدا من الحواريين كفر بعد ذلك.
ان الذين آمنوا بالمسيح، وعلموا انه اقرب الناس الى الله بعد شهودهم الآيات الخارقةللعادات، وصدور كرامات عنه احبوا تجديدها، ومشاهدة نوع آخر منها، ذلك الذي اقترحوهعليه بخلاف الآيات التي راوها، فانها لم تكن باقتراحهم وبطلبهم، فان مثل هذه الآية اقوىشاهد على رسالته، وتفيد الاطمئنان للقلوب والتقدير برسالة المسيح، فانها تكون آية بشكلجديد، وكرامة لم يسبق مثلها في معجزات الانبياء، ولا في المعجزات الصادرة عن المسيح.
فان العارف بمعجزاتهم يدري عدم وجود ماكول في كراماتهم; اذ الماكول امر معتاد بينالناس ليس فيه خرق للعادة، فقصدوا ان يجعلوا ما ليس فيه خرقا للعادة ان يكون اعظم آية.
وان المتبادر من المائدة ان يكون ما عليها مطبوخا ناضجا، وان الطبخ والنضج من الامورالتدريجية، فلا يحصل دفعة، سيما عندما كان يصلح للاكل، لا اكثر من ذلك ولا اقل. ومنالواضح ان المائدة السماوية تخالف المائدة الارضية، فصيرورتها من نوع الموائد الارضية آيةاخرى، اذ ان في نزول المائدة آيات لا آية واحدة، والمفكر يصل اليها.
سال الحواريون المسيح ان ينزل عليهم ربهم ماكولا من السماء لا يعرف له مثيل; اذ جميعالموائد ارضية، ولم يروا وجودا لمائدة سماوية، وان كان في التعبير عن طلبهم فيه نوع من مجافاةالادب، وغيره المسيح، وجعله من حلية الادب واجمله، فسال الله ان يحقق مقصودهم،فاستجاب الله دعاءه، وحقق مقصودهم، وانزل المائدة فاكل واكلوا، وشهد وشاهدوا.
ومن امعن النظر في الآية الكريمة يعرف ان المسيح بعد سماع طلبهم، واستفهامهم لم يجبعنه بالايجاب; عالما بقدرة الله على ذلك بدليل طلبه من الله، بل ابتهل الى الله بالسؤالفلم يجب التقدم على الله بالجواب، وذلك هو الغاية في الشرف، والنهاية في القداسة.
كما ان المائدة كانت مشتملة على السمك المطبوخ الذي يطبخ بعد ان يصاد من البحر، وهومخلوق ارضي وليس بسماوي، لم تكن مشتملة على طير مطبوخ فيه نوع من السماوية، وذلكابلغ في الاعجاز.
پىنوشتها:
1) آل عمران (3) الآية 55 - 58 .
2) النساء (4) الآية 171 - 173 .
3) الاسراء (17) الآية 95 .
4) المائدة (5) الآية 112 - 115 .
«وقولهم انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكنشبه لهم وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به علم الا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله اليه وكان الله عزيزا حكيما» (1) .
«وقولهم».
ضمير الجمع المضاف اليه راجع الى اهل الكتاب الذين كفروا بآيات الله النازلة علىالمسيح، وهم اليهود الذين بهتوا مريم بهتانا عظيما لقذفها بالزنى في ولادة عيسى.
«انا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله».
«المسيح» وهو «عيسى بن مريم» و «رسول الله» عناوين ثلاثة للذين ادعوا قتله جاء بهاالقرآن لدفع احتمال ان يكون المقصود بالقتل غيره.
وكان قولهم ذلك جزاءه على الله، فان دعوى قتل رسول الله اهانة كبيرة بالنسبة الى منارسله، فهو فوق الكفر. وكانهم كانوا يفتخرون بهذا القول، وبهذا الفعل الذي لا يصح صدورهمن عاقل، فضلا عن كونه من اهل الكتاب.
«وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم».
تكذيب صريح من الله تعالى لقولهم، ونفي لوقوع القتل والصلب على المسيحعيسى بن مريم رسول الله. وكلمة الاستدراك تفيد حقيقة الامر، وواقعه الذي اشتبه عليهموزعموا انهم قتلوه، وكان الواقع غير ذلك، فقد قبضوا على غيره وصلبوه وقتلوه مكان المسيح;ظنا منهم انه المسيح، ولم يكن الاشتباه بغريب، فاسبابه كثيرة ومنها - كما ذكر البعض - : ان منخان المسيح من تلامذته وابلغ عن مبيته، فجيء لدى الهجوم على البيتبشخص آخر، ولم يكن المهاجمون يعرفون المسيح، فالتزم الصمتخوفا على نفسه، وهناك فرضيات اخرىكثيرة، ولكن ليس فيها ما يثبت، ولكن النص القرآني صريح، وهذا ما ناخذ به.
«وان الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم الا اتباع الظن».
ان الذين القوا القبض على هذا المشتبه به لم يكونوا واثقين بانه المسيح بشخصه، بل كانوافي شك من ذلك، وليس لهم علم به فقتلوه; ظنا منهم انه المسيح، ولم يكن بالمسيح، فاعتمدواعلى هذا الظن الفاسد الكاذب فقالوا: «انا قتلنا المسيح».
«وما قتلوه يقينا ».
تاكيد لنفي القتل عن المسيح ووقوعه على غيره. ذلك من عظمة القرآن بالجد واليقين بنفيالقتل عن رجل يبعد عن بلده مسافات بعد مضي مئات من السنين، خبر من كان حاضراهناك وناظرا لاعمالهم، وهوكذلك، والخبر خلاف ما اشتهر بين اتباع المسيح شهرة يدعوناتصالها بزمن وقوع القتل.
ان المنزل للقرآن هو العالم بحقائق الامور فوق الزمان والمكان، ولا يخبر الا الصدق.
لاء«بل رفعه الله وكان الله عزيزا حكيما».
لاءكانه جواب عن سؤال يخطر ببال القاري: اذا كان المسيح لم يقتل وبقي حيا، فلماذا لم يرشخصه بعد تلك الليلة؟
والجواب: ان ربه انقذه من ايديهم، ورفعه اليه، واخرجه من هذا العالم الى عالم ارقىوارفع شانا من هذا العالم، فهو هناك حي يرزق.
قد دخل المسيح عصرا في البستان، ثم خرج منه قبل غروب الشمس بعد وداعهللحواريين ووصيته لهم بما يجب فيه الوصية، ولم ير خروجه ذلك الخائن، وقد رفعه الله بعدالخروج، فصعد الى السماء بعد هبوط الى الارض بواسطة جبرائيل، وعاد الى ما بدا منه، فانبداه هو النزول في هذا العالم بنفحة الهية، فرفع الى مبدئه محفوظا من القتل والصلب; اذ كان ربهحافظا له. والمتبادر من الآية ان المرفوع شخصه وجسده لا روحه.
قد كان المسيح خارقا للعادة في دخوله في هذا العالم، وخارقا للعادة حال بقائه فيه،صدرت عنه امور يعجز عنها البشر، كما كان خارقا للعادة عند تركه هذا العالم، فان ذلكلم يقصر عن سائر المعجزات.
«وكان الله عزيزا حكيما».
العزيز: هو الشريف الذي لا يعجز عنه شيء، فهو القادر على ما يشاء. والحكيم: منلايصدر عنه الخطا، ويجعل كل شيء في موضعه، فهو قادر على رفع من انزله، وكان انزاله عنحكمة، ورفعه عن حكمة، وبقاؤه بين الامرين حكمة.
«واذ قال الله يعيسى ابن مريم ءانت قلت للناس اتخذونى وامى الهين من دون اللهقال سبحنك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قلته فقد علمته تعلم ما فينفسى ولا اعلم ما في نفسك انك انت علم الغيوب ما قلت لهم الا ما امرتنى به اناعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت انت الرقيبعليهم وانت على كل شيء شهيد ان تعذبهم فانهم عبادك وان تغفر لهم فانك انتالعزيز الحكيم قال الله هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم لهم جنت تجرى من تحتها الانهرخلدين فيها ابدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم لله ملك السمواتوالارض وما فيهن وهو على كل شي قدير» (2) .
«واذ قال الله يا عيسى ابن مريم».
«اذ» ظرف زمان متعلق بمحذوف يدل عليه المقام، وذلك الزمان يوم القيامة بشهادة قوله:«هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم» وكلمة «قال» الواقعة في صدر الآية منسلخة عنالزمان، كما هو الحال في كثير من الافعال المنسوبة الى الله، فلا يدل على الماضي.
«ءانت قلت للناس اتخذوني وامي الهين من دون الله».
الاستفهام من جانب الله العالم بكل شيء انما تحقق لصدور الجواب من المسيح; دفعالحجة من اتخذ المسيح وامه الهين، كيلا يحتجبان ذلك قول المسيح، وانه امره بذلك.
و«الاتخاذ» من الاخذ صفة للفعل الخارجي يقابل الاعتقاد الذي هو صفة للقلب،فلايدل على ايمانهم بالوهيتها.
وقد استعمل في القرآن هذا المعنى «افرايت من اتخذ الهه هواه» والمقصود الاطاعةالعمياء لهواه.
وان اتخاذ عيسى وامه الهين جعلهما معبودين يعبدان في صلاة وصيام، مقرونا ذلك بخضوعوخشوع امام تماثيلهما وصورهما.
ولعل السبب في هذا الاتخاذ ان مريم وابنها كانا على خلاف السنن البشرية، هذه ولدتمن دون بعل، وذاك ولد من دون اب، ولكنهما لا يستحقان العبادة; لانهما بشران، والبشرلا يستحق العبادة. والاله هو المعبود المستحق للعبادة.
«دون» بمعنى الغير، فلا تجوز العبادة لغير الله، واليه تشير كلمة التوحيد: «لا اله الا الله»والمقصود التوحيد في العبادة.
«قال سبحنك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق».
صدر المسيح جوابه بتسبيح الله وتقديسه، وذلك من محاسن الادب في الكلام، مقرا بانهتعالى اشرف واعظم من ان يكون له شريك في العبادة.
ثم تبرا من ذلك القول ونفاه ابلغ نفي، فلم يقل: «لم افعل» او «لم اقل»، بل صرح بانهلايستطيع التفوه بالباطل وبما ليس بحق، اي باطل كان; فضلا عن هذا الباطل البديهي بطلانه;اذ لو قال لبان، ان غير الله لا يستحق العبادة، فانه تعالى اله الكون ومخرج العالم من العدم الىالوجود، وغيره مخلوق يستحيل ان يكون شريكا له، كان المسيح بجميع وجوده حقا فلا يقدرعلى القول بالباطل.
«ان كنت قلته فقد علمته».
لم يكتف المسيح بنفيه البليغ، بل اكده بنفي ثان وهو نفي لازمه، فانه لو كان هذا القولصادرا منه لعلمه الله الذي هو بكل شيء عليم، فلا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الارض،فان كل شيء حاضر لديه بنفسه وشخصه، وهو عالم به بالعلم الحضوري الذي يستحيل فيهالخطا، وكذا النسيان والخطا.
«تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك».
تاكيد ثان لنفيه البليغ، وهو اعترافه بعلم الحق بخفايا الامور والخواطر الحاصلة في قلوبالناس، فبين ان هذا القول لم يخطر ببالي ولا في نفسي فضلا من ان اقوله بلساني، والشاهدعلمك بما في نفسي، وجميع النفوس عاجزة عن معرفة ما في نفسك، والتعبير بالنفس بالنسبةالى الله تعالى هي رعاية للمشاكلة.
«انك انت علام الغيوب».
اتى بضمير يفيد التوكيد والحصر بعد «كاف» الخطاب لافادة حصر علم معرفة انواعالغيوب بالله تعالى. «والغيب» ما يعرف بغير الحواس الظاهرة ومنه معرفة ما في النفوس.وللغيب انواع متكاثرة واصناف متعددة وافراد غير متناهية، والعالم بها كلها علام; ولذا اتىبصيغة المبالغة والغيوب بصيغة الجمع [كما قال:] والله.
«وما قلت لهم الا ما امرتنى به ان اعبدوا الله ربي وربكم».
استمر المسيح بكلامه بعد ان تبرا من ذلك القول حبا للتكلم مع الله، وتكميلا لجوابهالمشتمل على النفي، بكلام مثبت ليكون تاكيدا ثالثا بالذي امره الله به فصار جوابه مفيداللقصر المشتمل على الايجاب والسلب، فيكون آكد واصرح في المقصود. ثم فسر ما امره بهربه بقوله: «ان اعبدوا الله» فكان داعيا الى عبادة الله لا عبادة نفسه وامه.
ثم وصف الله بقوله: «ربي وربكم» ليفيد استحقاقه للعبادة دون غيره، كما يفيد انالمسيح مثلهم في المربوبية، ويجب عليه عبادة الله كما يجب عليهم.
«وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم».
اي كان شاهدا على اعمالهم واقوالهم، فكان يرى طغيانهم وتجاوزهم عن الحد، وجعلنفسه بريئا مما كانوا يقولون ويفعلون من عبادته وعبادة امه.
«فلما توفيتني كنت انت الرقيب عليهم».
«الرقيب» من يشهد القوم واعمالهم وهم لايرونه، يستمر المسيح بكلامه مع ربه حبابالتكلم مع ربه فيقول: ولما انقذتني منهم، وخصصت رحمتك بي في النجاة والخلاص، كنت- بذاتك المقدسة - شاهدا على اعمالهم وافعالهم وهم لا يرونك.
قد جاء بضمير يفيد التوكيد بعد تاء الخطاب; لافادة القصر، وذلك يفيد عدم تناهيعلمالله وقدرته، فان غيره لا يقدر على الرقابة بنفسه على قوم في جميع احوالهم ليلا ونهارا،فضلا عن اقوام في الدهر.
«وانت على كل شيء شهيد».
كانت الرقابة الالهية على امة المسيح حصة يسيرة من رقابته على جميع الاشياء، وشهودهتعالى كل شيء من دون تمييز بين ذوي العقول وغيرهم، فذكر الكل بعد الجزء، فهو اخبار عنمعرفة المسيح التامة بمقام ربه، كما ان هذه الجملة تفيد ان علمه تعالى بكل شيء حضوري،ونفس كل شيء حاضر عنده، فان الشهود انكشاف نفس الاشياء.
والعلم الحضوري انما يتحقق بكون ذات العلوم حاضرا عند العالم لا صورته المرتسمةالذهنية، والمسماة بالعلم الحصولي.
وغير خفي ان سؤاله تعالى المسيح لم يكن استفهاما حقيقيا; لكون ذاته المقدسة عالما بكلما صنعه المسيح في دعوته، ولكن ادب المسيح وخضوعه لربه وحبه للكلام اقتضىان يجيب عنه كانه استفهام حقيقي.
«ان تعذبهم فانهم عبادك».
لم يكتف حضرته في الجواب على استفهام ربه بما قال نفيا واثباتا، ولكن اقتضت رحمتهلصوته وشوقه الى ادائه الكلام مع ربه فقال: ان اردت عذابهم فهم يستحقون لعذابك، فانهمعبادك.
والعبد العاصي لمولاه يستحق العذاب بحكم العقل، لا سيما المولى الذي هو خالقه ورازقهومعطي وجوده وحياته، فالعذاب من باب الاستحقاق، لا من باب الانتقام ولا لحفظ النظم فيالمجتمع.
«وان تغفر لهم فانك انت العزيز الحكيم».
اقتضت رحمة المسيح بقومه ان يطلب الغفران لهم بحسن الكلام وشرف الادب، فلمياتبصيغة السؤال ليكون صريحا في ذلك، بل طلبه بصورة الاحتمال، والجملة الشرطية عدلللعذاب، وخاطب ربه ب «العزيز الحكيم» وقد مر بيانه.
«قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم».
انه تعالى بعد سماع جواب المسيح قد جاء ببيان عام لكل من صدق الله تعالى ورسولهبصدق في القلوب، وصدق في الاقوال، وصدق في الافعال، واخبرهم بان الصدق ينفعهم فييوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
«لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها».
بيان لنفع الصادقين، فان لهم جنات لا جنة واحدة، وذلك يفيد انواع الجنات وتكثرهافضلا عن افرادها وتكثرها.
ثم انه تعالى اكتفى بالوعد، وذكر نفع الصادقين وهو لا يخلف الميعاد، ولم يات بالوعيد فياليوم الذي يضر الكاذبين كذبهم، فان وعد الله حق لا يتخلف دون وعيده، فانه قد يكونمشمولا للعفو والمغفرة.
ويمكن ان يكون ذلك اجابة رمزية لسؤال المسيح بقوله: «وان تغفر لهم»، وقوله تعالى:«خالدين فيها ابدا » امتياز لتلك الجنات عن جنات هذه الدنيا، فان الخلود لجنات هذهالدنيا غير ممكن، كما ان الخلود فيها مستحيل، فلا خلود لها ولا لساكنيها.
«رضي الله عنهم ورضوا عنه».
اسند رضاه تعالى الى انفسهم لا الى اقوالهم واعمالهم، فان الرضى عن شخص يستلزمالرضى عن اقواله وافعاله.
ان رضى البشر صفة تلبية لها تاثيرها في الافعال الخارجية، ولكن رضى الله فعل منافعال ذاته المقدسة.
«ورضوا عنه» صفة للصادقين، والكمال الذي يصل اليه البشر في سلوكهم، وذلك هوالايمان بان الله لا يظلم احدا في خلقه، فضلا عن ذلك في شرعه ودينه، فان الظلم يستحيلعلى الله عقلا ومنطقا وشرعا، فكان خلقه بالحكمة كما يكون شرعه بالحكمة.
«ذلك هو الفوز العظيم».
من كان راضيا عن الله في خلقه وشرعه غير مبغض له تعالى فهو الفائز بالفوز العظيم،فان مقام الرضى اشرف من مقام التسليم. والفوز العظيم ينطبق على الرحمة في الدنيا والراحةفي الآخرة.
«ولله ملك السموات والارض وما فيهن».
«الملك» بضم الميم هو السلطنة، وهي حقيقية واعتبارية، والمالكية الحقيقية هي العليةوالخالقية، فالسماوات والارض وما بينهما معلولات ومخلوقات لله، ومملوكات له بالملكيةالحقيقية دون الاعتبارية التي جرت العادة عليها بين البشر، والمعلول ليس له استقلالوجودي امام علته، فهو المملوك الحقيقي.
«وهو على كل شيء قدير».
القدرة على شيء بحسب الاطلاق هي السلطة على ايجاده وحفظه وابقائه، كما ان عليهاالسلطة على اعدامه وسلبه ونفيه، فكل شيء من اشياء هذا العالم لا يقدر على نفسه بهذهالقدرة، فضلا للقدرة على غيره، و«القدير» صيغة للمبالغة تفيد انواع القدرة، والجملة بيانوتفسير لقوله: «له ملك السموات والارض»; لافادته الملكية الحقيقية.
پىنوشتها:
1) النساء (4الآية 157 و 158 .
2) المائدة (5) الآية 116 - 120 .
سال ابان بن تغلب ابا عبدالله جعفر الصادقعليه السلام سادس الائمة الاثني عشر: هل كانعيسى بن مريم احيا احدا بعد موته حتى كان له اكل ورزق ومدة وولد؟ فقال:
«نعم، كان له صديق مؤاخ له في الله، وكان عيسى بن مريم يمر به فينزل عليه، وانعيسى غاب عنه حينا ثم مر به ليسلم عليه فخرجت اليه امه فسالها عنه، فقالت امه:يا رسول الله مات. فقال لها: اتحبين ان تريه؟ قالت: نعم. قال لها: اذا كان غدا اتيتك حتىاحييه لك باذن الله».
فلما كان من الغد اتاها فقال لها: انطلقي معي الى قبره. فانطلقا حتى اتيا قبره، فوقفعيسى على قبره، ثم دعا الله فانفرج القبر وخرج ابنها حيا. فلما راته امه ورآها بكيا.
فرحمهما عيسى فقال له: اتحب ان تبقى مع امك في الدنيا؟ قال: يا رسول الله، باكل ورزقومدة او بغير مدة ولا رزق ولا اكل؟ فقال له عيسى: بل برزق واكل ومدة، تعمر عشرينسنة وتتزوج ويولد لك، قال: نعم، اذا فدفعه عيسى الى امه، فعاش عشرينسنة، وتزوجوولد له.» (1) .
يتبين من هذه الكرامة ان احياء عيسىعليه السلام الموتى لم يكن خاصا بزمن التبليغ واقامةالحجة. كما انه يعرف مقام ابان ومعرفته في سؤاله، فانه كان من العلماء الكبار.
[قال] داود الرقي، سمعت ابا عبداللهعليه السلام يقول:
اتقوا الله ولايحسد بعضكم بعضا، ان عيسى بن مريم كان من شرائعه السيح في البلاد،فخرج في بعض سيحه ومعه رجل من اصحابه قصير، وكان كثير اللزوم لعيسى بن مريم،فلما انتهى عيسى الى البحر قال: بسم الله بصحة يقين منه، فمشى على ظهر الماء، فقالالرجل القصير حين نظر الى عيسى جازه: بسم الله بصحة يقين منه، فمشى على الماء،فلحق بعيسى، فدخله العجب بنفسه، فقال: عيسى روح الله يمشي على الماء، وانا امشيعلى الماء، فما فضله علي ،فرمي في الماء! فاستغاث بعيسى، فتناوله من الماء، واخرجه.
ثم قال له: «ما قلتيا قصير؟».
قال قلت: هذا روح الله يمشي على الماء، وانا امشي، فدخلني من ذلك عجب، فقال لهعيسى: «لقد وضعت نفسك في غير الموضع الذي وضعك الله فيه، فمقتك الله على ما قلت،فتب الى الله عز وجل عما قلت. فتاب الرجل، وعاد الى مرتبته التي وضعه الله فيها.فاتقوا الله ولا يحسد بعضكم بعضا» (2) .
قيل للامام الصادقعليه السلام: ما بال اصحاب عيسىعليه السلام كانوا يمشون على الماء، وليس كذلكفي اصحاب محمدصلى الله عليه وآله؟!
قال: «ان اصحاب عيسىعليه السلام كفوا المعاش، وان هؤلاء ابتلوا بالمعاش». (3) .
اقول: لعل المراد انهم تركوا الدنيا، وهؤلاء طلبوها، فكانت الدنيا عند الاولين كوسيلة،ولكنها عند الآخرين كهدف.
قال الامام علي بن ابي طالبعليه السلام: «من ابصر بالدنيا بصرته، ومن ابصر اليها اعمته» (4) .
كان عيسى مع بعض الحواريين في بعض سياحته، فمروا على بلد، فلما قربوا منه وجدوا كنزاعلى الطريق، فقال من معه: ائذن لنا يا روح الله ان نقيم هاهنا، ونحوز هذا الكنز لئلا يضيع!
فقال: اقيموا هاهنا وانا ادخل البلد ولي فيه كنز اطلبه. فلما دخل البلد وجال فيها راىدارا خربة، فدخلها، فوجد فيها عجوزا، فقال لها: «انا ضيفك في هذه الليلة، فهل في هذه الداراحد غيرك؟».
قالت: نعم، لي ابن مات ابوه وبقي يتيما في حجري، وهو يذهب الى الصحاري، ويجمعالشوك، وياتي البلد، فيبيعها، وياتيني بثمنها نتعيش به.
فهيات لعيسى مبيتا. فلما جاء ولدها قالت له: بعث الله لنا في هذه الليلة ضيفا صالحا تسطعمن جبينه انوار الزهد، فاغتنم خدمته وصحبته. فدخل الابن على عيسى، وخدمه، واكرمه.
فلما كان في بعض الليل سال عيسى الغلام عن حاله ومعيشته وغيرها، فتفرس فيهآثارالعقل والفطانة والاستعداد للترقي على مدارج الكمال، ولكن وجد فيه ان قلبه مشغولبهم عظيم، فقال له: «يا غلام، ارى قلبك مشغولا بهم لا يبرح، فاخبرني به لعله يكون عنديدواء دائك» فلما بالغ عيسى قال: نعم، في قلبي هم وداء لا يقدر على دوائه احد الا الله تعالى.
فقال عيسىعليه السلام: «اخبرني به لعل الله يلهمني ما يزيله عنك».
فقال الغلام:اني كنتيوما احمل الشوك الى البلد، فمررت بقصر ابنة الملك، فنظرت الىالقصر، فوقع نظري عليها، فدخل حبها بشغاف قلبي، وهو يزداد كل يوم، ولا ارى لذلك دواءالا الموت.
فقال عيسىعليه السلام: «ان كنت تريدها انا احتال لك حتى تتزوجها».
فجاء الغلام الى امه واخبرها بقوله، فقالت امه: يا ولدي،اني لا اظن هذا الرجل يعد شيئالا يمكنه الوفاء به، فاسمع له، واطعه في كل ما يقول.
فلما اصبحوا، قال عيسى للغلام: «اذهب الى باب الملك، فاذا اتى خواص الملك، ووزراؤهليدخلوا عليه قل لهم: ابلغوا عني الملك: اني جئته خاطبا كريمته. ثم ائتني، واخبرني بما جرىبينك وبين الملك».
فاتى الغلام باب الملك، فلما قال ذلك لخاصة الملك ضحكوا، وتعجبوا من قوله، ودخلواعلى الملك واخبروه بما قال الغلام مستهزئين به، فاستحضره الملك، فلما دخل على الملكوخطب ابنته قال الملك - مستهزئابه - : انا لا اعطيك ابنتي الا ان تاتيني من اللئالي،واليواقيت، والجواهر الكبار كذا وكذا، ووصف له ما لا يوجد في خزانة ملك من ملوك الدنيا.
فقال الغلام: انا اذهب وآتيك بجواب هذا الكلام، فرجع الى عيسى، فاخبره بما جرى.فذهب عيسى الى خربة كانت فيها احجار ومدر كبار، فدعا الله تعالى، فصيرها كلها من خيرما طلب الملك، واحسن منها، فقال: يا غلام، خذ منها ما تريد، واذهب به الى الملك.
فلما اتى الملك بها تحير الملك واهل مجلسه في امره. وقالوا: لا يكفينا هذا. فرجع الى عيسىفاخبره. فقال: اذهب الى الخربة وخذ منها ما تريد واذهب بها اليهم، فلما رجع باضعاف ما اتىبه اولا زادت حيرتهم وقال الملك: ان لهذا شانا غريبا.
فخلا بالغلام واستخبره الحال فاخبره بكل ما جرى بينه وبين عيسى وما كان من عشقهلابنته.
فعلم الملك ان الضيف هو عيسى، فقال: قل لضيفك ياتيني ويزوجك ابنتي. فحضر عيسىوزوجها منه وبعث الملك ثيابا فاخرة الى الغلام فالبسها اياه، وجمع بينه وبين ابنته تلك الليلة.
فلما اصبح طلب الغلام وكلمه فوجده عاقلا فهما ذكيا، ولم يكن للملك ولد غير هذهالابنة، فجعل الغلام ولي عهده، ووارث ملكه وامر خواصه واعيان مملكته ببيعته وطاعته.
فلما كانت الليلة الثانية مات الملك فجاة، واجلسوا الغلام على سرير الملك واطاعوهوسلموا اليه خزائنه، فاتاه عيسى في اليوم الثالث ليودعه، فقال الغلام: ايها الحكيم، ان لك عليحقوقا لا اقوم بشكر واحد منها لو بقيت ابد الدهر، ولكن عرض في قلبي البارحة امرلو لم تجبني عنه لا انتفع بشيء مما حصلته لي، فقال عيسىعليه السلام: وما هو؟
قال: انك اذا قدرت على ان تنقلني من تلكالحالة الخسيسة الى تلك الدرجة الرفيعة فييومين، فلم لا تفعل هذا بنفسك؟ واراك في تلك الثياب وفي هذه الحالة.
فلما احفى في السؤال قال عيسىعليه السلام: ان العالم بالله وربه او كرامته وثوابه، والبصير بفناءالدنيا وخستها ودناءتها لا يرغب الى هذا الملك الزائل، وهذه الامور الفانية، وان لنا في قربهتعالى ومعرفته ومحبته لذات روحانية لا تعد تلك اللذات الفانية عندها شيئا.
فلما اخبره بعيوب الدنيا وآفاتها ونعيم الآخرة ودرجاتها قال له الغلام: فلي عليك حجةاخرى، لم اخترت لنفسك ما هو اولى واحرى واوقعتني في هذه البلية الكبرى؟!
فقال له عيسىعليه السلام: انما اخترت لك ذلك لامتحنك في عقلك وذكائك ليكون لك الثواب فيترك هذه الامور الميسرة لك اكثر واوفى، وتكون حجة على غيرك.
فترك الغلام الملك ولبس اثوابه البالية وتبع عيسى، فلما رجع الى الحواريين قال: هذاكنزي الذي كنت اظنه في هذا البلد فوجدته والحمد لله. (5) .
هذه الكرامة تناسب التمثيل والحضور في الشاشة، وان يصنع منها الافلام، سيما اذا كملتبمتابعة الملكة للملك والعروس للعريس، وبيعها ملكية قطر بسلطنة عالم الكون وصيرورة البروالبحر تحت اوامرهما.
[عن] الامام الصادقعليه السلام:
ان عيسى بن مريم توجه في بعض حوائجه ومعه ثلاثة من اصحابه، فمر بلبنات ثلاث منذهب على ظهر الطريق، فقال عيسى لاصحابه: ان هذا يقتل الناس، ثم مضى.
فقال احدهم: ان لي حاجة، فانصرف.
ثم قال الآخر: ان لي حاجة، فانصرف.
ثم قال الآخر: ان لي حاجة، فانصرف.
فوافوا عند الذهب ثلاثتهم. فقال اثنان لواحد: اشتر لنا طعاما.
فذهب ان يشتري لهما طعاما فجعل فيه سما ليقتلهما كيلا يشاركاه في الذهب، وقالالاثنان: اذا جاء قتلناه كيلا يشاركنا. فلما جاء قاما اليه فقتلاه.
ثم تغديا فماتا، فرجع اليهم عيسى وهم موتى حوله، فاحياهم باذن الله تعالى ذكره ثم قاللهم: الم اقل لكم: ان هذا يقتل الناس. (6) .
اقول: تعبير الامام عن الثلاثة بالاصحاب يفيد انهم لم يكونوا من الحواريين الذين بلغوااعلى مراتب الايمان.
حياة المسيح التبليغية بدات حينما بلغ المسيح سبع سنين او ثمان، و صدرت المعجزاتوالكرامات على يديه تلك التي اخبرها في المهد، وعمره ثلاث و ثلاثون سنة.
وفي الانجيل مواعظ وامثال، وليس فيه قصاص واحكام وحدود، ولا فرض المواريث،وفيه تحليل ما كان محرما في شريعة موسى، وهو قوله تعالى في القرآن: «ولاحل لكم بعضالذي حرم عليكم» (7) .
قد بعث المسيحعليه السلام للوعظ دون الحرب، وكان طلبه الانصار لحفظ نفسه واستطاعتهللدعوة والارشاد.
سمي اتباعه بالنصارى; لانتسابهم الى الناصرة، وهي قرية من بلا د الشام نزلتهامريم و عيسىعليه السلام بعد رجوعهما من مصر. وفسر الحواري بالناصر والحواريون هم انصاره.
كان المريميون قوما فيما مضى يعتقدون الالوهية في مريم.
اقول: كانهم اخذوا هذا القول من المجوس حيث طبقوا مريم على «اهورا مزدا»; اذ يقولون:انه حمل ب«يزدان»، وب«اهريمن» والاول مبدا الخير، والثاني مبدا الشر، واراد ان يلد «يزدان»،ولكن «اهريمن» سارع فتقدم على «يزدان» في الولادة فوجدت الشرور قبل اصناف الخير.
وسورة التوحيد في القرآن تبطل هذا المذهب بحجة دامغة، ولكن المريمية خصصوا المولودبالمسيح وجعلوه فاعل الخير.
ويسال عنهم: فاذا لم يكن للشر مبدا فكيف وجد؟ لاستحالة وجود المعلول من دون علة.
پىنوشتها:
1) تفسير العياشي ، ج 1 ، ص 198 ، ح51; الكافي ، ج 8 ، ص 278 ، ح 532; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 233 ، ح 3 .
2) الكافي ، ج 2 ، ص 306 ، ح 3; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 254 ، ح 49 .
3) الكافي ، ج 5 ، ص 71 ، ح 3; بحارالانوار ، ج 14 ، ص 278 ، ح 9 .
4) نهج البلاغة ، ص 106 ، الخطبة 82; بحار الانوار ، ج 73 ، ص 133 ، ح 136 .
5) بحارالانوار ، ج 14 ، ص 280 .
6) امالي الصدوق ، ص 152 ، ح 5; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 284 ، ح 5 .
7) آل عمران (3) الآية 50 .
لام
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
قام عيسى بن مريم في بنياسرائيل فقال:
يا بنياسرائيل، لا تحدثوا بالحكمة الجهال فتظلموهم، ولا تمنعوها اهلها فتظلموهم، ولاتعينوا الظلم على ظلمه فيبطل فضلكم (1) .
ولعل المراد من الحكمة الاصول والمعارف الالهية، فان الجاهل لا يفهمها.
[قال] الامام الصادقعليه السلامايضا:
قال الحواريون لعيسى بن مريم: يا معلم الخير، علمنا اي الاشياء اشد؟ فقال: غضب اللهعز وجل. قالوا: فبم يتقى غضب الله قال: بان لا تغضبوا. قالوا: وما بدء الغضب؟ قال:الكبر والتجبر ومحقرة الناس (2) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام: قال عيسى بن مريم لبعض اصحابه: ما لا تحب ان يفعل بك فلاتفعله باحد، وان لطم احد خدك الايمن فاعط الايسر (3) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
قال رسول اللهصلى الله عليه وآله: مر عيسى بن مريم بقبر يعذب صاحبه. ثم مر به من قابل فاذا هولايعذب!! فقال: يا رب، مررت بهذا القبر عام اول فكان صاحبه يعذب، ثم مررت بهالعام فاذا هو لا يعذب. فاوحى الله عز وجل اليه: يا روح الله، ادرك له ولد صالح فاصلحطريقا، وآوى يتيما، فغفرت له بما عمل ابنه.
وقال عيسى بن مريم ليحيى بن زكريا: اذا قيل فيك ما فيك فاعلم انه ذنب ذكرتهفاستغفر الله. وان قيل فيك ما ليس فيك، فاعلم انها حسنة كتبت لك لم تتعب فيها.فلا يسوءك القولان: فان الاول منبه لك، والثاني: ربح وصل اليك (4) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
مر عيسى بن مريم على قوم يبكون، فقال: علام يبكي هؤلاء؟ فقيل: يبكون على ذنوبهم،قال: فليدعوها يغفر لهم (5) .
[قال] الامام الرضاعليه السلام:ثامن الائمة الاثني عشر:
قال عيسى بن مريم للحواريين: يا بنياسرائيل، لاتاسوا على ما فاتكم من دنياكم; اذاسلم دينكم، كما لا ياسى اهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم; اذا سلمت دنياهم (6) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
كان المسيح يقول: من كثر همه سقم بدنه، ومن ساء خلقه عذب نفسه، ومن كثر كلامهكثر سقطه ومن كثر كذبه ذهب بهاؤه، ومن لاح الرجال ذهبت مروته (7) .
[قال] الامام علي بن الحسين زين العابدين - رابع الائمة الاثني عشر - : قال المسيح: انماالدنيا قنطرة فاعبروها، ولا تعمروها (8) .
[قال] امير المؤمنين علي بن ابي طالبعليه السلام:
قال عيسى بن مريم: الدنيا داء الدين، والعالم طبيب الدين، فاذا رايتم الطبيب يجر الدواءالى نفسه فاتهموه، واعلموا انه غير ناصح لغيره (9) .
[قال] علي بن ابي طالبعليه السلام:
قال عيسى بن مريم: طوبى لمن كان صمته فكرا، ونظره عبرا، ووسعه بيته، وبكى علىخطيئته، وسلم الناس من يده ولسانه (10) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
قال عيسى بن مريم لاصحابه: تعملون للدنيا وانتم ترزقون فيها بغير عمل، ولا تعملونللآخرة ولا ترزقون فيها الا بالعمل. ويلكم علماء السوء، الاجرة تاخذون ولا تصنعون،يوشك رب العمل ان يطلب عمله، وتوشكون ان تخرجوا من الدنيا الى ظلمة القبر.كيف يكون من اهل العلم من مصيره الى آخرته وهو مقبل على دنياه وما يضرهاشهى اليه مما ينفعه. (11) .
[قال] علي بن ابي طالبعليه السلام:
ان النبيصلى الله عليه وآله قال: مر اخي عيسى بمدينة وفيها رجل وامراة يتصايحان، فقال:ما شانكما؟! قال: يا نبي الله هذه امراتي وليس بها باس، صالحة ولكني احب فراقها،قالعليه السلام: فاخبرنى على كل حال ما شانها؟ قال: هي الخلقة الوجه من غير كبر.
قال لها: يا امراة، اتحبين ان يعود ماء وجهك طريا؟ قالت: نعم. قال لها: اذا اكلت فاياكان تشبعي; لان الطعام اذا تكاثر على الصدر فزاد في البدن ذهب ماء الوجه. ففعلت ذلكفعاد وجهها طريا (12) .
وقالصلى الله عليه وآله:
مر اخي عيسى، بمدينة واذا وجوههم صفر، وعيونهم زرق، فصاحوا اليه، وشكوا ما بهممن العلل.
فقال: دواؤه معكم، انتم اذا اكلتم اللحم طبختموه من مغسول، وليس شيء يخرج منالدنياالا بجنابة، فغسلوا بعد ذلك لحومهم فذهبت امراضهم (13) .
وقالصلى الله عليه وآله:
مر اخي عيسى بمدينة واذا اهلها اسنانهم منتثرة، ووجوههم منتفخة، فشكوا اليه، فقال:انتم اذا نمتم تطبقون افواهكم فتغلي الريح في الصدر حتى تبلغ الى الفم، فلا يكون لها مخرجفترد الى اصول الاسنان فيفسد الوجه، فاذا نمتم فافتحوا شفاهكم وصيروه لكمخلقا.ففعلوا فذهب ذلك عنهم (14) .
اقول: ولعل ذلك من خصائص ذلك البلد.
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
قام عيسى بن مريم في خطبة قام لها في بنياسرائيل: اصبحت فيكم وادامي الجوع،وطعامي ما تنبت الارض للوحوش والانعام، وسراجي القمر، وفراشي التراب،ووسادتي الحجر، ليس لي بيتيخرب ولا مال يتلف، ولا ولد يموت، ولا امراة تحزن.اصبحت وليس لي شيء، وامسيت وليس لي شيء، وانا اغنى ولد آدم (15) .
(الغناء: عدم الاحتياج الى الغير في اي شيء).
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
ان عيسى قال: داويت المرضى فشفيتهم باذن الله، وابرات الاكمه والابرص باذن الله،وعالجت الموتى فاحييتهم باذن الله، وعالجت الاحمق فلم اقدر على اصلاحه. فقيل:يا روح الله، وما الاحمق؟ قال: المعجب برايه ونفسه، الذي يرى الفضل كله له لا عليه،ويوجب الحق كله لنفسه ولا يوجب عليها حقا، فذلك الاحمق الذي لا حيلة فيمداواته (16) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
«مر عيسى بقوم مجلبين! فسال عنهم فقيل: بنت فلان تهدى الى بيت فلان، فقال:صاحبتهم ميتة من ليلتهم. فلما كان من الغد قيل: انها حية. فذهب مع الناس الى دارها،فخرج زوجها، فقال له: سل زوجتك ما فعلت البارحة من الخير؟
فقالت: ما فعلتشيئا الا ان سائلا كان ياتيني كل ليلة فيما مضى، وانه جاء ليلتنا فهتففلم يجب. فقال: عز علي انها لا تسمع صوتي وعيالي يبقون الليلة جياعا، فقمت متنكرةفانلته مقدار ما كنت انيله فيما مضى. قال عيسىعليه السلام: تنحى عن مجلسك فاذا تحت ثيابهاافعى عاض على ذنبه، فقال: بما تصدقت صرف عنك هذا» (17) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
كان المسيح يقول لاصحابه: ان كنتم احبائي واخواني فوطنوا انفسكم على العداوةوالبغضاء من الناس، فان لم تفعلوا فلستم باخواني. انما اعلمكم لتعملوا ولا اعلمكملتعجبوا. انكم لن تنالوا ما تريدون الا بترك ما تشتهون، وبصبركم على ما تكرهون.واياكم والنظرة فانها تزرع في قلب صاحبها الشهوة، كفى بها لصاحبها فتنة، يا طوبىلمن يرى عينيه الشهوات ولم يعمل بقلبه المعاصي.
ما ابعد ما قد فات، وادنى ما هو آت، ويل للمغترين قد آزفهم ما يكرهون، وفارقهمما يحبون، وجاءهم ما يوعدون. في خلق هذا الليل والنهار معتبر. ويل لمن كانت الدنياهمه، والخطايا عمله، كيف يفتضح غدا عند ربه. ولا تكثروا الكلام في غير ذكر الله، فانالذين يكثرون الكلام في غير ذكر الله قاسية قلوبهم، ولكن لا يعلمون.
لاتنظروا الى عيوب الناس كانهم رئايا عليهم، ولكن انظروا في خلاص انفسكم; فانماانتم عبيد مملوكون.
الى كم يسيل الماء على الجبل لا يلين. الى كم تدرسون الحكمة لا يلين عليها قلوبكم،عبيد السوء، فلا عبيد اتقياء، ولا احرار كرام. انما مثلكم كمثل الدفلى (18) يعجب بزهرهامن يراها ويقتل من طعمها والسلام (19) .
وقال عيسىعليه السلام:
بحق اقول لكم: كما نظر المريض الى الطعام فلا يلتذ به من شدة الوجع، كذلكصاحبالدنيا لايلتذ بالعبادة، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حلاوة الدنيا.
بحق اقول لكم: كما ان الدابة اذا لم تركب وتمتهن تصعب وتغير خلقها، كذلك القلوب اذالم ترقق بذكر الموت وبنصب العبادة تقسو وتغلظ.
وبحق اقول لكم: ان الزق اذا لم ينخرق يوشك ان يكون وعاء العسل، كذلك القلوب اذالم تخرقها الشهوات ولم يدنسها الطمع او يقسها النعيم فسوف تكون اوعية الحكمة (20) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
قال في الانجيل: ان عيسى قال: اللهم ارزقني غدوة رغيفا من شعير وعشية رغيفا منشعيرولا ترزقني فوق ذلك فاطغى (21) .
ومن كتاب تنبيه الخواطر: اوحى الله الى عيسى:
ان كن للناس في الحلم كالارض تحتهم، وفي السخاء كالماء الجاري، وفي الرحمة كالشمسوالقمر، فانهما يطلعان على البر والفاجر (22) .
وقال عيسىعليه السلام: من ذا الذي يبني على موج البحر دارا؟ تلكم الدنيا فلا تتخذوهاقرارا (23) .
وصنع عيسى للحواريين طعاما، فلما اكلوا وضاهم بنفسه: نظفهم وغسلهم. قالوا:يا روح الله: نحن اولى ان نفعله منك؟ قال: انما فعلت هذا لتفعلوه بمن تعلمون (24) .
وقالعليه السلام: هول لا تدري متى يغشاك، لم لا تستعد له قبل ان يفاجئك (25) .
قيل لعيسىعليه السلام: «من ادبك؟ قال: ما ادبني احد، رايت قبح الجهل فجانبته» (26) .
وقالعليه السلام:
طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود لم يره» (27) وروي انه مرمع الحواريينعلى جيفةكلب، فقال الحواريون: ما انتن ريح هذا الكلب!! قالعيسى:ما اشد بياض اسنانه (28) !
وقالعليه السلام:
لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم عبيدا. اكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه، فان صاحب كنزالدنيا يخاف عليها الآفة، وصاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفة (29) .
وقالعليه السلام:
يا معشر الحواريين،اني قد اكببت لكم الدنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدي، فان منخبث الدنيا ان عصي الله فيها، وان من خبث الدنيا ان الآخرة لا تدرك الا بتركها،فاعبروا الدنيا ولا تعمروها. واعلموا ان اصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوةاورثت اهلهاحزنا طويلا (30) .
وقالعليه السلام:
اني بطحت لكم الدنيا وجلستم على ظهرها، فلا ينازعنكم فيها الا المملوك والنساء، فاماالمملوك فلا تناز عوهم الدنيا; فانهم لم يتعرضوا لكم ما تركتم دنياهم، واما النساءفاتقوهن بالصوم والصلاة (31) .
وقالعليه السلام:
لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار فياناء واحد (32) .
وقيل له: لو اتخذت بيتا؟ قالعليه السلام: يكفينا خلقان من كان قبلنا (33) .
وقال عليه السلام:
ويل لصاحب الدنيا! كيف يموت ويتركها، ويامنها وتغره، ويثق بها وتخذله،؟!ويل للمفترين كيف رهقهم ما يكرهون، وفارقهم ما يحبون، وجاءهم ما يوعدون؟!وويل لمن الدنيا همه والخطايا امله؟! وكيف يفتضح غدا عند الله (34) ؟
وقيل لعيسى: علمنا عملا واحدا يحبنا الله عليه. قال: ابغضوا الدنيا يحببكم الله (35) .
وروي:
ان عيسى كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز هتماء عليها من كل زينة. فقال لهاكم تزوجت؟ فقالت: لااحصيهم. وقال: وكلهم مات عنك او كلهم طلقك. قالت: بل كلهمقتلت. فقال عيسى: بؤسا لازواجك الباقين كيف تهلكهم واحدا واحدا ولم يكونوا منكعلى حذر (36) ؟!
[قال] الامام الصادق عليه السلام:
تمثلت الدنيا لعيسى في صورة امراة زرقاء. فقال لها: كم تزوجت؟ قالت: كثيرا. قال:فكل طلقك؟ قالت: بل كلا قتلت قال: فويح ازواجك الباقين! كيف لا يعتبرونبالماضين (37) .
ان المكاشفة وقعت مكررا.
ومن كتاب تنبيه الخواطر: اوحى الله الى عيسى اذا انعمت عليك بنعمة فاستقبلهابالاستكانة اتممها عليك (38) .
قيل:
بينما عيسى بن مريم جالس وشيخ يعمل بمسحاة ويثير الارض، فقال عيسى: اللهمانزع منه العمل. فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبثساعة. فقال عيسى: اللهماردد اليه الامل. فقام فجعل يعمل. فساله عيسى عن ذلك; فقال: بينما انا اعمل اذ قالت لينفسي: الى متى تعمل وانتشيخ كبير، فالقيت المسحاة واضطجعت، ثم قالت لي نفسي: والله لابد لك من عيش ما بقيت، فقمت الى مسحاتي (39) .
وقالعليه السلام:
بماذا انفع امرؤ نفسه؟ باعها بجميع ما في الدنيا، ثم ترك ما باعها به ميراثا لغيره، واهلكنفسه، ولكن طوبى لامرئ خلص نفسه، واختارها على جميع الدنيا (40) .
وروي:
انه ذم المال وقال: فيه ثلاث خصال. فقيل: ما هن يا روح الله؟ قال: يكسب المرء منغير حله، وان هو كسبه من حله منعه من حقه، وان هو وضعه في حقه شغله اصلاحه عنعبادة ربه (41) .
وكان اذا مر بدار قد مات اهلها وخلف فيها غيرهم يقول:
ويحا لاربابك الذين ورثوك! كيف لم يعتبروا باخوانهم الماضين (42) ؟!
وكان يقول: يا دار، تخربين وتفني سكانك، ويا نفس اعلي ترزقي ويا حسد، انصبتسترح (43) .
وكان يقول:
يا ابن آدم الضعيف، اتق ربك، والق طمعك، وكن في الدنيا ضعيفا، وعن شهوتك عفيفا،عود جسمك الصبر، وقلبك الفكر، ولا تحبس لعذر رزقا; فانها خطيئة عليك، واكثرحمدا لله على الفقر; فان من العصمة ان لا تقدر على ما تريد (44) .
وقال: النوم على المزابل واكل خبز الشعير في طلب الفردوس يسير (45) .
وكان يقول: يا معشر الحواريين; تحببوا الى الله ببغض اهل المعاصي، تقربوا الى اللهبالتباعد منهم، والتمسوا رضاه بسخطهم (46) .
قال ابو عبد اللهعليه السلام: قال عيسى:
اشتدت مؤونة الدنيا ومؤونة الآخرة. اما مؤونة الدنيا فانك لا تمد يدك الى شيء منهاالا وجدت فاجرا قد سبقك اليها، واما مؤونة الآخرة فانك لا تجد اعوانايعينونك عليها (47) .
عن ابي عبد اللهعليه السلام: قال عيسى ابن مريم: من كثر كذبه ذهب بهاؤه (48) .
قال ابو عبد الله عليه السلام:
اجتمع الحواريون الى عيسى، فقالوا: يا معلم الخير، ارشدنا. فقال لهم: ان موسى كليماللهامركم ان لا تحلفوا بالله تبارك وتعالى كاذبين، وانا آمركم ان لا تحلفوا بالله كاذبينولا صادقين.
قالوا: يا روح الله، زدنا. فقال: ان موسى نبي الله امركم ان لا تزنوا، وانا آمركمان لا تحدثوا انفسكم بالزنى، فضلا عن ان تزنوا، فان من حدث نفسه بالزنى كمن اوقدفي بيت مزوق، فافسد التزاويق الدخان وان لم يحترق البيت (49) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
قال رسول اللهصلى الله عليه وآله: قالت الحواريون لعيسى بن مريم: يا روح الله، من نجالس؟ قال: منيذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله (50) .
وعن كتاب تحف العقول:
قال عيسى: يا بنياسرائيل; الم تسمعوا انه قيل لكم في التورية: صلوا ارحامكم، وكافئوااحبابكم. وانا اقول لكم: صلوا من قطعكم، واعطوا من منعكم، واحسنوا الى من اساءاليكم، وسلموا على من سبكم، وانصفوا من خاصمكم، واعفوا عن من ظلمكم كما تحبونان يعفى عن اساءتكم، فاعتبروا بعفو الله عنكم. الا ترون ان شمسه اشرقت على الابراروالفجار منكم، وان مطره ينزل على الصالحين والخاطئين منكم. فان كنتم لا تحبون الامن احبكم، ولا تحسنون الا من احسن اليكم، ولا تكافئون الا من اعطاكم فما فضلكماذا على غيركم.
وقد يصنع هذا السفهاء الذين ليست عندهم فضول ولا لهم احلام، ولكن ان اردتمان تكونوا احباء الله واصفياءه فاحسنوا الى من اساء اليكم، واعفوا عن من ظلمكم،وسلموا على من اعرض عنكم، اسمعوا قولي، واحفظوا وصيتي، وارعوا عهدي،كيما تكونوا علماء فقهاء (51) .
وقال عيسى عليه السلام :
يا بنياسرائيل، بحق اقول لكم: ان الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا، وكذا الحكمةتعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبر الجبار (52) .
وقال: من قدر على ان يغير الظالم ثم لا يغيره فهو كفاعله. (53) .
وقال: كيف يبلغ من يسافر بغير دليل؟ وكيف يصير الى الجنة من لا يبصر معالم الدين؟وكيف ينال مرضاة الله من لا يعطيه؟ (54) .
وقال: ان كل الناس يبصرون النجوم، ولكن لا يهتدي بها الا من يعرف مجاريها ومنازلها،وكذلك تدرسون الحكمة، ولكن لا يهتدي بها منكم الا من عمل بها (55) .
وقال: نقوا القمح وطيبوه، وادقوا طحنه تجدوا طعمه يهنئكم اكله، كذلك فاخلصواالايمان تجدوا حلاوته وينفعكم غبه (56) .
وقال: ان صغار الخطايا ومحقراتها لمن مكايد ابليس، يحقرها لكم ويصغرها في اعينكم،فتجمع فتكثر وتحيط بكم (57) .
وقال: ان حب الدنيا لراس كل خطيئة (58) .
وقال:
ان الناس في الحكمة رجلان: رجل اتقنها بقوله وضيعها بسوء فعله، ورجل اتقنها بقولهوصدقها بفعله، وشتان بينهما. فطوبى للعلماء بالفعل! وويل للعلماء بالقول (59) .
وقال: كل عمل صالح يقرب الى الله فالصلاة اقرب اليه وآثر عنده (60) .
وقال: ويلكم يا علماء السوء، انكم لتعملون عمل الملحدين، وتاملون امل الوارثين (61) .
وقال: ماذا يغني عن الحسد اذا كان ظاهره صحيحا وباطنه فاسدا (62) .
وقال: لا تكونوا كالمنخل يخرج الدقيق الطيب ويمسك النخالة، كذلك انتم تخرجونالحكمة من افواهكم ويبقى الغل في صدوركم (63) .
وقال: ابداوا بالشر فاتركوه، ثم اطلبوا الخير ينفعكم (64) .
وقال: ان الحكيم يعتبر بالجاهل، والجاهل يعتبر بهواه (65) .
وقال: ان احدكم يبغض صاحبه على الظن ولا يبغض نفسه على اليقين (66) .
وقال: ان الاجر محروص عليه ولا يدركه الا من عمل له (67) .
وقال: ان الزرع لا يصلح الا بالماء والتراب، كذلك الايمان لا يصلح الا بالعلم والعمل (68) .
وقال: ان الماء يطفئ النار، كذلك الحلم يطفئ الغضب (69) .
وقال: ان الحكمة نور كل قلب، والتقوى راس كل حكمة (70) .
وقال:ان نقل الحجارة من رؤوس الجبال افضل من ان تحدث من لا يعقل عنك (71) .
لقد كانت مواعظ الله عز وجل لانبيائه من باب «اياك اعني واسمعي يا جارة»،فان المخاطب بها هو النبي، ولكن المقصود بها امته، بل جميع الخلق; فان الاتعاظ بهاسعادة الدارين.
وقد يفيد ان النبي - وهو اشرف الخلق - اذا كان يطلب الموعظة فغيره من الناس اشداحتياجا اليها.
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
اوحى الله الى عيسى ابن مريم: يا عيسى، هب لي من عينيك الدموع، ومن قلبكالخشوع، واكحل عينيك بميل الحزن اذا ضحك البطالون، وقم على قبور الاموات، فنادهمبالصوت الرفيع; لعلك تاخذ موعظتك منهم، وقل اني لاحق في اللاحقين (72) .
[قال] الامام الصادقعليه السلام:
كان في ما وعظ الله تبارك وتعالى به عيسى بن مريم ان قال له: يا عيسى، انا ربك وربآبائك، اسمي واحد، وانا الاحد المتفرد بخلق كل شيء، وكل شيء من صنعي، وكل خلقي اليراجعون.
يا عيسى، انت المسيح بامري، وانت تخلق من الطين كهيئة الطير باذني، وانت تحيي الموتىبكلامي، فكن الي راغبا، ومني راهبا، فانك لم تجد مني ملجا الا الي.
يا عيسى، اوصيك وصية المتحنن عليك بالرحمة حين حقت لك مني الولاية بتحريك منيالمسرة، فبوركت كبيرا، وبوركت صغيرا، حيثما كنت اشهد انك عبدي وابن امتي.
يا عيسى، انزلني من نفسك كهمك، واجعل ذكري لمعادك، وتقرب الي بالنوافل، وتوكلعلي اكفك، ولا تول غيري فاخذلك.
يا عيسى، اصبر على البلاء، وارض بالقضاء، وكن كمسرتي فيك، فان مسرتي ان اطاعفلا اعصى، احيي ذكري بلسانك وليكن ودي في قلبك.
يا عيسى، تيقظ في ساعات الغفلة، واحكم لي بلطيف الحكمة.
يا عيسى، كن راغبا راهبا، وامت قلبك بالخشية.
يا عيسى، راع الليل لتحري مسرتي، واظما نهارك ليوم حاجتك عندي.
يا عيسى، نافس في الخير جهدك، لتعرف بالخير حيثما توجهت.
يا عيسى، احكم في عبادي بنصحي، وقم فيهم بعدلي، فقد انزلت عليك شفاء لما فيالصدور من مرض الشيطان.
يا عيسى، لا تكن جليسا لكل مفتون.
يا عيسى، حقا اقول: ما آمنتبي خليقة الا خشعت لي، وما خشعت لي الا رجت ثوابي،فاشهدك انها آمنة من عقابي ما لم تغير او تبدل سنتي.
يا عيسى ابن البكر البتول، ابك على نفسك بكاء من قد ودع الاهل، وقلى الدنيا وتركهالاهلها، وصارت رغبته في ما عند الله.
يا عيسى، كن مع ذلك تلين الكلام وتفشي السلام. يقظان اذا نامت عيون الابرار; حذاراللمعاد والزلازل الشداد، واهوال يوم القيامة، حيث لا ينفع اهل ولا ولد ولا مال.
يا عيسى، اكحل عينيك بميل الحزن اذا ضحك البطالون.
يا عيسى، كن خاشعا صابرا، فطوبى لك، ان نالك ما وعد الصابرون.
يا عيسى، رح من الدنيا يوما فيوما، وذق ما ذهب طعمه، فحقا اقول: ما انت الا بساعتكويومك، فرح من الدنيا بالبلغة، وليكفك الخشن الجشب، فقد رايت الى ما تصير، ومكتوبما اخذت، وكيف اتلفت.
يا عيسى، انك مسؤول، فارحم الضعيف كرحمتي اياك، ولا تقهر اليتيم.
يا عيسى، ابك على نفسك في الصلاة والخلوات، وانقل قدميك الى موضع الصلوات،واسمعني لذاذة نطقك بذكري، فان صنيعي اليك احسن.
يا عيسى، كم من امة قد اهلكتها بسالف ذنب قد عصمتك منه.
يا عيسى، ارفق بالضعيف، وارفع طرفك الكليل الى السماء وادعني، فاني منك قريب،ولا تدعني الا متضرعا الي، وهمك هم واحد، فانك عوني كذلك احبك.
يا عيسى، لم ارض بالدنيا ثوابا لمن كان قبلك، ولا عقابا لمن انتقمت منه.
يا عيسى، انك تفني وانا ابقي، ومني رزقك، وعندي ميقات اجلك، والي ايابك، وعليحسابك، فاسالني، ولا تسال غيري، فيحسن منك الدعاء ومني الاجابة.
يا عيسى، ما اكثر البشر، واقل عدد من صبر! الاشجار كثيرة وطيبها قليل، فلا يغرنكحسن شجرة حتى تذوق ثمرتها.
يا عيسى، لايغرنك المتمرد علي بالعصيان ياكل رزقي ويعبد غيري، ثم يدعوني عندالكرب فاجيبه، ثم يرجع الى ما كان عليه بسخطي، افعلي يتمرد ام لسخطي يتعرض؟! فبيحلفت لآخذنه اخذة ليس له منجا ولا دوني ملتجا، اين يهرب من سمائي وارضي؟!
يا عيسى، قل لظلمة بنياسرائيل: لا تدعوني والسحت تحت احضانكم، والاصنام فيبيوتكم. فاني آليت ان اجيب من دعاني، وان اجعل اجابتي اياهم لعنا عليهم حتى يتفرقوا.
يا عيسى، كم اطيل النظر، واحسن الطلب، والقوم في غفلة لا يرجعون، تخرج الكلمة منافواههم لاتعيها قلوبهم، يتعرضون لمقتي، ويتحببون بي الى المؤمنين؟!
يا عيسى، ليكن لسانك في السر والعلانية واحدا، وكذلك فليكن قلبك وبصرك، واطوقلبك ولسانك عن المحارم، وغض طرفك عما لا خير فيه، فكم ناظر نظرة زرعت في قلبهشهوة، واوردته موارد الهلكة.
يا عيسى، كن رحيما مترحما، وكن للعباد كما تشاء ان يكون العباد لك، واكثر ذكر الموت،ومفارقة الاهلين، ولا تله، فان اللهو يفسد صاحبه، ولا تغفل فان الغافل مني بعيد، واذكرنيبالصالحات حتى اذكرك.
يا عيسى، تب الي بعد الذنب، وذكر بي الاوابين، وآمن بي، وتقرب الى المؤمنين، ومرهميدعوني معك. واياك ودعوة المظلوم، فاني آليت على نفسي ان افتح لها بابا من السماء،وان اجيبه ولو بعد حين.
يا عيسى، اعلم ان صاحب السوء يغوي، وان قرين السوء يردي، فاعلم من تقارن،واختر لنفسك اخوانا من المؤمنين.
يا عيسى، تب الي، فانه لايتعاظمني ذنب ان اغفره وانا ارحم الراحمين.
يا عيسى، اعمل لنفسك في مهلة من اجلك قبل ان لايعمل لها غيرك، واعبدني ليوم كالفسنة مما تعدون، فاني اجزي بالحسنة اضعافها، وان السيئة توبق صاحبها، وتنافس في العملالصالح، فكم من مجلس قد نهض اهله، وهم مجاورون من النار.
يا عيسى، ازهد في الفاني المنقطع، وطا رسوم منازل من كان قبلك فادعهم، وناجهم هلتحس منهم من احد، فخذ موعظتك منهم، واعلم انك ستلحقهم في اللاحقين.
يا عيسى، قل لمن تمرد بالعصيان، وعمل بالادهان يستوقع عقوبتي وينتظر اهلاكي اياه،سيصطلم مع الهالكين.
طوبى لك يا ابن مريم، ثم طوبى لك، ان اخذت بادب الهك الذي يتحنن عليك ترحما،وبداك بالنعم منه تكرما، وكان لك في الشدائد.
لا تعصه يا عيسى، فانه لا يحل لك عصيانه، قد عهدت اليك كما عهدت الى من كان قبلك،وانا على ذلك من الشاهدين.
يا عيسى، ما اكرمتخليقة بمثل ديني، ولا انعمت عليها بمثل رحمتي.
يا عيسى، اغسل بالماء منك ما ظهر، وداو بالحسنات منك ما بطن، فانك الي راجع.
يا عيسى، اعطيتك ما انعمتبه عليك فيضا من غير تكدير، وطلبت منك قرضا لنفسك،فبخلتبه عليها لتكون من الهالكين.
يا عيسى، تزين بالدين، وحب السالكين، وامش على الارض هونا، وصل على البقاعفكلها طاهر.
يا عيسى، شمر، فكل ما هو آت قريب، واقرا كتابي وانت طاهر، واسمعني منك صوتاحزينا.
يا عيسى، لا خير في لذاذة لا تدوم، وعيش من صاحبه يزول.
يابن مريم، لو رات عينك ما اعددت لاوليائي الصالحين ذاب قلبك، وزهقت نفسك شوقااليه، فليس كدار الآخرة دار تجاوز فيها الطيبون، ويدخل عليهم فيها الملائكة المقربون، وهممما ياتي يوم القيامة من اهوالها آمنون. دار لا يتغير فيها النعيم ولا يزول عن اهلها.
يابن مريم، نافس فيها مع المتنافسين، فانها امنية المتمنين، حسنة المنظر. طوبى لك ياابن مريم، ان كنت لها من العاملين، مع آبائك آدم وابراهيم في جنات ونعيم، لا تبغي لها بدلاولا تحويلا، كذلك افعل بالمتقين.
يا عيسى، اهرب الي مع من يهرب من نار ذات لهب، ونار ذات اغلال وانكال لا يدخلهاروح ولا يخرج منها غم ابدا، قطع كقطع الليل المظلم. من ينج منها يفز، ولن ينجو منها من كانمن الهالكين، هي دار الجبارين والعتاة الظالمين وكل فظ غليظ، وكل مختال فخور.
يا عيسى، بئست الدار لمن ركن اليها، وبئس القرار دار الظالمين،اني احذرك نفسكفكن بي خبيرا.
يا عيسى، كن حيث ما كنت مراقبا لي، واشهد علي اني خلقتك وانت عبدي، وانيصورتك والى الارض اهبطتك.
يا عيسى، لا يصلح لسانان في فم واحد، ولا قلبان في صدر واحد، كذلك الاذهان.
يا عيسى، لا تستيقظن عاصيا ولا تستنبهن لاهيا، وافطم نفسك عن الشهوات الموبقات،وكل شهوة تباعدك مني فاهجرها، واعلم انك مني بمكان الرسول الامين، فكن مني على حذر،واعلم ان دنياك مؤديتك الي، واني آخذك بعلمي، وكن ذليل النفس عند ذكري، خاشع القلبحين تذكرني، يقظانا عند نوم الغافلين.
يا عيسى، هذه نصيحتي اياك وموعظتي لك، فخذها مني فاني رب العالمين.
يا عيسى، اذا صبر عبدي في جنبي كان ثواب عمله علي، وكنت عنده حين يدعوني،وكفى بي منتقما ممن عصاني; اين يهرب مني الظالمون؟!
يا عيسى، اطب الكلام، وكن حيثما كنت عالما متعلما.
يا عيسى، افض بالحسنات الي حتى يكون لك ذكرها عندي، وتمسك بوصيتي فان فيهاشفاء للقلوب.
يا عيسى، لا تامن اذا مكرت مكري. ولا تنس عند خلوات الدنيا ذكري.
يا عيسى، حاسب نفسك بالرجوع الي حتى تتنجز ثواب ما عمله العاملون، اولئك يؤتوناجرهم وانا خير المؤتين.
يا عيسى، كنتخلقا بكلامي. ولدتك مريم بامري المرسل اليها روحي جبرائيل الامينمن ملائكتي، حتى قمت على الارض حيا تمشي، كل ذلك في سابق علمي.
يا عيسى، زكريا بمنزلة ابيك، وكفيل امك; اذ يدخل عليها المحراب فيجد عندها رزقا،ونظيرك يحيى من خلقي، وهبته لامه بعد الكبر من غير قوة بها، اردت بذلك ان يظهر لهاسلطاني، وتظهر فيك قدرتي، احبكم الي اطوعكم لي، واشدكم خوفا مني.
يا عيسى، تيقظ ولا تياس من روحي، وسبحني مع من يسبحني، وبطيب الكلام فقدسني.
يا عيسى، كيف يكفر العباد بي ونواصيهم في قبضتي، وتقلبهم في ارضي؟ يجهلون نعمتي،ويتولون عدوي، وكذلك يهلك الكافرون.
يا عيسى، ان الدنيا سجن منتن الريح وحش، وفيها ما قدترى مما قد الح عليه الجبارون،واياك والدنيا فكل نعيمها يزول، وما نعيمها الا قليل.
يا عيسى، ابغني عند وسادك تجدني، وادعني وانت لي محب فاني اسمع السامعين، استجيبللداعين اذا دعوني.
يا عيسى، خفني وخوف بي عبادي، لعل المذنبين ان يمسكوا عما هم عاملون به فلا يهلكواالا وهم يعلمون.
يا عيسى، ارهبني رهبتك من السبع، والموت الذي انت لاقيه، فكل هذا انا خلقتهفايايفارهبون.
يا عيسى، ان الملك لي وبيدي، وانا الملك، وان تطعني ادخلتك جنتي في جوار الصالحين.
يا عيسى،اني ان غضبت عليك لم ينفعك رضى من رضي عنك، وان رضيت عنك لم يضركغضب المغضبين.
يا عيسى، اذكرني في نفسك اذكرك في نفسي، واذكرني في ملئك اذكرك في ملا خير منملا الادميين.
يا عيسى، ادعني دعاء الحزين الغريق الذي ليس له مغيث.
يا عيسى، لا تحلف باسمي كاذبا فيهتز عرشي غضبا.
يا عيسى، الدنيا قصيرة العمر، طويلة الامل، وعندي دار خير مما يجمعون.
يا عيسى، قل لظلمة بنياسرائيل: غسلتم وجوهكم ودنستم قلوبكم، ابي تغترون ام عليتجترؤون، تتطيبون بالطيب لاهل الدنيا واجوافكم عندي بمنزلة الجيف المنتنة، كانكم اقوامميتون.
يا عيسى، قل لهم: قلموا اظفاركم من كسب الحرام، واصموا اسماعكم عن ذكر الخناء،واقبلوا علي بقلوبكم، فاني لست اريد صوركم.
يا عيسى، ذل لاهل الحسنة وشاركهم فيها، وكن عليهم شهيدا، وقل لظلمة بنياسرائيل:يا اخدان السوء والجلساء عليه، ان لم تنتهوا امسخكم قردة وخنازير.
يا عيسى، قل لظلمة بنياسرائيل: الحكمة تبكي فرقا مني وانتم بالضحك تهجرون! اتتكمبراءتي ام لديكم امان من عذابي ام تتعرضون لعقوبتي؟! فبي حلفت لاتركنكم مثلا للغابرين.
ثماني اوصيك يا ابن مريم البتول، بسيد المرسلين، وحبيبي منهم، فهو احمد صاحب الجملالاحمر، والوجه الاقمر المشرق بالنور، الطاهر القلب، الشديد الباس، الحيي المتكرم، فانه رحمةللعالمين، وسيد ولد آدم عندي يوم يلقاني اكرم السابقين علي، واقرب المرسلين مني، العربيالامي الديان بديني الصابر في ذاتي، المجاهد للمشركين بيده عن ديني.
يا عيسى، آمرك ان تخبر به بنياسرائيل وتامرهم ان يصدقوا به، ويؤمنوا به، وان يتبعوهوينصروه.
قال عيسى: الهي من هو؟ قال: يا عيسى ارضه فلك الرضى.
قال: اللهم رضيت فمن هو؟ قال: محمد رسول الله الى الناس كافة، اقربهم مني منزلة،واوجبهم عندي شفاعة، طوباه من نبي وطوباه لامته.
انهم لقوني على سبيله يحمده اهل الارض، ويستغفر له اهل السماء، امين ميمون، مطيبخير الماضين والباقين عندي.
يكون في آخر الزمان اذا خرج ارخت السماء عزاليها، واخرجت الارض زهرتها حتىيروا البركة، وابارك فيما وضع يده عليه.
يا عيسى، دينه الحنفية، وقبلته مكية، وهو من حزبي، وانا معه. فطوباه وطوباه، له الكوثروالمقام الاكبر من جنات عدن، يعيش اكرم معاش، ويقبض شهيدا، له حوض ابعد من مكةالى مطلع الشمس من رحيق مختوم، فيه آنية مثل نجوم السماء واكواب مثل مدر الارض، ماؤهعذب، فيه من كل شراب، وطعم كل ثمار في الجنة، من شرب منه شربة لم يظما بعدها ابدا.
ابعثه على فترة بينك وبينه يوافق سره علانيته، وقوله فعله، لايامر الناس الابما يبداهم به، دينه الجهاد في عسر ويسر، تنقاد له البلاد، ويخضع له صاحب الروم على دينهودين ابيه ابراهيم.
يسمي عند الطعام، ويفشي السلام، ويصلي والناس نيام، له كل يوم خمس صلواتمتواليات، ينادي الى الصلاة كنداء الجيش بالشعار، ويفتتح بالتكبير، ويختتم بالتسليم،ويصف قدميه في الصلاة، كما تصف الملائكة اقدامها، ويخشع له قلبه وراسه.
النور في صدره، والحق في لسانه، وهو على الحق حيثما كان. اصله يتيم ضال برهة منزمانه عما يراد به.
تنام عيناه ولا ينام قلبه، له الشفاعة، وعلى امته تقوم الساعة، ويدي فوق ايديهم اذابايعوه، فمن نكث فانما ينكث على نفسه، ومن اوفى بما عاهد عليه وفيت له بالجنة.
فمر ظلمة بنياسرائيل ان لا يدرسوا كتبه، ولا يحرفوا سنته، وان يقرؤوه السلام، فان له فيالمقام شانا من الشان.
يا عيسى، كل ما يقربك مني فقد دللتك عليه، وكلما يباعدك مني قد نهيتك عنه،فارتد لنفسك.
يا عيسى، ان الدنيا حلوة، وانما استعملتك فيها لتطيعني، فجانب منهاما حذرتك،وخذ منها ما اعطيتك عفوا.
يا عيسى، انظر في عملك نظر العبد المذنب الخاطئ، ولا تنظر في عمل غيرك نظر الرب،وكن فيها زاهدا، ولا ترغب فيها فتعطب.
يا عيسى، اعقل وتفكر وانظر في نواحي الارض كيف كان عاقبة الظالمين؟
يا عيسى، كل وصيتي نصيحة لك، وكل قولي لك حق، وانا الحق المبين و - حقا - اقول:لئن عصيتني بعد ان انباتك ما لك من دوني ولي ولا نصير.
يا عيسى، اطب لي قلبك، واكثر ذكري في الخلوات، واعلم ان سروري ان تبصبص الي،وكن في ذلك حيا، ولا تكن ميتا.
يا عيسى، لا تشرك بي شيئا، وكن مني على حذر، ولا تغتر بالصحة، ولا تغبط نفسك فيالامور الدنيوية، فان الدنيا كفيء زائل، وما اقبل منها كما ادبر. فنافس في الصالحات جهدك،وكن مع الحق حيثما كان، وان قطعت واحرقتبالنار فلا تكفر بي بعد المعرقة، ولا تكن معالجاهلين، فان الشيء يكون مع الشيء.
يا عيسى، صب لي الدموع من عينيك، واخشع لي بقلبك.
يا عيسى، استغثبي في حالات الشدائد، فاني اغيث المكروبين، واجيب المضطرين، واناارحم الراحمين (73) .
پىنوشتها:
1) امالي الصدوق ، ص 343 ، ح 17; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 286 ، ح 7 .
2) الخصال ، ج 1 ، ص 6 ، باب الواحد ، ح 17; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 287 ، ح 9 .
3) امالي الصدوق ، ص 300 ، ح12; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 287 ، ح 10 .
4) امالي الصدوق ، ص 414 ، ح 8; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 287 ، ح 11 .
5) امالي الصدوق ، ص 401 ، المجلس الخامس والسبعون ، ح 1; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 304 ، ح 15 .
6) امالي الصدوق ، ص 401 ، المجلس الخامس والسبعون ، ح 2; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 304 ، ح 16 .
7) امالي الصدوق ، ص 436 ، المجلس الحادي والثمانون ، ح 3; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 318 ، ح18 .
8) الخصال ، ج 1 ، ص 65 ، باب الاثنين ، ح 95; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 319 ، ح 21 .
9) الخصال ، ج 1 ، ص 113 ، باب الثلاثة ، ح 91; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 319 ، ح 22 .
10) الخصال ، ج 1 ، ص 295 ، باب الخمسة ، ح 62; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 320 ، ح 23 .
11) امالي الطوسي ، ص 208 ، ح 356/6; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 320 ح 25 .
12) علل الشرائع ، ج 2 ، باب 252 ، ص 497 ، ح 1; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 320 ، ح 26 .
13) علل الشرائع ، ج 2 ، باب 377 ، ص 575 ، ح 1; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 321 ، ح 28 .
14) علل الشرائع ، ج 2 ، باب 377 ، ص 575 ، ح 1; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 321 ، ح 29 .
15) معاني الاخبار ، ص 252 ، باب معنى الزهد ، ح 5; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 321 ، ح 30 .
16) الاختصاص ، ص 221; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 324 ، ح 36 .
17) قصص الانبياء ، ص 271 ، ح 317; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 324 ، ح 37 .
18) الدفلى كذكرى . نبت مر قتال زهره كالورد احمر وابيض .
19) امالي المفيد ، ص 208; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 324 ، ح 38 .
20) عدة الداعي ، ص 106; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 325 ، ح 39 .
21) بحار الانوار ، ج 14 ، ص 326 ، ح 40 .
22) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 88; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 326 ، ح 41 .
23) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 84; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 326 ، ح 42 .
24) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 91 .
25) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 94 .
26) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 104; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 326 ، ح 45 .
27) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 104; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 327 ، ح 46 .
28) تنبيه الخواطر ، ج 1 ص 125; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 327 ، ح 47 .
29) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 137; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 327 ، ح 48 .
30) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 137 ، بحار الانوار ، ج 14 ، ص 327 ، ح 49 .
31) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 137; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 327 ، ح 50 .
32) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 137; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 327 ، ح 51 .
33) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 137; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 327 ، ح 52 .
34) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 140; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 328 ، ح 54 .
35) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 142; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 328 ، ح 55 .
36) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 154; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 328 ، ح 56 .
37) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 154; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 330 ، ح 67 .
38) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 210; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 328 ، ح 57 .
39) تنبيه الخواطر ، ج 1 ، ص 280; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 329 ، ح 58 .
40) تنبيه الخواطر ، ج 2 ، ص 434; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 329 ، ح 59 .
41) تنبيه الخواطر ، ج 2 ، ص 437; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 329 ، ح 60 .
42) تنبيه الخواطر ، ج 2 ، ص 538; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 329 ، ح 61 .
43) تنبيه الخواطر ، ج 2 ، ص 539; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 329 ، ح 62 .
44) تنبيه الخواطر ، ج2 ، ص548; بحار الانوار ، ج14 ، ص329 ، ح63 .
45) تنبيه الخواطر ، ج2 ، ص549; بحار الانوار ، ج14 ، ص330 ، ح64 .
46) تنبيه الخواطر ، ج2 ، ص554; بحار الانوار ، ج14 ، ص330 ، ح65 .
47) الكافي ، ج8 ، ص126 ، ح112;بحار الانوار ، ج14 ، ص330 ، ح69 .
48) الكافي ، ج2 ، ص341 ، ح13; بحار الانوار ، ج14 ، ص330 ، ح70 .
49) الكافي ، ج5 ، ص542 ، ح7; بحار الانوار ، ج14 ، ص331 ، ح71 .
50) الكافي ، ج1 ، ص39 ، ح3; بحار الانوار ، ج14 ، ص331 ، ح72 .
51) تحف العقول ، ص374; بحار الانوار ، ج14 ، ص306 ، ح17 .
52) تحف العقول ، ص375; بحار الانوار ، ج14 ، ص308 ، ح17 .
53) تحف العقول ، ص 376; بحار الانوار ، ج14 ، ص 308 ، ح17 .
54) تحف العقول ، ص377; بحارالانوار ، ج14 ، ص308 ، ح17 .
55) و 56) تحف العقول ، ص 378; بحار الانوار ، ج14 ، ص310 ، ح17 .
57) تحف العقول ، ص 379; بحار الانوار ، ج14 ، ص 311 ، ح17 .
58) تحف العقول ، ص 379; بحار الانوار ، ج14 ، ص310 ، ح17 .
59) تحف العقول ، ص 379; بحار الانوار ، ج14 ، ص 312 ، ح17 .
60) تحف العقول ، ص 379; بحار الانوار ، ج14 ، ص311 ، ح17 .
61) تحف العقول ، ص 380; بحار الانوار ، ج14 ، ص 313 ، ح17 .
62) تحف العقول ، ص 380; بحار الانوار ، ج14 ، ص 314 ، ح17 .
63) و 64) تحف العقول ، ص 381; بحار الانوار ، ج14 ، ص 314 ، ح17 .
65) و 66) تحف العقول ، ص 381; بحار الانوار ، ج14 ، ص 315 ، ح17 .
67) تحفالعقول ، ص 382; بحار الانوار ، ج14 ، ص 315 ، ح17 .
68) و 69) تحف العقول ، ص 382; بحار الانوار ، ج14 ، ص 316 ، ح17 .
70) تحف العقول ، ص 382; بحار الانوار ، ج14 ، ص 316 ، ح17 .
71) تحف العقول ، ص 383; بحار الانوار ، ج14 ، ص 315 ، ح17 .
72) الكافي ، ج 8 ، ص 115 ، ح 103; بحار الانوار ، ج 14 ، ص 290 ، ح 14; امالي الصدوق ، ص 416 ، المجلس الثامنوالسبعون ، ح 1 .
73) الكافي ، ج8 ، ص 115 ، ح103; امالي الصدوق ، ص 416 ، المجلس الثامن والسبعون ، ح1; بحار الانوار ، ج14 ، ص 289 - 299 ، ح14; تحف العقول ، ص 368 .
كان المسيح سماويا، فانزله الله، ونفخه في امه، وجعله ارضيا، ثم صار سماويا، وعرج بهالله الى السماء، ومكث هناك ما شاء الله، ثم شاء ربه ان يجعله ارضيا، ويعيش في الارض اكثرما عاش فيه في المرة الاولى، فهو سماوي ارضي، وارضي سماوي.
واليك ما ورد في احاديث اخواننا اهل السنة.
روى البخاري في صحيحه عن ابي هريرة: قال رسول الله: «كيف انتم اذا نزل ابن مريموامامكم منكم؟» (1) .
وسمع سعيد بن المسيب ابا هريرة يقول: قال رسول اللهصلى الله عليه وآله:
والذي نفسي بيده ليوشكن ان ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتلالخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال، حتى لا يقبله احد حتى تكون السجدة الواحدةخير من الدنيا وما فيها» (2) .
وروى ابو داود في سننه عن ابي هريرة، ان النبيصلى الله عليه وآله قال:
ليس بيني وبينه نبي، يعني عيسى وانه نازل، فاذا رايتموه فاعرفوه، رجل مربوع الىالحمرة والبياض، بين ممصرتين، كان راسه يقطر وان لم يصبه بلل، فيقاتل الناسعلى الاسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه المللكلها الا الاسلام، ويهلك المسيح الدجال، فيمكث في الارض اربعين سنة، ثم يتوفىفيصلي عليه المسلمون (3) .
ان المتبادر من كلام ابي هريرة بقوله: «قال رسول الله» يفيد انه لم يسمع هذا الكلام منالنبيصلى الله عليه وآله، ولعله سمع ممن سمعه منهصلى الله عليه وآله، والا كان يقول: سمعت رسول اللهصلى الله عليه وآله.
الممصرة: هي الثياب التي فيها صفرة خفيفة.
اي ينزل عيسى بين ثوبين فيهما صفرة خفيفة.
وروى الطبرسي في كتاب الاحتجاج عن الحسن بن علي انه قال: ما منا احد الا ويقع فيعنقه بيعة لطاغية زمانه. الا القائم الذي يصلي خلفه روح الله عيسى بن مريم (4) .
والمتبادر منه ان القائم من اهل البيت، ولكنه ليس من ولدهعليه السلام، كما ان المستفاد من هذهالنصوص ان المسيحعليه السلام يهبط الى الارض وهو مسلم حين كان الحكم الاسلامي سائدا علىالبلاد، وذلك عند ظهور الامام المهديعليه السلام ويصلي مع المهدي، ويعيش المسيح اربعين سنة،وهو حاكم عدل في تلك الدولة العادلة المباركة، يجاهد الكفار.
ولما كان من محاسن ذلك العصر فقد الفقير، وعموم الثراء بحيث لا يوجد فقير حتى ياخذالجزية، فيضع الجزية.
وقد اخبر النبيصلى الله عليه وآله امته بشمائل المسيحعليه السلام ب.
انه رجل مربوع القامة، ليس بطويل ولا قصير، ووجهه متهلل يشع بالنور، فيظن الرائيانه يقطر، وان الذي يلبسه المسيح عند الهبوط ثوبان مصبغتان بصبغة الله، بصفرة خفيفة.
ومما يلفت النظر في كلام النبيصلى الله عليه وآله اخباره بانه ليس بينه وبين المسيح نبي في الفترة الواقعةبين نبوة المسيح ورسالة محمدصلى الله عليه وآله.
وتفيد النصوص ان المسيح يقتل الدجال، وهو ابليس ذلك العصر، كما ان جميع الملل فيذلك العصر يصيرون ملة واحدة معتنقين للاسلام - دين الله - فتسود السلامة علىوجهالارض، فلا وجود لمظلوم من اجل انتفاء وجود الظالم، وصيرورة جميع الناس داخلينفي السلم كافة، وبعد مضي اربعين سنة لحياة المسيحعليه السلام المقدسة توافيه المنية، ويصلي عليهالمؤمنون.
پىنوشتها:
1) صحيح البخاري ، ج2 ، ص 365 .
2) سنن ابي داود ، ج4 ، ص 498 ، ح 4324 .
3) سنن ابي داود ، ج4 ، ص 498و 499 ، ح4324 .
4) الاحتجاج ، ج2 ، ص 68 ، ح157; بحار الانوار ، ج14 ، ص349 ، ح12; بحار الانوار ، ج44 ، ص19 ، ح3; بحار الانوار ،ج51 ، ص 132 ، ح1; بحار الانوار ، ج52 ، ص 279 .
«الاحتجاج»، ابو منصور، احمد بن علي بن ابيطالب، الطبرسي، م588، مجلدان حققه الشيخ ابراهيمالبهادري و الشيخ محمد هادي به، دارالاسوة. 1413.
«الاختصاص»، عبدالله محمدبن محمدبن النعمان العكبري الملقب بالشيخ المفيد (336 - 413)، تصحيحعلي اكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الاسلامي.
«امالي الصدوق»، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق)، (306 - 381)، بيروت،مؤسسة الاعلمي، 1400.
«امالي الطوسي»، ابو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (385 - 460)، تحقيق قسم الدراسات الاسلاميةلمؤسسة البعثة، نشر دار الثقافة، 1414.
«الامالي»، محمد بن محمدبن النعمان العكبري الملقب بالشيخ المفيد (336 - 413) تحقيق حسين استاد ولىوعلى اكبر الغفاري، المطبعة الاسلامية، 1403، قم، مؤسسة النشر الاسلامي.
«بحار الانوار»، العلامة محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (1037 - 1110)، اعداد عدة من العلماء، الطبعةالثالثة، 110 مجلد، [بالاوفست عن طبعة ايران]، بيروت، دار احياء التراث العربي، 1403.
«تحف العقول»، ابو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني (336 - 413)، الطبعة الخامسة،1394، بيروت، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات.
«تفسير العياشي»، ابو النصر محمدبن مسعودبن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي، مجلدان، تصحيح السيد هاشم الرسولي المحلاتي، بيروت، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، 1411.
«تنبيه الخواطر ونزهة النواظر»، ابو الحسين ورام بن ابي فراس الملكي الاشتري، م605، دار الكتبالاسلامية، الطبعة الثانية، 1368ش. مجلدان.
«الخصال»، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق) (306 - 381) قم، مؤسسةالنشر الاسلامي، اعداد علي اكبر الغفاري. 1403ق.
«سنن ابي داود»، سليمان بن الاشعث السجستاني (203 - 275)، تحقيق عزت عبيد الدعاس، 4 مجلدات،سورية، دار الحديث، 1388.
«صحيح البخاري»، ابو عبد الله محمدبن اسماعيل البخاري (194 - 256)، تحقيق احمد محمد شاكر، الطبعةالثالثة، 9 مجلدات، بيروت، دار الجيل، 1330.
«عدة الداعي»، احمد بن فهد الحلي (757 - 841)، تصحيح احمد الموحدي القمي، دار الكتاب الاسلامي،1407.
«علل الشرائع»، ابو جعفر محمدبن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق) (306 - 381)، قم، مطبعةالداوري.
«قصص الانبياء»، قطب الدين سعد بن هبة الله الراوندي، م573، حققه الشيخ غلامرضا العرفانيان،مشهد، 1409.
«الكافي»، ثقة الاسلام ابو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، م328 او 329، تصحيح على اكبر الغفاري،8 مجلدات، دار الاضواء - بيروت.
«معاني الاخبار»، ابو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق)، (306 - 381)، تصحيحالشيخ علي اكبر الغفاري، قم، مؤسسة النشر الاسلامي، 1379.