بسم الله الرحمن الرحيم

 

التوضيح في بيان حال الانجيل والمسيح

 

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

 

 

(لماذا نحن نريد نكتب هذه الحقائق)

نحن معشر المسلمين في مصر العزيزة ـ، قد بُلينا بجماعة من جالية النزلاء والأجانب الذين قطنوا أوطاننا المحبوبة، ونزلوا علينا فأحسنّا نُزلهم، وأكرمنا جوارهم، وارفقنا صحابتهم، والطفنا مجاملتهم، فكان جزاؤنا منهم على حسن الجوار، جزاء سنمَّار(1)، أو مجير أمّ عامر(2).

 

يُلاقي الذي لاقى مجير أمِ عامر

ومن يصنعِ المعروفَ مع غير أهله

 

حتى فشا طغيانهُم، واشتّد عدوانهم، فعادوا في هذه السنين يسبُّون ديننا جهرة، ويشتمون نبينا علانيه، وقد فتحوا مدارس التعليم، ونوادي التبشير، ومحافل الدعوة، ومحاضر المستشفيات، يستميلون صبياننا، ويستغوون ولداننا، ويحاربوننا في بلادنا، ويختلسون ذرارينا نصب عيوننا من ايدينا، وما من يوم وليلة إلاّ ويقوم خطباؤهم في نوادي تبشيرهم يسبون دين الإسلام، ويطعنون في القرآن الكريم، ويشتمون النبي العربي، بكل شتيمه، ويهضمون الحق بكل هضيمه، يقولون والقائل أحقُّ بما يقول انه (حاشا كرامته المقدّسة) غدر وفجر وكفر وسكر وزنى وظلم وهضم إلى آخر ما هم أولى به واحرى.

وما من يوم إلاّ ولهم في ذلك نشرات ومؤلفات توزع في الأسواق والشوارع والترامويات والسكك، والحكومة المصرية لا تمنع ولا تدفع، أو لا تقدر على المنع والدفع، والحكومة المحتلة ترقص لذلك طرباً، وتلقي على النار حطباً،

____________

1- سنمَّار: مهندس بنى الخورنق وحينما تم رماه الملك من فوق القصر.

2- أم عامر: اسم للضبع جاءت ليلا ودخلت في خيمة اعرابي من رجال يريدون قتلها، فجارها الرجل ومنع من قتلها، وحينما اصبح الصباح اكلت ابنه وقتلته وهربت، لمعرفة التفاصيل راجع المنجد قسم الامثال.

( 3)

وتأخذ المظلوم بجناية الظالم، والبريء بخطيئة المعتدي.

وكان علماء المسلمين على مرور الدهور والأعصار يجاملونهم ولا يناضلونهم، ويحاسنونهم ولا يخاشنونهم، ويعترفون لهم ان المسيح الذي يعبدونه هو الذي مجَّده القرآن الكريم، وعظَّمه النبي العظيم، وقدسه كتاب الوحي العربي، وعرف مقامه الى الشرقي والغربي، وهذا هو الذي أَمدّهم في طغيانهم يعمهون، واطغاهم فصاروا يشتمون ويسبون، على حدّ قوله:

 

وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

إذا انت أكرمت الكريم ملكته

 

وكنت في ربيع العمر ومقتبل الشباب قد ولعتُ بالنظر في الأديان وكتب الوحي وحصلت على حقيقة تدعمها الأدلة عندي والبراهين.

ولم اجد أحداً من علماء المسلمين قد التفت إليها أو حام حولها أو أومى عليها على كثرة ما كتبوا من الجدل والمناظرات وإقامة الحجج والبينات، وتعداد مساوي ما سوى الاسلام من السيئات، والأكاذيب والمطاعن والخرافات، ولكنني كنت سحابة ما تصرَّم من عمري اتحايد عن نشر هذه الحقيقة واحرص على كتمانها مجاملةً مع القوم واخلاداً إلى المسالمة، واللين والمناعمة، ورغبة عن الشذوذ عما جرى عليه عامة المسلمين من أول الإسلام إلى اليوم.

ثم لما رأيت ان الشر قد استشرى والخطب قد استفحل، والداء قد اعضل، انتبهتُ الى حكمة القائل (ولكنَّ دفع الشر بالشر احزم) وعرفت صواب نظرية ذلك الهزبر الباسل(1) (وحلم الفتى في غير موضعه جهل).

نعم، وهي لا تعدم شاهداً لها من الكتاب والسنة (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(2) وقوله سلام الله عليه (ردّ الحجر من حيث جاء فان الشر لا يدفعه إلاّ الشر).

____________

1- وهو اسم من اسماء الاسد.

2- البقرة: 194.

( 4)

ومن كل ذلك عزمتُ على ابداء تلك الحقيقة الراهنة التي كنت اضمها بين جوانحي، واحرص على كتمانها جهد امري، ولكن الاغربة السود والمبشرون الشوم، والمرسلون السوء، هم الذين جرُّوا على انفسهم وعلى قومهم هذه الجريرة، وكشفوا عن هذه السريرة (كالباحث على حتفه بظلفه، وجادع انفه بكفه، نعم (وعلى أهلها جنت براقش)(1).

واني لعلى علم من أنّ ما ابديه وامليه سوف يسوء عقلاء المسيحيين ولا سيما ان أكثر تلك الحملات الفظيعة، والترهات الشنيعة، أكثرها من فرقة (البروتستانت) ولكن اولئك الآخرين والعاقلين قد سكتوا عنهم، والسكوت رضا، والراضي بعمل قوم شريك لهم، ولعمري انهم ما تركوا للسكوت موضعاً، ولا أبقوا في قوس التصبر منزعاً، وانا انبّه عامة المسلمين قبل غيرهم على موضع غفلتهم، ومكان جهلهم بهذه الحقيقة التي سوف أُبديها ساطعة المنار، سطوع رائعة النهار.

وأقدّم أمام المقصود، مناظرة جرت في الاعصر الغابرة بين إمام من أئمة الإسلام واحد زعماء القوم في ذلك العصر (ودونكها بنصها).

روى الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه أحد علماء الفرقة الشيعية من فرق الإسلام من أهل القرن الثالث في كتابه الموسوم (بالعيون) وما أدري ان كان قد طبع عندهم أم لا بسنده إلى الحسن بن محمد النوفلي الهاشمي قال: لما قدم عليّ بن موسى الرضا على المأمون أمر الفضل بن سهل ان يجمع له أصحاب المقالات مثل الجاثليق ورأس الجالوت ورؤساء الصابئين والهربذ الاكبر وأصحاب زرداشت ونسطاس الرومي والمتكلمين ليسمع كلامه وكلامهم، فجمعهم الفضل بن سهل، ثم اعلم المأمون فقال: ادخلهم علي ففعل، فقال لهم انما جمعتكم

____________

1- براقش: اسم كلبة نبحت فدلت الاعداء على أهلها فهجموا عليهم وقتلوهم (المنجد ـ قسم الامثال).

( 5 )

لخير وقد أحببت ان تناظروا ابن عمي هذا المدني القادم عليّ فبكروا غداً ولا يتخلف منكم أحد، قالوا سمعاً وطاعة، قال النوفلي فبينا نحن عند أبي الحسن الرضا إذ دخل علينا ياسر الخادم وكان يتولى أمر أبي الحسن فقال له: يا سيدي ان أمير المؤمين يقرئك السلام ويقول: فداك أخوك انه قد اجتمع إلي أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا ان احببت كلامهم وان كرهت فلا تتجشم وان احببت ان نصير إليك خفَّ ذلك علينا، فقال أبو الحسن أبلغه السلام وقل له قد علمت ما أردت وأنا مبكر إليك ان شاء الله، قال النوفلي: فلما مضى ياسر التفت أبو الحسن، ثم قال لي يا نوفلي: أنت عراقي ورقة العراقي غير غليظة فما عندك في جمع ابن عمك علينا أهل الشرك وأصحاب المقالات؟

 فقلت: جعلت فداك يريد الامتحان ويحب أن يعرف ما عندك ولقد بنى على أساس غير وثيق، فقال لي: وما بناؤه؟

 قلت: إنّ أصحاب الكلام والبدعة أهل انكار ومباهته ان احتججت عليهم انّ الله واحد قالوا: صحِح وحدانيته وان قلت: ان محمداً رسول الله: قالوا ثبّت رسالته ثم يغالطون الرجل وهو يبطل عليهم بحجته ويغالطونه حتى يترك قوله فاحذرهم جعلت فداك.قال فتبسّم(عليه السلام) ثم قال لي: يا نوفلي أفتخاف ان يقصعوا على حجتي؟

 فقلت: لا والله ما خفت عليك قط، واني لأرجو أن يظفرك الله بهم; فقال لي: يا نوفلي اتحب ان تعلم متى يندم المأمون؟

 قلت: نعم، قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم، وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم، وعلى أهل الزبور بزبورهم، وعلى الهرابذة بفارسيتهم، وعلى الروم بروميتهم، وعلى الصابئة بعبرانيتهم، وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي فعند ذلك تكون الندامة ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، فلما أصبحنا اتانا الفضل بن سهل فقال له: جعلت فداك ان ابن عمك ينتظرك وقد اجتمع القوم فما رأيك في

(6)

 اتيانه؟

 فقال له الرضا: تقدَّمني فاني صائر إلى ناحيتكم ان شاء الله، ثم توضأ وضوء الصلاة وشرب شربة سويق وسقانا منه، ثم خرج وخرجنا معه حتى دخلنا على المأمون والمجلس غاص بأهله ومحمد بن جعفر في جماعة من الطالبيين والهاشميين والقواد حضور، فلما دخل الرضا قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم فما زالوا وقوفاً حتى أمروا بالجلوس فجلسوا، ولم يزل المأمون مقبلا على الرضا يحدّثه ثم التفت إلى الجاثليق وقال له: هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي ابن أبي طالب فأحب أن تكلّمه وتحاجه وتنصفه، فقال: يا أمير المؤمنين كيف احاج رجلا يحتج علي بكتاب انا منكره ونبي لا أؤمن به؟

فقال له الرضا: يا نصراني فان احتججت عليك بانجيلك أتقرّ به؟

فقال: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل؟ فقال الرضا: سل عمّا بدا لك واسمع الجواب.

فقال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى وكتابه؟ هل تنكر منهما شيئاً؟

 فقال الرضا: أنا مقرّ بنبوة عيسى وكتابه وما بشّر به أمّته وأقرّت به الحواريون وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد وكتابه ولم يبشر به امته، قال الجاثليق: أليس انما نقطع الأحكام بشاهدي عدل؟

قال الرضا: بلى.

قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية وسل منا مثل ذلك من غير أهل ملتنا، قال الرضا: الآن جئت بالنصفة يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدّم عند عيسى بن مريم، قال الجاثليق: ومن هو؟

 قال: ما تقول في يوحنا الديلمي؟

 قال: بخ بخ ذكرت أحب الناس إلى المسيح، قال: فاقسمت عليك هل نطق الانجيل أن يوحنا قال: انما المسيح اخبرني بدين محمد

( 7)

العربي وبشرني أنه يكون من بعده ثم بشرت به الحوارين فآمنوا به قال الجاثليق: نعم، قد ذكر ذلك يوحنا وبشّر بنبوة رجل وأهل بيته ووصيه ولم يخلص متى يكون ذلك؟

 ولم يسمِ لنا القوم فنعرفهم، قال الرضا: فان جئناك بمن يقرأ الانجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وامته أتؤمن به؟

 قال: سديداً، قال الرضا: لنسطاس الرومي كيف حفظك للسفر الثالث من الانجيل؟

 قال: ما احفظني له ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال: ألست تقرأ الانجيل؟

 قال: بلى، قال: فخذ عليّ السفر فان كان ذَكر محمداً وأهله وامته فاشهدوا لي، ثم قرأ السفر الثالث حتى بلغ ذكر النبي(صلى الله عليه وآله) ووقف ثم استشهدهم فشهدوا ثم قال للجاثليق سل عمّا بدا لك، فقال: اخبرني عن حواري عيسى كم كان عدتهم وعن علماء الانجيل كم كانوا؟

 قال الرضا: على الخبير سقطت، اما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلا وكان أفضلهم الوقا وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال (يوحنا الاكبر بباخ) و(يوحنا بقرقيسيا) و(يوحنا الديلمي برجاز) وعنده كان ذكر النبي وهو الذي بشّر أمة عيسى وبني اسرائيل به ثم قال له: يا نصراني اننا والله لنؤمن بعيسى الذي آمن بمحمد وما ننقم على عيساكم شيئاً إلاّ ضعفه وقلّة صيامه وصلاته، قال الجاثليق: أفسدت والله علمك وضعفت امرك وما كنت ظننت إلاّ أنك أعلم علماء الإسلام، قال الرضا: وكيف ذاك.قال الجاثليق: من قولك ان عيسى كان قليل الصيام قليل الصلاة، مع أن عيسى ما زال صائم الدهر قائم الليل قال الرضا: فلمن كان يصوم ويصلي قال فخرس الجاثليق وانقطع، فقال أبو قرة الحراني: يا سيدي نحن نقول: انه من الله فقال الرضا: وما تريد بمن (ومِن) على أربعة أوجه لا خامس لها أتريد كالبعض من الكل فيكون مبعضاً أو كالخل من الخمر فيكون مستحيلا أو كالولد من الوالد أو كالصنعة من الصانع أو عندك وجه آخر فتعرفناه.

فانقطع، قال الرضا: يا نصراني أسألك عن مسألة قال: سل فان كان عندي

( 8)

 علمها اجبتك قال الرضا: ما انكرت ان عيسى كان يحيي الموتى بإذن الله عزوجل؟

 قال: انكرتُ ذلك من أجل انّ من احيى الموتى وابرأ الأكمه والأبرص فهو رب بنفسه، قال الرضا: فان اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى مشى على الماء واحيى الموتى فلم تتخذه امته رباً ولم يعبده احداً، ولقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى بن مريم فاحيى خمسة وثلاثين ألف رجل بعد موتهم بستين سنة، ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: اتجد هؤلاء في التوراة اختارهم بخت نصر من سبي بني اسرائيل حين غزا بيت المقدس ثم انصرف بهم إلى بابل فأرسله الله عزوجل اليهم فاحياهم ثم تلا آيات من التوراة فاعترفوا بها، ثم قال: وان قوماً من بني اسرائيل خرجوا من بلادهم من الطاعون وهم ألوف فاماتهم الله في ساعة واحدة عند قرية فعمد أهلها فحظروا عليهم حظيرة فلم يزالوا حتى نخرت عظامهم، فمرَّ بهم نبي من بني اسرائيل فتعجب من كثرة العظام البالية فأوحى الله اليه اتحب ان احييهم لك فتكلمهم فقال: نعم فاوحي إليه أن نادهم، فقال: ايتها العظام البالية قوموا باذن الله فاجتمعت العظام بعضها إلى بعض، ثم قاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، وكذلك الخليل ابراهيم حين قطَّع الطيور ثم ناداهن فاقبلن سعياً إليه، ثم موسى بن عمران وأصحابه السبعون الذين اختارهم وساروا معه إلى الجبل فقالوا له انك رأيت الله فارناه كما رأيته، فقال: اني لم أره، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فهلكوا جميعاً وبقي موسى وحيداً، فقال: يا رب اخترت سبعين رجلا فجئت بهم وارجع وحدي فكيف يصدّقني قومي بما اخبرهم به فلو شئت أهلكتهم وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا; فأحياهم الله عزّوجلّ بعد موتهم.

وقد اجتمعت قريش على رسول الله(صلى الله عليه وآله) فسألوا ان يحيي لهم بعض موتاهم فوجه معهم علي بن أبي طالب فقال: اذهب معهم إلى الجبانة فنادِ: باسماء هؤلاء

 

 

9

الرهط الذين يسألون عنهم باعلى صوتك يا فلان يا فلان يقول لكم محمد رسول الله: قوموا بإذن الله فقاموا حتى كلمتهم قريش.

فان كان كل من احيى الموتى يتخّذ رباً من دون الله فاتخذوا هؤلاء كلهم أرباباً، ثم قال: يا يهودي أسألك بالآيات العشر التي نزلت على موسى هل تجد في التوراة إذ جاءت الأمة الأخيرة اتباع راكب البعير يسبحون الرب جداً جداً تسبيحاً جديداً في الكنائس الجدد؟

 فليفزع بنو اسرائيل إليهم وإلى ملكهم لتطمئن قلوبهم فان بأيديهم سيوفاً ينتقمون بها من الأمم الكافرة ثم قال: أليس في كتاب اشعيا: يا قوم اني رأيت صورة راكب حمار لابساً جلابيب النور ورأيت راكب البعير ضوءه مثل ضوء البدر ثم قال: يا نصراني هل تعرف في الإنجيل قول عيسى إني ذاهب إلى ربكم وربي والبار قلطيا بعدي جاء هو الذي يشهد لي بالحق كما شهدت له وهو الذي يفسّر كل شيء وهو الذي يبدي فضائح الأمم ويكسر عمود الكفر؟

 قال: نعم قال: فاخبرني عن الانجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه ومن وضع لكم هذه الأناجيل؟

، فقال: ما افتقدنا الانجيل إلاّ يوماً واحداً حتى وجدناه غضاً طرياً فاخرجه إلينا يوحنا ومتى، فقال له الرضا: ما أقل معرفتك بسنن الانجيل وعلمائه، فان كان هذا كما تزعم فلم اختلفتم في الانجيل الذي في أيديكم اليوم؟

 ولماذا صرتم تعقدون السندوسات والمجتمعات وتغيرون فيه وتبدّلون كل برهة؟

 ولكني مفيدك من علم ذلك، إعلم انه لما افتقد الانجيل اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا قُتل عيسى وافتقدنا الانجيل وانتم العلماء فما عندكم؟

فقال ألوقا ومرقايوس: ان الانجيل في صدورنا نحن نخرجه إليكم سفراً سفراً في كل أحد فلا تحزنوا ولا تخلو الكنائس فاننا سنتلوه عليكم، فقعد الوقا ومرقايوس ويوحنا ومتى ووضعوا لكم هذه الأناجيل، وانما كانوا هؤلاء الأربعة


 

( 10


 

تلاميذ تلاميذ الأولين، ثم ذكر الإمام اختلاف الاناجيل في نسب عيسى إلى داود وإلى غيره إلى أن قال: فما تقول في شهادة الوقا ومرقايوس ومتّى على عيسى وما نسبوه إليه، قال الجاثليق: كذبوا على عيسى، فقال: يا قوم أليس قد زكاهم وشهد أنّهم علماء الانجيل، فقال الجاثليق: يا عالم المسلمين أحب ان تعفيني من أمر هؤلاء ومن المناظرة قال: قد اعفيناك، ثم التفت الرضا إلى رأس الجالوت، فقال: تسألني أو أسألك فقال: بل أسألك ولست اقبل منك حجة إلاّ من التوراة والألواح والصحف، فقال الرضا: لك عليَّ ذلك، فقال الجالوت: من أين تثبت نبوة محمد(صلى الله عليه وآله) ؟

 قال الرضا: شهد بنبوة محمد موسى بن عمران وداود واشيعا، إلى عيسى بن مريم، ثم قال: له هل تعلم ان موسى أوصى بني اسرائيل فقال لهم: انه سيأتيكم نبي من إخوانكم فصدّقوه واسمعوا منه فهل تعلم ان لبني اسرائيل اخوة غير ولد اسماعيل ان كنت تعرف قرابة اسرائيل من اسماعيل من قِبل ابراهيم؟

 فقال: نعم، فقال الرضا: هل جاءكم من إخوة اسرائيل من ادَّعى النبوة غير محمد(صلى الله عليه وآله) ؟

 قال: لا، قال: هل تنكر ان التوراة تقول لكم جاء النور من قبل طور سيناء واضاء لنا من جبل ساعير وَسَتعلنَّ علينا من جبل فاران؟

 قال: اعرف هذه الكلمات وما عرفت تفسيرها، قال الرضا: أنا أخبرك به، أما الأول فهو ما انزل على موسى; وأما الثاني فهو ما أُوحي إلى عيسى، وأما جبل فاران فهو من جبال مكة بينه وبينها يوم، وقال اشعيا: رأيت راكبين اضاءت لهم الأرض أحدهما على حمار والآخر على جمل، وقال حيقوق: جاء الله تعالى بالبيان من جبل فاران وامتلأت السموات من تسبيح أحمد وامته يحمل خيله في البحر كما يحمل في البر يأتينا بكتاب جديد بعد خراب بيت المقدس، وقال داود في زبوره اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة، فهل تعرف من أقام السنة بعد الفترة غير محمد صلوات الله عليه؟

 انتهى ما أردنا ايراده من هذه المناظرة الباهرة، وهي طويلة اقتصرنا منها


 

( 11


 

على هذا القدر.

والتدبّر في هذه المحاورة يفيد أمرين (الأول): إنّ الأناجيل الصحيحة المنزلة بالوحي كانت قد فقدت بعد المسيح، وهذه الأناجيل من موضوعات تلامذة التلاميذ كما يعضده النظر في تاريخ اولئك الأربعة وتعاليق الأناجيل المتداولة.

(الثاني) انّ هناك شخصين يسمّيان بالمسيح أو بعيسى.

(أحدهما) بشر بمحمد وامته (والثاني) لم يُعرف منه ذلك.

ثم إذ نظرنا في هذه الأناجيل الدارجة، والصحف التي هي عند أهلها مقبولة رائجة، وجدناها تنص صريحاً على تعدد المسحاء، ففي الاصحاح الثالث عشر من مرقس: لانه سيقوم مسحاء كذبة وانبياء كذبة ويعطون آيات وعجائب لكي يضلوا، وفي الرابع والعشرين من متى: إنّ كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو المسيح ويضلون كثيرين إلى قوله: ويقوم انبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين.من (5 ـ 12).

ثم نظرنا نعِمَّا، وتدبّرنا تدبراً مهماً.وتوغّلنا في سير النعوت التي ذكرها القرآن للمسيح، والنعوت الموسوم بها في هذه الأناجيل، فوجدناها على طرفي نقيض بحيث لا يكاد يتفق القرآن مع تلك الصحف في صفة واحدة من صفاته، ولا علامة فذة من علاماته.

المسيح في القرآن ـ:

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَاني الْكِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيّاً)(1)، ويقول: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ)(2)، وقال المسيح: (يَا بَنِي إِسْرَائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)(3)، (لَّقَدْ كَفَرَ

____________

1- مريم: 30.

2- المائدة: 117.

3- المائدة: 72.


 

( 12


 

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)(1)، (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِلَـه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ)(2)، (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلَّهِ وَلاَ الْمَلائكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)(3).

وأنت تجد ان المسيح بلسان هذه الآيات الكريمة عبد خاضع وضيع موحّد لله مُتفان في توحيد الله.ليس عنده شائبة شرك، ولا إلحاد حلول ولا اتحاد.

أما المسيح في هذه الأناجيل الشائعة، فهو رجل مخلط فتارة يعترف لله جل شأنه بأن: الحياة الحقيقة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي ارسلته(4) وبينا هو يعلّم: ان أول كل الوصايا هي اسمع يا اسرائيل الرب إلاّ هنا رب واحد، إلى أن قال له الكاتب: جيداً يا معلم بالحق قلت: لانه إله واحد وليس آخر سواه(5)، ويقول: لماذا تدعوني صالحاً ليس صالحاً إلاّ الله كما في متي، وليس صالحاً الا واحد وهو الله كما في (10) مرقس، بينا هو يقرر هذه الحقائق التي تشهد بها ضرورة العقول وتدعمها الحجة والبرهان، وإذا به يقول في ضد ذلك: الاب فيّ وانا فيه كما في (10) يوحنا (38) و: اني أنا في الاب والاب فيَّ(6) ثم صرّح على تلوه بهذا الزعم البديهي الاستحالة فقال: الكلام الذي أكلمكم به لست اتكلم به من نفسي لكن الاب الحال فيَّ هو يعمل الاعمال، وهذا الحلول هو الأمر الذي يمتنع تصوره على العقول بل تحكم بتاً بامتناعه.

ثم نجد المسيح في القرآن المحمدي يقول: (وَ جَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَ أَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) ثم يقول: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً)(7).

____________

1- المائدة: 72.

2- المائدة: 73.

3- النساء: 172.

4- الاصحاح 17 من يوحنا ـ فقرة 3.

5- الاصحاح 12 من مرقس ـ 29.

6- 14 يوحنا فقرة 10.

7- مريم: 31 ـ 33.


 

( 13


 

أما المسيح في الإنجيل فهو ملعون لا مبارك كما قال بولس في (3) غلاطية: المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لاجلنا لانه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة، المسيح في القرآن يقول: (وَ بَرَّاً بِوَ الِدَتِي)(1) ولكنه في هذه الأناجيل عاق لوالدته قاطع لرحم أخوته فكم حقَّرهم وانكرهم: فقد قال له واحد هو ذا امك واخوتك واقفون خارجاً طالبين يكلموك، فقال: من هي أمي ومن هم اخوتي(2)؟

بل جعل التلميذ الذي كان يحبه ويصبو إليه يجلسه احياناً في حضنه(3) هو الابن لامه، فقال لها كما في (19) يوحنا (26): يا امرأة هو ذا ابنك، مشيراً إلى التلميذ الغرير ابن زبدي.

ثم وجدنا المسيح في القرآن يقول: (وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً)(4).

ووجدناه في هذه الأناجيل يعمل عمل الأشقياء ويفعل فعل الجبابرة، أيُّ ملك جبار من الغابرين أو الحاضرين، تسكب النساء على قدميه منّا من طيب ناردين كثير الثمن ويمسحن اقدامه بشعورهن حتى يقوم أحد تلاميذه الاثني عشر هو يهوذا الاسخريوطي الذي اسلم يسوع لليهود فيقول له: لماذا لم يَبِع هذا الطيب بثلاثمائة دينار ويعط للفقراء فانتهره يسوع وقال اتركوها، انظر تفاصيل هذه الشؤون والقصة بهذه النصوص وبما هو الفحش في الحادي عشر والثاني عشر من يوحنا.

وافتكر هل سمعت بملك جبار مهما كان من الشقاء والجبروتية يسكب على قدميه ثلاثمائة دينار من الطيب دفعة واحدة والنساء يمرغن خدودهن وشعورهن على قدميه وهو مع لعازر من المتكئين إلى آخر ما هناك، انظر واعجب، واضحك

____________

1- مريم.

2- 12 متى ـ 59.

3- في 13 يوحنا ـ 23.

4- مريم: 32.



 


 

( 14


 

وابك، وادهى وامرُّ في الشقاء والجبروتية، انه يقول: ما جئت لألقي سلاماً على الأرض بل سيفاً، ثم زاد في البلاء حتى قال: اني جئت لأفرّق الانسان ضد أبيه.والابنة ضدّ امها والكنة ضد حماتها.ثم زاد في تقطيع الارحام فقال: واعداء الانسان أهل بيته(1) فأين هذا ممن يقول في الوحي المنزل عليه: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالاَْرْحَامَ)(2) (وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض)(3).

"والأقربون أولى بالمعروف"، ثم لم يكفه أن يلقي في الأرض السيف ويفرّق بين الآباء والابناء حتى اضرمها ناراً، فقال كما في (12) لوقا: جئت لألقي ناراً على الأرض فأين هذا ممن يقول: (وَ مَآ أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(4) إلى كثير من أمثالها.

ثم نظرنا فوجدناه بحسب تلك الأناجيل خائناً حيث كان قد أئتمن الخائن كما في (12) يوحنا: يهوذا الاسخريوطي كان سارقاً وكان الصندوق عنده، وافظع من ذلك، درؤه الحد عن الزانية كما في (8) يوحنا: قدم إليه الكتبة والفريسيون امرأة أُمسكت في زنا ولما اقاموها في الوسط، قالوا له: يا معلم هذه المرأة أُمسكت وهي تزني في ذات الفعل، وموسى في الناموس أوصانا ان مثل هذه ترجم فماذا تقول أنت؟

 إلى أن قال: فلما انتصب يسوع ولم ينظر أحداً سوى المرأة قال لها: يا امرأة أين هم اولئك المشتكون عليك أما دانك أحدٌ فقال: لا أحد يا سيد، فقال لها: ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضاً.

فأنت أيها الناظر تجد المسيح بنص هذه الأناجيل، يجلس الغلام في حضنه تارة، وتمسح النساء قدميه المطيَّبين بشعورهن اخرى، ويأتمن الخائن السارق طوراً ويدرأ الحدّ عن الزانية ضد الناموس، طوراً آخر، فأين هذا من المسيح

____________

1- عاشر متى 34.

2- النساء: 1.

3- الانفال: 75.

4- الأنبياء: 107.


 

( 15


 

المبارك البرّ في القرآن ـ (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)(1).

وكأنه لتلك الأحوال والخلال الفظيعة اسلمه تلميذه إلى اليهود ليقتلوه ويصلبوه بعد ان كان من خاصته وبطانته، وأهل ثقته وأمانته.

ثم بعد هذا كلّه نظرنا في القرآن الكريم فوجدناه يرفع المسيح إلى أوج العظمة والكرامة، والتقديس والنزاهة، فيقول في أمر صلبه، وكيفية انتقاله من هذه الدار إلى ربه، وتطهير ذيل والدته، وتنزيهها مما قُذفت به، مندّداً على اليهود (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْم إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَاً * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً)(2).

أمّا الذي نجده في تلك الأناجيل فهو على الضدّ من ذلك كُلّياً، فانها تصور لك لصاً جباناً متشرّداً، قد أُخذ مهاناً حقيراً، وجعل هُزُؤاً ومسخرة لليهود، يبصقون في وجهه، ويضربونه صفعاً على رأسه، إلى أن صلب نصب العين، بين لصين، انظر إذا شئت هذه المضحكة في (27) متى بعد ان ذكر في الاصحاح السابق عليه، صورة جزعه وفزعه من الموت، وقوله: (28) نفسي حزينة جداً حتى الموت، ثم فزع إلى تلامذته قائلا: امكثوا ههنا واسهروا معي، (29)، ثم تقدم قليلا وخرّ على وجهه، وكان يصلي قائلا: يا ابتاه إن أمكن فلتعبُر عني هذه الكأس، وفي (27) منه: فأخذ عسكر الوالي يسوع إلى دار الولاية وجمعوا عليه كل الكتبة (28) فعرَّوه والبسوه رداء قرمزياً (29) وضفروا أكليلا من شوك، ووضعوه على رأسه، وقصبة في يمينه، وكانوا يجثون قدامه ويستهزؤون به قائلين: السلام يا ملك اليهود (30)، وبصقوا عليه، وأخذوا القصبة وضربوه على رأسه، إلى أن قال (38): حينئذ صلب معه لصان واحد عن اليمين وواحد عن اليسار (39)، وكان

____________

1- مريم.

2- النساء.


 

( 16


 

المجتازون يجدفون عليه وهم يهزّون رؤوسهم (40) قائلين يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام(1) خلص نفسك ان كنت ابن الله فانزل عن الصليب (41) وكذلك رؤساء الكهنة أيضاً وهم يستهزؤن مع الكتبة والشيوخ قالوا (42) خلَّص آخرين وأما نفسه فما يقدر ان يخلصها.

وما أحسن قولهم: ان كان هو ملك اسرائيل وابن الله فلينزل الآن عن الصليب فنؤمن به (44) وبذلك أيضاً كان اللصان اللذان صلبا معه يعيّرانه.

وعلى مثل هذا فاشدّ، نصَّت الأناجيل الاخرى، ففي (14) مرقس (65) فابتدأ قوم يبصقون عليه ويغطون وجهه ويلكمونه ويقولون له: تنبأ، وكان الخدام يلطمونه إلى أن قال: في (15) وفي الساعة التاسعة صرخ يسوع بصوت عظيم قائلا أَلوي ألوي لما شبقتني الذي تفسيره الهي الهي لماذا تركتني؟

أما يوحنا فحيث كان انجيله آخر الاناجيل لذلك تحاشى عن عبارة اللصين اللذين نصَّ عليهما متى فغيّرها وخففها حيث قال في (19 ـ 18) وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط.

وفذلكةُ حساب ما تقدم انك إذا امعنت النظر في مسيح القرآن، ومسيح هذه الأناجيل الدارجة، وجدت بونا شاسعاً لا يلتقي طرفاه.

وكيف وأنّى.وانت تجد القرآن العظيم يصوّر لك المسيح رجلا مباركاً وديعاً باراتقياً، لا جبَّاراً ولا شقياً، عبداً موحّداً خاضعاً لله غير مجدف ولا مدّع لشيء غير معقول، من الوهية أو اتحاد أو حلول، ثم تجده عزيزاً محترماً، مرفوعاً إلى السماء مُصاناً بالعزة الإلهية عن مقارنة اللصوص والأوباش، مقدساً عن هزوء المستهزئين، وسخرة الساخرين، غير مضام ولا مهان، بما انه روح الله وكلمته وصنيعة عينه، وربيب قدرته، ومستودع اسراره وحكمته، وتعالى الله أن يضع

____________

1- يشيرون بذلك إلى دعاويه وتجديفاته التي كان يجدفها عليهم.


 

( 17


 

اصفياءه وخاصته، ويسلمهم إلى موارد السقوط والمهانة، والاحتقار والمسخرة، فان قُتلوا، قُتلوا بعز، وان ماتوا، ماتوا بشرف، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

أما رأيت كيف نجَّى الله نوحاً من الغرق، وَجَعلَ النَّار بَرْداً وسلاماً على إبراهيم، وخلَّص موسى وقومه من غاشمة فرعون، ونصر محمداً حبيبه على جبابرة المشركين، تلك سنة الله في الذين خلوا من أنبيائه (وَ لَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا)(1)، نعم قد قتل بعض الجبابرة، بعض الكرام من الأنبياء، كزكريا ويحيى وأمثالهم، ولكنها شهادة شريفة، وقتلة كريمة، ميتة بالسيف في سبيل الله، حياةٌ سعيدة عند الله، وتلك هي السعادة والكرامة، والعزة والرفعة، لا التعليق والصلب، والصفع والضرب.

فما ظنك بتلك الأساطير التي تُصوِّر لك المسيح رجلا دجالا محتالا خائناً جباراً عاقاً قاطعاً مفرّقاً سكيراً شريب خمر(2) يغازل الغلام في حضنه، ويتكي والفتاة تمسح بشعرها رجليه، ويحابي الزانية في درء حدود الناموس عنها، ثم يؤخذ كلصّ متشرد هيَّاب جبان خوّار، فيصلب ويصفع، ويبصق في وجهه ويعلق على الخشبة متدلّياً بين اللصوص ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر، ثمّ يُنزل ويُقبر، ثمّ تزعم امّه وخالاته انه شق القبر وصعد إلى السماء، فهلا صعد قبل تلك المهانات والماجريات (ما كان اغناها عن الحالين).

أفهل بعد هذا كله، يظنُّ ذو شعور انّ هذا الشخص هو الذي قصّ علينا القرآن قصصه وحدّثنا الوحي المبين حديثه.

وهل من سبيل أو محيص إلاّ الركون والطمأنينة بأنّ هناك رجلان ادّعيا المسيحية في عصر متقارب وقاما بالدعوة في لحن مُتشابه، ولكن أحدهما صادق، تصدقه دعواه المعقوله، ومجته الاحبه، وسيرته الوديعة، ثم جاء القرآن

____________

1- فاطر: 43.

2- حادي عشر متى ـ 19.


 

( 18


 

شاهداً ومؤيداً له، وشارحاً لما ابهم من امره، ودالا على ما ضاع من جوهره، واستتر من شريف شريعته، ورفعة معرفته، وتمييزاً له عمَّن تسمى بأسمه، وتزيا بزيه، وأفسد شريعته وطريقته، وهو (ثانيهما) دجَّال محتال، مضطرب الأحوال، ذئب في صورة حَمَل، أو سبع في هيئة جمل، وإلى هذه التفرقة والاثنينيه أشار الوحي العربيّ بقوله عزّ شأنه وقولهم: (إنا قتلنا) المسيح عيسى ابنَ مريم رسول الله، فان هذا القيد أعني (رسول الله) يدلّ بدلالة الإيماء والفحوى ان هناك من يسمى عيسى بن مريم ولكن ليس هو رسول الله واليهود زعموا انهم صلبوا ابن مريم الرسول، فردّ الله عليهم هذا الزعم ودلّ على انهم انما صلبوا المسيح الدجَّال المشتبه، بالمسيح الصادق.

وأنت أيها الضليع باساليب البلاغة العربية ـ تعرف جيداً ـ انّ التأسيس في قيود الكلام خير من التأكيد، وانّ الاحتراز أولى من التوضيح.

وقد تلخّص من جميع تلك الشواهد البيّنه، انّنا معاشر المسلمين لا نعترف بالمسيح الذي تعبده النصارى اليوم وندلّ بالحجج القاطعة انه رجل كاذب دجّال، خمير سكير، جبار شقي، خوّار جبان، إلى آخر ما نصَّت عليه أناجيلهم من وصفه، والعجب كلّه، كيف غفل علماء المسلمين منذ ثلاثة عشر قرناً عن هذه الحقيقة الراهنة، التي هي بعد ادنى بيان، أجلى من عين الشمس للعيان، ثم لا غرابة إن تعددت دعوى النبوة وبالاخص (المسيحية) فكم ادّعاها محتالون دجَّالون، يعترف النصارى والمسلمون بكذبهم؟

وها هو بالأمس قد قام رجل في الهند يعرف (باحمد القادياني) وادّعى أنّه هو المسيح، واتّبعته أمةٌ من الناس يُقال انها تزيد على المليون وقد مات وقام اليوم ابنه مقامه، وحديثه شائع ذائع لا حاجة بنا إلى شرحه، وإذا جاز ذلك ووقع في مثل هذه العصور التي يُسمونها (عصور النور) فكيف لا يجوز في تلك العصور (عصور


 

( 19


 

الظلمة) وكم راجت بدعٌ وخرافات حتى صارت عند قوم، حقائق وأديان، وطقوس ونواميس، والقصارى ان اللبيب بعد التدبر لا يرتاب في صحة ما ذكرناه ولا شك انّ المصنف يشكرنا على استخراج هذا الكنز الدفين من الحقائق التي طمَّت عليها اطلاق الأوهام وانقاض الاغراض والاهواء.

ثم لا يذهبنّ عنك أيها الناظر، ان الغربيين لما تخلصوا من استبداد الكنيسة، وخلعوا نير التقاليد القديمة، وتملصوا من اغلال أرباب السلطة الدينية، وأخذوا يفتكرون في الحقيقة كعلماء احرار، اصابوا جوهر ما قلناه، ونبغ فيهم نوابغ، رفضوا الثالوث وانكروا سر الفداء، وعقيدة الصلب وتكفير الخطيئة وأصابوا ان هذه التي تسمى بالأناجيل، صحف قصصية وأحاديث خرافية، وهم طوائف كثيرة، وأفراد شهيرة فمن الفرق، فرقة (السوشنيين) ويسمون بالموحدين أيضاً وهم أعداء الثالوث ومنكروا الوهية المسيح، ومنهم طائفة (العقليين الإلهيين) الذين انكروا هذه الأناجيل عامة، وهم كثيرون عسى ان نأتي على ذكر بعضهم في سوى هذا الموضع.

أما الأفراد المشاهير فأكثر مثل (توماهوبس) و(شارل بلونت) و(جوهن تولند) و(تولستوي) و(رينان) و(فولتير) و(جان جاك روسو) النابغان الشهيران وقد تبرز في ذلك (لسينغ الالماني) فقد صاحر بالحقيقة وجاهر بالصواب، وذكر ان هذا المسيح الذي في هذه الأناجيل، إن هو إلاّ رجل ماكر خداع، إلى كثير من أمثال هذه الكلمات الصائبات، من أمثال هؤلاء الأعلام.

ثم سوف ندعم هذه الحقيقة الراهنة بدعامات من الدلائل المحكمة، تلو هذا الجزء ونسجل مصارحين بأنّ المسيح بنص هذه الأناجيل الدارجة قد كذب في أكثر من عشرين مورداً، كذباً صراحاً قحَّاً لا غبار عليه ولا ستار، ونكشف الغطاء عن كل واحدة واحدة، ثم نُعقب ذلك بذكر التلامذة والرسل وأحوالهم من


 

( 20


 

أناجيلهم كبطرس وبولس ويعقوب ويوحنا ابني زبدي ويهوذا وغيرهم ثم نُدمج في غضون ذلك، البحث عن الأناجيل وكيف هي في توافق بعضها مع بعض، وتناقض بعضها مع البعض الآخر، وتناقضها واختلافها أجمع مع العهود القديمة المعبّر عنها عندهم بالناموس، الذي قال مسيحهم انه، ما جاء لينقض الناموس، وان السموات تزول ولا يزول حرف من الناموس، وأمثال ذلك في الوقت نفسه، نقضها في عدّة مواضع خطيرة، كالطلاق والختان والخمر وحدّ الزنا، والسبت، ونظائرها، مما سوف ندلّ عليه حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة في ضمن جزوات وجيزة كهذا الجزء الذي بيدك، فاصبر وانتظر، وكل آت قريب ان شاء الله.

حرر 9 ابريل 1912


 

( 21


 

التوضيح في بيان حال الانجيل والمسيح

بسم الله الرحمن الرحيم
وله العزة والكبرياء
وسلام على عباده الذين اصطفى

(وبعد) فقد كنّا وعدناك في أخريات الجزء الأول من (التوضيح) ان نتحفك بجزء ثان له، وأشرنا هناك إلى بعض الملاحظات التي نريد أن نتعرّض لها من البحث عن الأناجيل، وكيف هي في توافق بعضها مع الآخر وتناقض بعضها مع بعض، ومع العهود القديمة المعبّر عنها عندهم بالناموس، ونعقب ذلك بذكر التلامذة والرسل وفلذة من أحوالهم، كبطرس، وبولس، ويعقوب ويوحنا ابني زبدي، وأمثالهم، ثم عاقت دون ذلك العوائق وشغلتنا الشواغل عامة وخاصة، وقلنا داء دفين لا نثيره، وضب ساكن لا نحرشه، حتى توفر على اسماعنا النقل في عواصم العراق من تهاجم اولئك الطغمة المسمين أنفسهم بالمبشّرين، وتعرّضهم لبسطاء المسلمين بالاغواء والاضلال، والتمويه والتعميه وانهم يعيثون الفساد في عراقنا كصنيعهم في مصر وعواصمها حتى بلغت بهم القحة والصلف والجرأة والاستهوان انهم دخلوا للتبشير في بلدان الاسلام المقدّسة والمشاهد المشرّفة، على حين ان ليس عند اولئك السود الغرابيب، من بضاعة سوى الأكاذيب، والأعاجيب والقحة والصلف، والخداع والمكاشرة مع الجد والمثابرة، فقد علم حتى الأعمى والأصم، ان اولئك السفالة مستأجرون على تلك الأعمال، ومدفوعون اليها بعظائم الأموال، من جمعيات في أوربا وأمريكا، لقصود وغايات لا يتسع الوقت المرصود لابدائها، وأسرار لا يفسح المجال لافشائها، وقد علموا هم وكل أحد انهم يبيعون


 

( 22


 

وجدانهم بيع السلع، ويدفعون أديانهم (لو كان لهم دين) بدواعي الحرص والطمع وهذه شنشنة عرفوا بها واختصوا بعارها وشنارها.

حين انك لا تجد من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، على اختلاف مشاربها ومذاهبها، وتباين عناصرها وأواصرها، ومن يدافع عن دين الإسلام الكريم بدواعي الاستيجار والاستعمار، لا تجد فيهم من يحامي عن دينه بالدواعي السافلة، والغايات الساقطة، والمقاصد الدنية، بل ان حصل فيهم من يذب ويحامي فانما يأتي ذلك الصنع، ويعاني تلك المهنة، لغاية شريفة، وعاطفة كريمة، ودافع روحي وسائق الهي، مجرّد عن شوائب الاطماع، وسقط المتاع.

وحيث ان الله عزّ شأنه قد أعدني وارصدني منذ أول نشأتي، وبدأ فطرتي، للمنافحة عن دينه القويم، وفرقانه الكريم، بل عن الحق والحقيقة، وشرف الصدق والواقع، لذلك وجدت من الحتم اللازم الوفاء بما وعدت من إصدار الجزء الثاني حيث تبدّه لنا ان السكوت عن اولئك السفلة الأوباش، موجب لتجريهم وشدة طمعهم في المسلمين.

واني وان كنت على يقين من أن تلك الشرذمة الرعاع بمقام من رداءة الجوهر، وخباثة العنصر، بحيث كأن الله سبحانه ان لم يخلق في طباعهم ذرة من الحياء والانصاف، وانهم مع كل ما أوردناه غابراً وما سنورده في هذا الجزء من الفظايع والشنايع على أناجيلهم التي يزعمونها كتباً مقدّسة وموحيات إلهية، وسوف ترى انها بحيث لا يليق ان تصدر من الصبية والمجانين، ومع ذلك لا يخجلون ولا يرتدعون عن أعمال الدعاية والتبشير بتلك الكتب المشحونة بالتناقضات الواضحة، والأكاذيب الفاحشة، وما ذاك إلاّ لأنهم مستأجرون على تلك الأعمال، حقّاً كانت أم باطلا، صدقاً كانت أم كذباً، تنصر المسلمون في العراق أم لا، فهم يستوفون على جميع تلك الفروض أجورهم من الجمعيات بالكيل الأوفى،


 

( 23


 

والحظ الأوفر، ولا جرم (فاللهي تفتح اللهي) ولكن الغاية أن يعود من الحقائق الملموسة والمعاني المحسوسة حال اولئك الزعانفة (المبشّرين) وحال الدين الذي يدعون إليه ويبشّرون به.

ونفتح لهذا (الجزء) ثلاثة أبواب (الأول) في تناقض الأناجيل كل واحد بعضه مع بعض وكل واحد مع الإنجيل الآخر، وتناقضها أجمع مع العهود القديمة (التوراة) (الباب الثاني) في الوهية المسيح التي هي تمام ديانة النصرانية وحجرها الأول والآخر (الباب الثالث) في أحوال تلامذة المسيح ومن اتبعه في حال حياته وأحوال الرسل والحواريين ومن يليهم خاصة مثل (متى) و(مرقس) و(لوقا) و(يوحنا) و(بولس) وقد سبكنا الكلام في بعض هذه الأبواب على طريقة التعليم الجدلي لخواص المسلمين وعوامهم بحيث يقتدر حتى العامي بعد مراجعة هذا الوجيز على افحام المبشر وإبطال دعوته ودحض حجته، وتشخيص موضع مكره وخديعته، وبذاك يتّضح لكل ذي حس شأن المخلص الذي يبشرونك به والكتب المقدّسة التي يدعون الناس إليها، وحظ ذلك الدين من القداسة والكرامة، وقسطه من الصدق والأمانة، وأنا على وثيق علم من ان الحرب لا تزال سجالا بيننا وبينهم، وانهم لا يعترفون ولا يكفون، بل يحرصون ولا ينكصون، فان شمس الحقيقة قد اعمت أبصارهم في تجليها، كما اعمت بصايرهم اشعة البيض والصفر في تتابعها عليهم وتواليها ولكننا انما نكتب هذه الكتب وننشر هذه المنشورات حفظاً وبقياً على إخواننا المسلمين من تلك الذئاب العادية، وشرورها السارية، قياماً بالوظيفة، ونصرة للحقيقة، واتماماً للحجة، و(لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَىَّ عَن بَيِّنَة)(1)، وليميز الله الخبيث من الطيب ويستبين صوب الصواب من الصيب، ثم اننا نكتفي في الأكثر بشاهد أو شاهدين لما اتضح لديك من ان بناء

____________

1- الأنفال: 42.


 

( 24


 

(التوضيح) على الاختصار بحيث يمكن أن ينتفع به جميع الطبقات حتى ارباب المهن والمكاسب ومعلوم ان المحترف والكاسب لا يسعه مطالعة المطولات ولابدّ من العناية بأمثالهم والتصدي لايصال الحقيقة اليهم ولا يكون ذلك إلاّ بالايجاز مع استيفاء الغرض وايضاح القصد.

ولابدّ قبل النظر في الأبواب ان تستحضر على بالك، تلك الحقيقة الراهنة التي اوضحناها لك بما لا مزيد عليه في الجزء الأول من هذا الوجيز، وهي ان المسيح الذي نجعله موضع كلامنا، وموضع نقدنا وتفنيدنا، هو المسيح الذي نوّهت به أناجيلهم، وأهلته للالوهية أسفارهم، وجعلته جزء من الاله المركب من ثلاثة أقانيم، رسلهم ورسائلهم: لا المسيح الواقعي الذي نوّه به الفرقان المحمدي، فان له منا كل كرامة وتبجيل، وقداسة وتجليل، ذاك العبد الصالح الذي قال عزّ شأنه له: (يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ)(1).

ذاك الذي تكلم في المهد صبياً قائلا (إِنِّى عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيّاً)(2) ولم يقل اني انا الله أو جزء مقوم لله.

ذاك الذي قال (يَا بَنِي إِسْرَ ائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ)(3).

وبعد استبانة تلك الحقيقة وأنا لا نمس كرامة المسيح الحي، وحينئذ فلنا حرية النظر وسراح القول وفسحة البحث والنقد فيما اشتملت عليه أناجيل القوم وكتبهم التي يزعمون انها مقدّسة، ولسنا بمسؤولين إلاّ عن صحّة النقل فيما نورده من تلك الكتب، ونحكيه عن تلك الأسفار، ومن الحق جل شأنه نستمد، وعليه نعتمد، واليه نرغب فى ان يجعل عملنا هذا خالصاً لوجه الكريم، وان ينفعنا به يوم العرض عليه، والوقوف بين يديه ان شاء الله.

____________

1- المائدة: 116.

2- مريم: 30.

3- المائدة: 72.


 

( 25


 



 


 

( 26


 

الباب الأول

أيها المسلم:

إذا دعاك المبشر، إلى دينه، واستهواك إلى اتباعه، فكنت كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران، فقل له: أتدعوني إلى الاعتقاد بالوهية مسيحك الذي يتحصّل من مجموع العهد القديم والعهد الجديد انه ابن زنا وولد سفاح ثلاث مرات يعني ان في عمود نسبه المذكور في أناجيلكم ثلاثة أشخاص هم أولاد زنا بنص التوراة المعتبرة عندكم التي تعدونها (الناموس الأول) وإليك الحجة والبرهان على هذه الدعوى من ذات كتبهم المقدّسة ففي (38) من سفر التكوين أول الاسفار الخمسة وأهمها قال ما نصه: زنى القديس يهوذا بكنته ثامار فولدها ذكرين فارص ورازح، وفارص هذا الذي هو ابن زنا بنص هذا السفر، هو من أجداد يسوع المسيح بنص انجيل (متى) الذي هو أيضاً أول الأناجيل الأربعة وأكرمها وأقدمها عند النصارى قال في الاصحاح الأول ما نصه: كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن ابراهيم (2) ابراهيم ولد اسحق واسحق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا واخوته (3) ويهوذا(1) ولد فارص ورازح من ثامار وفارص ولد حصرون ثم ساق عمود النسب إلى أن قال (16) ويعقوب ولد يوسف رجل مريم التي ولد منها يسوع الذي يدعى المسيح انتهى، فانظر إلى جهل هذا الرسول (متى) بل هو من أكابر رسلهم والطبقة الأولى، لم يلتفت ولم يتحضر ان فارص ابن زنا بنص أول التوراة، فينزّه نسب إلهه وربه عن ذكره.

____________

1- يهوذا هذا هو الزاني وهو الجد الرابع ليسوع من الطرف الأعلى وفارص هو ولد الزنا وهو الجد الخامس وثامار كنة يهوذا هي المزني بها ـ فما تقول إذاً في هذه الكتب المقدّسة؟

 


 

( 27


 

ومعلوم ان الزنا مما اتفقت جميع المليين وكل الملل على انه من أكبر الفواحش المانعة عن النبوة فضلا عن الربوبية حتى المسيح نفسه في الأناجيل نهى عنه وجعله من أهل المحرمات طبقاً للوصايا العشر من التوراة فقال: لا تزن، لا تقتل، لا تسرق، لا تشهد الزور إلى آخر ما في عاشر مرقس.

وادراج يهوذا الزاني وابنه فارص ابن الزنا في أجداد المسيح لم ينفرد به (متى) بل شاركه في ذلك (لوقا) الذي ابتدأ نسب يسوع من أبيه يوسف ابن هالي وساقه إلى ان قال ابن حرصون بن فارص بن يهوذا بن يعقوب بن اسحق (فان كنت أيها المسلم) بحيث ترضى غيرتك، وتتطأ من عفتك ونجابتك ان تدين بدين يكون ربك فيه ابن زنا ليس من جد واحد بل من جدين أو ثلاث فذاك اليك: وانت احرى بحريتك لا حرج عليك ولا صد.

ومن أجداد ابيهم اليسوع (بوعز) بنص (5: 1) (متى) حيث قال: ونحشون سلمون وسلمون ولد بوعز من راحاب ومثله في رابع (لوقا) وراحاب هي الامرأة الزانية بنص (2: 1) من سفر يشوع بن نون ومن أجداده أيضاً سليمان بن داود كما في (متى) وقد نص سفر الملوك الثاني (11 ـ 3 ـ 5) وفي سفر صموئيل الثاني من توراة "البروتستانت" (زنى داود بنشايع بنت الينعام امرأة أوريا لحثى فوضعت سليمان) بخ بخ لهذا الدين ولأنبيائه وكتبه بل ألف بخ بخ لربه ما أطيبه واطهره ليت شعري اما استحضر (متى) و(لوقا) ما في العهد القديم من نسبة الزنا إلى اولئك النفر فيحذفونهم من عمود نسب حمل الله الوديع تطهيراً له من هذه الفاحشة التي هي في الأصلاب والاعقاب فان ابن الزنا لا يطهر ولو بعد سبعين ظهراً..فقل لهم (أيها المسلم) أما ان تقولوا ببطلان التوراة وفسادها أو ببطلان الأناجيل وخطأها، أو ان الزنا غير خطيئة، ولا عار فيه ولا منقصة، وكل واحد من هذه الثلاثة لا يمكنهم الالتزام به والمصير إليه سيما الأخير فانه عندهم (كما هو عندنا) من أعظم الكبائر


 

( 28


 

والفواحش، فقد نهي ابن الزنا عن الدخول الى المجمع وعن الزواج مع العبرانيين كما في سفر التثنية (23: 22) ويقاص الرجل الذي يضاجع امرأة غيره بالموت كما في تث (22: 22) وكانت الزانية تحسب نجسة وقرن اسمها باسم الكلب تث (24: 18) إلى كثير من نظايرها.

(أيها المسلم):

إذا وسوس لك (المبشّر) بأباطيله، ودعاك إلى الإيمان باناجيله، ودفع لك المنشورات والجزوات من أضاليله، فارمها (أولا) تحت قدميك وقل له أتدعوني إلى الإيمان بالكتب المشحونة بالأكاذيب وما يخالف ضرورة العقول وبديهة الفطرة، إلى الكتب التي يناقض بعضها بعضاً ويخالف بعضها الآخر مخالفة صريحة ويناقض مجموعها العهود القديمة، والنواميس الأولية، التي قال مسيحهم في الأناجيل (إلى أن تزول السموات والأرض لا يزول حرف واحد من الناموس) وينتظم شمل هذا الموضوع في فصلين (الأول) في تناقض الأناجيل بذاتها بعضها مع بعض (الثاني) تناقض مجموعها مع مجموع التوراة واسفار العهد القديم، وأنت خبير بان تناقضها واختلافها الصريح الذي لا يمكن فيه الجمع المقبول، والتأويل المعقول، أدل دليل على انها ليست وحياً من الله ولا كتباً مقدّسة (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)(1) ويشهد لذلك ما في بعضها من الحكم على الظن والتخمين الذي لا يعقل صدوره من الحضرة الربوبية كما سندلك عليه ان شاء الله، ونحن نورد لك من تناقضاتها ما يتضح لك به كلا الفصلين معاً وهي موارد كثيرة تناهز المائة ولكننا لا نورد إلاّ ما يكفي شاهداً لبطلانها وسقوطها، والتناقض في مورد واحد يكفي في دلالته على عدم كونها وحياً إلهياً، وكلاماً ربوبياً.

(فمن جملة ذلك) اختلاف (متى) و(لوقا) في نسب المسيح اختلافاً لا يكاد

____________

1- النساء: 82.


 

( 29


 

يلتقي طرفاه، فان (متى) ذكر من يوسف والد المسيح إلى ابراهيم أربعين جداً (ولوقا) ذكر اثنين وخمسين جداً، هذا (أولا) وأما (ثانياً) فقد اختلفا في أسماء الأشخاص كأختلافهما في العدد فان (متى) نص على أن يوسف ولد من يعقوب ويعقوب من منان وهو من اليعازر وهو من اليود واليود من اخيم وهو من صادوق وهو من عازور وهو من الياقيم وهو من ابيهود وهو من زربابل فهؤلاء أحد عشر الى زربابل...ولكن (لوقا) نص على ان يوسف هو ابن هالي بن متثات إلى ان عد عشرين اسماً إلى زربابل ليس فيها اسم من الأسماء التي ذكرها (متى) فليراجع ذلك من شاء...ثم اتفقا في زربابل وأبيه شالتليل ثم بعده اختلفا في الإسم والعدد إلى داود...والطامة الكبرى في هذا النسب امران بل ثلاثة (الأول) ان (متى) أوصله إلى داود بسليمان فقال ما نصه: داود الملك أولد سليمان وسليمان أولد رحبعام ثم نزل بالنسب إلى يوسف و(لوقا) جعله من ولد ماثان بن داود وصعد به إلى ابراهيم ثم إلى آدم، مع ان المنقول عن (كالوين) أحد زعماء ديانة (البروتستانت) ان من أخرج سليمان من نسب المسيح فقد أخرج المسيح عن مسيحيته (الثاني) انهم نسبوا المسيح الذي لا أب له من جهة نسب زوج أمه وهو يوسف بن هالي أو ابن يعقوب مع ان القاعدة الطبيعية الموافقة للحس والواقع ان ينسب بنسب أمه لا بنسب زوج أمه فانه لا علاقة له في ولادة ولدها المولود من غيره.

ضرورة ان الرجل ينسب إلى أبيه وآباء ابيه ان كان له أب وإلاّ نسب إلى أمه ودخل في سلسلة آبائها وأما نسبة الرجل إلى زوج أمه فهذا شيء غريب لم نسمع به، فياهل ترى انهم يرون انه كان متولداً من يوسف بالجسم ومن الاله بالروح ولازمه ان يوسف قد اقترن بمريم قبل ولادة عيسى فيكون عيسى بن يوسف حقيقة ويكون حاله حال سائر البشر فان أرواحنا نفحة ربانية ولقاح إلهي،


 

( 30


 

وأجسامنا منه تعالى بواسطة نطف آبائنا، ولكن ما أدري على هذا الفرض أكان ذلك الاقتران شرعياً، أم كما يقول اليهود لا قدر الله؟

(الثالث) ما أوعزناه إليك قريباً من الحكم بالظن أحياناً فان (لوقا) يقول ما نصه: ولما ابتدء يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالى ثم ساق النسب إلى آخره، فهل ينطبق هذا مع الوحي؟

 أو هل هو من الأمور الغامضة؟

 مع ان الوحي قمين بالمغيبات وعلم ما كان وما يكون فكيف بهذا الأمر البسيط؟

 وكل واحد من أفراد العائلات غالباً يعرف عمود نسبه وجذم أجداده وآبائه، وهل وجدت أحداً من المؤرخين بل من المسلمين يقول ان محمد(صلى الله عليه وآله) على ما يظن هو ابن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم؟

أما والله لقد دخلتني الحيرة في شأن مسيح النصارى، ما أدري كم له عندهم من الآباء، فطوراً هو ابن يوسف بن هالي، وتارة ابن يوسف بن يعقوب، واخرى هو ابن الله، ورابعة لا أب له أصلا، ما أدري كيف حل هذه العقدة، أرشدونا يا أولي الألباب(1).

(أيها المسلم):

إذا أتاك الغراب الأسود (المبشّر) بمخاريقه، وجاءك بمجموعة انجيله أو تفاريقه، ودعاك إلى الإيمان به وبتصديقه، فقل له كيف أؤمن بأن هذه الكتب من الوحي الإلهي؟

 والكلام الربوبي، وهي التي يتناقض كل كتاب منها مع الآخر بل يتناقض مع نفسه، وينعى بعضه على بعضه، لا مع فصل طويل بل في الفصل الواحد، وأنا أعطيك انموذجاً وشاهداً لكل من الدعويين أما تناقض الكتاب

____________

1- (متى) يقول يوسف بن يعقوب و(لوقا) يقول ابن هالي (متى) يقول شالنتيل أولده يكينا (ولوقا) يقول هو ابن ميري (متى) يقول زربابل أولده أبيهود و(لوقا) يقول هو ابن ريسا وهلم جرا فهل يعقل ان تكون هذه الكتب من الحق المتعال وهي بهذا الحال؟

 تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً.


 

( 31


 

الواحد بعضه مع بعض في فصل واحد، فقد قال (متى) ـ (وقد عرفت انه اولهم وأجلهم) ـ في اصحاح (26) في مبادي قصة صلب أبيهم اليسوع، وهذا الفصل مشحون بالأكاذيب والأعاجيب والتناقضات والمنافيات لمقام التعقل وشخصية البشرية، فضلا عن الربوبية، وفيه حديث المرأة التي سكبت قارورة طيب كثيرة الثمن على رأس اليسوع وقدميه وغيظ تلاميذه قائلين كان يمكن ان يباع هذا الطيب بكثير ويعطى للفقراء ومعارضة المسيح بتحسين عملها، إلى أن ذكرت شأن جزعه من الصلب وحزنه واضطرابه الذي لا يليق بالنساء أو الصبيان فضلا عمن يدعي أو يدعى له الربوبية فقال عدد (38) ثم أخذ معه بطرس وابني زبدي وابتدأ يحزن ويكتئب (38) فقال لهم نفسي حزينة جداً حتى الموت امكثوا هنا واسهروا معي (39) ثم تقدم قليلا وخرّ على وجهه وكان يصلي قائلا يا ابتاه ان أمكن فلتعبر عني هذه الكأس وليس كما أريد بل كما تريد أنت إلى أن قال (42) فمضى أيضاً ثانية وصلّى قائلا يا ابتاه ان لم يمكن أن تعبر عني هذه الكأس إلاّ أن أشربها فلتكن وصلّى ثالثة قائلا ذلك الكلام بعينه...هـ، فأنت ترى انه ليلة صلبه بات ساهراً إلى الصباح يتضرّع سائلا من الله ان يصرف عنه تلك الكأس المرّة كأس الحمام مقرّاً معترفاً بالعجز وان الأمر إليه تعالى.

ثم بعد أسطر قليلة في وصف مجيء الشرطة لقبضه وبأيديهم السيوف والعصي فقال: وحينئذ تقدموا والقوا الأيادي على يسوع وامسكوه (51) وإذا واحد من الذين مع يسوع مد يده واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة فقطع اذنه فقال له يسوع ردّ سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون (52) أتظن اني لا استطيع ان اطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة..هـ، وأنت ترى تنافي ما بين الكلامين، والتناقض بين المقامين، في فصل واحد فان الأول صريح في ان الأمر ليس في استطاعته ولا أثر فيه لالتماسه


 

( 32


 

وطلبه كيف وهو لم يزل يصرخ ويتضرّع جازعاً جزع النسوان، وفازعاً فزع الصبيان مستمراً على ذلك إلى أن رفع على الصليب قال (متى) في الفصل التالي (27: 46) صرخ يسوع بصوت عظيم(1) قائلا: ايلي ايلي لماذا شبقتني...أي الهي الهي لماذا تركتني...وحديث جيوش الملائكة صريح في ان الأمر موكول إلى طلبه ومسألته من أبيه، ولكنه لا يسأل تنفيذاً لمشيئة أبيه والمفروض انه قد سئل والح، سئل فما اجيب وطلب فما اعطي، فكيف يقول اتظن اني لا استطيع، وكان قد تبيّن له انه لا يستطيع فهل هذا إلاّ التناقض والخبط؟

 ومثل هذا في انجيل (متى) كثير.

(أيها المسلم):

إذا اتاك الاغربة السود يدعونك إلى رفض دينك واتباع دينهم فقل لهم: إنّ أناجيلكم ذكرت في العدد الرابع من اصحاح (16) (متى) و(29) من (11) (لوقا) ان المسيح قال جيل شرير فاسق يطلب (أو يلتمس) آية ولا تعطى له إلاّ آية يونان النبي...يعني انه كما بقي يونان أي يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام ثم خرج حياً كذلك هو أي المسيح يبقى في القبر ثلاثة أيام بعد صلبه ودفنه ثم يخرج حياً كما صرّح بذلك في (40) من (12) لوقا و(34) من عاشر مرقس: ابن الإنسان رئيس

____________

1- تعساً وبؤساً لتلك العقول التي تتخذ مثل هذا رباً، وتجعله مع الله إلهاً مع اعترافهم بما له من تلك الصفات ومنزلته من مقام الصبر والثبات، فأين هو من ابي عبد الله الحسين(عليه السلام)وأصحابه أرواح العالمين له ولهم الفداء الذين هبطوا على وادي الطفوف، يتهافتون على الحتوف، ويستقبلون المنايا بطلاقة الوجوه عن قلوب ملؤ كفتيها الإيمان واليقين بجأش رابط وعزم ثابت فكانوا كلما اشتد البأس اشرقت وجوههم واضاءت الوانهم واشتدت عزائمهم..فديتك يا أبا عبدالله يا عزيز الله بالآف من ذلك اليسوع الذي لم يكن له من الصبر مقدار أقل الرجال الذين صلبوا في حروب هذه العصور وانقلاباتها الذي شاهدناهم باعيننا فلم نجد فيهم من الجزع والفزع معشار ما تنقله هذه الأناجيل عن مسيحهم بل ربهم عند صلبه.


 

( 33


 

الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم فيهزؤون به ويجلدونه ويتفلون عليه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم وفي (21) من (24) لوقا و(63) من (27) (متى) قال وهو حي اني بعد ثلاثة أيام أقوم أي من القبر ـ فهذه النصوص سيما الأخير صريحة في ان اليسوع قال انه يبقى في القبر ثلاثة أيام، ثم يقوم من القبر ويعرج وهذا أمر قد كذّبته الأناجيل بأجمعها فكل انجيل كذّبَ نفسه وكذّب الآخر في هذه القصة..وذلك ان الأناجيل كلها اتفقت على ان المسيح صلب ودفن مساء الجمعة الذي كانوا يسمونه يوم الاستعداد للسبت وبقي ليلة السبت ونهاره وليلة الأحد الذي هو أول الأسبوع عندهم وبعد الفجر قام من قبره وان مريم المجدلية جاءت إلى قبره طلوع الشمس من يوم الأحد فلم تجده وعليه فليس مدة بقائه في القبر سوى يوم واحد وليلتين، وحينئذ فإمّا ان يكون يسوع قد كذب أو جهل أو يكون الرسل قد كذبوا أو جهلوا وعلى كلا الفرضين ينتج ان هذه الكتب ليست بوحي إلهي، ولا منزل سماوي بل ولا من كتب الحكماء والعقلاء لأن العاقل لا يكذب نفسه ولا يناقض كلامه في موضع واحد، فلا شك إذاً ان أيدي التحريف قد تلاعبت بها كيف شاءت من غير تعقل ولا تحفظ، وعليه فلا مساغ للوثوق بها، والاعتماد عليها، راجع في شأن قيام المسيح من قبره وتعيين وقته، أول الاصحاح الثامن والعشرين من (متى) حيث قال: وبعد السبت عند فجر أول الأسبوع يعني (الأحد) جاءت مريم المجدلية ومريم الاخرى لتنظر القبر ثم شرح حال قيامه بشهادة هاتين الثقتين اللتين هما كل السند لوقوع تلك المعجزة الباهرة (القيام من القبر) واصرح منه في تعيين وقت الدفن والقيام ما في آخر الخامس عشر من مرقس حيث قال (42) ولما كان المساء إذ كان الاستعداد أي ما قبل السبت جاء يوسف الذي من الرامه مشير شريف وطلب جسد يسوع إلى أن قال: فاشترى كتاناً وكفنه ووضعه في قبر كان منحوتاً في صخرة ودحرج حجراً على باب القبر.


 

( 34


 

وكانت مريم المجدلية ومريم ام يوسي تنظران.انتهى ملخصاً، ثم اتم القصة في الاصحاح (16) فقال: وبعد ما مضى السبت اشترت المجدلية ومريم ام يعقوب وسالومه حنوطاً ليأتين ويدهنه وباكراً جداً اتين إلى القبر إذ طلعت الشمس ثم ذكر ما حاصله انهن رأين الحجر قد رفع عن القبر فنظرن في القبر رأين شاباً لابساً حلة بيضاء فاندهشن فقال لا تندهشن انتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب قد قام ليس هو هنا..ومثله بل اوسع بياناً منه ما في رابع وعشرين (لوقا) وتاسع عشر (يوحنا) بل يظهر منه انه دفن يوم السبت وخرج ليلة الأحد فلم يبق في القبر على هذا سوى قدر من نهار السبت وشطر من ليلة الأحد فأين الثلاثة أيام آية يونان النبي، وكيف ينطبق هذا مع قوله عدد (40) من (12) (متى) الذي نصّه بعد تلك العبارة: لانه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الانسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال انتهى.

فهل هذا إلاّ الكذب الصراح، والتناقض البحت، كما ان في قوله جيل شرير يطلب آية ولا تعطى له إلاّ آية يونان النبي، أيضاً كذب واضح فان الأناجيل قد ذكرت له من الآيات ما يبلغ المئات مثل احياء الموتى وشفاء الزمناء من المرضى كالأعمى والأبرص والمقعد والأصم واشباع الجمع بالخبز القليل وأمثال ذلك، فكيف مع اعطاء هذه الآيات لذلك الجيل يقول لا تعطى له إلاّ آية يونان؟

..فقد اشتملت هذه الكلمة الواحدة على كذبين واضحين كما ان كل تلك الأناجيل قد اشتملت في عامة ما سطرت وفي خصوص واقعة الصلب على الخرافات والسخافات والغرايب والترهات، والشناعات والفظاعات، والاختلافات والتناقضات، التي لا يليق صدورها وأساطيرها من اضعف السفهاء والمجانين، فضلا عن العقلاء الكاملين، أو الأنبياء المرسلين.

انظر إلى الرداء القرمزي الذي ألبسوه ليسوع واكليل الشوك واجتماع اليهود

( 35 )

يبصقون في وجهه ويسخرون به ويضحكون عليه، ووضعه على الخشبة بين لصين عن يمينه وعن شماله وهو يصرخ ويبكي ويهلع ويفزع، وهم يستهزئون ويرقصون..هناك ترى ما تتقزّز منه الطباع، وتتقزز منه الاسماع، ويوجب ان تصبح الأديان أمام الملأ حديث خرافة، وموطن سخافة، ومضحكة للعقول..أما الاختلاف والتناقض في الأناجيل في شؤون تلك القصة وأطوارها فحدث ما شئت، فواحد يقول سقوه على الصليب خمراً مراً وآخر يقول خلا، وثالث يقول خلا مع زوفا.وواحد يقول: حمل هو صليبه، وآخر يقول حمله سمعان القيرواني، وثالث يقول حمله شخصان آخران.

وواحد يقول ان الذي اخبر مريم بخروج يسوع من القبر شاب في القبر، وآخر يقول شخصان في الطريق، وهكذا اتسعت مسافة الخلف والاختلاف بين أرباب الأناجيل في كل شؤون هذه القصة حتى في ان بطرس الذي هو أجل أتباع المسيح انكره مرة أو ثلاث، وان الديك صاح مرة أو ثلاث، وان يسوع شرب مما قدموه إليه من الخمر أو الخل أو لم يشرب أصلا، وان كلا من اللصين كان يشتم يسوع على الصليب أو أحدهما دون الآخر، واشباه ذلك مما لا يتسع المقام لجمعه، ومع هذا كله فهل يخطر لذي لب أو يدور على خلد ذي مسكة، ان هذه كتب سماوية، أو كلمات ربوبية، وهي بتلك المثابة من التنافي والتضارب..الحكم وجدانك، والوسيط بيننا انصافك وعرفانك، والله فوق ذلك أيها المسلم مسددك وهاديك إن شاء الله.

(أيها المسلم):

عافاك الله وثبّتك بالقول الثابت، إذا هاجمك قرين البوم، والمبشّر الشوم، وقال اعتنق النصرانية، واتبع دين اليسوع فانه هو الذي يقدر ان يخلصك من تبعات خطيئاتك، وعقوبات سيئاتك، وأما سائر الأنبياء فلا يقدر واحد منهم على


 

( 36


 

خلاصك لانهم جميعاً قد قارفوا الاثم وارتكبوا الخطايا والخاطىء لا يستطيع أن يكون شفيعاً لمثله ووسيطاً لتخليص غيره كما ان من اثقله حمله لا يستطيع أن يحمل ثقل غيره..فقل له ابطلت في كلامك هذا من وجوه أما (أولا) فلا نسلم ان واحداً من الأنبياء ارتكب الخطيئة فضلا عن جميعهم بل كلهم يشتركون في انهم معصومون منزّهون عن الآثام والخطايا وانما يتفاوتون في مراتب الفضل ومعارج القرب بشرف المساعي وفضيلة الاخلاص وعظيم المعرفة وكلما ورد في القرآن المحمدي مما ظاهره نسبة المعصية لواحد من الأنبياء فهو محمول على الخطأ لا الخطيئة، والفرق بينهما للعارف ظاهر، وقد صارت هذه الحقيقة اعني عصمة الأنبياء بفضل الكتب المؤلفة فيها بالخصوص من أجلى الحقائق الراهنة وأجلّها، وأما (ثانياً) فلو سلّمنا ارتكاب الأنبياء للخطيئة ولكنهم تابوا وأنابوا وأعلن الحق بقبول توبتهم وقد قيل (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) أما أهل الخطايا منا فتوبتهم غير معلومة ولو تابوا فقبولها غير معلوم لفقد شرط أو وجود مانع فيتجه حينئذ شفاعة الأنبياء المقرّبين المقبولين للعصاة من امتهم، وأما (ثالثاً) فلو سلمنا ارتكاب جميع الأنبياء للخطايا وانهم ما تابوا أو لم تقبل توبتهم، ولكنا لا نسلم ان نبينا محمداً(صلى الله عليه وآله) قد شاركهم في ذلك بل هو سيد المرسلين وأشرف النبيين لانه ما قارف خطأً ولا خطيئة، ولا ارتكب حراماً ولا مكروهاً، وكلما ورد في القرآن الكريم مما يتخيل منه نسبة الذنب اليه فهو ناشىء من سوء الفهم وقلّة التدبّر في فصاحة القرآن وبلاغته وتحصيل كمين مقاصده من رصين عبارته، ومكين آياته ـ مثل قوله تعالى (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً * لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَ مَا تَأَخَّرَ)(1) فان المراد ليس ذنبه إلى الله سبحانه بل ذنوبه عند أهل مكة التي يعدونها عليه من قطع أرحامهم وسب آلهتهم وكسر أصنامهم، فلما فتح الله له مكة ومكّنه

____________

1- الفتح: 1 ـ 2.


 

( 37


 

من رقابهم وعفى عنهم عرفوا شرف جوهره، وطيب عنصره وغفرت ذنوبه إليهم وما يفترون عليه من زعم جنايته عليهم، فالمراد ليغفر لك عند أهل مكة ما تقدم من ذنبك إليهم قبل الهجرة وما تأخّر عن الهجرة كوقعة بدر التي قتل النبي(صلى الله عليه وآله) وأصحابه فيها صناديد قريش، ولولا إرادة هذا المعنى لم يكن بين الجملتين ربط ونسبة كما لا يخفى على العارفين بأساليب العربية ومثلها قوله تعالى: (ووجدك ضالا فهدى)(1) فان المراد بحكم سياقها انه وجدك متحيراً في طريق سيرتك وخطتك مع قومك وعشيرتك الذين وقفوا حجر عثرة في طريقك ونشر دعوتك وانك لا تدري كيف التخلص منهم فهداك الله إلى الهجرة عنهم التي نجحت بها مساعيك وتعالت دعوتك، ولو افضنا في هذا النمط من الآيات لخرجنا عن الموضوع ـ وانما الغرض ان نبينا له المجد والشرف هو المنزه عن كل إثم وخطيئة، الجامع لكل كمال وفضيلة، فهو الذي يليق أن يكون الشفيع الأعظم، والمخلص الأكبر، وأما يسوع تلك الأناجيل والذي يعبده النصارى فهو مجموعة خطايا وآثام تجعله احوج ما يكون إلى مخلص وشفيع وها انا ذا اسرد عليك نبذة يسيرة من خطيئاته وآثامه بنص أناجيلهم، فلا يغيضن النصارى مرارة نفثاتي، وخشونة كلماتي، فان الملامة والتبعة على أناجيلهم المقدّسة، فاني لا اذكر شيئاً إلاّ بشاهد ودليل منها، وأنا ناقل وملتزم بصحة النقل لا بصحة المنقول، وقد جعلت ذلك تحت عناوين.

(1) (يسوع الأناجيل كاذب مفتري والكذب من اعظم الخطايا)

قد مرّ عليك بعض ذلك في حديث قيامه من القبر ومدة بقائه فيه ونزيدك هنا، انكاره كونه من نسل داود مع اعتراف الأناجيل به اجمع وتسالم المؤرخين بل

____________

1- الضحى: 7.


 

( 38


 

العالم كلّه عليه.

ففي اصحاح (22) من (متى) واصحاح (12) من (مرقس) واصحاح (20) من (لوقا) ما نصه: قال يسوع كيف يقولون ان المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول بالروح القدس في كتاب المزامير قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى اجعل اعداءك موطئاً لقدميك فإذا كان داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه انتهى.فان كان المراد نفي النبوّة الجسمانية فقد عرفت انه ضروري الكذب باتفاق الأمم أجمع من اليهود والنصارى وغيرهم كيف وقد اعترف هو بنص الأناجيل انه ابن داود في مواضع منها قول الملاك لمريم لما احبلها..ويعطيه الإله كرسي أبيه داود، وان كان المراد نفي البنوّة الروحية وانه من روح الله لا من روح داود فهذا جهل وغلط لأن البنوّة هي عبارة عن التوالد الجسماني لا الانبثاق الروحاني وإلاّ فجميع البشر أرواحهم من الله تعالى على انه قد حرف الآية فان الثابت في المزمور العاشر بعد المائة: (أوحى الله لسيدي) فانظر كيف كذب وحرف.

(الكذب الثالث) ما في سابع انجيل يوحنا ما نصه: قال لاخوته اصعدوا انتم إلى هذا العيد وانا لست اصعد بعد إلى هذا العيد قال لهم هذا ومكث في الجليل وما كان اخوته قد صعدوا صعد هو أيضاً إلى العيد، هـ.فهل تجد كذباً أوضح من هذا.

(2) (يسوع الأناجيل كاذب مغيّر للناموس مبدّل لأحكام الله وهذا من أكبر الخطايا)

إعلم أن التوراة قد اشتملت على عدة آيات صريحة في تمجيد شرايعها وأحكامها وانها صالحة لان تكون بصفة دائمة قانوناً للخليقة، ونواميس حافظة لنظام الحقيقة، وانها الحياة للانسان وبها سعادته، ففي العشرين من حزقيال عن الله جل شأنه في بعض ما قاله لليهود: واعطيتهم فرائضي وأحكامي التي ان عمل بها


 

( 39


 

الإنسان يحيى..وفي تاسع نحميا: (اعطيتهم أحكاماً مستقيمة، وشرايع صادقة، وفرائض ووصايا صالحة) إلى كثير من امثال ذلك واليسوع لما قام بالدعوة قام بصفة واعظ يدعو إلى اتباع الناموس أي التوراة ويحثّ الناس على العمل بها لا انه صاحب شريعة وأحكام كما اعترف بذلك حسبما نقل عنه في انجيل (متى) الاصحاح (5: 17) لا تظنوا اني جئت لانقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لانقض بل لاكمل (18) فاني الحق أقول لكم إلى ان تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل (19) فمن نقض احدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا يدعى اصغر في ملكوت السموات انتهى.ثم جاء هو وتلاميذه فنقضوا جميع الوصايا تدريجاً بل نقضوا كل حرف من حروف التوراة ولم يبق عندهم من شريعة موسى الصالحة رسم ولا أثر فاباحوا كل شيء وحكموا بطهارة كل شيء، وأول من سن لهم ذلك يسوع نفسه في عدة مواضع منها في (19: 18) (متى) حيث قال لواحد ان اردت ان تدخل الحياة فاحفظ الوصايا وعدد خمساً من الوصايا العشر لموسى (لا تقتل، لا تزن، لا تسرق) إلى آخرها ثم في مقام آخر نقضها ثم جاء تلاميذه فحللوا جميع الحيوانات التي حرّمتها التوراة كما في العاشر والحادي عشر من (أعمال الرسل) وعلّلوه بالاستحسان وطلب جلب الناس إلى التنصر برفع التكاليف عنهم واطلاقهم من كل قيد سوى تحريم أربعة أشياء (الزنا، أكل الدم، أكل المخنوق، أكل ما ذبح للاوثان)، ثم تغير نظر بولس بعد ذلك فأحل الثلاثة الأخيرة أيضاً فقال في رسالة (تيموثاوس) الأولى عدد (4) ما نصه بعد الحكم بحلية ما سبق (لان كل خليقة الله جيدة ولا يرفض شيء منها إذا اخذ مع الشكر) ومن هنا تجد النصارى إلى اليوم يأكلون كل حيوان حتى الحيوان الصدفي المخاطي الذي تعافه حتى الكلاب والسنانير، أما المسيح نفسه فقد أبطل الختان وحرم الطلاق، وأبطل السبت وتعدد الأزواج وكلها من


 

( 40


 

اصول الناموس فأين قوله إلى ان تزول السماء والأرض ولا يزول حرف واحد من الناموس ولا نقطة واحدة منه، فهل هذا إلاّ الكذب البواح، والافك الصراح، والتلاعب بالدين.

(3) (مسيح الأناجيل كاذب محتال، ومخادع، دجّال، وذاك من أكبر الخطايا)

ففي عدد (27) من الاصحاح التاسع عشر من (متى) قال له بطرس: قد تركنا كل شيء وتبعناك فماذا يكون لنا (28) فقال يسوع الحق أقول لكم انتم الذين تبعتموني في التجديد.متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون انتم أيضاً على اثني عشر كرسياً تدينون أسباط اسرائيل الاثني عشر.

(فيا أيها المسلم) قل للمبشر ان كان مراد مسيحك بجلوسه مع تلامذته الاثني عشر على كراسي المجد وقوعه في الدنيا فهو كذب بحت ضرورة انه ما جلس هو ولا أحد تلاميذه على كرسي من كراسي الملك والمجد ولا دان لاحدهم سبط من الأسباط وان كان المراد بالآخرة فكيف يعقل هذا؟

 مع ان أحد الاثني عشر بنصوص الأناجيل كلها يهوذا الاسخريوطي الذي سلمه للصلب ونزلت به عقوبة من السماء اهلكته بالعذاب كما في أوائل (اعمال الرسل) فهل من جهل أو كذب أو خداع أعظم من هذا؟

(4) (مسيح الأناجيل معطّل لحدود الناموس ومبطل لها من غير سبب ولا علة وهو من أكبر الخطايا)

ففي أول الاصحاح الثامن من يوحنا قصة حاصلها ان جميع الشعب جاءوا إليه وقالوا يا معلم هذه المرأة امسكت بالزنا وهي تزني في ذات الفعل وموسى في


 

( 41


 

الناموس أوصانا ان مثل هذه ترجم فماذا تقول، فقال: من كان بلا خطيئة فليرمها بحجر فما رماها أحد ثم رفع يسوع رأسه فقال يا امرأة أما دانك احد فقالت: لا أحد يا سيد فقال لها يسوع ولا انا ادينك اذهبي ولا تخطأي أيضاً...وأنا لا أدري كيف نسي قوله إلى ان تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس، وقد أكّدت التوراة وشدّدت في إقامة الحد على الزانية بما لا مزيد عليه، وقد عطّل سيدنا المسيح حدّاً من حدود الله من غير سبب ولا توبة ولا كفارة، ثم في قوله وأنا لا أدينك أيضاً بعد قوله: من كان بلا خطيئة فليرمها صراحة بكونه من أهل الخطايا أيضاً وإلاّ لدانها فالواقع لا يخلو منطقياً من أحد أمرين أما ان يكون ذا خطيئة فيكون عذراً في عدم اقامته للحد عليها أو يكون منزهاً عن الخطيئة فيكون قد عطل الحد وأبطل الناموس وهذا من أكبر الخطايا، وقد تم لك إلى هنا ما يقرب من عشر كذبات للمسيح مضافاً إلى الخطايا الأخر.

(5) (مسيح الأناجيل قاطع الرحم عاق لامه واخوته مفرّق بين الأقارب)

أليس احتقار الأم وانتهارها عقوق لها؟

 أليس يوحنا يقول في الاصحاح الثاني: لما فرغت الخمر قالت أم يسوع له ليس لهم خمر (4) قال لها يسوع مالي ولك يا امرأة لم تأت بعد، فهل يصلح مثل هذا الانتهار والخطاب بالوالدة التي تقضي النواميس كلها بوجوب كرامتها واحترامها؟

 وما اكتفى بذلك حتى كان احياناً يعرض عنها وينكرها ويبخل عليها حتى بالكلام فضلا عن البر والاحترام، ففي آخر الثاني من (متى) فيما هو يكلم الجموع إذا أمه واخوته وقفوا خارجاً طالبين أن يكلّموه فقال له: هوذا امك واخوتك واقفون خارجاً طالبين أن يكلموك، فاجاب: من هي أمي ومن هم أخوتي؟

 والافظع من ذلك انه مد يده نحو تلاميذه، وقال: ها امي واخوتي، بل كان يأمر ببغض الأب والأم والأولاد


 

( 42


 

والأُخوة والأخوات كما في (14) (لوقا)، فهل تجد من قطع وامتهان أسوأ من هذا، فديتك يا فرقان محمد(صلى الله عليه وآله) بكل ما انزل من السماء أو صنع على الأرض ـ إذ تقول: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيّاً * وَ جَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَ أَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَ الزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَ بَرَّاً بِوَ الِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً)(1).

نعم ما اكتفى اليسوع بكل ذلك حتى صار يأمر ويحث غيره على التقاطع والتفرقة حيث قال في عاشر (متى): اني جئت لافرق الإنسان ضد أبيه، والابنة ضد أمها، والكنة ضد حماتها، واعداء الإنسان أهل بيته، وما كفاه هذا القدر من تفريق الكلمة، وتشويش نظام العائلة، حتى قال: ما جئت لالقي سلاماً على الأرض بل سيفاً...ثم زاد فقال كما في ثاني عشر (لوقا): جئت لالقي ناراً على الأرض ثم قال: اتظنون اني جئت لاعطي سلاماً على الأرض كلا بل أقول لكم انقساماً...أفهذا يصلح أن يكون مخلصاً؟

 أم الذي يقول الحق فيه: (وَ مَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)(2)، فالحق ان هذا مخبط ومخبص، لا منقذ ومخلص.

(6) (مسيح الأناجيل مخبط ومخلط، متناقض الأفعال والأقوال)

سأله رجل: أيها المعلم الصالح ماذا اعمل لارث الحياة الأبدية فقال له يسوع: لماذا تدعوني صالحاً؟

 ليس أحد صالحاً إلاّ واحد وهو الله.كما في عاشر (مرقس) ومثله في (متى)، وبينا ينهى ان يدعوه أحد صالحاً، وإذا به يقول مفتخراً كما في عاشر (يوحنا): أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف، وما اكتفى بذلك حتى تحرش فافحش فجعل غيره من الأنبياء السابقين لصوصاً وسراقاً فقال في ذاك الاصحاح بعينه: الحق أقول لكم اني انا باب الخراف وجميع الذين اتوا قبلي هم سراق ولصوص..وما اعظمها وافظعها من اثم وخطيئة.

____________

1- مريم: 31.

2- الأنبياء: 107.



 


 

( 43


 

(7) (مسيح الأناجيل ملعون)

قال بولس في غلاطية: المسيح افتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لاجلنا لانه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة..ومعلوم لديك ان اللعنة لا تكون إلاّ على الاثيم الذميم المرتكب لاكبر الخطايا والجرائم.

(8) (نعم يسوع الأناجيل كان يرتكب الجرائم، ويقترف المآثم، فكان يأخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً)

ولهذه الدعوى شواهد من الأناجيل مبثوثة في أكثر الأبواب ولكني اكتفي بقصة الجحش والاتان فان فيها فكاهة.

لا يخفى ان الأناجيل اتفقت على نقل قصة الجحش التي حاصلها ان يسوع أمر اثنين من تلاميذه ان يذهبا إلى قرية كانا في خارجها وقال لهما: انكما ستجدان جحشاً مربوطاً فحلاه وأتياني به فإذا انكر صاحبه فقولا له: ان الرب محتاج إليه(1) فذهبا وفعلا ما امرهما يسوع وجآءا بالجحش وطرحا عليه ثيابهما فركب عليه يسوع وسار...ولا يهمنا انها على بساطتها أو ان اليسوع أراد أن يطبّق على نفسه من التوراة آية زكريا في كتابه: ابتهجي جداً يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت اورشليم، هو ذا ملكك يأتي إليك هو عادل ومنصور وراكب على حمار وعلى جحش ابن اتان(2).ولا يهمني ان الآية تنطبق عليه أم لا، انما الغرض اني لا أدري

____________

1- إلاّ واني ابرأ من رب محتاج ولا اعبد إلاّ رباً غنياً.

2- لا يخفى بعد الذي مرّ عليك من كلمات يسوع ان هذه الآية بمعزل عنه وانها لا تنطبق عليه بتاً فانه يقول في آخرها ويقطع قوس الحرب ويتكلم بالسلام للامم، اين السلام وهو يقول ما جئت لالقي سلاماً بل سيفاً وتارة بل ناراً وتارة انقساماً، فقد نفى الآية عن نفسه بنفسه، وشهادته اوثق على نفسه من شهادة الجحش والحمار.


 

( 44


 

كيف استباح ركوب الجحش من دون اذن صاحبه بل مع ظهور انكاره كما يظهر من سياقها.

والفكاهة المضحكة ان (متى) لم يتدبّر آية زكريا فحرف فيها تحريفاً طريفاً فقال في العدد الثاني من اصحاح (21): ان المسيح قال لاثنين من تلاميذه اذهبا إلى القرية التي امامكما فالوقت تجدان اتاناً مربوطة وجحشاً معها فحلاهما وأيتاني بهما (3) وان قال لكما أحد شيئاً فقولا الرب محتاج إليهما إلى أن قال فذهب التلميذان وفعلا كما أمرهما يسوع (7) واتيا بالأتان والجحش(1) ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما.وفي بعض النسخ (فاجلسوه عليهما) وسار..وليت شعري، ولا أدري كيف يركب انسان واحد على دابتين في وقت واحد اللهم إلاّ أن يكون قد اركبوا الجحش على الاتان وركب يسوع على الجحش وهو شيء بديع، ما أظن وقع مثله في العالم، ولا بدع فمسيح الأناجيل لا زال يأتي بالعجائب فلتكن هذه إحدى عجائبه ـ نظير صلبه بين لصين مكللا بأكليل الشوك ثم يقوم من القبر بعد ثلاثة أيام بشهادة مريم المجدلية التي كان قد اخرج منها سبعة شياطين.

(9) (مسيح الأناجيل جبار متكبّر مسرف مبذر)

ففي (37) من (7) (لوقا) وإذا امرأة في المدينة كانت خاطئة إذ علمت انه متكي في بيت الفريسي جاءت بقارورة طيب (38) ووقفت من ورائه باكية وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحها بشعر رأسها وتقبل قدميه وتدهنهما بالطيب وقال الفريسي: لو كان نبياً لعلم من هذه المرأة التي تلمسه انها خاطئة، أقول ما سمعنا في شيء من النبوات، ان نبياً تقبل رجليه المومسات، وتسكب على قدميه قارورة

____________

1- هنا موضع الغلط والاشتباه من (متى) فانه توهم ان العطف في آية زكريا عطف نسق يوجب التعدد ولم يفهم ان عطف بيان وتفسير فوقع في تلك المضحكة وهو لا يدري.


 

( 45


 

طيب ناردين خالص كثير الثمن قيمته ثلاثمائة دينار كما في (12) يوحنا فهل هذا إلاّ فعل جبار متكبّر مسرف، نعم ربهم اليسوع بجزئه الناسوتي تجري عليه جميع صفات وكان يومئذ شاباً وسيما ابن ثلاثين سنة أو دونها فلعله صبا إلى تلك الخاطئة كما صبت هي إليه، فمرغت وجهها وشعرها على قدميه، ويظهر من بقية اصحاح (لوقا) انه كان يشتهي ان يقبلها وتقبله ولكن الظروف ما سمحت بذلك لرقابة الفريسي ويهوذا الاسخريوطي فان اليسوع قال في مراجعته لسمعان المعترض كما في عدد (44) من ذلك الاصحاح أما هي فقد غسلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها (45) قبلة لم تقبلني إلى آخر ما هناك من حديث القبلة وكانت الغاية ان قال لها ايمانك خلصك فاذهبي بسلام، وياله من ايمان تقبل به الأقدام، وتمحى به الخطايا والآثام.

(10) (مسيح الأناجيل لا قداسة فيه، ولا كرامة، ولا امانة)

أما عدم القداسة فلانه لم يقدس جلال الله وعظمة كبريائه عن أدناس الطبيعة وأرجاس البشرية، حيث جعل الأب فيه وهو في الأب فقال كما في (10) يوحنا: الأب في وأنا فيه، واني انا في الأب والأب في، والأب الحال فيّ هو يعمل الأعمال بعد قوله لا تدعوني صالحاً ليس صالح إلاّ الله، وانه اله واحد وليس آخر سواه.

وأما عدم الكرامة، فانه لم يكرم واحداً من الأنبياء السابقين عليه بل أهانهم وحقّرهم حتى جعلهم سراقاً لصوصاً كما مرّ عليك قريباً، وأما عدم الأمانة فلانه أئتمن الخائن السارق وهو يهوذا الاسخريوطي الذي كان أولا من أخص أصحابه واسلمه اخيراً للصلب وكان يسوع لا يزال بخير بخبث نيته وسوء سريرته، فكيف جعل صندوق الأموال عنده؟

 كما صرّح به في (12) يوحنا عدد (6) قال هذا (أي


 

( 46


 

يهوذا)(1) ليس لانه كان يبالي بالفقراء بل لانه كان سارقاً وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقى فيه، أي يسرق منه، فهل هذا إلاّ تعمد على ائتمان الخائن والوثوق بالسارق.

(11) (مسيح الأناجيل يغازل النسوان، ويجلس في حضنه الغلمان)

أما مغازلة النسوان فيشهد له مضافاً إلى ما سبق من حديث القارورة ـ التي ليست هي منه بأول قارورة ـ ما في (11) من يوحنا عدد (5) وكان يسوع يحب مرثا واختها ولعازر.اقول: ويستشف من وراء ستار الأناجيل انه له معهن شؤون.وأما جلوس الصبيان في حضنه ففي (13) يوحنا عدد (23) وكان متكئاً في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه.

(12) (يسوع الأناجيل يستعمل الظلم، والعدوان فيدخل الشيطان في الإنسان، وفي الحيوان، بل يدخل الظلم والبوار حتى على الأشجار)

أما ادخاله الشيطان في الانسان فانه هو الذي ادخله في يهوذا الاسخريوطي الذي هو من الحواريين الاثني عشر الذين اختارهم يسوع بنفسه ففي (13) يوحنا عدد (26) في جواب من سأله عن الذي يسلّمه للصلب أجاب يسوع: هو ذاك الذي اغمس اللقمه وأنا واعطيه فغمس اللقمة واعطاها ليهوذا الاسخريوطي فبعد اللقمة دخله الشيطان..والعجب كيف اختاره من السبعين وهو يصرح بعلمه انه شيطان ففي آخر السادس من يوحنا (70) اجابهم يسوع: أليس اني انا اخترتكم الاثني عشر وواحد منكم شيطان؟

...فما ادري اذاً لماذا اختاره أيريد أن يقع الشر والفساد في الأرض؟

____________

1- وهذا اشارة الى الاعتراض في مسألة قارورة الطيب.


 

( 47


 

وأما ادخاله الشيطان في الحيوان ففي ثامن (متى) وثامن (لوقا) وخامس (مرقس) عجيبة من عجايب ربهم اليسوع حاصلها انه لما جاء إلى القبر استقبله مجنونان خارجان من القبور هائجان جداً فصرخا قائلين ما لنا ولك يا يسوع ابن الله أجئتنا قبل الوقت لتعذبنا وكان بعيداً منهم قطيع خنازير كثيرة ترعى فالشياطين طلبوا إليه قائلين ان كنت تخرجنا فأذن لنا ان نذهب إلى قطيع الخنازير، فقال لهم: امضوا فخرجوا ومضوا إلى قطيع الخنازير، وفي (لوقا) انها نحو الفين، وإذا قطيع الخنازير كله قد اندفع من على الجرف إلى البحر ومات في المياه أما الرعاة فهربوا انتهى.

أقول: مسكينة أنت ايتها الخنازير، ما أدري بأية جناية وخطيئة، وقعت عليك هذه البلية، أغرق يسوع أولك بالبحر بعد أن أدخل فيك الشياطين، وسلط على نسلك لامته الخناجر والسكاكين، فهل كان الاذن بدخولها إلاّ ظلماً وعدواناً؟

 وقد سرى هذا الظلم وتلك القساوة منه حتى إلى الأشجار فقد ذكر أيضاً في (متى) في اصحاح (21) عدد (18) وفي الصبح إذ كان راجعاً إلى المدينة جاع (19) فنظر شجرة تين على الطريق وجاء إليها فلم يجد فيها شيئاً إلاّ ورقاً فقط فقال لها لا يكن منك ثمر بعد إلى الأبد فيبست في الحال وذكرها غيره من الأناجيل بابسط من هذا، ولكني اقول: مسكينة أنت ايتها التينة، سوء حظك بعث إليك يسوع الوديع صاحب الحنان والرحمة على مخلوقات الله وكان جايعاً ولم يكن فيك تين فدعى عليك فيبست.وليت شعري أنسي يسوع ولم يكن معه من يرشده إلى أن يدعو بأن تحمل تيناً فيأكل عوض أن يدعو عليها فتيبس فيكون ظالماً لها من غير سبق جناية منها ولكن الأمم الغابرة كانوا مغفلين، أو قاسين ظالمين، وأين هذا من نبي الرحمة الذي كان يمرّ بالشجرة فتورق وتحمل ويأكل هو وأصحابه منها، وبالشاة العازب الحايل فتعود حلوباً ولعل على ذكر منك شاة أم معبد المعجزة المشهور

( 48 )

التي نظمها ابنها معبد في ابيات قبل أن يسلم يقول فيها:

 

ومقعدها للمؤمنين بمرصد

ليهن بني كعب مقام فتاتهم

عليه صريحاً صرة الشاة مزبد

دعاها بشاة حائل فتحلبت

يرددها في مصدر ثم مورد

فغادرها رهناً لديها لحالب

 

وكم له سلام الله عليه وآله من أمثال ونظاير طفحت بها كتب السير والتواريخ حتى صارت كالنار على المنار، والشمس في رائعة النهار.

وقد استحضرنا لك اثني عشر خطيئة من خطايا المسيح بنص أناجيلهم ولو شئنا أن نبلغ بها الخمسين فأكثر كان شيئاً هينا، وامراً ممكناً، ولكن الحرص على الاختصار عاقنا عن ذلك، ولكن بعد ذلك كله فهل يستطيع أحد من المبشرين ان يجتري ويقول لك أيها المسلم ان المسيح ما ارتكب الخطيئة ولا قارف الاثم؟

، فالحق ان يسوع بحسب ذات أناجيلهم كان مجموعة خطايا وجرائم وجرثومة فساد ومآثم، واي جريمة تريد أكبر من الكذب الصريح في أكثر من عشرين مورد، ومن تحقير الأنبياء وجعلهم لصوصاً وسراقاً، ومن تبديل أحكام الناموس وتعطيل حدود الله وأمثال ذلك، فحقّاً انه هو بذاته احوج ما يكون إلى مخلص يخلصه وشفيع يشفع له، وظني (وظني الا لمعي يقين) انه لا ينال الخلاص من القصاص إلاّ بالتمسك بطهارة اذيال حبيب الله محمد(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، فانهم هم الشفعاء الوجهاء عند الله ولا وجيه أوجه عنده منهم، ولا ينجو أحد إلاّ بولايتهم وشفاعتهم، ومن جميع ما سقناه لك في هذا المجال ظهر لك سند الدعوى في الفصل الثاني، وهو تناقض الأناجيل مع العهود القديمة اعني التوراة فان المسيح وتلاميذه على رغم قوله إلى أن تزول السموات والأرض ولا يزول واحد من الناموس، قد ازالوا كل حكم من أحكامها، وابطلوا كل شريعة من شرايعها، وعليه عملهم إلى اليوم.


 

( 49


 

وليكن هذا تمام الكلام في الباب الأول، فلنشرع في (الباب الثاني) وهو دحض الوهية المسيح...وكنا قبل برهة من السنين وقفنا على مقال (للاب لويس شيخو اليسوعي) أحد كبار الكلية اليسوعية في بيروت، ومن الشيوخ الذين افنوا اعمارهم وكرسوا حياتهم للدعوة والتبشير، كتب ذلك المقال في مجلته المشهورة التي وسمها (بالمشرق)، يحاول في مقاله ذاك اثبات الوهية المسيح، فدخلني من العجب والبهت عند مطالعته، ما لا يبلغ غوره مسبار وصف ولا بيان، ونفثت يراعتي بكلمات ما نظرتها قبل هذا حدقة، ولا نشرتها ورقة، وقد أوردتها هنا بنصها، بعد تكميل نقصها، وجعلتها هي (الباب الثاني) وها هي بحروفها:


 

( 50


 

القول الصحيح في دحض الوهية المسيح

بسم الله الرحمن الرحيم

(أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُـلُمَاتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ مَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّن يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَْرْضِ أَإِلَـهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)(1).

عجباً لك أيها الإنسان ولا يكاد ينقضي فيك العجب، ما اجهلك في علمك، بل ما اجهلك بجهلك ما سعدت إلاّ وشقيت، وما ارتقيت إلاّ وهويت، بينا تجد الإنسان قد اتسعت معارفه، واعتدلت مداركه واستقامت قرايحه، وقلتَ قد أخذ من العرفان بحظ، ومن الاستنارة بقسط، ومن الصواب بنصاب، وجمع بين طرفي الامانة والمتانة، والحصافة والحصانة، ورسخت في المزالق اقدامه، واعتادت على نسخ الحقائق اقلامه، فلا تلتبس عليه الغامضة، ولا تلتاث دونه العويصة، ولا تضيع في أوهامه الحقيقة، بينا انت منه على ذلك أو مثله، إذ بك تراه يتخبط في ظلمات الأوهام، ويتورط في لجج اللجاج، يمشي في ضاحية وكأنما يمشي في حنادس الظلم لا يزيده كثرة السير إلاّ بعداً، يتقدم القهقرى، ويسير معكوساً سير السرطان إلى ورا، رفعت بالأمس إلي مجلة (المشرق) في عددها الثاني من سنتها الحادية عشرة فوجدت في فاتحتها هذا العنوان (البرهان الصريح، في اثبات الوهية المسيح) رداً من منشئها (لويس شيخو اليسوعي) على مجلة (المنار)

____________

1- النمل: 63 ـ 64.


 

( 51


 

الشهيرة.

نعم لا غضاضة على المرء ان يحامي عن دينه، ويذب عن حياضه، ويدافع عن حوزته، ولكن موضع العجب والاستغراب انه كيف يخرج الإنسان بالشيء عن حدوده؟

 ويتجاوز به عن نصابه، وينظمه في غير سلكه، موضع العجب انه كيف يغالط الإنسان نفسه، ويكابر وجدانه، ويناكر عقله، وكيف يشتبه على مثل ذلك الرجل، ان مسألة كهذه تصادم الضرورة، وتصك جبهة الوجدان، ليست هي موضع بحث ودليل، وفحص واستقراء، وانما هي موضع ايمان وتسليم، وانقياد واذعان، كيف غاب عنه ان مسألة كهذه ما هي إلاّ كقارورة زجاج لا يليق به إلاّ ان يحتفظ عليها، ويرفق أشد الرفق بها، ولا يعرضها لصدمات الاستدلال والبحث والجدال، فانها لو وقعت في معرض ذلك، لا تقيم وشيكاً ان تعود هشيماً تذروه الرياح وتسفي عليه السافيات، لعمر العلم انه ما امتهن ولا افتتن ولا اثقلت كواهله، واعيت كلاكله، بعبء اثقل عليه من تأليه البشر، وتربيب المربوب، وتسوية الخالق بالمخلوق، لعمر العلم ان هذه لهي المحنة التي تركت الناس تخرج من دين الله أفواجاً، وتبرأ من الأديان بتاتاً، وتصفى افئدتها إلى الإلحاد، وتجده خيراً لها من ان تعبد مخلوقاً مثلها، وتدين بالوهية واحد من أبناء جنسها، يجري عليه ما يجري عليها، وينتظم كل حكم ينتظم لها، لعمر العلم ان هذه لهي العاصفة التي لفت أعاصيرها على أوليات الدهر، وغابرات العصور كراديس من الأمم وملايين من الشعوب فالقتهم في لحود الإلحاد، وسالت بهم سيل الآتي حتى قذفتهم في مهاوي الكفر والجحود فيوماً ابيقورية كلبية، وعصراً مزدكية، وآخر قرامطة وباطنية وتارة نيشرية أو اشتراكية، وهلم جرا إلى ان برزوا اليوم بين ماسونية أو دارونية، وهاتان الامتان بل الطامتان هما اللتان لا يزال صاحب المشرق وأهل الأديان يتبرمون من شرورهما، ويحذرون سوء العقبى من صيور أمرهما.


 

( 52


 

ولو تدبّر بعض أهل الأديان أحسن التدبر، لوجدوا انهم هم الذين حملوا اولئك القوم على خلع نير الأديان والتملّص من اغلالها التي اصبحت لا تحيد كثيراً عن عبادة الأوثان، والمشاعر إذا استوت مداركها، تجد لا محالة ان رفض الدين بتاتاً خير من أن يكون الإنسان مديناً لمثله، بدعوى انه جزء من الإله أو حل جزء من الإله فيه بالتوالد الأزلي منه أو الانفصال الحادث عنه أو غير ذلك من اختلافات مزاعمهم، وشتى مشاربهم، ولو صح ذلك (معاذ الله) لخفت وطأة النكير منا معاشر المسلمين على بعض الفرق التي تنتحل الإسلام وما هي منه (كالسبائية) وأمثالها من الغلاة في أئمة أهل البيت(عليهم السلام).

أليست هذه الدروز إلى جنبنا تقول بالوهية (الحاكم بالله) وقد نشرت أو نشرت عنها رسالة عنوانها (دين التوحيد) وتعاليم الدروز، وهي تسجل في غضونها الوهية ذلك البشر الذي قد اصبح جسده رميماً، والله اعلم بروحه أفي نعيم أم جحيم؟

 وهم يرون انه الأول والآخر، والباطن والظاهر، وانه صاحب الأدوار والأكوار ظهر في ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم.

وإذا صحت مزعمة الغلو في عيسى أمكن على الجواز ان تصبح في غيره ففي الحكمة الأولى (ان حكم الامثال فيما يجوز وما لا يجوز سواء) وإذا ثبت أصل الامكان وارتفع الامتناع هان أمر الوقوع، والغلاة في علي(عليه السلام) أو في (الحاكم بالله) لعلها تدعي لهما من المعجزات ما هو فوق معجزات عيسى بكثير، أما الولادة بغير لقاح فما أكثر ما يقع في سلائل الأحياء مثله من التولد الذاتي والسكون الفجائي من كاينات الطين أو الماء أو النبات أو غيرها، وهذا هو المثل الذي ضربه تعالى شأنه في فرقانه الحميد بقوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب)(1).

____________

1- آل عمران: 59.

 

( 53

 

أما العلاقة الروحية، والنفحة الإلهية، وكلمة المشية، فانها بنسخها وأصل جوهرها سارية في كل ذوات الأرواح، اعني ان الجميع سواء في الانتساب إلى ذلك الفيض الأقدس، والحضرة المنيعة، وبالأخص الأرواح الطاهرة، والنفوس الزكية، على اختلاف مراتبها في القرب والبعد، والصفاء والتجرّد.

أما ما يوجد في بعض آيات العهدين من اطلاق الآلهة أو ما يساويها على السيد المسيح، فهو من فرض صحته وعدم خيانة الترجمة فيه وسلامته من مد يد التحريف إليه، لا يقضي له أيضاً بشيء من ذلك، بعدما ورد مثله في أمثال عيسى كهرون وموسى وغيرهم من بني اسرائيل، مثل ما في سابع الخروج فقال الرب لموسى انظر أَنا جعلتك إلهاً لفرعون وهرون أخوك يكون نبيك، وكثير من أمثالها، مما ليس القصد في الحاضر احصاؤه ولا نريد أن نغلي هذه اللمة، ونخوض في العاجل هذه اللجة، ونكشف القناع عن محيا هذه الجلبة، وانما الهم والعزيمة، ان ننظر في البرهان الصريح الذي أخذه (المشرق) على عهدته، وجعله في ضمانه وكفالته، نريد ان ننظر هل يأتي لنا بوجه مقبول، وتصوير معقول؟

 لتصحيح ذلك الانبثاق والولادة الإلهية، أو تقمص الإله للطبيعة البشرية، وهل يقنعنا بان الواحد البسيط المجرّد، والازلي السرمد، يعود مركباً ثلاثياً، وحادثاً بشرياً؟

 (لاها الله) ان (المشرق) قد حاول امراً عظيماً، وخطراً جسيماً، بيد اننا مهما كان الأمر من المنعة والعزة، والإباء والتعجيز فنحن رهاين البرهان، واسراء الدليل، وحلفاء البينة واتباع الحقيقة، سوى اننا لا نأخذ الكلام على عواهنه ولا يقنعنا البيان بسطوحه، ولا ننخدع بحشد الأقوال الضافية، وتنميق السطور المتزاحمة، وتنسيق الصفحات المتراكمة، دون ان نلقى ذلك في نار الامتحان، ونعرض على محك النقد، ونضعه في بوتقة التصفيه، وننفخ عليه بكير التمحيص، فان خلص لنا منه الجوهر السبيك، والأصل السليم، اخذناه بثمنه، وسمناه بمثله، وعرفنا له قدره، وجعلناه زينة

 

( 54

 

صدورنا، وحلية أجيادنا، وها نحن نخوض معه في هذه الغمرة حتى تنجلي الحقيقة، وتسطع شمسها من وراء الغيوم المتلبدة على افق (المشرق) ان شاء الله.

ولا نخرج من دائرة الأدب، ومحافظة السلم، إذ ليس قصدنا سوى طلب الحقيقة دون الجدال والخصام، والله على ما نقول وكيل.

قال في الصفحة الأولى من ذلك العدد في الحاشية ما حرفه: (والعجب ان بعض المسلمين إذا جادلوا النصارى نقلوا آيات الأسفار المقدسة ولا ينسبون إليها التحريف إلاّ إذا وجدوا فيها شيئاً لا يوافق آراءهم) انتهى.

اقول: أيها الأب لا تعجب من اولئك المسلمين فان المجادلين من النصارى كثيراً ما يتمسّكون بآيات القرآن الكريم فيما يتعلق بذكر التوراة ونبوة عيسى وهم لا يؤمنون بالقرآن ولا يعترفون بصحته، فان كان ذلك من طريق الالزام والجدل فليكن هذا هو عذر من تعنيه من المسلمين ولا يليق ان تشاركهم انت واخوانك في الفعل ثم تفردهم بالتعجب، قال في صفحة (2) تحت عنوان (مقدمات) ما نصه: في مقالتنا التالية نفترض اموراً لابدّ من تقديمها لئلا تكون حججنا مبنية على ركن فاسد، ـ اولها ـ صحة اسفار العهد الجديد واخصها الأناجيل الأربعة...وكذلك اسفار العهد العتيق...وقد اقتنع الأب لويس بذلك الافتراض ولم يذكر شيئاً من الأدلّة على سلامتها من التحريف الذي يدعمه خصمه باقوى الحجج والبراهين ولو خاض في ذلك وذكر ما يبتني صحتها عليه لخضنا معه، ولكنا نتساهل ونفترضها كما فرض صحيحة، وننظر هل في شيء من آياتها شبهة برهان؟

 أو شية دليل على اثبات التأليه البشري، والتقميص الإلهي، الذي يؤل الى التركيب أو الشرك بل الكفر المحض، تعالى الله عمّا يقولون علواً كبيراً.

قال: كما اننا في ذكرنا للكنيسة لا نعتبرها إلاّ كجمعية دينية بحتة مع صرف النظر عن خواصها وتمييزها عن بقية المجتمعات الدينية انتهى.

 

( 55

 

وأقول: ان كان المراد جعل الكنيسة احد الاصول الموضوعة، والأدلة المفروضة، والأمور المقرّرة كما هو ظاهر النسق والسياق، فنحن نقول: أيها الأب المحترم، ان الدين ليس شيئاً يؤخذ من اتفاق جمعية، أو منعقد لجنة أو أكثرية آراء، وانما هو أمر سماوي، ووحي إلهي، وبراهين عقل، ومدارك وجدان، لا مجال لتقليد بشر بوجه من الوجوه فلا تعتد قرار الكنيسة والسندو سناهات، من الأدلة والبينات، ولا تجعله ضمن البرهان الصريح فان خصومك لا يخضعون لقرار الكنايس ولا يتعبدون بها ولو اجمعت جميع البابوات والقسس إلاّ أن تثبت لهم عصمه، أو يقوم لهم نبأ نبوه، واحسب ان وضع بيض الأنوق على ناصية العيوق اقرب إليك من ذلك.

قال: نفهم بالإلوهية كون السيد المسيح الجامع في شخصه الكريم الطبيعتين الإلهية والبشرية ليس هو إلاّ اقنوماً كما ان كل واحد هو انسان فرد قائم بعنصرين مختلفين هيولى هو الجسد وروح هي النفس وكما ان للإنسان أعمالا هيولية تتم في جسده كالأكل والشرب وأعمالا روحية تتم بقواه العقلية كالفكر والإرادة وكلها مع ذلك تنسب إلى شخصه، فكذلك للسيد المسيح أعمالا بشرية اتاها في ناسوته كالنوم والمشي والتعب والولادة والموت، وأعمالا إلاهية قام بها لاهوته كالمعجزات العديدة التي صنعها، أما في ذاته، وأما في غيره، كتجليه في جبل الطور وكإقامته الموتى، ومصدر هذه الأعمال المختلفة هو الشخص الواحد الإلهي الذي وحده أمكنه أو يقول دون كفر وتجديف (أنا نور العالم) (أنا الطريق والحق والحياة أنا والأب واحد) ولولا الوهيته لحق لليهود ان يصلبوه ويقتلوه، لان كلاماً مثل هذا لا يصح لبشر انتهى.

وأما وربك الأكرم، ان هذا الكلام، ليوقفي موقف الحيرة والدهشة، فها انا ويراعتي بين ثلاث اناملي لا ادري أي عوار ادل عليه من هذا الكلام، وأي مزعمة

 

( 56

 

افند منه وأي رزية انعى عليه؟

 عمرك الله أترى ان ذلك الكاتب، ما يدعيه لنفسه أو يدعي له لم يعلم ليومه هذا ان اساس الإلوهية ودعائمها التي تبتني عليه، هو وجوب الوجود المساوق للقدم والأزلية المضاد للحدوث وملابسة العدم الذي يستحيل ان يجامع التركيب بكل فروضة وانحائه فان مثار كل ذلك هو الإمكان، والإمكان والوجوب ضدان بل نقيضان، فلا يجتمعان في شيء واحد كما لا يرتفعان، وعليه فالطبيعة الإلهية المجتمعة مع البشرية في شخص عيسى(عليه السلام) لا محالة وقعت متصفة بالحدوث وإلاّ لكانت البشرية ازلية وهو خلاف الضرورة كما هو خلاف المدّعى، فاقتران الطبيعة الإلهية بالطبيعة البشرية أمر حادث وطبيعة الإلهية هي الواجب والواجب لا يتصف بالحادث ولا يكون محلا للحوادث فالواجب ممكن، وهذه إحالة لا محالة، دع عنك حديث التشبيه بالروح والجسد فانه لا يخفى عليك أمره(1)، ولكن هلم الخطب فيما ادمجه من الدليل على تلك الدعوى في غضون الدعوى نفسها بقوله: واعمال الإلهية بها لاهوته كالمعجزات العديدة، أيها الأب ان كانت المعجزات، ولا انكر انها اعمال إلهية، تقضي بكون مصدرها ومجراها فيه طبيعة إلهية أو بالأخص انه إله فما بالكم تخصون هذا الحكم بالسيد المسيح وما الذي قعد بساير الأنبياء عن هذه المنزلة ألم يكونوا ذوي معجزات عديدة، وتجليات إلهية؟

 أليس موسى كليم الله، من الأنبياء باعتراف الأب لويس وقومه؟

 أليس هو ذو معجزات ورب تجليات على طور سيناء؟

 فما باله نسخ من ديوان الإلوهية التي فاز بها سيدنا المسيح ان كان السبب في الحكم بالوهيته هو الأعمال الإلهية من القيام بالمعجزات كما يظهر من تلك الجملة، وان كان شيئاً آخر فنحن في فسحة انتظاره حتى ننظر فيه، أما ما نقله عن

____________

1- فان الروح والجسد كلاهما حادثان ممكنان قد حصل فيهما نحو من التركيب والاتحاد فاين هو من تركيب الواجب بالممكن وامتزاجه.

 

( 57

 

السيد المسيح من ألفاظ الانانية: أنا نور العالم، أنا الطريق الخ.

فلا أظن ان أحداً يقتنع لاثبات الإلوهية بهذه العبارات أو يجعلها هي البرهان، وأنت انار الله بصيرتك، تعرف ما تحتمله الألفاظ من التصاريف والوجوه والكنى والمجازات على ان كل هذه الألفاظ حتى لو حملناها على حقايقها واصول مداليلها لم يكن شيء منها بدال على شيء من تلك المرتبة.نعم ان المسيح نور العالم، وكل نبي ورسول من الله للهداية للإرشاد هو نور العالم إذا كانت نبوته عامة كالكليم والمسيح وحبيب الله محمد(صلى الله عليه وآله)، كما ان كل نبي هو الطريق إلى الله وهو الحق من الله والحياة لمن يتبعه ويأخذ بما يجيء به من عند الله، نعم وكل نبي هو الأب واحد كلامه من كلامه، وامره من امره، وكل حركاته وسكونه باذنه، فهل تجد في شيء من ذلك شيئاً من الإلوهية، أم هو محض الغناء والعبودية.

أما قوله: (ولولا الوهيته لحق لليهود أن يصلبوه ويقتلوه).

أفلا تعجب أيها الناظر من هذه المماحكة؟

، أفما في نبوة السيد المسيح وانه كلمة الله وآية من آياته، ما يجعل قتلهم له وصلبهم إياه، من أكبر الفظائع وأفظع الجرائم، وهل ينحصر السبب في حرمة الجناية عليه وشناعة ما ارتكبوه منه إلاّ بالوهيته أو اقنوميته؟

 أم هل تلك الحروف على فرض صدورها منه لا تصح ولا تنطبق إلاّ على ربوبيته، وما من نبي أو رسول إلاّ وقد دلّ على نفسه بامثال تلك الجمل التي ليس اقصى الغرض منها سوى دعوى الرسالة وبيان تلك الرابطة الخاصة والعلاقة الإلهية التي تمتاز بها عن العامة فقول: (ان كلاماً مثل هذا لا يصح لبشر) ان اراد به مطلق البشر حتى الدهماء منهم، قلنا نعم، لا يصح، ولكن يصح من قسم خاص منهم وهم المؤيدون بالمعجزة، المسدّدون بالعصمة، وان أراد انه لا يصح من أحد من البشر، فهو كماترى ممنوع أشد منع، مفنّد اعظم تفنيد، فان تلك الكلمات قد صدرت من موسى الكليم وهو بشر حتى باعتراف المسترسل بتلك



 

 

( 58

 

الدعوى من غير نظر فيها ولا تدبّر لها، ثم ان الأب لويس، شرع يسرد في عدّة صفحات حال الأمم والشعوب قبل ظهور سيده المسيح وما كانت عليه من فساد الأديان والشرك وعبادة الأوثان، وشيوع الخرافات والأباطيل في معتقداتها حتى في حكمائها وفلاسفتها والأصناف الراقية منها فكان من قوله ما حرفه: وهذا افلاطون جنح إلى مذهب الحلول...وهذا بوذا الهنود ذهب مذهب التقمص...أيها الأب كان الأحرى ان لا تذكر هذه الكلمة ولا تعد هذين المذهبين من مثالب القوم فان حديث الأقانيم ما احسبه يبتعد كثيراً عن مذهب الحلول والتقمص..أفليس الإله قد تقمص الطبيعة البشرية في جسد المسيح؟

 كما تزعمه أنت وأكثر فرق النصارى اليوم، ولعل للحلول الذي يلصق (بشيخ الحكماء) وجهاً وجيهاً، ومرمى سديداً، ليتكم تحملون عليه وتفسرون به دعوى (الأقانيم) عسى أن يحصل الوفاق عليه، ويتم الاتفاق بيننا به، ويزول هذا الشغب والنزاع بين الفريقين، وبالجملة (لا تبادر إلى عيب أخيك فيعافيه الله ويبتليك).

على ان جميع ما سرده من متاهة العالم وخبط الأمم، وسوء الأخلاق، وفساد الأديان، وخرافات المذاهب، إذ ذاك، لا ينتج أكثر من مسيس الحاجة، إلى مصلح للعام حسب العناية، ولولا ذلك لبطلت الحكمة، وانتقض الغرض الصحيح من الخليقة، فلا مناص ولا محيص عن بعثة رسول يقوم باتمام الحجة، وايضاح المحجة، والإرشاد والدلالة ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيي عن بينة، وليس في شيء مما سرده اشارة ولا اشعار ولا تصريح ولا تلويح إلى أمر الإلوهية، ومزعمة الربوبية، كما لا يخفى على أوائل العقول ومبادي الاحساسات، نعم ان (المشرق) بعد ان استوسع في نقل أغلب المذاهب الوثنية والخرافات القديمة.

تلطف في الفكر، وتوغل في النظر، وأبدع في التخلص فجعل جميع تلك الآراء

 

( 59

 

الفاسدة والمذاهب الباطلة، أو أكثرها، رموزاً واشارات إلى ظهور السيد المسيح أو إيماء إلى الوهيته، فكان من بعض ما سرده في ذلك، قوله: فان استفتينا الهند وفارس لأن أهلهما أقرب من مهبط الوحي الأول لوقوعهم في البلاد التي تغلب الرأي على كونها موقع جنات عدن وجدنا في تقاليدهم اشارات واضحة إلى هبوط الجنس البشري وخلاصه على يد إله رحوم، ثم ذكر مزعمة الهند عن حية تدعى شيكن أو كاليوغ نفثت سمها فسمت الأرض وأهلكت سكانها نزل إله من السماء اسمه شيفن فلبس جسماً بشرياً وامتص السم فنجا العالمون(1).

ثم قال: ومن خرافاتهم المنبئة بانتظارهم لمولود مخلص العالم قولهم عن إلههم فشنو انه يتجسم يوماً بجسم بشري لينفي الشرور التي عمت المخلوقات بفعل سيوا عدو البشر...أما للفرس فأشاروا إلى هذا التقليد بأن وضعوا للعالم إلهين متناقضين، إله الشر يدعى (اهريمان) وإله الخير يسمونه (هرمزد)، فاله الخير تلافياً للشرور التي ادركت البشر بخيانة اهريمان أخذ جسداً وظهر للبشر على صورة (ميثتا) فانتصر من إله الشر وشرك الجنس البشري بغلبته.

(أقول) تالله لقد أسفني هذا المقام أشد الأسف وعجبت ليراعه كيف استطاع ان يجري بتلك الكلمات ويشوّه بيض صحايفه بسوادها، أما خشي ان تنظر إليها الدارونية أو (الماسونية) فتشمت بنا معاشر الدينيين وتقول ان الإباحة العامة والاشتراكية المطلقة خير من دين يبتني أو يعتضد بمثل هذه الخرافات، والدين هو في حاجة إلى الاستناد إلى مثل هذه الأوهام، لا حاجة لأحد به، إذاً فما بال (المشرق) يسرد لنا من ذلك القبيل سبع صفحات أو أكثر جاعلا لها كأدلة على دعواه، أما قوله: ان اهريمان وهرمزد آلهة الفرس، وفشنو وشيفن آلهة الهند،

____________

1- اللهم انك أن يسوع ما امتص السم بل نفث في العوالم سماً جرعها وجر عليها الويلات واعتبر ذلك من كلماته المتقدمة، ومن معاملة اممه من الغرب مع أمم الشرق.

 

( 60

 

وأمثال ذلك من آلهة الرومان واليونان وغيرهم كلّها اشارة إلى المسيح ورمز إلى المخلص، فانا تالله لا أدري بماذا أُجيب عن هذا البرهان الصريح، الذي وعدنا به في افتتاح مقالته، وصدر مجلته.

نعم من الفكاهة والتحميض، ما يرويه القصاصون ان امرأة ادعت النبوة فقيل لها وما آية نبوتك فقالت ان محمداً(صلى الله عليه وآله) قد اخبر بنبوتي فقيل لها وأين ذلك فقالت حيث قال: لا نبي بعدي.وأنا اسمي لا فهو يقول (لا نبية بعدي) ويروى انه قيل لها أتؤمنين بنبوة محمد(صلى الله عليه وآله) فقالت نعم فقيل لها أليس قد قال لا نبي بعدي، فقالت قال لا نبي بعدي ولم يقل لا نبية بعدي، وان استدلالات هذه المتنبأة على نبوتها لاقوى بكثير من استدلالات الأب (لويس) بتلك الخرافات على الوهية اليسوع، وحسبنا هذا القدر من معارضة ما في هذا العدد، والباقي للبقية.

وعلى الاستطراد نذكر انه قد ذكر في ذا العدد نفسه صفحة 149 هكذا: وفي سنجق كربلاء مزارا العجم المعظمان على شبه مكة والمدينة وهما النجف وكربلا، ولو قال مزارا الشيعة الإمامية من عرب وعجم وترك وهند وكابل وكشمير وبخارى وتبت وغيرها لكان اقرب إلى الحقيقة فان العجم واحدة من كثير طوايف الشيعة ولكن من الظريف قوله متصلا بما سبق هكذا: ففي النجف مشهد علي بن أبي طالب وفي كربلاء مشهد ولديه العباس والحسين(عليهم السلام) أيها الأب لا يليق بمجلة شرقية كالمشرق ان تجهل امراً جلياً كهذا، أيها الأب ليس مشهد الحسن في كربلا وانما مشهده في البقيع مع جده رسول الله(صلى الله عليه وآله) وليس في كربلا سوى مشهد الحسين(عليه السلام)وأخيه العباس والشهداء من أهل بيته وأنصاره سلام الله عليهم جميعاً، فاللازم التثبت بعد هذا فيما تكتب عن جيرانك من المسلمين ولا تسترسل فتقع والله ولي التوفيق.

قال في عدد 3 من تلك السنة تحت عنوان (البرهان الصريح، في اثبات الوهية

 

( 61

 

المسيح): أيضاً...(النبوات عن مجيء المسيح وتعريف شخصه الكريم).

ذكر هنا نطق الساحر بلعام بالبركة على نسل يعقوب قائلا: يسعى كوكب من يعقوب ويقوم صولجان من اسرائيل فيحطم طرفي موآب وبربح جميع بني شيث (عدد 22: 17)، ثم استنتج من ذلك بعد سرد عدة آيات من كتبه المقدسة بزعمه الواردة في شأن داود او ابنه سليمان، وانه سيبني هيكلا، وان ملكه لن يزول إلى الأبد، وما ورد في المزامير من نظايرها ثم بنى عليها قوله: فقول كهذا من فم الله صريح واضح مؤيد بالأقسام المحرجة لم يتحقق إلاّ في ذاك الذي قال عنه الملاك لمريم (لوقا 1: 21 ـ 23) ستلدين ابناً وتسمينه يسوع...، وسيعطيه الأب الإله عرش داود أبيه...ولا يكون لملكه انقضاء، نعم قد سطر لويس عدة آيات، وسرد ما شاء من نتائج ومقدمات، ولكني لا أريد ان اتعقبه في كل ما ذكر، واناقشه في جميع ما سطر، ولا أفنّد كل واحدة من مقدماته ولا ازيده علماً بعدم ارتباط كل واحدة من مقدماته بنتايجه، ولا اوضح له، هو جد خبير به من اضطراب الأناجيل وتناقضها في نسب اليسوع وأبيه يوسف النجار وامه البتول، لو أردنا ان نخوض في تمحيص كل هذه الأساطير لاتسع بنا القول وخرج بنا البحث إلى غير الغرض، وتجاوزنا إلى غير الصميم من القصد، ولكننا نريد أن نسأل الأفاضل من أهل النظر والمعرفة، لا بل عامة القراء والكتبة، لا بل نسأل الأب لويس نفسه ونقول له هب اننا قد اعترفنا لك بكل ما زعمت من تلك المباني وتساهلنا معك في كل تلك الدعاوي، ولكن ألا تدلنا على موضع البرهان الصريح من تلك المقدّمات؟

 وأين هي من الوهية المسيح الذي عقدت تلك الفصول المتتابعة لاثباتها وهل يلزم إذا كان الأب الإله سيعطي للمسيح عرش أبيه داود ولا يكون لملكه انقضاء؟

 أن يكون المسيح إلهاً كما زعمت.

ثم قال: وتوالت الأنبياء بعد داود وكررت مواعيد إله اسرائيل بحيث لم يبق

 

( 62

 

فيها موضع للريب ففاه اشعيا (7: 14) بتلك الآية التي طنت لها آذان الملك آحاز، وكل بني اسرائيل، بل دوت لها مسامع البشر قاطبة: 11 يؤتيكم السيد نفسه آية ها ان العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل، ثم ذكر مثلها عن الأنجيلي (متى) في أول بشارته (1: 23) إلى أن قال وفي القرآن عينه ما يؤيد صريحاً نبوة اشعيا وآيات الأنجيلين حيث قال في سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ إلى قوله تعالى كُن فَيَكُونُ)(1).

في أمثالهم (عادت إلى غيرها لميس) أيها الأب، ان هذا هو الأمر الذي انكرته على المسلمين وعجبت من استدلالهم بآيات العهدين وهم لا يؤمنون بها ويذهبون إلى تحريفها، إذاً فما الذي سوّغ لك ذلك دونهم، وإباحه في عملك وحجره عليهم، على ان المسلمين يؤمنون بالتوراة والإنجيل على الجملة وأنت تجحد القرآن بتاتاً، ولا تؤمن بشيء منه أبداً، ثم لا أدري أيضاً أين موضع البرهان الصريح، على الوهية المسيح؟

 من آيات اشعيا أو فرقان محمد(صلى الله عليه وآله) بل ومن انجيل (متى) أم هل قد انقلب الموضوع، فالعنوان شيء والمعنون شيء آخر، العنوان، الوهية المسيح، ثم لا تأتي من ورائه بشيء مما له أدنى مسيس بالإلوهية، بل وبالعكس تورد بدل ذلك كلما يدل على العبودية والفقر والعجز، من الحبل والحمل والولادة واشباه ذلك، الله أكبر ما هذه المغالطة على العلم، وما هذه المباهتة في الحقايق أمام الخلائق، وما هذا الصلف في السخف؟

 ما هذا الصلف تحت الراعدة صلف تحت راعد وسراب كرعت منه خرقاه.

ثم أخذ الأب لويس بعد تلك الآيات يبرهن أن المسيح هو ابن اليسي وان العهود القديمة والأنبياء المتقدمين قد دلّت عليه، وأومأت إليه، وذكرت دلايل نبوته وصار هنا يحتج ويتخاصم مع اليهود بعد ذكر كلمات من سفر (حجاي)

____________

1- آل عمران: 45 ـ 47.

 

( 63

 

و(ملاخي) ويقول لهم أما ان تسلموا بمجيء المسيح ونبوته أو تنبذوا نبوة حجاي وملاخي من الأسفار المقدسة التي في أيديكم ـ ثم ساق الكلام في عدة صفحات كلها على هذا ومثله مما ليس فيه همس ولا نبس من ذكر الإلوهية فضلا عن إقامة البرهان الصريح عليها، فكأن النزاع تحور وانقلب عن صاحب (المنار) المنكر للإلوهية إلى اليهود المنكرين حتى للنبوة بل حتى لطهارة المولد، فنحن نشكره عن العلم والحقيقة حيث انه لما احس من نفسه بثقل تلك الدعوى بل وعجز الثقلين عن اقامة شبه البرهان فضلا عن البرهان الصريح عليها، عدل وانسل رويداً رويداً حتى حور الكلام إلى وجهة اُخرى هي احرى بالبحث والنظر، وأولى أولا بالاثبات، الا وهي اقامة البرهان على نبوة المسيح، وانه رسول كساير الرسل ممن سبقه ولحقه فخاض في غمار هذا البحث، ولكن بقي العنوان بالحرف الكبير في صدر المقالة (البرهان الصريح على اثبات الوهية المسيح) شايلا في الهواء لا ربط له بما بعده.

(بخ بخ) ثم (زه زه) لتلك الربوبية التي هي مجاز وقنطرة إلى النبوة.

نعم قد أورد في عداد ما سرده من الآيات، آية من انجيل (متى) 11: 5، هو ذا إلهكم...هو يأتي ويخلصنا.ومثلها من سفر (اشعيا) (9: 6 ـ 9) يصف ولادته: انه قد ولد لنا ولد.اعطي لنا ابن فصارت الرياسة على كتفه ودعي اسمه عجيباً مشيراً إلهاً جباراً ابا الأيد رئيس السلام الى آخر ما هناك.

وهذه الآيات على ان مرجع الاشارة ليس بالصريح، ولا ريب ان اليهود ينكرون كونها اشارة إلى يسوع النصارى الذي أخذوه وصلبوه كلص متشرّد كما قال هو عنه نفسه وللمسلمين أن يقولوا: يمكن ان تكون اشارة إلى نبي الرحمة محمد(صلى الله عليه وآله)، ولكن لو سلّمنا انها اشارة إلى يسوع فليس فيها تلويح فضلا عن تصريح بالوهيته، كيف وقد عرفت كثرة اطلاق الاله في لسان العهدين على

 

( 64

 

المتبوع والرئيس المطاع كما تقدّم نقل بعضه في حق هرون وموسى وهو كثير في العهود القديمة.

على ان من الغريب جداً، الاستدلال على المسائل اللاهوتية والمباحث العقلية النظرية بظواهر الكلمات اللفظية التي هي فضلا عن قصورها بظواهر الكلمات اللفظية التي هي فضلا عن قصورها في ذاتها وتطرق الاحتمالات القريبة والبعيدة إليها، فضلا عن ذلك قد تلاعبت بها أيدي النسخ والمسخ والتحريف، ولم يبق بها أقل وثوق لاقل مسألة من الفروع فكيف بمثل هذه؟

 التي هي الأساس والدعامة لكل شريعة وديانة، على انه لو طرق باب الاستدلال بشيء من تلك الآيات أو غيرها وتنازل من البرهنة العقلية إلى الدلالة العقلية واقتنع من البرهان الصريح بذلك المقدار، لهان الأمر وسهل الصعب، ولكنه يشحن الصفحات ويكردس الكلمات بعضها على بعض من غير تعيين وتبيين لموضح الحجة وموقع البرهان، كأنه أو لعله لا يعرف شيئاً من أبواب المنطق وفنون المعقول، وأساليب الاحتجاج والمناظرة، فالدعوى شيء والدليل على شيء آخر.والمقدمات في شيء والنتيجة شيء آخر وهلم جرا، لذلك وجدنا ان اطالة الكلام معه لغواً وعبثاً.

وقد كان كثيراً ما يسألنا بعض أفراد المسلمين عن حجة النصارى على الوهية المسيح وعن الأقانيم الثلاث وتصويرها بوجه معقول فنتلجلج في الجواب ونعيي في البيان، لاننا على كثرة مراجعتنا في كتب القوم ومؤلفاتهم في علم (اللاهوت) مثل (الخلاصة اللاهوتية) التي هي من أكبر الموسوعات في ذلك الفن (خمسة مجلدات ضخام) لم نجد وجهاً معقولا يمكن تصويره في الأذهان، وتقريبه بالبيان، فضلا عن إقامة الحجة عليه والبرهان، وهذا الأب (لويس شيخو) من فطاحل القوم وعليتهم ومن كبار قسستهم وبطارقتهم وهو حاضر معاصر، وقد قلنا عساه أن يأتي لنا بوجه مقنع وبيان مشبع لأن رجالات هذا العصر قد تطاولت

 

( 65

 

أعناقهم وتمايلت أذواقهم، إلى نبذ الخرافات والمعاني غير المعقولة وقد أخذوا من الثقافة والحصافة بحظ وافر، ومع ذلك كله قد رأيت بزته، وعرفت حجته، فما ظنك بغيره، نعم يستحيل على البشر كلهم لو اجتمعوا وكان بعضهم لبعض ظهيراً أن يقيموا البرهان والدلالة، على أمر بديهي الاستحالة، فلنختم الكلام في هذا الباب ولنشرع في الباب الثالث وبالله المستعان.

( 66 )

الباب الثالث في بيان أحوال الأناجيل
وأحوال مؤلفيها وأحوال التلاميذ والرسل من حيث الوثاقة
والاعتماد والقوة والسداد، وبدء نمو بذرة تلك الدعوة

أعلم أن يسوع المسيح بدأ في الدعوة وهو ابن ثلاثين سنة كما نص عليه في الثالث من (لوقا) عدد 23 وصلب وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة فيكون تمام أيام نبوته ثلاث سنوات، وتزعم الأناجيل أن خلقاً كثيراً شاهدوا عجايبه ومعجزاته ولكن لا يعلم على التحقيق من مقدار من آمن به سوى سبعين نفراً، وقد اختار من هؤلاء السبعين اثني عشر تلميذاً، كانوا هم خواصه وملازميه الذين لا يفارقونه غالباً، وشاهدوا أكثر عجايبه، وهم حسب نص الأناجيل، سمعان، الذي سماه بطرس وهو أقدمهم وأقربهم منه، ويعقوب بن زبدي، ويوحنا أخو يعقوب، واندرواس، وفيلبس، وبرثولمارس، ومتى، وتوما، ويعقوب بن حلفي وتداوس، وسمعان القانوي، ويهوذا الاسخريوطي.

وكان بطرس هو الذي استخلفه يسوع وأقامه وصياً عنه وقال له: إبنِ كنيستي على الصخرة، وفي نظر التحقيق ان رأس الزاوية لدين النصرانية هم الأحد عشر التلاميذ وحجر الزاوية الأول هو بطرس والحجر الثاني هو تلميذه بولس، أما بطرس فانا اوقفك على منزلته من الإيمان، ومقامه من اليقين، ورسوخ قدمه في الصبر والثبات والتفاني في حب إله اليسوع، ويكفيك لذلك شاهدان من نفس الأناجيل.

(الأول) ما في الاصحاح السادس (22) من (متى) فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره، أي ينتهر المسيح قائلا حاشاك يا رب أن يكون لك هذا (23) فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لانك لا تهتم بما لله لكن بما للناس.

 

( 67

 

(الثاني) ما اتفقت عليه الأناجيل كلها، منها ما في (26)، عدد (31) من (متى) ما نصه: حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون في هذه الليلة لانه مكتوب اني اضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية فقال بطرس وان شك فيك الجميع فانا لا اشك فيك ابداً، قال له يسوع: الحق أقول لك انك في هذه الليلة قبل أن يصيح ديك تنكرني ثلاث مرات، قال له بطرس: ولو اضطررت ان أموت معك لا انكرك، وهكذا قال جميع التلاميذ، ولكن مع الأسف (كما قال) ان اليهود قبضوا على المسيح، فاما التلاميذ فقد كان أقصى مدافعتهم ومواساتهم لربهم الفرار عنه فصاروا شذر مذر، لا عين ولا أثر، نعم ثبت معه بطرس ولكن أي ثبات، ثباتاً كانت الهزيمة خيراً منه، فانه سرعان ما أنكر المسيح وبرء منه وما اكتفى بذلك حتى صار يلعنهُ ويحلف انه لا يعرفه.

ففي اصحاح (27) من (متى) عدد (69) ما نصه: أما بطرس فكان جال خارج الدار فجاءت جارية قائلة: وأنت كنت مع يسوع النصارى فانكر أيضاً بقسم اني لست اعرف الرجل (73) وبعد قليل جاء القيام وقالوا لبطرس حقاً أنت منهم.فان لغتك تظهرك (74) فابتدأ حينئذ يلعن ويحلف اني لا اعرف الرجل، وللوقت صاح الديك (75) فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له انك قبل ان يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات انتهى بحروفه، تأمل في هذه القصة جيداً ولا تفوتنك المزايا والخصوصيات، وحينئذ يستبين لك مقام الرجل (بطرس) ومرتبته من الإيمان وتفاديه لربه اليسوع الذي جعله خليفة ووصياً عنه.

أما يهوذا الاسخريوطي الذي هو أحد الاثني عشر الذين اختارهم الرب يسوع فقد عرفت مبتدأ خبره، وعاقبة امره، وبهذا قد ظهر لك حال الأعلى والأدنى والأوساط من التلاميذ الذين هم خاصة المسيح والحواريون له فما ظنك بالباقين، هذه هي الطبقة الأولى من اصحاب المسيح، أما الطبقة الثانية وهم تلاميذ

 

( 68

 

التلاميذ فاعظمهم واشهرهم (بولس) وبنظر الاعتبار في ترجمة أحواله المسرودة في كتاب (أعمال الرسل) الذي هو أهم الأناجيل بعد الأربعة الأولى، نجده أكبر مجاهد في نشر الدعوة المسيحية، وفي الحق انه هو الذي نشر دين النصرانية في سوريا وادخله في الرومان واليونان وبلغ به إلى تخوم أوربا وتغلغل به إلى حدود اسبانيا وكافح المصايب والمصاعب في هذا السبيل، وصار غير مرة عرضة للهلكة حسبما أورده في (أعمال الرسل) وتبعه على ذلك تلميذه (مرقس) الذي اقتنصه في بعض اسفاره هذا كله بنظر الاعتبار الأول في (أعمال الرسل) وغيره، وأما بالنظرة الثانية الدقيقة التي تخرق السطوح وتنفذ في الأعماق، فانك لا محالة تجد من سيرة هذا اليهودي المتنصر انه قد كان رجلا مهرتقاً لا يركن إلى دين، ولا يتقيّد بشريعة بل كان يتلاعب بالأديان، ويسعى وراء غاية كبيرة وهي تمزيق الشرايع السموية، والنواميس الإلهية، فقد كان أولا مدّة حياة المسيح وبعد صلبه يهودياً قاسياً، ورومانياً صلباً، وفريسياً قحاً، وكان يحسن العبرانية والرومانية واليونانية وهذا هو الذي نشطه للدعاية والتبشير وكان اسمه حين كان يهودياً (شاول) وسمى نفسه حين تنصر (بولس) ادرك المسيح وهو ابن عشرين سنة ولم يؤمن به بل صار من أعظم المضطهدين للنصارى والساعين في قلع جرثومتهم، وهو أحد شهود رجم (استفانوس) الذي يعرف عند النصارى بالشهيد الأول، واحد السبعة الذين اختارهم التلاميذ الاثني عشر لنشر الدعوة وكان قد فر جمع النصارى إلى دمشق بعد رجم (استفانوس) تخلصاً من بلية شاول وقومه الفريسيين فلحقهم ليردهم إلى نير اضطهاده، فيقال ان المسيح تجلى له في الطريق قائلا له: إلى تضطهدني، فصار من ذلك النور أعمى ثلاثة أيام، ثم بعد أن دخل دمشق أبصر واستبصر وصار يجد ويجتهد في نشر تعاليم المسيح، واجتمع مع التلاميذ خاصة مع (بطرس) وهو ان تلمذ في الظاهر عليهم ولكن صار في الحقيقة استاذاً لهم،

 

( 69

 

والامارات تشهد ان هذه التعاليم التي بأيدي النصارى اليوم كلها ترجع إلى مخترعاته على الأخص تعليم (الثالوث) الذي هو الطامة الكبرى في دين النصرانية.

دخل هذا اليهودي في شريعة المسيح وهي في اضعف مبادي ترعرعها ما استحكمت اصولها ولا انتظمت فروعها، فتلاعب (بولس) فيها وفي الشريعة اليهودية ما شاء وشاءت له الأهواء، أما اليهودية فسحق بل محق جميع أحكامها وجعل دين الله من وجهة الأحكام ونواميس التروك والأفعال، إباحة مطلقة، وهكذا جعل دين النصرانية في فروعه، وأما أصوله فافسدها بتعليم الثالوث وان الواحد ثلاثة، الأمر البديهي الاستحالة، ويدلك على ما نقول، ما تجده في رسائله لو تدبّرتها من توهين التوراة واحتقارها والنظر إليها من طرف خفي بعين الازدراء، ففي الاصحاح السابع من رسالة العبرانيين عدد (18) ما نصه: فانه يصير ابطال الوصية السابقة (أي التوراة) من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذاً الناموس لم يكمل شيئاً، وفي السابع من الثامن: فانه لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضع الثاني، ويقول للغلاطيين في ردعهم عن العمل بالتوراة: كيف ترجعون إلى الأركان الضعيفة الفقيرة التي تريدون ان تستعبدوا لها من جديد أتحفظون أياماً وشهوراً وأوقاتاً وسنين اخاف عليكم أن أكون تعبث فيكم عبثاً هـ.

لعمري لقد تفلسف، ودقق النظر في الأديان وتلطف، ولكن فلسفة زندقة والحاد يشهد لذلك أكثر كلماته في قواميسه ونواميسه فانها تشبه اتم الشبه كلمات ملاحدة البابية والبهائية في خزعبلاتهم التي وسموها (بالبيان والاقدس) وأمثالها، فقد قال (بولس) في عدد (14) و(15) من رسالة (تيطس) ما نصه: لا تصغوا إلى خرافات يهودية ووصايا اناس مرتدين عن الحق، كل شيء طاهر للطاهرين، وفي الاصحاح الثاني من رسالة (كولوسي) عدد (20) ما نصه: تفرض عليكم

 

( 70

 

فرائض لا تمس لا تذق لا تجس التي جميعها للفناء، وقد أكثر من هذه الهرتقة بل الزندقة الماحقة للأديان فقال في عدد (16) من تلك الرسالة اصحاح (2): لا يحكم عليكم أحد في أكل ولا شرب أو من جهة عيد أو سبت أو هلال، أقول هذا غاية في الإلحاد ومحق كل الشرايع وكلية الأديان فلا صوم ولا صلاة ولا نواميس ولا تقاديس ولقد أبدى ملحوظاته السخيفة، وزندقته الطريفة بقوله في الاصحاح العاشر من رسالة (كورنتوش الأولى) عدد 29: لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر انا اتناول بشكر فلماذا يفترى علي لأجل ما اشكر عليه...ويستبين لك من هذه الفقرات وأمثالها في رسائله المشهورة المعدودة من ملحقات الأناجيل أن ذلك اليهودي أراد أن يجعل الديانة روحية محضة بعد أن كانت اليهودية جسمانية بحتة فوجد في النصرانية مجالا عريضاً لتوسيع تلك الفكرة، فانتحلها، وفي الحقيقة أفسدها وأبطلها، (زاد في الرقة حتى انقطعا)، والخلاصة ان من نظر أحوال هذا الرجل بامعان وتدبّر في سطوح فضلا عن أعماقها، لا يرتاب في انه زنديق قد أفسد الديانتين الموسوية والمسيحية، بل صار بلية كبرى على عموم أهل الأديان.

ومع إني لا أجد أكبر منه في رجال النصرانية حديثاً ولا قديماً، بل ولا من يدانيه، في قوة مساعيه، وجده وجهده في بث فكرته ونشر دعوته، ولكن مع ذلك فالمجهول من سيرته وترجمته أكثر من المعلوم، قال الدكتور (جورج بوست) في قاموس الكتاب المقدس: وجميع ما صنع هذا الرسول الغيور من الأعمال العظيمة...مدوّنة في سفر (أعمال الرسل) إلى أن سجن أول مرة في رومية حيث مضى عليه سنتان في ذلك الحبس من سنة (61) إلى (63) مسيحية وإلى هنا ينتهي ما ورد في الكتاب المقدّس عن سيرته، وأما ما بقي من تاريخ حياته فغير متيقن عندنا إلى أن قال: وما زال يبشّر إلى أن وصل إلى بلاد اسبانيا فأخذ منها أسيراً إلى رومية واستشهد هنالك سنة (67) أو (68)، ثم قال اما استشهاده في رومية فأمر

 

( 71

 

متفق عليه عند أكثر المسيحيين ويقال انه اخرج إلى خارج المدينة فقطع رأسه هناك على مشهد جمهور غفير هـ.

ومن جميع ما بسطناه لديك تعرف ان الحجر الأول من أساس مذهب النصرانية هو (بطرس) خليفة المسيح ووصيه، وقد عرفت كيف كانت مرتبة إيمانه ويقينه بربه اليسوع حتى انكره وتبرأ منه، بل ولعنه في آخر ساعة من حياته، فكانت منه (تحية الوداع)، والحجر الثاني هو (بولس)، وعرفت انه في ظاهر الحال وان كان يعد تلميذاً لبطرس، ولكنه استاذه في الحقيقة فانه كان أعلى فكراً، واغزر مادةً، وأكثر نشاطاً وسعياً وأكبر اثراً، وكان دين النصرانية يوم صلب المسيح نقطة ضعيفة، على صقيل صحيفة، فهي كانت سريعة الانمحاء ولكن بولس بمساعيه جعلها خطاً متصلا إلى اليوم، ولكنه في الحقيقة اتى بدين جديد لا يعرفه المسيح ولا تلاميذه وعزاه إلى المسيح ترويجاً له، وهو الذي نفخ روح البدعة في نفوس النصارى وزعمائهم وكان يطعن ويندد على بطرس ولا يعده شيئاً.

ففي الاصحاح الثاني من رسالته إلى أهل غلاطية ما نصه: ولما اتى بطرس إلى انطاكية قاومته مواجهة، لانه كان ملوماً لانه قبل ما اتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم (يعني الوثنيين التي لا تبيح التوراة مواكلتهم)، ولكن لما اتوا (أي النصارى) مع يعقوب كان يؤخر ويفرز نفسه (يعني يظهر انه يتنجس من الوثنيين رياءً، ولذا قال: ورآئي معه اليهود أيضاً حتى ان برنابا انقاد إلى ريائهم انتهى.

فانظر كيف جعل بطرس خليفة المسيح الذي يبني كنيسته مرائياً كذاباً، ولكن لا عجب بعدما عرفت من أن بطرس بنفسه لعن ذات المسيح وتبرأ منه، والمسيح بنفسه لعن بطرس وقال له يا شيطان انك معثرة لي، فقد اصبح هؤلاء الزعماء والقادة يكفر بعضهم بعضاً ويلعن كل فريق منهم صاحبه، وتلك الرذيلة اعني رذيلة الرياء التي نبز بها بولس استاذه بطرس، قد وقع هو فيها بذاته واستعملها من قبل

 

( 72

 

نفسه.

ففي الاصحاح السادس من (أعمال الرسل) من العدد الأول إلى الرابع ما هو صريح في أن بولس ختن (تيموثاوس) لئلا يثير غضب اليهود، وهو الذي لم يزل يحرض على المعمودية ويمنع من الختان، فهل هذا إلاّ الرياء؟

 والمداهنة في نواميس الدين، نعم قد استنزلوا لهم آية من السماء واثبتوها بزعم الوحي في الأناجيل، وتلك الآية هي التي فتحت لهم باب التلاعب بالأديان والتلون بأحكام الشريعة وتحويرها كيف شاؤا، ففي (16) (متى) عدد (18): أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابن كنيستي...واعطيك مفاتيح ملكوت السموات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكلما تحله على الأرض يكون محلولا في السموات انتهى.

وحسبنا هذا القدر الوجيز من بيان أحوال مؤسسي ديانة النصرانية ورأس الزاوية منها، والكبراء والزعماء الأولون لها، وقد عرفت مرتبة ايمانهم، وقسط ميزانهم من الثقة والأمانة واليقين والاعتماد، فما ظنك بالباقين الذين هم فقع بقاع لا أصل ولا فرع، ولا ثمرة ولا نبع، لا عمل فيشكر، ولا قول فيشكر، فتبصر، أيها المسلم في حال من تنصر هداك الله إلى الطريق الحق وهدى بك ان شاء الله، وحيث عرفت أحوال الرسل والتلاميذ والطبقة العليا من الحواريين، فلنوف لك القول موجزاً عن حال الأناجيل وأربابها.

وهي على قسمين الأناجيل الرابعة التي هي العمدة ولها المكانة الأولى عندهم وإليك بيانها (1) انجيل (متى)، و (2) انجيل (مرقس)، (3) (لوقا)، (4) (يوحنا)، والأول هو المقدّم وضعاً ورتبة على الباقي لانه تأليف أحد الاثني عشر الذين اختارهم المسيح للدعاية والتبشير، فيحق لو تقدم عليها وأخذ الحظ الوافر من الثقة، ولكن يوهن الاعتماد عليه أمور يجدر التوقف فيه من أجلها (1) عدم

( 73

الاتفاق بين النصارى الأولين على نسبة هذا الإنجيل إلى (متى)، فقد أنكر جماعة صحته فانكار صحة البقية كما يستفاد من (قاموس الكتاب المقدس)، (2) الاختلاف في لغته الأصلية، فقيل كتب اولا بالعبرانية، وقيل السريانية التي كانت لغة فلسطين الدارجة، وقال آخرون كتب باليونانية كما هو اليوم والمرجح عند المنقبين منهم الأول، وانه ترجم إلى اليونانية، فاختلفوا في المترجم انه هو أو شخص آخر مجهول، وكيف كان فبعد ان تلاعبت به يد الترجمة مع فقد النسخة الأصلية العبرانية وجهالتها لم يبق مجال للوثوق به، (3) ما عرفت من اشتماله على التناقضات والمنافيات بينه وبين نفسه، وبينه وبين غيره، (4) الاختلاف في زمن تأليفه فقيل: كتب بعد الصعود بثمان سنين، وقيل: بخمس عشرة، والمرجح عند أهل النظر منهم انه كتب بين الستين والسبعين بعد الصعود، وهذا أيضاً مما يوهن الاعتماد عليه.

(2) انجيل (مرقس) شاب يهودي ادرك المسيح وآمن به وتلمذ على بطرس وليس هو من الاثني عشر، وكتب انجيله في أواخر القرن الأول، وبعضهم يرى ان ترجمة كلمات بطرس، واختلف أيضاً في لغته الأصلية، وفيمن نقله إلى اليونانية فان الأناجيل قبل برهة كلها كانت يونانية، ومنها نقلت إلى اللغات الشايعة اليوم في أقطار المعمور، فكل الموهنات المتقدمة توهن هذا أيضاً وتزيد ان مرتبته من الوثاقة في حدّ نفسه ضئيلة ولا يعلم من أحواله إلاّ أن له مشاجرة قوية مع بولس فانه كان يتعصب لاستاذه بطرس، قال في (قاموس الكتاب) ما نصه: ولا يعرف شيء حقيقي عن حياته هـ.

(3) انجيل لوقا كان من الوثنيين فتنصر على يد بولس فليس هو من الاثنى عشر بل ولا من السبعين، ورافقه في بعض اسفاره الأخيرة، وذهب معه إلى فيلبي وبقي معه إلى أن أسر وأخذ إلى رومية، ثم قال أيضاً ولم يعلم شيء من حياته بعد

( 74

 ذلك، وكفى بذلك موهناً مضافاً إلى الموهنات المتقدمة.

(4) انجيل يوحنا وهو آخر الأناجيل كتب عند نهاية القرن الأول من الميلاد ومؤلفه أحد الاثني عشر وهو ابن زبدي أخو يعقوب، وكان يسوع يحبه، وهو الشاب الذي كان يتكئ على صدر يسوع ويجلسه في حضنه شغفاً به، وبالجملة فصاحب هذا الإنجيل من المقرّبين، وأهل الطبقة الأولى، ولكن عدم اشتماله على جملة من الوقايع ومخالفته للأناجيل الثلاثة في جملة من الموارد، واشتماله على الغرايب التي انفرد بها عن اخوته، كل ذلك مما يوهن الثقة به أيضاً والاعتذار بالاتكال على ما في الأناجيل لا يجدي بعد تقدمه في الطبقة وتحريه التصفية والتهذيب، ولذا انكر جماعة قانونية هذا الإنجيل وجعلوه كتاباً قصصياً لا دينياً، وقد سبق لهم تشاجر طويل إلى ان قررته الكنيسة، وأنت ترى من جميع ما اشرنا إليه وهو قليل من كثير، إن هذه الأناجيل محفوفة من حيث الصحة والاعتبار بشبهات متراكمات كظلمات بعضها فوق بعض، فمن أين يأتي الاعتقاد والاعتماد بأن كل ما فيها وحي من الله منزل على نبي مرسل؟

 كلا ثم كلا، فان تناول نجوم السماء أهون من اثبات هذه الدعوى، وهب ان (يوحنا) و(متى) لكونهما من الرسل الاثني عشر الذين ارسلهم يسوع إلى دعوة العالم يصلحون للوحي، ولكن من أين لمرقس ولوقا ذاك المقام الشامخ والشأو الرفيع.

وقد كان يجدر أن يكون انجيل (يوحنا الانجيلي) أوثق الأناجيل واصحها لقربه من المسيح وملازمته، فهو ثاني بطرس، ولكن ليس لذلك الإنجيل تلك المنزلة عند النصارى انفسهم، وفي الحق انه كان ينبغي إسقاطه لما فيه من الطامات الكبرى حتى ان فيه ما يظهر منه نسبة القول بتعدد الآلهة إلى المسيح، راجع عدد 33 إلى 36، محاورة اليهود مع المسيح: اجابهم يسوع أليس مكتوب في ناموسكم أنا قلت انكم آلهة.ان قال إله لاولئك الذين صارت إليهم كلمة الله فالذي قدّسه

( 75

الأب وأرسله إلى العالم اتقولون له انك تكفر لاني قلت اني ابن الله.

هذا حال الأناجيل الأربعة التي هي الأصول والدعايم، ومنها يعلم حال الفروع والتوابع، وهي (13) ـ أو (14) رسالة (لبولس) ورسالة (ليعقوب) ورسالتان (لبطرس) و3 رسائل (ليوحنا) ورسالة الرؤيا له ورسالة (يهوذا)، فهذه (27) رسالة ليست بذات أهمية وانما الأهمية للأربعة الأولى مع كتاب (أعمال الرسل)، ويرجحون انه تأليف (لوقا) صاحب الإنجيل الثالث، وهو سلسلة تاريخ لبطرس وبولس ومن تلمذ عليهما وبيان جملة من أعمالهما، وهو أيضاً غير مستوف لتمام ترجمتهما.

هذه مصادر النصرانية ومواردها، واصولها وأسانيدها، ولعل حبال الشمس وخيوط الهباء أقوى منها أحكاماً، وأشد ابراماً، ولكنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.

 

( 76

خاتمة

ان دعاة السوء ومبشرين الشوم المنتشرين في الآفاق، والمتهاجمين في هذه الأيام على عواصم العراق يحملون بضاعة الصلف والقحة وعدم الحياء داعين إلى دين الخمر والخنزير وترويج سلعة المكر والتزوير، ربما يطرحون بعض الكلمات على بعض عوام المسلمين وبسطائهم تشويشاً لاذهانهم، وتوهيناً لعقدة ايمانهم، وتلك الكلمات وان كانت احقر من ان تذكر، وأقل من ان تنقل، وفي الغالب ان جواب تلك الشبهات الواهية لا يخفى حتى على العوام بفضل ما منحهم الله من سلامة الفطرة وصفاء القريحة وحسن الذوق وعناية الحق جل شأنه.

يقولون للمسلم مثلا ان محمداً(صلى الله عليه وآله) عند المسلمين هو حبيب الله وعيسى باعترافهم هو روح الله والروح اعز وأشرف من الحبيب.

ولا شك ان المسلم مهما كان لا تخفى عليه هذه المغالطة، فان الحبيب قد يكون اعز من الروح، وطالما بذلت الأرواح في سبيل الأحبة كما تبذل دون الاعراض وفي سبيل الصون والشرف، (وثانياً) ان المراد من قولنا عيسى روح الله ليس ان الله بدن كسائر الأبدان وان عيسى روح ذلك البدن الذي به يشعر ويحس ويقوى ويقدر، بل المراد بالضرورة ان عيسى روح من الله نفثها في رحم مريم، فصارت بدناً حساساً وهيكلا شاعراً، وهذه الصفة عامة غير خاصة، فان كل انسان هو من روح الله ومن مشيئته، كما قال عز شأنه (وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي)(1)، ولكن الحبيب صفة خاصة لصفيه (محمد) لا يشاركه فيها أحد.

يقولون ان محمداً قد مات وعيسى حي باعتراف المسلمين والحي أفضل من الميت، وهذه مغلطة الأطفال ومضحكة الصبيان، فان (محمداً(صلى الله عليه وآله) ) أولا حي عند

____________

1- الحجر: 29، ص: 72.

( 77 )

الله يسمع ويرى، ونحن نقول في زيارة الأئمة من اوصيائه وذريته: أشهد أنك تسمع الكلام وترد الجواب والله سبحانه يقول (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَ تَاً بَلْ أَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(1)، فكيف بسادة الشهداء وقادتهم؟

 و(ثانياً) ليس الحي أفضل من الميت مطلقاً فكم ميت أفضل من حي وكم حي أذل من ميت (رب عيش اخف منه الحمام).

وعلى هذين السؤالين فقس ما سواهما مما لا يخفى جوابه، ولا يحتجب وجه المغالطة فيه على أدنى طبقات البشر فضلا عن أعاليها والله الموفق للصواب وهو ولي التوفيق وبه المستعان.

____________

1- آل عمران: 169.

( 78 )

 فائدة عامة

(أيها المسلم)

إذا استدل عليك المبشر خاصة أو المسيحي عامة بآية من القرآن الكريم فقل له: أما ان تؤمن بجميع هذا الكتاب وبكل ما اُنزل فيه أو تكفر به اجمع، فان كنت تؤمن به اجمع فما بالك تقول بالتثليث؟

 وهو ينادي بأعلى صوته صايحاً: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَآ إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انتَهُوا خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَ احِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِى السَّمَـوَ تِ وَمَا فِي الاَْرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا)(1)، وما بالك لا تؤمن بنبوة (محمد(صلى الله عليه وآله) ) الذي أوحي القرآن إليه، ونص بالنبوة عليه.

وان كنت تكفر به أجمع فلا يصح لك الاستدلال بشيء منه، وإلاّ كنت ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، وأما الالزام فهو جدل وخصام، ليس من الحكمة ولا المنطق ولا الكلام.

وعلى هذه الغاية فليكن الختام، فقد اسفر الصبح وارتفع الظلام؟

____________

1- النساء: 171 ـ 172.

 

فهرس المطالب

(لماذا نحن نريد نكتب هذه الحقائق)

المسيح في القرآن

التوضيح في بيان حال الانجيل والمسيح

  الباب الأول

  (1) (يسوع الأناجيل كاذب مفتري والكذب من اعظم الخطايا)

  (2) (يسوع الأناجيل كاذب مغيّر للناموس مبدّل لأحكام الله وهذا من أكبر الخطايا)

  (3) (مسيح الأناجيل كاذب محتال، ومخادع، دجّال، وذاك من أكبر الخطايا)

  (4) (مسيح الأناجيل معطّل لحدود الناموس ومبطل لها من غير سبب ولا علة وهو من أكبر الخطايا)

  (5) (مسيح الأناجيل قاطع الرحم عاق لامه واخوته مفرّق بين الأقارب)

  (6) (مسيح الأناجيل مخبط ومخلط، متناقض الأفعال والأقوال)

  (7) (مسيح الأناجيل ملعون)

  (8) (نعم يسوع الأناجيل كان يرتكب الجرائم، ويقترف المآثم، فكان يأخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً)

  (9) (مسيح الأناجيل جبار متكبّر مسرف مبذر)

  (10) (مسيح الأناجيل لا قداسة فيه، ولا كرامة، ولا امانة)

  (11) (مسيح الأناجيل يغازل النسوان، ويجلس في حضنه الغلمان)

  (12) (يسوع الأناجيل يستعمل الظلم، والعدوان فيدخل الشيطان في الإنسان، وفي الحيوان، بل يدخل الظلم والبوار حتى على الأشجار)

  الباب الثاني (القول الصحيح في دحض الوهية المسيح)

  الباب الثالث في بيان أحوال الأناجيل

خاتمة

فائدة عامة