الهدى إلى دين المصطفى

 

تأليف " الإمام المجاهد "

الشيخ محمد جواد البلاغي

الجزء الأول

 

منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات

 

بيروت - لبنان ص . ب 7120

 

 الطبعة الثالثة كافة الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر 1405 ه‍ - 1985 م

 

                                       صفحة 5

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثانية

بقلم :

 الكاتب المجيد العلامة المحقق الأستاذ السيد توفيق الفكيكي المحامي

 بعد أن وضعت الحرب الصليبية أوزارها التي دامت سجالا بين الإسلام وأعدائه طوال قرنين من الزمن،  حتى انتصر التوحيد على التثليث،  وتم اندحار الغزاة الأوروبيين،  وانهزم فلولهم عبر البحار،  فتطهرت بلاد العروبة والإسلام ومقدساتها من أقدام الجيوش الصليبية التي هبت أوروبا عن بكرة أبيها بملوكها ورهبانها وقوادها لتجهيزها ودفعها إلى الشرق الإسلامي لإخضاعها وتخضيد شوكة دول الإسلام،  وإذهاب ريحها،  ومن ثم القضاء على تراث العروبة ومواريث " الضاد " المجيدة،  وقد شاء الله تعالى أن تذهب ريح جيوش الغزاة بنصره العزيز،  فانقلبت على أعقابها تجر ذيول الخيبة والخذلان وأضحى أكثرها نصيب الحيتان والعقبان،  بفضل جهاد أهل العقيدة والإيمان من حماة رسالة القرآن،  بيد أن أوروبا المنهزمة لم تنم عن ذحولها،  ولم تنس في يوم من الأيام ضحايا وأحزانها،  فأخذت دولها وساستها وقساوستها يسلكون في ظلال السلم سبل الكيد والمكر ما أمكنهم الكيد والدهاء لحبك المؤامرات وتأسيس الجمعيات الهدامة في الديار العربية والإسلامية باسم المدارس التعليمية والخدمات الإنسانية،  وهي في الحقيقة مؤسسات تبشيرية في خدمة الاستعمار العقائدي والسياسي معا،  وفي فجر النهضة الصناعية في أوروبا أخذت،  معجزات العلم الحديث تزداد يوما بعد يوم،  فكثرت الاختراعات المدهشة،  وبذلك فقد اشتدت قوى الشر في أوروبا،  واستشرى كلب الاستعمار لأخذ الثأر التاريخي

 

                                       صفحة 6

 

 الذي سببته الحروب الصليبية،  أما الشرق الإسلامي فقد أصيب بداء الانقسام والتجزئة في سبيل الوصول إلى العروش ودست الحكم وحب الإمارة،  فخمدت في المجموعة الإسلامية جذوة الإيمان الصحيح وحرارة العقيدة،  وخيم الجهل على ربوع الشرق،  وتعدد السلاطين والأمراء،  واستعذبوا الرقاد على أنغام وعاظهم المنافقين،  وقل الآمرون بالمعروف والناهون على المنكر،  فغط الرعاة والرعية في سبات عميق إزاء يقظة أوروبا وعجيج مخترعاتها المذهلة في البر والبحر وأرجاء الجو،  ولقاء نشاط جماعات الاستشراق والإرساليات التبشيرية الاستعمارية،  وكان جل مهمتها زعزعة عقائد الشباب العربي الإسلامي،  وزرع الشكوك في عقيدتهم وتعاليم دينهم وفي معجزة الإسلام الخالدة القرآن الكريم . وبتلك الأساليب السلمية تارة،  وتارة بالقوة والتهديد تمكنت الدول المسيحية الاستعمارية اجتياح الشرق الإسلامي،  وعادت الحرب الصليبية جذعة كما أفصحت قولة اللورد " اللنبي " حين دخل الشام،  فوقف على قبر صلاح الدين الأيوبي فقال مخاطبا له :

 " الآن انتهت الحرب الصليبية يا صلاح الدين " إلا أن الحرب الصليبية لم تقتصر هذه المرة على الميادين العسكرية وإنما استهدفت غزو العقول والأفكار والأرواح،  وهذا أخطر وسائل الفناء للأمم ومحوها من عالم الوجود وفي سبيل هذه الغايات الاستعمارية الفكرية قام دهاقين السياسة الغربية وأجمعوا أمرهم على عقد المعاهدات السرية،  والأحلاف المقدسة لتقسيم الأقاليم الإسلامية وتجزئة البلاد العربية،  وإلى جانب ذلك قاموا بتنظيم قوافل المبشرين لتمهد للحرب الصليبية الحديثة إفساد العقول والقلوب،  وتشويه عقيدة الإسلام أو سلبها من صدور الشباب والشواب كما قال أحد المستشرقين الفرنسيين في إحدى مؤتمراتهم :

 " إننا إن أخفقنا في تنصير شباب المسلمين في المغرب فحسبنا زرع بذور الشكوك في عقيدتهم،  وإفساد قلوبهم نحو القرآن "،  وهكذا فعلت المدارس الأجنبية التبشيرية في ديار الشرق الإسلامي،  ونكتفي بهذه الإشارة لأن الخوض في هذا الموضوع خارج عن غرض هذه المقدمة،  وغاية قصدنا من هذا المدخل الوجيز هي الإشارة العابرة إلى العوامل والدوافع والحوافز التي حفزت كبار المصلحين المسلمين في فجر يقظة الشرق والنهضة

 

                                       صفحة 7

 

 الإصلاحية التي عملت لإيقاظ الرقود في الشرق،  وتجديد رسالة الإسلام والذود عن حياضها وإحياء فلسفة القرآن المتطورة على كر العصور،  وتعاقب الدهور،  فهي لا شرقية ولا غربية،  بل جامعة بين الروحانية والمادية،  كما يفرضه قانون الحياة وسنة الوجود الإنساني،  ونواميس الكون،  لهذا سمي الإسلام دين الفطرة،  أي دين الإنسانية،  فهو يحارب المادية ويطاردها إذا هي تجردت من المعاني الروحية،  كما يتنكر للروحانية الصرفة إذا ما جانبت الجوانب المادية البريئة،  وفي القرآن الكريم،  والأحاديث الشريفة،  وفي أقوال وتعاليم أهل البيت عليهم السلام كثير من الأمثلة والشواهد الرائعة الناطقة بهذه الحقيقة الكونية الأزلية،  ولا مجال لذكرها وسردها هنا . كان في مقدمة الذين نذروا أنفسهم في صد التيارات التبشيرية ضد الإسلام،  دولة المصلح المجاهد الشجاع المرحوم فخر الشرق والإسلام السيد جمال الدين الأفغاني وتلاميذه الأحرار،  وعلى رأسهم مفتي ديار المصرية العلامة الشهير الشيخ محمد عبده،  ومن تخرج عليه من أفذاذ رجال العلم المفكرين كالسيد رشيد رضا والسيد عبد الرحمان الكواكبي وأضرابهما من الغيارى . ومن آثار السيد الأفغاني في مكافحة الالحاد كتابه المشهور في الرد على الدهريين،  وتبعه تلميذه الشيخ محمد عبده في صد هجوم المستشرقون وحملاتهم على رسول الإسلام " ص "،  وشريعة القرآن في كتابه " الإسلام والرد على منتقديه "،  و " الإسلام والنصرانية " وغيرهما،  أما الكواكبي فحسبه كتابه القيم " طبائع الاستبداد "،  وكتابه " العروة الوثقى " . أما في ديار الرافدين فقد انفرد بالكفاح والنضال فقيد الشرق الإمام الحجة نصير الإسلام الشيخ محمد الجواد البلاغي،  فجرد قلمه البليغ،  وهو أقطع بحجته من الحسام في وجوه الملحدين والمبشرين المستشرقين في الشرق والغرب،  وقد تضمنت مؤلفاته الكثيرة القيمة جهاده الطويل المبارك في الذب عن حقائق الإسلام،  وفي مقدمتها كتابه " الهدى إلى دين المصطفى " وهو هذا الكتاب،  وكتابه " الرحلة المدرسية " و " أنوار الهدى " و " نصائح الهدى " وغيرها مما سيأتي تفصيلها .

 

                                       صفحة 8

 

 الإمام البلاغي وملامح شخصيته ومقوماتها :

 هو غصن كريم من الدوحة " البلاغية " الباسقة في سماء الفضل والشرف وعلم أعلامها وشهاب فضلائها وأبدالها،  بل كوكب دراريها الثاقبة الساطعة في دياجير الأزمات الشديدة الحلكات،  وظلمات المعضلات المدلهمات،  فأسرته من أعرق الأسر العراقية،  وقبيلته ربيعة ( 1 ) خير القبائل العربية في جاهليتها وإسلامها،  وبيته من أرفع بيوت العلم والدين والأدب،  فهو عربي أصيل،  وفي الذؤابة من تغلب الغلباء،  نزاري العمومة،  هاشمي الخؤلة،  خالص المعدن في نسبه وحسبه،  فنشأ في حجر الفضيلة وترعرع وفطم على حب المكارم والشناشن العربية الأصيلة،  وتربى على أسس التربية الإسلامية الرفيعة،  وقد التزم بمحاسنها ومثلها العليا،  فكان مثال العربي الصميم الصريح ونموذج المسلم القرآني المثالي الصحيح الإيمان الصادق العقيدة الكامل الإنسانية بمعناها الواسع،  فإن أحب شئ لنفسه فعل الخير والسعي في سبيله،  وأبغض الأشياء عنده بل أنكر المنكرات،  سطوات الشر والأشرار في المجتمع الإنساني،  فكان رحمه الله تعالى داعي دعاة الفضيلة ومؤسس المدرسة السيارة للهداية والإرشاد وتنوير الأفكار بأصول العلم والحكمة وفلسفة الوجود،  فقد افطمت جوانحه على معارف جمة،  ووسع صدره كنوزا من ثمرات الثقافة الإسلامية العالية والتربية الغالية،  وقد نهل وعب من مشارع المعرفة والحكمة الصافية حتى أصبح ملاذ الحائرين الذين استهوتهم أهواء المنحرفين عن المحجة البيضاء،  وخدعتهم ضلالات الدهريين والماديين،  كما كان الملجأ الأمين لمن رام من المستشرقين الاطمئنان بإزاحة الحجب عن وجه الحقيقة والحق،  وللوصول إلى ساحل اليقين كالمستشرق " المستر خالد شردراك " وأمثاله من أعلام الغرب الذين يهمهم كشف المخبأ من أسرار المعارف المحمدية والحكمة المشرقية،  حيث آنسوا فيه ندرة المواهب العقلية والملكات النفسية القوية والطاقات الفكرية العجيبة،  وينابيعه الثرة العذبة المتفجرة من قلبه الكبير المتدفقة على لسانه الجارية على قلمه السيال .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) وإليها ينتهي نسب " الكاتب " . ( * )

 

                                       صفحة 9

 

 ومن ملامحه ومخائله الدالة على كماله النفسي هي فطرته السليمة وسلامة سلوكه الخلقي والاجتماعي،  وحدة ذكائه وقوة فطنته،  وعفة نفسه ورفعة تواضعه،  وصون لسانه عن الفضول،  ولين عريكته،  ورقة حاشيته وخفة روحه وأدبه الجم،  وعذوبة منطقة،  وفيض يده على عسره وشظف عيشه فهذه السجايا والخصال هي أهم صفاته الكمالية،  وقد ورثها - بحكم قانون الوراثة - عن آباء آبائه البلاغيين البهاليل الكرام . ومن مقومات شخصيته العلمية وملكته الفلسفية والأدبية كثرة ملازمته لأساطين الفنون العربية وأئمة الفقه الإسلامي وجهابذة الفلسفة والكلام،  هؤلاء الفحول الذين كانت تحتضنهم مدينة " باب مدينة العلم " النجف الأشرف وهي أعظم جامعة إسلامية لشتى الفنون والعلوم القديمة،  أما العلوم المتنوعة الحديثة فقد درسها على نفسه بالإضافة إلى اللغة الفارسية والإنجليزية والعبرية ومن أشهر شيوخه الذين ارتشف ونهل من نميرهم الصافي هم حجج الإسلام الشيخ محمد طه نجف،  والحاج آغا رضا الهمداني،  والأستاذ الأكبر الشيخ محمد كاظم الخراساني،  والميرزا محمد تقي الشيرازي القائد الروحي للثورة العراقية الكبرى سنة 1920 م،  وبعد أن ارتوى من تلك الينابيع الفياضة والمناهل العذاب نضجت مواهبه وملكته الاجتهادية،  فاستولى على زمام الاجتهاد والاستنباط وصار إماما مجتهدا بجدارة واستحقاق ومجاهدا مضحيا بالنفس والنفيس في خدمة الحق وإبطال الأباطيل ورفع راية الإسلام،  حتى أضحت داره كعبة القصاد ومدرسة النبهاء والفهماء،  إذ امتازت بطابعها الخاص وهو فن المناظرة والجدل،  ودراسة قواعد الدفاع وطرق النضال العلمية والفلسفية والأدبية في حومات المعارك الفكرية،  كما كانت مدارس الاعتزال في العصر العباسي إزاء أصحاب الأديان والمعتقدات المتطرفة وأهل الآراء والمذاهب المخالفة لمذهب الاعتزال،  وكانت مجاهدة الإمام البلاغي والمصابرة عليها ومصاولاته الفكرية المجهدة في رد اعتراضات الملحدين،  وطعون أهل الأهواء أمثال جرجيس صال الإنكليزي،  وصاحب كتاب " الهداية " المتكلف الضال مما ساعد على اشتهار الإمام البلاغي وذيوع صيته في الشرق والغرب،  حتى أصبحت مدرسته مناخ العقليين الهائمين وراء الحقائق،  وداره المتواضعة محط

 

                                       صفحة 10

 

 المسترشدين المتبصرين من أرجاء الدنيا،  بل علماء المعاهد الفلسفية،  وأساتذة الجامعات الكبرى العلمية . جهاده وآثاره الخالدة :

 إن المتتبع لسيرة عظماء الأمم وزعماء الشعوب وعباقرة الأقوام يجد أن سر خلودهم كامن في عمق إيمانهم وقوة إرادتهم الحديدية،  وفي صدق إخلاصهم وشدة الصبر والمصابرة على مرارة الجهاد في سبيل إعلاء،  كلمة الحق وإذلال سلطان الباطل أو في سبيل الكفاح والنضال لإحياء المثل الأخلاقية الصحيحة وتجديد العقائد السليمة،  والتراث التاريخي العتيد الذي هو مصدر مفاخر الأمم،  ومحفزها إلى الارتقاء والتقدم،  وهكذا يعمل قادة الفكر وأئمة الاصلاح في كل وسط ومجتمع سواء منهم صاحب السيف أو القلم أو رب السيف والقلم معا،  أو الفيلسوف الحكيم والعالم الرباني العامل لنصرة العقيدة الحقة وإنقاذ المجتمع من الظلمات إلى النور،  فهؤلاء القادة القادة البررة قد خلقوا لأداء رسالة الاصلاح كلما تردت المجتمعات البشرية وانطمست معالم الخير فيها،  وشاعت شرور الالحاد في صفوف أفرادها . والمتدبر لسيرة الإمام البلاغي " رضوان الله عليه " منذ رفعت عنه تمائمه حتى لحوقه بالرفيق الأعلى،  يجدها قد حفلت بألوان عجيبة باهرة بالأعمال المجيدة والمساعي الحميدة لرفع لواء الاصلاح ومنار العلم،  وتجديد صرح المعرفة وكشف الحجب التي أسدلتها يد الجهالة المظلمة في عهود الانحطاط على جواهر حقائق الإسلام وقيامه بالدفاع المشكور عن محاسن ويسر الحنيفية السمحة فإنه انعكف منذ عرف نفسه على الكتاب والدرس والاختلاف إلى دور العلم ومجالس العلماء،  وندوات الصلحاء حتى إذا استد ساعده ( 1 )،  ونضجت مداركه وتوسعت معارفه،  وشاع فضله وفواضله في أوساط الفضيلة والفضلاء،  وأندية العلم،  والعلماء،  اتجه بكليته مستضيئا بنور عقله الوهاج،  وفكره النير المتوقد،  وبقوة إيمانه وصدق إخلاصه،  ومن ثم بغزارة معارفه وآدابه،  وجولات قلمه - البلاغي - البارع إلى تخليد الغرر والدرر في بطون شتى الرسائل والكتب،  وهو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) استد بالسين لا بالشين،  ويخطأ من يلفظها بالشين . ( * )

 

                                       صفحة 11

 

 من أجل قيامه بأداء رسالته وشغفه بشرف الجهاد في سبيلها قد آثر الانزواء عن الناس لا يغادر غرفته ومكتبته اللهم إلا في أوقات الصلاة وزيارة الحرم المقدس،  وفي خروجه للسوق لتموين عائلته بالغذاء اليومي،  وكان يحمله إليهم بنفسه ويعتذر لمن يروم مساعدته بحمله عنه فيقول له :

 " رب العيال أولى بعياله "،  أما ما سوى ذلك فلا تجده يبرح غرفته تحيط به كتبه التي يرجع إليها في تحقيقاته الفقهية والأصولية والكلامية،  أو في تعقيبه وتعليقه على كتاب أو على رأي من الآراء العلمية والفلسفية الحديثة،  فتراه دائما مكبا ممعنا نظره في تحرير الأجوبة على المسائل العويصة والمشاكل المعضلة التي ترده من أنحاء العراق والأقطار البعيدة،  أو تراه منهمكا في التأليف أو في شرح الأبحاث العقائدية أو في تفسير آي القرآن الحكيم،  وأسعد ساعاته هي التي يشغلها في المناقشة والمحاورة مع طلابه فيما يدق ويغمض عليهم من دقائق الموضوعات المنطقية والكلامية والفقهية،  والفنون العربية وغيرها من أبواب المعرفة ومن محصول هذه العزلة والانزواء قد زود المكتبة العربية والغربية بآثاره الجليلة القيمة،  وسيأتي ذكر المطبوع وغير المطبوع منها قريبا،  وقد تتجلى للقارئ عظمة جهاده واجتهاده واتساع ثقافته،  والمعاصرة الفكرية الجبارة التي عاشها وسط تلك الزعازع والأعاصير والتيارات التي هبت على المشرق الإسلامي من قبل شيوخ الزندقة والإلحاد وأصحاب البدع والأهواء المردية،  وتلك العظمة تنبئنا عنها كتبه .

 1 - الرحلة المدرسية أو المدرسة السيارة .

 2 - التوحيد والتثليث .

 3 - البلاغ المبين .

 4 - أنوار الهدى .

 5 - نصائح الهدى .

 6 - الهدى إلى دين المصطفى،  وهو هذا،  وسنخصه بالقول لأهمية موضوعاته ومضامينه،  فأما الرحلة المدرسية فقد دلت على خياله الواسع الوثاب وتفكيره العميق وذوقه العالي وأسلوبه الروائي الحديث المبتكر،  وقد دارت

 

                                       صفحة 12

 

 بحوثه ومحاوراته على لسان جماعة من ذوي النزاعة والرجاحة لتمحيص الحقائق وتنزيه العقائد من خلال الرسالات السماوية وتطورها التاريخي وبخاصة منذ عهد التوراة والزبور والإنجيل والقرآن العظيم،  وهو خاتمة الرسالات لهداية البشر إلى فكرة التوحيد الخالص بعد أن اجتازت البشرية عبادة الأحجار والأشجار والحيوانات والكواكب والآباء والأمهات إلى غير ذلك من صنوف العبادات التي ما أنزل الله بها من سلطان . وإنما كانت من أثر الطفولة العقلية،  وقد حرر الإمام البلاغي " رضي الله عنه " هذه الفصول الفلسفية العقائدية الدقيقة بقلم العالم النحرير المتمكن دون تحيز وتعصب وتحامل على أهل الأديان والمذاهب المخالفة وبلغة سهلة واضحة يفهمها حتى سقيم الفهم وختمها بخلاصة مهمة في إثبات أن دين الإسلام هو دين الفطرة وشريعة الإنسانية مهما تقدمت الحياة وارتقت البشرية أو تطور وتجددت المذاهب الفلسفية واختلفت الأجناس،  ولا قوة للمبادئ المادية الإلحادية المظلمة على إطفاء نور الإسلام الساطع الباهر وفي تعاليم الحنيفية سر سعادة الإنسانية المعذبة،  هذه هي الخطوط الأساسية لكتاب الرحلة المدرسية،  ونظرا لقيمتها العقائدية الفلسفية ومباحثها الكلامية الإسلامية وتبسيط علل خلق الكائنات،  وعجائب المخلوقات،  من أجل ذلك اهتم بها الباحثون فترجمت لأكثر من لغة واحدة . وهكذا تضمنت مؤلفاته التي أشرنا إليها آنفا وهي " التوحيد والتثليث " و " أنوار الهدى " و " البلاغ المبين " فإنها قد عالجت فكرة التوحيد وإبطال عقيدة الثالوث،  وتفنيد آراء الماديين والدهريين وسائر مقالات الطبيعيين،  ورد حملات الحاقدين المغرضين واعتراضاتهم الفاسدة،  وقام بتلك المجالدة والمجادلة القلمية بأسلوبه اللين الهين مراعيا القاعدة المعروفة " مناظرك نظيرك " مع الأدب الجم،  والخلق الرفيع . أما كتابه " نصائح الهدى " " ورسالته إلى من كان مسلما فصار بابيا " فكل منهما قام على الدليل القاطع والحجة الدامغة،  والحجاج المفحم المسكت،  في تسفيه أحلام أصحاب الدعوة البابية والبهائية بالمعقول والمنقول،  وتزييف

 

                                       صفحة 13

 

 عقيدتهم وإشهار زيفهم،  ومن ثم بتسديد الحراب إلى صدر البهاء والباب،  وتلك الحراب هي البراهين الوضاءة التي أقامها " ر ح‍ " على هدم دعوتهم وإبطال مزاعمهم ومفترياتهم وأوهامهم التي سطر دعاة الضلالة المانوية أسطارها في " الأقدس " و " البيان " و " الألواح " ( 1 ) وغيرها من فنون هذيان المجان وإخلاط ابن ديصان المجوسي وأضرابه من شيوخ الزندقة الذين كانوا وما زالوا يتلونون كالحرباء في كل عصر ومصر بألوان براقة خداعة وبشعار جديد يتبطن الإباحية والكفر والإلحاد كالحركة القرمطية بالأمس والشيوعية اليوم والغرض المشترك لتلك الحركات الهدامة هي القضاء على معالم العروبة والإسلام . ومن آثار جهاد الإمام البلاغي إثارة الرأي العام ضد البهائية في الكرخ وإقامة الدعوى في المحاكم لمنع تصرفهم في الملك الذي استملوا عليه واتخذوه كعبة لهم،  وباصطلاحهم - حظيرة - لإقامة شعائر الطاغوت،  وقضت المحاكم بنزعه منهم،  واتخذ مسجدا إسلاميا تقام فيه الصلوات الخمس والمآتم الحسينية في ذكرى الطف والبطولات الرائعة .

 وقد طبع من آثاره القلمية القيمة الخالدة :

 

 1 - الهدى إلى دين المصطفى،  وهو هذا الكتاب .

 2 - الرحلة المدرسية أو المدرسة السيارة .

 3 - أنوار الهدى .

 4 - نصائح الهدى .

5 - رسالة التوحيد .

 6 - أعاجيب الأكاذيب .

 7 - البلاغ المبين في الإلهيات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) هذه الكتب أهم كتب البهائية الضالة المضللة . ( * )

 

                                       صفحة 14

 

 8 - أجوبة المسائل البغدادية في أصول الدين .

 9 - الرسالة الأولى في نقض فتوى الوهابيين بهدم قبور المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة .

 10 - الرسالة الثانية في تفنيد فتواهم أيضا .

 11 - رسالة في وضوء الإمامية وصلاتهم وصومهم،  طبعت بالإنجليزية .

 12 - العقود المفصلة في المسائل المشكلة .

 13 - تعليقة على مباحث البيع من مكاسب شيخ المجتهدين الإمام الأنصاري .

 14 - آلاء الرحمان في تفسير القرآن،  طبع منه الجزء الأول والثاني وهو آخر مؤلفاته .

 15 - رسالة في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام .

 16 - رسالة في الاستدلال على صحة مذهب الإمامية عن طريق غيرهم .

 17 - رسالة نسمات الهدى .

 18 - رسالة في البداء .

 أما المخطوطات منها :

 1 - داعي الإسلام وداعي النصارى .

 2 - رسالة في الرد على كتاب تعاليم العلماء .

 3 - كتاب المصابيح في إبطال مذهب القاديانية .

 4 - كتاب الشهاب في الرد على كتاب حياة المسيح " ص " .

 5 - رسالة الرد على كتاب ينابيع الكلام لبعض المسيحيين .

 6 - أجوبة المسائل التبريزية في الطلاق وتعدد الزوجات والحجاب وبعض

 

                                       صفحة 15

 

 المسائل الأخرى .

 

 

ص 15 :

 

7 - في الأصل العربي،  وقد طبعت بالإنجليزية " وضوء الإمامية وصلاتهم " .

 8 - رسالة في القبلة وتعيين مواقع بعض البلدان المهمة في العالم من مكة المكرمة .

 9 - رسالة في مواقيت الإحرام .

 10 - رسالة في ذبائح أهل الكتاب .

 11 - رسالة في المتمم كرا .

 12 - رسالة في الغسالة .

 13 - رسالة في حرمة مس المصحف الشريف على المحدث .

 14 - تعليقة على كتاب الشفعة من كتاب " الجواهر " .

 15 - رسالة في منجزات المريض .

 16 - رسالة في إقرار المريض .

 17 - رسالة في الرضاع .

 18 - رسالة في فروع الرضاع .

 19 - رسالة في قاعدة على اليد ما أخذت .

 20 - رسالة في إبطال العول والتعصيب .

 21 - رسالة في التقليد .

 22 - رسالة في الأوامر .

 23 - رسالة في الخيارات .

 24 - رسالة في صلاة الجمعة لمن سافر بعد الزوال .

 25 - رسالة في تنجيس المتنجس إذا لوقي برطوبة .

 

 

                                       صفحة 16

 

 26 - رسالة في اللباس المشكوك .

 27 - رسالة في حالة العلم الإجمالي مع الأصول والنظر في جملة فروعه .

 28 - رسالة في حرمة حلق اللحية .

 29 - رسالة في أن من يدين بدين يلزم بمقتضى نحلته في مقام الحقوق .

 30 - تعليقة على العروة الوثقى .

 هذا التراث الضخم من آثاره القلمية،  وثمراته الفكرية،  يقول فيه الأستاذ الشاعر الفحل السيد محمود الحبوبي مخاطبا المؤلف في رثائه :

 دأبت بنشر ما سميت كتبا * ودين الله سماها دروعا * * * في هذه القصيدة وصف الشاعر قلم الإمام البلاغي وقد أجاد فقال :

 فتى القلم الذي إن صر ألقى * صليل المشرفي له الخضوعا وإن تحمله مختضبا مدادا * فماذا السيف مختضبا نجيعا وإن رضع الدواة ترى شيوخ * الضلالة تتقي ذاك الرضيعا وقد جاراه في هذه الحلبة الشاعر الفصيح الأستاذ صالح الجعفري فقال :

 لا يفعل السيف مكسور القراب كما * قد كان يفعل إذ تستله القلم .

 أدبه :

 كان " رضوان الله عليه " من فحول الشعراء،  وإن اشتهر بمؤلفاته العلمية والفلسفية،  غير أن الفضلاء من كبار الأدباء والشعراء يقرؤون له بمكانته الأدبية،  وشاعريته المطبوعة،  فهو شاعر محسن مجيد،  تزخر أشعاره بالعواطف الوجدانية،  والمشاعر الإنسانية والتأملات الروحية،  وأكثر شعره كان في أهل البيت عليهم السلام،  أو في تهنئة خليل أو رثاء عالم جليل أو في حالة الحنين إلى الأخلاء يحتمه عليه واجب الوفاء،  وإما أن تهزه دواعي الدفاع عن رأي علمي،  أو شرح فكرة فلسفية بطريق المعارضة الشعرية،  كما في قصيدته

 

                                       صفحة 17

 

 العينية التي عارض فيها قصيدة الرئيس ابن سينا في النفس،  ولم يكن " رحمه الله " بالشاعر الفصال ( 1 )،  ولم يكن من الفقهاء المتزمتين الذين يتنكرون للشعر ونظمه،  ويرونه مزريا بالعلماء،  بل كان كثير الاحترام للشعراء المناضلين في سبيل الله الفضيلة الأخلاقية ونصرة المثل الإسلامية المثلى ووسيلة إذاعة فضائل أئمة أهل البيت عليهم السلام والإشادة بمحاسنهم،  بيد أنه بالرغم من سلاسة شعره،  وإشراق ديباجته،  ورصانة تركيبه وفصاحة ألفاظه،  ولطافة معانيه،  وحلاوة أسلوبه وطلاوته،  فإنه لا يزاحم من حيث القوة الشاعرية المبدعة التي امتازت بها الطبقة الأولى من فحول شعراء عصره كالسيد إبراهيم الطباطبائي والسيد موسى الطالقاني والسيد المجاهد العلامة الكبير والشاعر الشهير السيد محمد سعيد الحبوبي والشاعر الرقيق السيد جعفر الحلي وشاعر الرثاء والحماسة المخترع السيد حيدر الحلي " عليهم رحمات الرحمان " .

 ومن شعر الإمام البلاغي الذي سارت به الركبان،  قصيدته التي نظمها في الرد على قصيدة أحد علماء بغداد المنكرين لوجود الإمام الثاني عشر المنتظر وغيبته عليه السلام ومطلعها :

 أيا علماء العصر يا من لهم خبر * بكل دقيق حار في نعته الفكر فأجابه الشيخ الجليل البلاغي " رضي الله عنه " بقصيدة طويلة بلغت مائة وتسعة أبيات،  وهي من عيون شعره،  ومستهلها :

 أطعت الهوى فيهم فعاصاني الصبر * فها أنا ما لي فيه نهي ولا أمر ومنها :

 أروح وقلبي للواعج والجوى * مباح وأجفاني عليها الكرى حجر وفي أواخرها يقول :

 وقد جاء في الآثار عن كل واحد * أحاديث يعيي عن تواترها الحصر تعرفنا ابن العسكري وإنه * هو القائم المهدي والواتر الوتر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) الشاعر الفصال :

 الذي يتكسب بشعره . ( * )

 

                                       صفحة 18

 

 ومن قصيدته العينية التي عارض فيها عينية الرئيس ابن سينا في النفس ومطلعها :

 نعمت بأن جاءت بخلق المبدع * ثم السعادة أن يقول لها " ارجعي " خلقت لأنفع غاية يا ليتها * تبعت سبيل الرشد نحو الأنفع الله سواها فألهمها فهل * تنحو السبيل إلى المحل الأرفع ومنها :

 فخذي هداك فتلك أعلام الهدى * زهر سواطع في الطريق المهيع وتروحي بشذى الطريق وأملي * عقبى سراك إلى جناب الممرع إلى آخرها وهي طويلة وذات معاني فلسفية عالية . * * * وقصيدته في ثامن شوال من سنة 1344 ه‍،  وهو اليوم الذي هدمت فيه

 

ص 18 :

 

قبور أئمة الهدى الأطهار عليهم السلام في البقيع،  ومطلعها :

 دهاك ثامن شوال بما دهما * فحق للعين إهمال الدموع دما ومنها :

 يوم البقيع لقد جلت مصيبته * وشاركت في شجاها كربلا عظما وقوله من قصيدة غزلية :

 مدت إلى رمل الحمى أعناقها * طلائع قد شاقني ما شاقها تزف زفات الظليم نافرا * حيث الغرام قادها وساقها وله " رحمه الله " مراسلات إخوانية،  ومناظرات علمية،  ومراجعات شعرية مع العلامة البحاثة خالد الذكر السيد محسن الأمين العاملي " رضي الله عنه " قد بسطها في موسوعتها الجليلة الموسوعة ب‍ " أعيان الشيعة " وفي الجزء السابع عشر منها من ص 67 إلى ص 102،  وفي ديوانه " الرحيق المختوم "،  وقد دلت تلك المراجعات على غزارة علم وأدب وعمق تفكير وسعة اطلاع، 

 

                                       صفحة 19

 

 وقد جمع سيدنا العاملي في موسوعته ورحيقه أشعار البلاغي الرائقة ومختلف فنونه المختارة الفائقة " فراجعها " .

 وكان من لدات الإمام وخلصائه المجاهد العلامة الكبير والشاعر النابغة السيد محمد سعيد الحبوبي،  وبعد وفاته رثاه الحجة بقصيدة دامعة،  ومطلعها :

 شاقك البرق فأسرعت سباقا * وتركت الصب يلتاع اشتياقا نكتفي بهذه النماذج البلاغية الدالة على سائر روائعه وبدائعه .

 ميلاده،  ووفاته،  وما قيل في رثائه :

 اختلف في ولادته،  فذهب سيدنا أبو الحسن المحسن الأمين العاملي " رضي الله عنه "،  إنه ولد في سنة 1285 ه‍،  وتبعه بعض المترجمين له ومنهم من ذهب أنه ولد في سنة 1280 ه‍،  أما علامتنا الحجة الخريت الشيخ آغا بزرك " أدام الله وجوده " فقد عين تاريخ ولادته في سنة 1282 ه‍ وهذا هو القول الراجح عندي،  لأنه من المتفق عليه إن الإمام البلاغي قد توفي وعمره " 70 " سنة،  أما تاريخ وفاته فكان في عام 1352 ه‍،  وفي يوم 22 شعبان من تلك السنة،  وقد أجمع المترجمون له على ذلك،  وكان قد ابتلى بداء السل ولكن الذي قضي عليه هو مرض ذات الجنب،  وما أن نعاه النعاة حتى ارتجت مدينة النجف الأشرف فألقت بأفلاذها،  وقذفت بسكانها على اختلاف طبقاتهم وهم يندبون فقيد الإسلام،  ونابغة الشرق،  وقد اهتزت لفقده محافل الشرق وأندية الغرب،  وبكته محاريبه وصلواته وأقلامه ودفاتره ومؤلفاته وسار في تشييع جثمانه آلاف من الجماهير يتقدمهم عظماء المجتهدين وأساطين العلم والأدب،  وأقيمت له الفواتح والمآتم وحفلات التأبين في أنحاء الرافدين وأرجاء بلاد " الضاد " وديار الإسلام،  وذكرته الجمعيات العلمية الغربية بالتمجيد والتقدير،  وأثنت على خدماته الجلي وجهوده الجبارة في نصرة الفضيلة،  والدفاع عن عقيدته بما أوتي من الحكمة وفصل الخطاب،  ورثاه أكابر العلماء والأدباء بعيون الشعر الحزين الدامع وفي طليعتهم خاله الأجل العلامة الفهامة سيد شعراء عصره

 

                                       صفحة 20

 

 سيدنا وصديقنا المرحوم السيد رضا الهندي في قصيدته البليغة الرائعة،  ومستهلها :

 إن تمسي في ظلم اللحود موسدا * فلقد أضأت بهن " أنوار الهدى " ولئن يفاجئك الردى فلطالما * حاولت إنقاذ العباد من الردى ومنها :

 قد كنت أهوى إنني لك سابق * هيهات قد سبق " الجواد " إلى المدى فليندب " التوحيد " يوم مماته * سيفا على " التثليث " كان مجردا وليبك دين محمد لمجاهد * أشجت رزيته النبي محمدا وليجر أدمعه اليراع لكاتب * أجراه في جفن الهداية مرودا ومنها :

 أأخي كم نثرت يداك من " الهدى " * بذرا فطب نفسا فزرعك أحصدا إلى آخرها وهي طويلة وكلها من هذا النمط العالي .

 ورثاه العالم الأديب المرحوم الشيخ محمد رضا المظفر في قصيدة مطلعها :

 يا طرف جد بسواد العين أو فذر * ماذا انتفاعك بعد الشمس بالنظر ومنها :

 قد كان كالبدر في ليل الشتا ومضى * كالشمس معروفة بالعين والأثر وفي رثائه قال العلامة المفضال السيد مسلم الحلي قصيدة منها هذا البيت :

 إني أرى الموت الزؤام ممثلا * للناس فعل الصيرف النقاد وقال أحد معارفيه :

 في ذمة الله نفس بالجهاد قضت * فكان آخر شئ فارقت قلم وممن رثاه العالم الجليل الشيخ محمد تقي الفقيه،  أحد علماء جبل عامل بمرثية مختارة،  منها :

 

 

                                       صفحة 21

 

 أفنيت نفسك بالجهاد وطالما * بدمائها روى اليراع الظامي حتى تراءت في الجنان مهيضة * هتف الملائكة " ادخلي بسلام " ومنها :

 صيرت قلبك شمعة وحملته * ضوء أمام الدين للإعظام فأدبته فإذا المدامع أسطر * والنور معناها البديع السامي وقد أحسن أحد أدباء العربية فخاطبه في رثائه :

 زودت نفسك في حياتك زادها * تقوى الإله وذاك خير الزاد ووصفه أحد البارعين :

 تحلى به جيد الزمان وأصبحت * تزان به الدنيا وتزهو الصحائف ومن جملة من رثاه الأساتذة الأفاضل السيد محمود الحبوبي ومحمد صالح الجعفري والشيخ محمد علي اليعقوبي ( 1 )، ،  وغيرهم من أكابر الشعراء وأعلام الأدب .

 .

 المترجمون له :

 1 - الإمام ثقة الإسلام السيد محسن الأمين العاملي،  في الجزء السابع

 

ص 21 :

 

عشر من كتابه " أعيان الشيعة "،  وفي ديوانه " الرحيق المختوم " .

 2 - الحجة الخريت الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتابه " أعلام الشيعة " وفي كتابه " الذريعة إلى تصانيف الشيعة " .

 3 - العلامة المؤرخ والأديب الكبير المرحوم الشيخ محمد السماوي في كتابه " الطليعة في شعراء الشيعة " .

 4 - العلامة الكبير المرحوم الشيخ على كاشف الغطاء في كتابه " الحصون المنيعة " .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) القصيدة منشورة على الصحية 235 من ديوان اليعقوبي وعنوانها " الحجة البلاغي "،  ومستهلها :

 سلوا قبة الإسلام ماذا أمادها * متى قوضت منها الليالي عمادها ( * )

 

                                       صفحة 22

 

 5 - الأستاذ السيد أحمد الحسيني في مقدمته لكتاب " الرحلة المدرسية " للإمام البلاغي .

 6 - المرحوم الشيخ الجليل محمد علي الأوردبادي في مجلة الهدى العمارية .

 7 - الحجة الشيخ عباس قمي في كتابه " الكنى والألقاب " .

 8 - الأستاذ الكبير عمر كحالة في كتابه " معجم المؤلفين " المجلد الرابع .

 9 - الأستاذ الكبير خير الدين الزركلي في كتابه " الأعلام " المجلد السادس وأماكن أخرى من موسوعته .

 10 - الأستاذ السيد حسن الحسيني اللواساني في آخر كتاب " آلاء الرحمان في تفسير القرآن " .

 11 - الأستاذ الجليل الشيخ محمد حسن آل ياسين في مقدمته لكتاب البداء للإمام البلاغي .

 12 - الأستاذ السيد عبد الوهاب الصافي في العدد الأول من السنة الثانية من مجلة " الاعتدال " .

 13 - الأستاذ محمد مهدي الآصفي في كتاب " أنوار الهدى " للإمام البلاغي .

 14 - صاحب كتاب " وقائع الأيام " .

 15 - صاحب مجلة " الرضوان " .

 16 - المرحوم الأستاذ الشيخ جعفر محبوبة في كتابه " ماضي النجف وحاضرها " الجزء الثاني .

 17 - الأستاذ محمد علي جعفر التميمي في كتابه " مشهد الإمام " الجزء الثاني .

 18 - الأستاذ الشيخ هادي الأميني في كتابه " معجم رجال الفكر والأدب

 

                                       صفحة 23

 

 في النجف " .

 19 - المرحوم العلامة الشيخ جعفر النقدي في كتابه المخطوط " الروض النضير في شعراء القرن المتأخر والأخير " .

 20 - الأستاذ الشيخ علي الخاقاني في كتابه " شعراء الغري " ج 2 ص 437 .

 21 - الأديب الباحث الأستاذ موسى الموسوي نجل العلامة الجليل المرحوم السيد صادق الموسوي الهندي في كتابه المخطوط آل البلاغي .

 22 - حجة الإسلام المرحوم الشيخ محمد حرز في كتابه " معارف الرجال في تراجم العلماء والأدباء " ج 1 ص 196 - 200 .

 وغير هؤلاء الأساتذة والشيوخ الأفاضل ممن أغفلتهم الذاكرة ولم يخطروا على البال وهم كثر .

 

                                       صفحة 24

 

 هذا الكتاب نعم هذا الكتاب يأتي على رأس مؤلفاته وتصانيفه القيمة،  وفي قمة ذخائره العلمية الغالية،  بل هو أنفس نفائسه الفكرية،  ومبدعاته العقلية وجاء أقوى دليل على سعة معارفه،  وأسطع برهان على إحاطته بتاريخ الأديان والشرائع والعقائد تدلك على ذلك أبواب هذا الكتاب وفصوله،  وغرائب مسائله الشاهدة على ثقافته الناضجة،  ثم إن هذه المباحث الضخمة الجليلة والمتشعبة الأطراف التي بين دفتيه وبجزئيه،  ونهوض الحجة " رحمه الله " في وجه المفترين من كتاب الغرب وغيرهم ورد سهامهم المسمومة واعتراضاتهم المغرضة المحمومة على قدس القرآن الكريم،  هذا الجهاد المرير،  والمصابرة عليه،  وتلك الجهود الجبارة المضنية والتضحيات الجسيمة التي لم يقم بأعبائها ومكروهها إلا أصحاب الرسالات الإصلاحية،  وإلا أهل العقيدة الراسخة واليقين الثابت لهي أعظم برهان على مبلغ جهاد واجتهاد حجة الإسلام الإمام البلاغي مؤلف " الهدى "،  وإليك هذه الفقرات من مقدمته التي توج بها الكتاب وأبان فيها الأسباب والدواعي لتأليفه :

 " . . . وقفت على كتاب عربي أرخ طبعه بسنة ألف وثمانمائة وإحدى وتسعين ميلادية،  لم تذكر مطبعته ولا محلها ولا صاحبها،  عنوانه أنه تعريب هاشم العربي نزيل بلاد الفرنج حالا،  عن اللغة الانكليزية لمقالة في الإسلام

 

                                       صفحة 25

 

 لرجل ترجمه العرب بأنه جرجيس صال الإنكليزي مولدا ومنشأ،  المولود في أواخر القرن السابع عشر،  وقد ألحق المعرب هذه المقالة بتذييل مستقل في آخرها وتذييلات متفرقات في أثنائها ثم وقفت على كتاب آخر استعير له اسم " الهداية " وهو يتألف من أربعة أجزاء،  ومجموع صفحاتها " 1228 "                                       صفحة تم تأليفها بين سنة 1900 و 1904 م قد تكلف فيه الرد على كتابي " إظهار الحق والسيف الحميدي " وقام بتأليف " الهداية " جماعة من علماء الغرب أو أحدهم الحاقدين على الرسالة المحمدية المنيفة،  وقد وجدت الكتابين الأولين على طريقة ينكرها شرع التحقيق في البحث والأدب في الكلام،  والأمانة في البيان،  ولا يرتضيها خدام المعارف المحافظون على فضلهم ورواج بضاعتهم المتحذرون من وبال الانتقاد ووصمة ظهور الزيف والزيغ،  وقد أحببت أن أشير إلى بعض ما فيهما مما حاد عن الأمانة أو تاه في الغفلة خدمة مني للمعارف وإحقاقا للحق

 

ص 25 :

 

وانتقادا للزيف ليثني من يريد الكتابة من جماح تعصبه ويأخذ في مزال الأقدام وعثرات الأقلام بيد قلمه،  وقد آثرت أن أجعل ذلك في خلال ما هو الأمثل بنا،  بل الواجب علينا من الإرشاد إلى سبيل الهدى ودين الحق وخالص الإيمان وحقيقة العرفان،  ودين الإسلام المتكفل بأعدل النظام وأحسن التمدن وأكمل التهذيب لعامة البشر . . الخ " .

 وفي " المقدمة السابعة " من الكتاب شرح " رحمه الله " طريقته وأدب مناقشته وأسلوب جداله مع المعترضين على قدس القرآن وشريعة الإسلام،  وفصل شروط البرهان والجدل وأخبار الآحاد فقال :

 " لا يخفى على كل ذي رشد ومعرفة بطريق البحث والمباحثة،  إن مباحثة أهل الدين والاعتراض على جامعتهم وأصل دينهم إنما يحسن ولا يعد خبطا ومراوغة عن الحق،  إذا كان البرهان عليهم بالمقدمات المنهية إلى بداهة العقل أو المسلمة عند عمومهم،  وإذا كان الجدل والالتزام لهم بما يعلم أنه من الدين الذي عكفوا عليه والقدر الجامع بينهم لا بما كان رأيا أو رواية يختص به واحد أو آحاد من أهل ذلك الدين لا يفيد علما ولا يذعن عموم أهل الدين بصحته أو أنه من دينهم،  فإن تشبث خصمهم بمثل هذا في الاحتجاج على جامعتهم كان ذلك حيادا عن الحق لضعف الحجة وضيق الخناق،  ولأجل هذا لم أعتمد في هذا الكتاب في البرهان

 

                                       صفحة 26

 

 إلا على ما هو حقه من المقدمات البديهية لدى العقل والعقلاء،  ولم أجادل عموم النصارى وألزمهم في جامعة دينهم،  والنصرانية التي عندهم إلا بما تسالموا إلهاميته وصدوره عن الوحي،  وهي كتب العهدين التي ذكرنا أنهم متفقون في هذه القرون على نسبتها إلى الوحي والإلهام،  وشرحنا أسماءها في المقدمة الأولى،  ولم أباحثهم خبطا بأزاء آحاد مفسريهم وعلمائهم،  أو آحاد تقاليدهم التي لا توجب في دينهم علما أو يأبى صحتها أغلبهم " .

 وتمهيدا لهذه الطريقة الحكيمة التي التزم بها في مباحثة هؤلاء المعاندين العاندين ( 1 ) قدم المقدمات الضرورية،  وقعد القواعد الأساسية التي بنى عليها ما يعجز حملة التوراة والأناجيل من الحجج والبراهين المستمدة من أسفارهم،  فقد جادل أهل التوراة بتوراتهم وأهل الإنجيل بإنجيلهم وخاطبهم بلسانهم ولغتهم،  ورموز مصطلحاتهم،  ومن جملة موضوعات الجزء الأول من هذا الكتاب الحفيل بالحقائق الناصعة :

 سيرة بني إسرائيل والملة النصرانية،  سيرة بني إسرائيل وتقلبهم في الشرك،  وسيرة أصحاب المسيح وتلاميذه،  والمعلمين في النصرانية واضطرابهم واختلافهم،  ولا حجة بكتب العهدين،  وشهادة بعضها على بعض بالتحريف،  ومنها :

 رسالة النبي " ص " والغاية المطلوبة منها،  وعصمته في العقل والنقل والاعتراضات على العصمة وأجوبتها،  وفي نسبة المعاصي إلى الأنبياء والجواب عليها وشؤون الأنبياء مع أقوامهم وموقف القرآن من تنزيههم،  وفلسفة القرآن في القذف،  وفي المعجز والمعجزات والعهد الجديد يعارض دعوى المسيح " ع " ومنها :

 الأناجيل تنسب التناقض للمسيح وحاشاه من ذلك،  وفي حقيقة النسخ في التوراة والإنجيل والقرآن،  الناسخ والمنسوخ في شريعة نوح،  دفع الاعتراضات على القرآن من حيث العربية والعلوم الأخرى من بلاغية وتاريخية وفلكية وغير ذلك من الفنون القرآنية العجيبة الباهرة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) العاند :

 المنحرف عن جادة الحق والشرع . ( * )

 

                                       صفحة 27

 

 ومن موضوعات الجزء الثاني المهمة . 1 - بشارة القرآن باكتشاف أمريكا . 2 - آية السماوات السبع وعلم الهيئة القديمة والحديثة . 3 - في اختلاف العهدين في التاريخ وأوهام المتكلف . 4 - اختلاف الأناجيل في التاريخ . 5 - اختلاف كتب العهد القديم وأوهام المتكلف . 6 - قصة الإسراء والعروج إلى السماء . 7 - نهي الإنجيل عن تسمية أكابر القساوسة والأحبار بالأب إلى غير ذلك من أحكام الشرائع السابقة لشريعة الإسلام والكشف عن أسرار الآيات القرآنية ورد شبهات المعترضين عليها أمثال المستشرق جرجيس صال الإنكليزي وصاحب كتاب الهداية وغيرهما من أعداء التنزيل الحكيم والنور المبين،  ومن ذلك اعتراض صاحب الهداية المتكلف على القرآن العظيم من حيث وضع الأرض الذي أشارت إليه الآية الكريمة من سورة الكهف " حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة "،  فاعترض صاحب الهداية المتكلف على ذلك وجعله من الجهل بمبادئ علم الفلك،  فقال الإمام البلاغي مؤلف الهدى رادا له :

 " قلت لا يخفى أن المغرب أمر مبهم إضافي،  وأن لكل ناحية مغربا،  وهو ما تغيب فيه الشمس عن تلك الناحية،  والمغرب العمومي للمعمور القديم ( وهو آسيا وإفريقيا وأوروبا ) إنما هو البحر أو بعضه في البحر المحيط،  فالشمس لا تغرب عن المعمور المعتد به من هذه القطع الثلاث إلا ويكون تمام غروبها أو بعضه في البحر المحيط،  والآية الكريمة تعرضت لسر الغيب الذي أظهره الاكتشاف بعد قرون عديدة،  وجرى التعبير في الآية عن البحر بالعين

 

ص 27 :

 

مجازا،  كما جرى التعبير في بليغ الكلام عن الفرات بالنطفة " وهي القطرة من الماء " ونحوها وهو من محاسن المجازات في مقامها وبوصف هذه العين بكونها حمئة ذات طين قد أشير إلى غيب " أمريكا " لأنه لا يكون تخصيص هذا البحر ووصفه بكونه ذا طين إلا باعتبار الإشارة إلى أمريكا فلا تحسب أن وصف البحر

 

                                       صفحة 28

 

 بكونه ذا طين كان باعتبار وجود الطين في قراره أو حافاته أو شواطئه،  لأن كل بحر وكل نهر وكل عين لا بد أن يكون في حافاته وقراره طين،  فلا بد أن يكون المراد هو الطين الذي في وسطه،  ومقتضى المناسبة في وصف المحيط العظيم بأن في وسطه طينا لا بد أن يكون المراد منه قطعة أمريكا،  ألا ترى أن أقل الأقطار لهذا المحيط يبلغ مائة وثمانين درجة كما في ناحية الدرجة السادسة والستين،  وما قاربها في العرض الشمالي،  فما ظنك بالطين المناسب لوصف هذه البحرية،  أتراه يناسب أن يكون أمريكا " - راجع تفصيل البحث في أول الجزء الثاني - صحيفة 3 وما بعدها . * * * وبعد :

 فإن هذا الكتاب بجزئيه من أهم المراجع للمشتغل في تاريخ الأديان والمعتقدات للأجناس البشرية،  وأصفى المصادر لرجال الفقه المقارن في الشرائع السماوية،  وأغزر الكتب في فن الجدل والمناظرة والمناقشة المنطقية،  هذا الفن الذي يحتاجه المحامون في ساحات العدل للدفاع وإفحام الخصوم في القضايا الحقوقية العويصة،  إذ يربي فيهم ملكة المجادلة،  وأسلوب المحاورة في ضوء الأقيسة العقلية المنطقية وطريقة استخدام الأدلة والشواهد والتمييز بين صحيحها وسقيمها وقوة حجيتها،  ومن محاسن هذا الكتاب وثمراته الشهية فضح دسائس المبشرين الاستعماريين الحاقدين على الإسلام ورسوله الكريم " ص " تلك الدسائس اللعينة التي سحر بها شبابنا الجامعيين الماسونيين،  فكان خطرهم أشد من خطر المستشرقين الراكضين في ركاب الاستعمار باسم التبشير الديني . هؤلاء الذين جالدهم الإمام " البلاغي " وجادلهم بالتي هي أحسن،  فبدد أوهامهم،  وأظهر جهالاتهم،  وأدحض حجتهم بالبرهان المفلج المقنع،  ولهذا فإن هذا الكتاب خزانة علم وعرفان لا غنى للمحامين الغيارى عن حقائق الإسلام الحنيف،  وشريعته السمحة ويسرها عن هذه الخزانة الغالية . وبهذه المناسبة أنقل هنا ما حدثني به صديقي الثقة الأستاذ الجليل العلامة الكبير السيد محمد تقي الحكيم عن أثر " الهدى " وبركته،  فقال :

 

 

                                       صفحة 29

 

 " كنت قد حضرت قبل عدة سنين ومعي المرحوم الشيخ محمد رضا المظفر والأستاذ الأديب الكبير الشيخ محمد علي اليعقوبي،  والشيخ محمد كاظم الشيخ صادق الكتبي صاحب المكتبة والمطبعة الحيدرية في النجف الأشرف حفلة عظيمة في الهند،  وعرضت فيها أكداس من الكتب وكان كتاب ( الهدى ) من جملة تلك الكتب،  وشاهدت أحد موظفي السلك الدبلوماسي من لبنان يتجول بين الكتب،  فلفت نظره كتاب ( الهدى ) فأخذه وقبله ووضعه على رأسه متبركا به،  وقد سألناه عن علة ذلك ؟ فقال :

 " كنت أحد طلاب المدارس الفرنسية في لبنان،  وقد لاحظت وسمعت من أساتذة تلك المدارس هجوما متواصلا على انتقاد الدين الإسلامي وتسخيفه والحط من شأنه مجاهرة أمام الطلاب،  وأنه بطريق المصادفة اشترى كتاب " الهدى إلى دين المصطفى " فقرأه وأدمن في قراءته،  فكان لهذا الكتاب أثره البالغ في بقائه على إسلامه وتقوية عقيدته،  والمنافحة عنها أمام المشعوذين والدجالين من مناوئي الإسلام ومنتقديه جهلا وظلما وبالزور والبهتان " . وهذا المجد العلمي الباذخ والفضل الشامخ لا يدعيه صاحبه الإمام البلاغي فتراه يتواضع تواضع الحكماء الزهاد بعدم ذكر اسمه وعنوانه على كتابه هذا وغيره من مؤلفاته الخالدة،  وإنما يكتفي بتسطير هذه الإشارة " . . . لأقل خدمة الشريعة المقدسة . . . النجفي "،  ثم يرجو كل من له اعتراض أو سؤال يتعلق بالكتاب أو غيره من كتبه في أمر الدين وحقيقة الإسلام أن يتحفه بالمكاتبة ليقدم له الجواب مقرونا بالشكر والاحترام،  وختم رجاءه بتوقيعه " الأقل كاتب الهدى " . وكان شعاره " رضي الله عنه " خدمة الحق وحده والدفاع عنه دون أي اعتبار،  ويتجلى شعاره المثالي هذا في كلمته الذهبية الحكيمة التي تفيض بالصدق والإخلاص :

 " إن همي الوحيد هو خدمة الحق والدفاع عنه لوجه الله تعالى سواء كان الدفاع على يدي أو على يد سواي "،  وهذا هو شعار المصلحين المؤمنين بالمثل العليا والذي رفعه إلى منازل الكرامة ومصاف الخالدين،  أجل هذا الشعار قد زهده في أن يضع اسمه ويرسم عنوانه على مؤلفاته الجليلة الضخمة الآنفة الذكر . هذا هو كتاب " الهدى " العظيم وصاحبه الفضيل البجيل،  وسيقف

 

                                       صفحة 30

 

 القراء الكرام على ما في " الهدى " من وجوه المعرفة ومعجزات الفكر السديد ما يعنيهم عن الموسوعات الكبرى في العلم والفلسفة والفقه والتفسير والكلام وتاريخ الشرائع والعقائد،  وأدب الحجاج والجدل الوفير الرفيع .

 

ص 30 :

 

رحم الله تعالى الإمام الحجة " محمد الجواد البلاغي " وأكرم مثواه،  وأعلى منازله في فراديس جنانه مع الصديقين والشهداء . وأخيرا إنه لحظ عظيم وشرف كبير إن أقدم للقراء الأفاضل هذا الكتاب الجليل البجيل بثوبه القشيب الجديد،  وأنا أشعر بالتقصير والخجل حيث جرى تحبير هذه المقدمة وأنا في مصيفي تتراوحني النوبات القلبية تارة،  وآونة تشتد على وطأة داء السكر،  ولذا اضطررت على إيجازها خشية الإسهاب الممل،  وخير الكلام ما قل ودل،  وإني لأتقدم بوافر الشكر للأخ النبيل الأستاذ محمد علي البلاغي لما غمرني به من لطفه العميم،  إذ اختارني لأداء هذا الواجب في خدمة الدين والعلم والفضيلة . والله في عون الجميع وهو المسدد للصواب . نزيل لبنان - الشبانية 12 - 8 - 965 . توفيق الفكيكي .

 

                                       صفحة 31

 

 بسم الله الرحمن الرحيم ( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى إئتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ) ( 1 ) ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهوائهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ) ( 2 ) ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) ( 3 ) اللهم فلك الحمد والشكر دائما أبدا كما أنت أهله،  على أن هديت إلى الحق . وأوضحت سبيل الرشد وأنرت البرهان على حين فترة من الرسل،  فلطفت وأنعمت بإرسالك صفوة الأنبياء وخاتم عدتهم والدليل على نبوتهم المبعوث بأتقن شريعة وأوضع طريقة الداعي إلى الحق والهادي إلى الصواب محمد رسولك الصادق الأمين الصادع بأمرك والمجاهد في سبيلك صلواتك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين . وبعد :

 فإني وقفت على كتاب عربي أرخ طبعه بسنة ألف وثمانمائة وإحدى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سورة الأنعام 70 . ( 2 ) سورة البقرة 114 . ( 3 ) سورة آل عمران 79 . ( * )

 

                                       صفحة 32

 

 وتسعين ميلادية لم تذكر - كما هو المعتاد - مطبعته ولا محلها ولا صاحبها عنوانه أنه تعريب هاشم العربي نزيل بلاد الإفرنج حالا عن اللغة الانكليزية لمقالة في الإسلام لرجل ترجمه المعرب بأنه جرجيس صال الإنكليزي مولدا ومنشأ المولود في أواخر القرن السابع عشر،  وقد ألحق المعرب هذه المقالة بتذييل مستقل في آخرها وتذييلات متفرقات في أثنائها . ثم وقفت على كتاب آخر استعير له اسم الهداية قد تكلف فيه الرد على كتابي إظهار الحق والسيف الحميدي فوجدت الكتابين الأولين على طريقة ينكرها شرع التحقيق في البحث والأدب في الكلام والأمانة في البيان ولا يرتضيها خدام المعارف المحافظون على فضلهم ورواج بضاعتهم المتحذرون من وبال الانتقاد ووصمة ظهور الزيف والزيغ،  وقد أحببت أن أشير إلى بعض ما فيهما مما حاد عن الأمانة أو تاه في الغفلة خدمة مني للمعارف وإحقاقا للحق وانتقادا للزيف ليثنى من يريد الكتابة من جماع تعصبه،  ويأخذ في مزال الأقدام وعثرات الأقلام بيد قلمه،  وقد آثرت أن أجعل ذلك في خلال ما هو الأمثل بنا،  بل الواجب علينا من الإرشاد إلى سبيل الهدى ودين الحق وخالص الإيمان وحقيقة العرفان،  دين الإسلام المتكفل بأعدل النظام،  وأحسن التمدن وأكمل التهذيب لعامة البشر،  وقربهم من الله وسعادتهم في الدنيا والآخرة . وقد رتبت كتابنا هذا على مقدمات ومقاصد وخاتمة . " تنبيه " الظاهر أن مصنف المقالة السابق ذكرها هو الذي سماه الدكتور سعادة في مقدمته على معرب إنجيل برنابا بالمستشرق سايل،  وأن هذه المقالة هي الكتابات التي ذكر أنه نشرها وسماها بالمباحث التمهيدية،  وهو الذي سماه صاحب إظهار الحق بالقسيس سيل،  ونقل عن مقدمته لترجمة القرآن ثلاث جمل متفرقة تكشف عن ملائمة طريقته في البحث وحسن الأدب والإنصاف على خلاف ما قد يوجد في أثناء هذه المقالة،  فأظن أن جملة مما تجاوز في هذه المقالة عن حد البحث إلى سوء الأدب إنما هو من تصرف التعريب،  أو أنه كان من هفوات الجهل قبل أن يأخذ من المعارف بعض حظه . وتعريب المقالة المذكور يشتمل على ثلاثمائة وإحدى وعشرين صحيفة وقد سميت صاحبها عند التعرض

 

                                       صفحة 33

 

 لكلامه سايل وجعلت الإشارة إليها " ق "،  وأما المعرب فالمظنون أنه موه باسمه ومحله،  ويظهر من حاله أنه ليس له وقوف على كتب العهدين كما ينبغي للنصراني وإلا لما أقدم على كثير من أقواله كما ستعرف ذلك إن شاء الله من متفرقات هذا الكتاب اللهم إلا أن يكون قد حاول الإغفال وأمن الانتقاد،  وقد سميته عند التعرض لكلامه " المتعرب " وأن تذييله المستقل يشتمل على خمس وتسعين صحيفة من أواخر الكتاب وجعلت الإشارة إليه " ذ " وللتذييلات التي في أثناء المقالة " قذ " . وأما الكتاب المستعار له اسم الهداية فقد ذكر لي أنه تأليف جماعة من

 

ص 33 :

 

النصارى لكن قد رسم في ختامه " يقول العبد الفقير " بالإفراد ولعله أقرب فإني أستبعد أن يقدم جماعة من هذا الجيل المتنور بآدابه وحسن مباحثته على مثل ما أقدم عليه مؤلفه كما ستطلع عليه إن شاء الله،  وهو يشتمل على أربعة أجزاء مطبوعة في مصر بمعرفة المرسلين الأمريكان،  الجزء الأول من الطبعة الثانية سنة 1900 م يشتمل على ثلاثمائة وعشرين صحيفة،  الجزء الثاني من الطبعة الثانية سنة 1904 م يشتمل على ثلاثمائة صحيفة،  الجزء الثالث مطبوع في سنة 1900 م يشتمل على ثلاثمائة وأربع صحائف،  الجزء الرابع مطبوع في سنة 1902 م يشتمل على ثلاثمائة وأربع صحائف،  وقد سميت مؤلفه عند التعرض لكلامه " المتكلف "،  وجعلت الإشارة إلى الكتاب " يه " وإلى الجزء " ج " وإلى عدده بالرقم قبله .

 

                                       صفحة 34

 

 المقدمة الأولى لما كان من مباحثتي لهم الاحتجاج عليهم جدلا وإلزاما بما في العهدين المنسوبين إلى الإلهام والوحي الإلهي عند عموم النصارى وخصوص البروتستانت الذين منهم هؤلاء فلا بأس بذكر تفصيل كتبهما،  والإشارة إلى الرموز المصطلح عليها لأسمائها فالأول من العهدين هو المسمى بالعهد القديم وهو عبارة عن تسعة وثلاثين سفرا خمسة منها منسوبة لنبي الله موسى عليه السلام تسمى بالتوراة،  والأسفار الباقية منسوبة إلى الوحي إلى من بعد موسى من الأنبياء إلى ما قبل زمان المسيح عليه السلام بنحو ثلاثمائة وسبع وتسعين سنة وقد يسمى جميع العهد القديم بالتوراة،  واللسان الأصلي له إلى ما قبل سبي بابل هو اللسان العبراني،  ومن سبي بابل صار الأصل لبعضها هو اللسان الكلداني وهو لسان بابل . ثم ترجم العهد القديم إلى اللغة اليونانية بعناية سبعين أو اثنين وسبعين من علماء اليهود لمائتين واثنتين وثمانين سنة أو وخمس وثمانين أو وست وثمانين قبل المسيح على اختلاف الرواية في تاريخ الترجمة وأسبابها . قيل :

 وتمت في اثنين وسبعين يوما وسميت بالترجمة السبعينية،  ومقتضى النقل إنها كانت معتبرة غاية الاعتبار فيما بين اليهود وقدماء المسيحيين،  وإن مصنفي العهد الجديد ما نقلوا الفقرات الكثيرة إلا عنها،  وإن المسيح كان يخاطبهم عن الشريعة والأنبياء من هذه الترجمة . وكذا استفانوس في خطابه لليهود . وكذا الذين تشتتوا في

 

                                       صفحة 35

 

 البلاد ليبشروا بالمسيح باللغة اليونانية،  ثم ترجم بعد ذلك إلى لغات كثيرة . وهذه أسماء أسفاره ورموزها :

 1 - " تك " لسفر التكوين وهو الأول من التوراة المنسوبة لموسى ويسمى سفر الخليفة أيضا بمقتضى تسمية الترجمة السبعينية،  ويسمى في العبرانية باسم أوله " برنشيت " . 2 - " خر " لسفر الخروج وهو ثانيها بتسمية السبعينية،  وفي العبرانية يسمى بأوله " وآله شموت " أي وهذه أسماء . 3 - " لا " لسفر اللاويين وهو ثالثها بتسمية السبعينية،  وفي العبرانية بأوله " ويقرا " أي ودعا . 4 - " عد " لسفر العدد وهو رابعها بتسمية السبعينية،  ويسمى في العبرانية بأوله " ويدبر " أي وكلم . 5 - " تث " لسفر تثنية الاشتراع وهو خامسها بتسمية السبعينية وفي العبرانية بأوله " اله " أي وهذه . ويسمى أيضا دباريم . 6 - " يش " لسفر يشوع أي يوشع . 7 - " قض " لسفر القضاة . 8 - " را " لكتاب راعوث . 9 - " 1 صم " صموئيل الأول . 10 - " 2 صم " لكتاب صموئيل الثاني . 11 - " 1 مل " لتاريخ الملوك الأول . 12 - " 2 مل " لتاريخ الملوك الثاني . 13 - " 1 أي " لتاريخ الأيام الأول . 14 - " 2 أي " لتاريخ الأيام الثاني . 15 - " عز " لكتاب عزرا .

 

                                       صفحة 36

 

 16 - " نح " لكتاب نحيا . 17 - " اس " لكتاب استير . 18 - " اي " لكتاب أيوب . 19 - " مز " لمزامير داود أي الزبور . 20 - " ام " لأمثال سليمان . 21 - " جا " لكتاب الجامعة المنسوب لسليمان . 22 - " نش " لنشيد الأنشاد . 23 - " اش " لكتاب أشعيا . 24 - " ار " لكتاب ارميا . 25 - " مرا " لمرائي ارميا . 26 - " حز " لكتاب حزقيال . 27 - " دا " لكتاب دانيال . 28 - " هو " لكتاب هوشع . 29 - " يوء " لكتاب يوئيل . 30 - " عا " لكتاب عاموس . 31 - " عو " لكتاب عوبديا . 32 - " يون " لكتاب يونان أي يونس بن متى . 33 - " مي " لكتاب ميخا . 34 - " نا " لكتاب ناحوم . 35 - " حب " لكتاب حبقوق . 36 - " صف " لكتاب صفينا .

 

                                       صفحة 37

 

 37 - " حج " لكتاب حجى . 38 - " زك " لكتاب زكريا . 39 - " مل " لكتاب ملاخي . ولهذه الكتب في النسخ العبرانية ترتيب آخر من حيث التقديم والتأخير وأما العهد الجديد فهو عند النصارى عبارة عما كتب بالإلهام والوحي الإلهي بعد عيسى وهو عند البروتستنت سبعة وعشرون كتابا وها هي رموزها المصطلح عليها :

 1 - " مت " لإنجيل متي . 2 - " مر " لإنجيل مرقس . 3 - " لو " لإنجيل لوقا . 4 - " يو " لإنجيل يوحنا . 5 - " اع " لأعمال الرسل . 6 - " رو " لرسالة بولس إلى أهل رومية .

 

ص 37 :

 

7 - " 1 كو " لرسالته الأولى إلى أهل كورنتوش . 8 - " 2 كو " لرسالته الثانية إليهم . 9 - " غل " لرسالته إلى أهل غلاطية . 10 - " اف " إلى أهل افسس . 11 - " في " إلى أهل فيلبى . 12 - " كو " إلى أهل كولوسي . 13 - " 1 تس " الأولى إلى أهل تسالونيكي . 14 - " 2 تس " الثانية إليهم . 15 - " 1 تي " الأولى إلى تيموثاوس .

 

                                       صفحة 38

 

 16 - " 2 تي " الثانية إليه . 17 - " تي " إلى تيطس . 18 - " فل " إلى فليمون . 19 - " عب " إلى العبرانيين . 20 - " يع " لرسالة يعقوب . 21 - " 1 بط " لرسالة بطرس الأولى . 22 - " 2 بط " لرسالته الثانية . 23 - " 1 يو " لرسالة يوحنا الأولى . 24 - " 2 يو " لرسالته الثانية . 25 - " 3 يو " لرسالته الثالثة . 26 - " يه " لرسالة يهوذا . 27 - " رؤ " لرؤيا يوحنا المسماة بالمكاشفات والمشاهدات والجليان . ولكل واحد من كتب العهدين فصول معدودة يسمونها الأصحاحات تشتمل على فقرات معدودة بالرقم الهندي،  فإذا أرادوا الإشارة إلى الفقرة أشاروا إلى كتابها بما ذكرنا من الرموز ثم أشاروا إلى أصحاحها بعدده بالرقم الهندي وجعلوا بعده نقطتين إحداهما فوق الأخرى هكذا " :

 " ثم أشاروا إلى الفقرة بعددها بالرقم أيضا،  مثاله إذا أردنا أن نشير إلى الفقرة الثالثة عشر من الأصحاح الثالث من رسالة بولس إلى أهل غلاطية رسمنا هكذا " غل 3 :

 13 " وإذا أرادوا الإشارة إلى فقرات متعددة أشاروا إلى الأولى بنحو ما ذكرنا ثم رسموا بعدها خطا عرضيا هكذا -،  ورسموا بعده عدد الفقرة الأخيرة فيكون الخط العرضي بمعنى إلى أو حتى مثال ذلك :

 إذا أردنا أن نشير إلى جملة هي من الثامنة عشرة إلى نهاية الثالثة والعشرين من الأصحاح الحادي والعشرين من سفر التثنية رسمنا هكذا " تث 21 :

 18 - 23 " وأن الكثير من اصطلاحنا في

 

                                       صفحة 39

 

 الكتاب أن نذكر عدد الأصحاح صريحا ثم نشير إلى عدد الفقرات بالرقم،  وأن الذي حضرني من نسخ العهدين عند كتابة هذا الكتاب نسخ عديدة . الأولى نسخة عبرانية مطبوعة في برلين سنة 1901 م يشتمل العهد القديم منها على ألف وثلاثمائة وأربع وثمانين صحيفة والجديد على أربعمائة وست وثمانين . " الثانية " نسخة عربية أشير في متنها إلى الكلمات التي زيدت في الترجمة على الأصل العبراني واليوناني بطبعها بالحرف الصغير وإلى الكلمات التي لا توجد في أقدم النسخ وأصحها بجعلها بين خطين هلاليين،  وأشير في أسفل صحيفتها إلى اختلاف العبرانية واليونانية والسامرية،  وإلى اختلاف القراءات وأشير في جانبها الأعلى إلى تكرر الكلمة والمضمون في العهدين وإلى تاريخ بعض الحوادث المذكورة فيهما،  وإن العهد القديم منها ليشتمل على ألف واثنتين وستين صحيفة . والجديد على ثلاثمائة وثمان وخمسين . وفي آخرها ما نصه،  وكان الفراغ من اصطناع صفائحه في شهر تموز من أشهر سنة 1870 مسيحية في بيروت . " الثالثة " نسخة عربية أيضا من الطبعة الثانية عشر في المطبعة الأمريكانية في بيروت سنة 1905 م يشتمل العهد القديم منها على تسعمائة وعشرين صحيفة والجديد على مائتين وخمسة وتسعين . " الرابعة " نسخة عربية طبع دي ساراه هو جسون سنة 1811 م . " الخامسة " نسخة فارسية مطبوعة في روكلين مدلبسيك سنة 1895 م بنفقة الجمعية المشهورة به بريتيش وفورن بيبل سوسائيتي دار السلطنة لندن يشتمل العهد القديم منها على ألف وثلاثمائة وثمان وثمانين صحيفة،  والجديد على أربعمائة وإحدى وعشرين . " السادسة " نسخة فارسية أيضا بالحرف الصغير مساوية للتي قبلها في عدد الصحائف والوضع والطبع بنفقة الجمعية المذكورة طبع العهد القديم منها سنة 1901 م،  والجديد سنة 1902 . " السابعة " نسخة فارسية أيضا العهد القديم منها يشتمل على أربعة

 

                                       صفحة 40

 

 أجزاء في ثمان مائة وست وأربعين صحيفة بترجمة وليم كان قسيس اكستي ومعلم العلم الإلهي باستعانة فاضل خان الهمداني بفرمان المجمع المشهور بيونيتداسوشئت سند سكتلند مطبوعة بفرمان المجمع المذكور في دار السلطنة ادن برغ بمطبعة تومس كنستبل سنة 1845 م،  والعهد الجديد منها يشتمل على خمسمائة واثنتين وثلاثين صحيفة بترجمة أفضل الفضلاء المسيحية هنري مرتن قسيس إنكليسي وطبع بفرمان مجمع بريتطش اندفرن بيبل سسيتي في ادن برغ،  في المطبعة المذكورة أيضا سنة 1846 م . " الثامنة " خمسة أسفار التوراة لموسى فارسية بترجمة تومارابنسن القسيس مطبوعة في لندن بمطبعة رجاردواطس سنة 1839 م،  وهي تشتمل على خمسمائة وسبعين صحيفة . " التاسعة " العهد الجديد " نسخة عربية تشتمل على أربعمائة صحيفة فرغ من اصطناع صفائحها في مدينة نيويورك سنة 1846 م،  وطبعت في مطبعة المدرسة في أوكسفورد سنة 1869 م . " العاشرة " العهد الجديد بالفارسية تشتمل على ستمائة وسبعة وعشرين صحيفة بترجمة هنري مارتن المذكور من الطبعة الثالثة بمطبعة رجارد واطس في

 

ص 40 :

 

لندن بإعانة مجمع بيبل سوسسيتي سنة 1837 م .

 

                                       صفحة 41

 

 المقدمة الثانية فيما يستخرج من العهدين من المدة التي تراخى فيها وحي كتبها،  أما التوراة فإن ابتداء وحيها لموسى كان في جبل حوريب،  إذ كان موسى يرعى غنم كاهن مدين " خر 3 :

 4 " ثم في مدين " خر 4 :

 19 " ثم في مصر في دفعات متراخية بحسب الزمان إلى عبور بني إسرائيل البحر " خر 5 - 14 " ثم في ماره " خر 15 :

 25 " ثم في برية سين حيث أنزل المن بعد الخامس عشر من الشهر الثاني لخروجهم من مصر " خر 16 " ثم رفيديم " خر 17 " ثم في برية سينا بعد الشهر الثالث لخروجهم من مصر " خر 19 " وتتابع الوحي في دفعات متراخية في جبل سينا وبريته،  إلى أن ارتحلوا منها في العشرين من الشهر الثاني من السنة الثانية لخروجهم من مصر " عد 10 :

 12 " ثم في فبروت هتاوه " عد 11 " ثم في حضروت " عد 12 " ثم في برية فاران " عد 13 "،  وتتابع الوحي هناك في سنين عديدة إلى أن مات هارون في جبل هور " عد 20 :

 23 - 29 " وكان موت هارون في أول الشهر الخامس من السنة الأربعين لخروجهم من مصر " 33 :

 38 " ثم في عربات مواب ووضع لهم هناك شرائع وأحكام " 28 - 36 " ثم في عبر الأردن في أول الشهر الحادي عشر من السنة الأربعين لخروجهم من مصر " تث 1 :

 1 - 4 " فكانت مدة نزول الوحي والشريعة على موسى بالتدريج والتعاقب من المدة التي كان فيها يرعى غنم كاهن مدين في حوريب إلى أن توفي في أرض مواب ما يزيد على إحدى وأربعين سنة على أنه لم

 

                                       صفحة 42

 

 يعرف من التوراة الوقت الذي أوحى فيه سفر التكوين إلى موسى ومقتضى صراحة التوراة،  إن كتابة موسى لها في كتاب وجمعها كان في آخر عمره الشريف عند إتمام الشريعة كتب هذه التوراة وسلمها للكهنة وشيوخ بني إسرائيل وأمرهم بوضعها بجانب تابوت عهد الرب " أنظر تث 31 :

 9 و 24 " . وأما وحي أشعيا فقد كان متراخيا في أيام عزيا ويوثام واحاز وحزقيا ملوك يهوذا " اش 1 :

 1 " وكانت مدة ملك هؤلاء الأربعة مائة وثلاثة عشر سنة " 2 أي 26 و 27 و 28 و 29 " . وكذا وحي كتاب هوشع " هوا :

 1 "،  وكان وحي كتاب ارميا متدرجا متراخيا من السنة الثالثة عشر لملك بوشيا،  وأيام ملك يهواحاز ويهوياقيم ويهوياكين إلى السنة الحادية عشر لملك صدقيا " 1 ر :

 1 - 4 " وكانت هذه المدة إحدى وأربعين سنة " 2 أي 34 و 63 "،  وكان وحي كتاب حزقيال من السنة الخامسة لسبي يهوياكين " حز 1 :

 2 " متدرجا إلى السنة السابعة والعشرين " حز 29 :

 17 " . وكان وحي كتاب دانيال متدرجا من أيام بخت نصر " دا 2 " إلى النسبة الثالثة لكورش " دا 10 :

 1 " وهذه المدة تزيد بحسب التاريخ على الستين سنة وكان وحي كتاب ميخا المورشتي متدرجا في أيام يوثام واحاز وحزقيا ملوك يهوذا " مي 1 :

 1 " وكان ملك هؤلاء إحدى وستين سنة " 2 أي 27 و 28 و 29 " وكان وحي كتاب حجى على قلته متدرجا من أول الشهر السادس من السنة الثانية لملك داريوس " حج 1 :

 1 " إلى الرابع والعشرين من الشهر التاسع " حج 5 :

 10 " . وكان وحي كتاب زكريا متدرجا من الشهر الثامن من السنة الثانية لداريوس الملك " زك 1 :

 1 " إلى الشهر التاسع من السنة الرابعة " زك 7 :

 1 " ثم لم يؤرخ وحيه بعد هذا في كتابه ولم يذكر في العهد القديم أن باقي كتبه كان وحيها دفعة واحدة . وكان عمر المسيح حينما اعتمد من يوحنا ونزل عليه الروح القدس نحو

 

                                       صفحة 43

 

 ثلاثين سنة " لو 3 :

 21 - 24 "، ،  ومن المعلوم أن عمره الشريف حينما رفع إلى السماء كان نحو ثلاثة وثلاثين سنة فتكون تعاليمه النبوية الإلهامية إلى ليلة الجمعية التي هجم فيها عليه اليهود متدرجة حسبما ذكر في الأناجيل في مدة ثلاث سنين . وإذا عرفت هذه المقدمة فماذا تقول في قول المكلف في شأن القرآن الكريم " يه ا ج ص 55 س 20 " وهو مخالف لكتب الوحي لأنها نزلت جملة،  والقرآن مقطع . ثم انظر إلى تهور سايل " ق " ص 126 س 6 - 12 " فهل تراهما لم يطلعا على ما في العهدين،  أم حاولا الإغفال ليروجا أغراضهما،  أفأمنا من رقيب الحق،  ومن الظرائف قول المتعرب " قذ ص 129 س 18 " اليهود يقولون إن الناموس أعطى لموسى نجوما،  وليت شعري أن التوراة في أعصار هؤلاء لم تنحصر بنسخة حلقيا أو عزرا ليجهلوا ما فيها .

 

                                       صفحة 44

 

 المقدمة الثالثة فيما اتفق من صراحة بعض كتب العهدين بما يدل على مخالفة وضعها وترتيبها لترتيب إلهامها ووحيها،  فإن المزمور الثامن عشر كان إلهامه عندما أنقذ الله داود من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول،  وإن المزمور الرابع والثلاثين كان إلهامه عندما غير داود عقله قدام أبي مالك وهو قبل ذلك،  وإن إلهام المزمور الحادي والخمسين كان بعد ما تزوج داود بامرأة أوريا،  وإلهام الثاني والخمسين عندما أخبر دواغ الادومي شاول بدخول داود إلى بيت أخي مالك وهو قبل ما

 

ص 44 :

 

تقدم ذكره،  وكذا إلهام المزمور السادس والخمسين،  وكان إلهام المزمور السابع والخمسين بعد إلهام المزمور التاسع والخمسين،  وإن الهام التاسع والخمسين كان عندما أرسل شاول من يراقب داود في البيت وهو قبل كل ما ذكر،  وكان إلهام المزمور المائة والثاني والأربعين عندما كان داود في المغارة وهو قبل أغلب ما ذكرنا ومقارن لإلهام المزمور السابع والخمسين . ويعرف ما ذكرنا من التقدم والتأخر ومخالفة الترتيب من ملاحظة عناوين المزامير ومراجعة تاريخ أحوال داود من تاسع عشر صموئيل الأول إلى ثاني عشر صموئيل الثاني . وإن إلهام الإصحاح الحادي والعشرين من ارميا كان في أيام صدقيا آخر ملوك يهوذا،  وإلهام أوائل الثاني والعشرين في أيام يهوياقيم،  وإلهام أواخره في

 

                                       صفحة 45

 

 أيام ابنه كنياهو وهما قبل صدقيا،  وإلهام الخامس والعشرين كان في السنة الرابعة ليهوياقيم وهي قبل ملك كنياهو وصدقيا،  وإلهام السادس والعشرين كان في ابتداء ملك يهوياقيم،  وهو قبل كل ما ذكرنا،  ومثله إلهام السابع والعشرين بحسب أوائله إلا أن فيه غلط واضح كما يشهد به الثامن والعشرون،  وإن إلهام الثاني والثلاثين كان في السنة العاشرة لصدقيا،  وإلهام السادس والثلاثين كان في السنة الرابعة ليهوياقيم،  وإن إلهام الثالث والأربعين كان في تحفنحيس في مصر بعد سبي بابل وانقراض مملكة يهوذا بمدة،  وكذا إلهام الرابع والأربعين،  مع أن إلهام الخامس والأربعين يتعلق بالسنة الرابعة ليهوياقيم،  فراجع نص الأصحاحات المذكورة من ارميا مع تاريخ ملك يهوياقيم ويكنيا وصدقيا ملوك يهوذا،  في الثالث والأربعين إلى الخامس والأربعين من الملوك الأول،  والسادس والثلاثين من الأيام الثاني،  وإن إلهام السادس والعشرين من كتاب حزقيال كان في السنة الحادية عشر لسبيهم،  مع أن إلهام أوائل التاسع والعشرين كان في السنة العاشرة،  وإلهام أواخره كان في السنة السابعة والعشرين،  مع أن إلهام الحادي والثلاثين كان في السنة الحادية عشر وكان إلهام الأصحاح العاشر من كتاب دانيال في السنة الثالثة لكورش ملك فارس،  وإلهام الحادي عشر في السنة الأولى لداريوس المادي وهو قبل كورش،  وبناء على ما في النسخة السبعينية من ذكر كورش بدل داريوس يكون إلهام العاشر في السنة الثالثة لكورش،  وإلهام الحادي عشر في السنة الأولى له،  ولعل التتبع في العهدين يدلك على أكثر مما ذكرنا من مخالفة ترتيب الكتاب لترتيب إلهامه بل لعل التنفير في خصوص توراة موسى يشهد بكثير من ذلك،  بل لعل ما لا شاهد عليه أكثر وأكثر،  فلنكتف في هذه المقدمة على هذا المقدار .

 

                                       صفحة 46

 

 المقدمة الرابعة فيما ذكر في العهدين من الحالات الغريبة التي تعرض للأنبياء عند الوحي إليهم،  وتجلى الله وظهور جلاله لهم . ففي التوراة أن إبراهيم لما أوحي إليه في شأن نسله وغربتهم وقع عليه عند مغيب الشمس سبات ورعبة مظلمة " تك 15 :

 12 - 15 " . وأن يعقوب لما رأى في الحلم السلم والملائكة،  وخاطبه الرب واستيقظ خاف وقال :

 ما أرهب هذا المكان " تك 28 :

 12 - 18 " . وأما موسى فإنه وإن لم تذكر التوراة في شأنه شيئا عند ظهور الله له في حوريب في عليقة النار في أول تكليمه إلا كونه غطى وجهه لأنه خاف أن ينظر إلى الله " خر 3 :

 1 - 6 "،  وكذا في جبل سيناء " خر 19 " . لكن استفانوس الذي وصف بأنه مملوء من الإيمان والروح القدس والقوة بحيث كان يصنع عجائب وآيات عظيمة في الشعب " 1 ع 6 :

 5 - 8 " . قد ذكر أن موسى ارتعد ولم يجسر أن يتطلع عندما ظهر له ملاك الرب في نار العليقة " 1 ع 7 :

 30 - 33 " . وبولس الرسول العظيم عند النصارى ذكر في شأن ظهور جلال الله على جبل سيناء حين ارتجف الجبل،  إن المنظر كان مخيفا حتى قال موسى :

 أنا

 

                                       صفحة 47

 

 مرتعب ومرتعد " عب 12 :

 21 " . ويلزم من ذلك أن التوراة أهملت ذكر حال موسى في هذا الشأن،  نعم ذكرت في مقام آخر أن موسى قال لله :

 أرني مجدك،  فقال :

 أجيز كل جودتي قدامك ولا تقدر أن ترى وجهي لأن الإنسان لا يراني فيعيش وهو ذا عندي مكان فتقف على الصخرة ويكون متى اجتاز مجدي إني أضعك في نقرة من الصخرة وأسترك بيدي حتى اجتاز،  ثم أرفع يدي فتنظر ورائي وأما وجهي فلا برى " خر 33 :

 18 - 23 " . والمعقول من هذا الكلام هو أن الطبيعة البشرية حتى من مثل موسى لا نقوى على مشاهدة جلال الله ومجده من الوجهة الحقيقية المكنى عنها بأوجه وإنما نقوى بمساعدة العناية الربانية على بعض المشاهدة من الوجهة المكنى عنها بالوراء . وذكرت التوراة أيضا أن السحابة غطت خيمة الاجتماع وملأ بهاء الرب المسكن فلم يقدر موسى أن يدخل خيمة الاجتماع لأن السحابة حلت وبهاء الرب ملأ المسكن " خر 40 :

 34 و 35 " . ومقتضاه أن موسى مع مقامه النبوي وكونه كليم الله قد ضعف وأحجم عن الإقدام على مشاهدة بهاء الله .

 

ص 47 :

 

وقد اتفق للعهدين التعرض لبعض أحوال الأنبياء عند الوحي والمكاشفة من تصرف الروح بهم على غير اختيارهم وسقوطهم لوجوههم ومقاساتهم الجهد والشدة كوقوع الغيبة والإغماء عليهم واضطرابهم وغير ذلك عند مشاهدة آثار الجلال والكبرياء . فعن قول حزقيال لما رأى منظر شبه مجد الرب وخر على وجهه " حز 1 28 " فدخل في روح وأقامني على قدمي " حز 2 :

 2 "،  وعن قوله أيضا فحملني الروح وأخذني وذهبت برا في حرارة روحي ويد الرب كانت شديدة على " حز 3 :

 14 " . وأيضا وإذا بمجد الرب واقف هناك كالمجد الذي رأيته على نهر خابور

 

                                       صفحة 48

 

 فخررت على وجهي فدخل في روحي وأقامني على قدمي " حز 3 :

 23 و 24 " وأيضا،  ومد شبه يد وأخذني بناصية رأسي ورفعني روح بين الأرض والسماء " حز 8 :

 3 " . وأيضا ثم دفعني روح وأتى بي إلى باب البيت " حز 11 :

 1 " . وأيضا كانت على يد الرب فأخرجني بروح الرب وأنزلني في وسط البقعة " حز 37 :

 1 " . وعن قول دانيال في بعض رؤياه ومكاشفاته بالوحي،  وسمعت صوت إنسان بين أولاي فنادى وقال :

 يا جبرائيل فهم هذا الرجل فجاء إلي حيث وقفت ولما جاء خفت وخررت على وجهي وإذ كان يتكلم معي كنت مسبخا على وجهي إلى الأرض فلمسني وأوقفني على مقامي " دا 8 :

 16 - 19 " . وأيضا ورأيت هذه الرؤيا العظيمة ولم تبق في قوة ونضارتي تحولت إلى فساد ولم أضبط قوة،  ولما سمعت صوت كلامه كنت مسبخا على وجهي ووجهي إلى الأرض وإذا بيد لمستني وأقامتني مرتجفا على ركبتي وعلى كفي يدي وهو ذا كشبه بني آدم لمس شفتي ففتحت فمي وتكلمت وقلت للواقف أمامي :

 يا سيدي بالرؤيا،  انقلبت على أوجاعي فكيف يستطيع عبد سيدي أن يتكلم مع سيدي،  وأنا فحالا لم تبق في قوة،  ولم تبق في نسمة " دا 10 :

 7 - 18 " . ومن الواضح أن سقوط حزقيال على وجهه ومرارته وحرارة روحه وشدة يد الرب عليه،  وتصرف الروح به لا باختياره،  وكذا حالات دانيال المذكورة إنما هي من انفعال الطبيعة البشرية واندهاشها وسقوط قواها لسطوة التجلي وهيبة الجلال وعظمة الكبرياء . وفي العهدين أيضا،  أن إيليا لما سمع صوت الرب الخفيف المنخفض لف وجهه بردائه " امل 19 :

 12 و 13 " . وإن زكريا لما رأى ملاك الرب عن يمين مذبح البخور اضطرب ووقع عليه الخوف " لو 1 :

 11 و 12 "،  ولما خرج من الهيكل وهو لا يستطيع التكلم فهم اليهود أنه قد رأى رؤيا " لو 1 :

 32 " .

 

                                       صفحة 49

 

 ويفهم من ذلك أن انفعال الطبيعة البشرية واندهاشها عند التجلي كان أمرا معلوما مقررا عند اليهود . وفي العهد الجديد أن المسيح بعد اعتماده من يوحنا ونزول الروح القدس عليه أصعده الروح وأخرجه إلى البرية وصار يقوده فيها مع الوحوش أربعين يوما " أنظر إلى مت 4 :

 1 ومر 1 :

 12 و 13 ولو 4 :

 1 " وراجع التراجم الفارسية وغيرها،  وتغيرت هيئة وجهه عندما تجلى الله له بإرسال موسى وإيليا " لو 9 :

 29 " واضطرب بالروح إذ أخبر أن واحدا من تلاميذه سيسلمه " لو 13 :

 12 " ولعل من هذا النحو كونه ليلة هجوم اليهود عليه في جهاد كما ترجم بالفارسية والتركية بالاضطراب حتى صار عرقة كقطرات دم نازلة على الأرض " لو 24 :

 44 " مع أن الوقت كان باردا يحتاج فيه إلى الاستدفاء والاصطلاء بالنار " أنظر إلى مر 14 :

 67 ويو 18 :

 18 "،  وإن بطرس قد وقعت عليه غيبة وفسرت " ببيهوشي " وذلك حينما أوحي إليه حل جميع الحيوانات عند نزول الزنبيل " ا ع 10 :

 10 " . وكذا بولس حينما أوحي إليه بالخروج من أورشليم " ا ع 22 :

 17 " بل وكذا عندما عرج به إلى السماء " 2 كو 12 :

 1 - 4 " . وإن يوحنا ابن زبدي سقط في رؤياه كميت " روء 1 :

 17 " وكم وكم تصرف به الروح وذهب به لا باختياره " أنظر إلى روء 1 :

 10 و 4 :

 2 و 17 :

 3 و 21 :

 10 " . هذا كله مع أن كتب العهدين لم تستقص ذكر هذه الحالات للأنبياء عند الوحي بدليل أن التوراة أهملت في شأن موسى ما ذكره استفانوس وبولس وأن الأناجيل قد أهمل كل واحد منها كثيرا مما ذكره الآخر فضلا عن اختلافها الكاشف عن عدم اطلاع كتبتها على حقيقة الحال . وأن العهد القديم لم يذكر حالات أشعيا وارميا وهوشع وغيرهم من الأنبياء إلى ملاخي،  وما يعرض لهم عند الوحي والتجلي ولا تظن أنهم في ذلك أعلا شأنا وأحسن حالا من إبراهيم ويعقوب وموسى وحزقيال ودانيال وزكريا

 

                                       صفحة 50

 

 والمسيح وبطرس وبولس ويوحنا كلا . نعم ذكر في العهد القديم لبعض أنبيائه عند الوحي والتنبي حالات يستغربها العقل ولا يدنو مضمونها إلى الفهم . منها أن اليشع النبي لما أراد يهو شافاط أن يسأل به الرب قال :

 إئتوني بعواد،  ولما ضرب العواد بالعود كانت عليه يد الرب فتنبأ عن قول الرب " 2 مل 3 :

 11 - 19 " . ومنها أن صموئيل قال لشاول :

 إنك تصادف زمرة من الأنبياء نازلين من المرتفعة وأمامهم رباب ودف وناي وعود وهم يتنبؤون فيحل عليك روح الرب

 

ص 50 :

 

فتنبأ معهم،  ولما جاؤوا إلى هناك إلى جبعة إذا بزمرة من الأنبياء لقيته فحل عليه روح الله فتنبأ في وسطهم " 1 صم 10 :

 5 - 11 " . وليت شعري ما مداخلة العود والعواد والدف والرباب والناي في النبوة . وأيضا لما أرسل شاول رسلا لأخذ داود في الرامة ورأوا جماعة من الأنبياء يتنبؤون،  وصموئيل رئيس عليهم،  فكان عليهم روح الله فتنبأوا هم أيضا،  وكذا الذين أرسلهم ثانيا وثالثا ذهب هو فكان عليه روح الله فخلع هو أيضا ثيابه،  وتنبأ أيضا أمام صموئيل وانطرح عريانا ذلك النهار كله وكل الليل " 1 صم 19 :

 20 - 24 " . وليت شعري ما معنى هذا التنبي وحلول روح الله،  وما مداخلة خلع الثياب والتعري في النبوة،  وما معنى ذلك،  وهل يعدو هذا النحو أن يكون ضربا من الخلاعة والتجانن فاحفظ هذه المقدمة على ذكرك فإن بعض المباحثين للإسلام من النصارى كأنهم لم يطلعوا على ما فيها وإلا لما تفوهوا بما تفوهوا من الشطط إن كانت لهم نفوس حرة . " تذييل " في بعض ما ذكر في العهدين من أحوال بعض الأنبياء في التبليغ عن أمر الله . فمن ذلك ما في أخريات العشرين من اشعيا من أن الله أمر نبيه اشعيا أن يمشي عريانا وحافيا بين الناس ثلاث سنين ليبلغ الناس ويقول لهم :

 هكذا

 

                                       صفحة 51

 

 يسوق ملك آشور سبي مصر وجلاء كوش الفتيان والشيوخ عراة وحفاة ومكشوفي الاستاه خزيا لمصر . وما في السابع والعشرين من ارميا من أن الله أمر نبيه ارميا أن يصنع له ربطا وانيارا ويجعلها على عنقه كما يجعل نير الفدان على أعناق البقر ليبلغ الناس ويقول :

 ادخلوا أعناقكم تحت نير ملك بابل . وما في الرابع من حزقيال من أن الله أمر نبيه حزقيال أن يأكل كعكا من خبز الشعير الذي يخبزه أمام عيون بني إسرائيل على الخرء الذي يخرج من الإنسان ليبلغ ويقول :

 هكذا يأكل بنو إسرائيل خبزهم النجس بين الأمم الذين أطردهم إليهم . وما في أوائل الخامس من حزقيال أيضا من أن الله أمر نبيه حزقيال أيضا من أن يحلق رأسه ولحيته ويقسم الشعر أثلاثا يحرق ثلثا ويضرب بالسيف حوالي ثلث ويذرى الثلث الثالث إلى الريح ليبلغ ويقول إن ثلث أهل أورشليم يموتون بالوباء والجوع،  وثلث يسقط بالسيف،  وثلث يذريه في كل ريح ويستل سيفا وراءهم . وما في الخامسة عشر إلى الثامنة عشر من الرابع والعشرين من حزقيال أيضا من أن الله كلم نبيه حزقيال بأنه يأخذ منه شهوة عينيه وهي زوجته،  وأمره أن لا ينوح ولا يبكي ولا يعمل مناحة ويلف عصابته ويجعل نعليه في رجليه ولا يغطي شاربه ولا يأكل من خبز الناس ليبلغ بني إسرائيل ويخبرهم أنه هكذا يقع بهم . وما في الثالثة من أول هوشع من أن الله أمر نبيه هوشع أن يأخذ لنفسه امرأة زنا وأولاد زنا ونتيجة ذلك تعليله بأن الأرض قد زنت تاركة للرب وموعظة بني إسرائيل بأسماء الذين ولدتهم له تلك المرأة وذكر زناها فراجع أول هوشع وثانيه فإنه عجيب . وما في ثالث هوشع أيضا من قول هوشع وقال لي الرب :

 اذهب أحبب امرأة حبيبة صاحب وزانية كمحبة الرب لبني إسرائيل وهم ملتفتون إلى آلهة

 

                                       صفحة 52

 

 أخرى،  ومحبون لأقراص الزبيب فاشتريتها لنفسي بخمسة عشر شاقل فضة وبحومر ولثك شعير وقلت لها :

 تقعدين أياما كثيرة لا تزني ولا تكوني لرجل وأنا كذلك،  لأن بني إسرائيل سيقعدون أياما كثيرة بلا ملك وبلا رئيس وبلا ذبيحة،  ومقتضى العهد القديم إن هؤلاء الأنبياء عملوا بما أمرهم به الله للتبليغ .

 

                                       صفحة 53

 

 المقدمة الخامسة في نبذ من سيرة بني إسرائيل والملة النصرانية في ديانتهم نقلا من كتب العهدين مع اختصار ما،  ونقل بالمعنى في بعض الموارد . أما بنو إسرائيل فقد ظهرت لهم من موسى الداعي لهم إلى التوحيد معجزة العصا واليد البيضاء والعجائب في مصر وانشقاق البحر لهم وعبورهم على اليابسة فيه،  والمن والسلوى وإخراج الماء من الصخرة في حوريب وآثار عظمة الله وقدرته على جبل سيناء " خر 4 - 19 " وبلغهم عن الله قوله :

 لا تصنعوا معي آلهة فضة ولا تصنعوا لكم آلهة ذهب لا يكن لك آلهة أخرى أمامي،  ولا تصنع لك تمثالا منحوتا في السماء أو في الأرض أو في الماء ولا تسجد لهن ولا تعبدهن . فقالوا كلما تكلم به الرب نفعل فكتب موسى هذه الأقوال وغيرها وقرأها عليهم تجديدا للعهد،  فقالوا أيضا :

 كلما تكلم به الرب نفعل ونسمع " خر 20 - 24 :

 8 " . وبلغهم أيضا لا تصنعوا لكم أوثانا ولا تقيموا لكم تمثالا منحوتا أو نصبا ولا تجعلوا في أرضكم حجرا مصورا لتسجدوا له " لا 26 :

 1 " وبعد هذا كله لم تمض سنة منه حتى ارتدوا عن عبادة الله وقالوا لهارون لما أبطأ علهم موسى في جبل سينا اصنع لنا آلهة تسير أمامنا،  فلما صنعوا العجل المسبوك من ذهب

 

                                       صفحة 54

 

 حليهم قالوا :

 هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من مصر فسجدوا له وذبحوا " خر 32 :

 1 - 9 " . ولما أقاموا مع موسى في شطيم صار الشعب يزنون مع بنات مواب فدعون

 

ص 54 :

 

الشعب إلى ذبائح آلهتهن فأكل الشعب وسجدوا لآلهتهن وتعلق إسرائيل ببعل فغور " عد 25 :

 1 - 4 " وكفى في تمردهم على الشريعة أنهم في مدة أربعين سنة لم يختنوا من ولد منهم وبعدما عبروا الأردن في زمان يوشع صنع يوشع عن أمر الله سكاكين صوان أو حادة،  وفي العبرانية " صيريم " وختنهم بها " يش 5 "،  ولم تمض مدة كثيرة من موت يوشع حتى فعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وتركوه وساروا وراء آلهة أخرى وسجدوا لها وعبدوا البعل وعشتاروت " قض 2 :

 11 - 14 و 3 :

 7 " . ولم يزل بنو إسرائيل في زمن القضاة يعاودون إلى عمل الشر في عيني الرب " قض 3 :

 11 و 4 :

 1 و 6 :

 1 و 13 :

 1 " . وبعد موت جدعون رجعوا وزنوا وراء البعليم وجعلوا لهم بعل بريث إلهاء " قض 8 :

 33 " . وبعد موت بائير القاضي عادوا يعملون الشر في عيني الرب،  وعبدوا البعليم والعشتاروت وآلهة ارام وآلهة صيدون وآلهة مواب وآلهة عمون وآلهة الفلسطينيين وتركوا الرب ولم يعبدوه " قض 10 :

 6 " وحاصل شأنهم أنهم اختلطوا بالأمم المشركين وتعلموا أعمالهم وعبدوا أصنامهم وذبحوا بنيهم وبناتهم للأوثان وأهرقوا دما زكيا دم بنيهم وبناتهم الذين ذبحوهم لأصنام كنعان وتدنست الأرض بالدماء " مز 106 :

 35 - 39 " . ولما مات سليمان انقسمت مملكة بني إسرائيل إلى قسمين فتبع رحبعام ابنه سبطا يهوذا وبنيامين،  وملكوه عليهم وانعزل عنه باقي الأسباط فملكوا عليهم يربعام فعمل لرعيته عجلي ذهب وقال :

 هذه آلهتك يا إسرائيل ووضع واحدا في بيت ايل والآخر في دان،  وكان الشعب يصعدون إلى أحدهما حتى إلى دان

 

                                       صفحة 55

 

 " امل 12 "،  واستمر بنو إسرائيل هؤلاء وملوكهم على خطيئتهم وطريقة يربعام " امل 15 و 16 " أي العكوف على عجول الذهب التي في بيت ايل ودان " 2 مل 10 " حتى إذا ملك اخاب شاعت في أيامه عبادة البعل حتى أنه كان للبعل أربعمائة وخمسين نبيا،  وللسواري أربعمائة نبي " امل 18 :

 19 " وقطعت ايزابل الصيدونية أنبياء الرب إلا من أخفاه عوبديا " امل 18 :

 4 " حتى لم يبق للرب نبي غير ايليا " امل 18 :

 22 و 19 :

 10 و 14 "،  وحتى لم يبق من مئات الألوف العديدة من بني إسرائيل من لم يعبد البعل إلا سبعة آلاف أو أقل،  ولعلهم كانوا من الأطفال الذين لا يميزون هذه الأمور " أنظر إلى امل 19 :

 18 "،  واستمر بنو إسرائيل على خطيئتهم وطريقة يربعام إلى أن ملك عليهم هوشع بن ايله " امل 22 :

 - 2 مل 17 " . وفي أيامه سباهم ملك آشور واسكن في ديارهم غيرهم،  وقد كانوا أخطأوا إلى الرب إلههم،  واتقوا آلهة أخرى وسلكوا حسب فرائض المشركين وعبدوا الأصنام ورفضوا فرائض الله وعهده وساروا وراء الباطل وصاروا باطلا وتركوا جميع وصايا الله وعملوا لأنفسهم عجلين وسجدوا لجميع جند السماء وعبدوا البعل " 2 مل 17 " . وأما سبطا يهوذا وبنيامين فلما تثبتت مملكة رحبعام بن سليمان ترك شريعة الرب هو وكل إسرائيل معه " 2 أي 12 :

 1 " . وعمل يهوذا الشر أكثر من جميع ما عمل آباؤهم،  وبنوا لأنفسهم مرتفعات وانصابا وسوارى من آثار الشرك على كل تل مرتفع وتحت كل شجرة خضراء،  وكان أيضا مأبونون في الأرض،  ففعل يهوذا حسب أرجاس المشركين " امل 14 :

 22 - 24 " . وفي السنة الخامسة لملك رحبعام نهب شوشق ملك مصر خزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك وأخذ كل شئ " امل 14 :

 25 و 26 " . ثم ملك ابيابن رحبعام وسار في جميع خطايا أبيه التي فعلها قبله " امل 15 :

 3 " .

 

                                       صفحة 56

 

 ولما ملك آسا ابنه عمل ما هو مستقيم،  وأزال آثار الشرك،  وأمر يهوذا أن يعملوا حسب الشريعة والوصية " 2 أي 14 :

 2 - 6 " وأما المرتفعات فلم تنزع من بني إسرائيل " 2 أي 15 :

 17 " . ولإسرائيل أيام كثيرة بلا إله حق وبلا كاهن معلم وبلا شريعة،  وفي النسخة العبرانية بلا توراة " 2 أي 15 :

 3 " . ثم ملك بهوشافاط ابنه وسار في طريق آسا أبيه وعمل المستقيم والمرتفعات أيضا لم تنزع بل كان الشعب لم يعدوا بعد قلوبهم لإله آبائهم " 2 أي 20 :

 22 و 23 " . ثم ملك بعده يهورام ابنه،  وبعده ابنه اخزيا،  وعملا الشر على نهج بيت اخاب " 2 أي 21 :

 6 و 22 :

 3 و 4 " . وبعد اخزيا ملكت أمه الخبيثة المشركة عثليا بنت عمري ملك إسرائيل سبع سنين " 2 أي 22 " . وهدم بنوها بيت الله وصيروا كل أقداس بيت الله للبعليم إلى أن نهض يواش ويهوياداع الكاهن لتجديد بيت الرب وأقاموا بيت الله على رسمه على مقداره وثبتوه " 2 أي 24 :

 7 و 12 و 13 " . وبعدما قتلوا عثليا ملك يواش بن اخزيا،  وعمل المستقيم في أيام يهوياداع،  ولما مات يهوياداع جاء رؤساء يهوذا،  وسجدوا للملك يواش فسمع لهم وتركوا بيت الرب إلههم،  وعبدوا السوارى والأصنام " 2 أي 24 :

 2 و 17 و 18 " . ورجموا زكريا ابن يهوياداع بأمر الملك وقتلوه في دار بيت الرب لأنه ليس روح الله فوعظهم ووبخهم وأراد إرجاعهم إلى الله فتركوا الرب إله آبائهم ( 2

 

ص 56 :

 

أي 24 :

 20 - 24 " . ثم ملك امصيا ابن يواش وأتى بآلهة ساعير وأقامهم له آلهة وسجد أمامهم وأرقد لهم " 2 أي 25 :

 14 " .

 

                                       صفحة 57

 

 وفي أيامه جاء يواش المشرك ملك إسرائيل ونهب كل الذهب والفضة وجميع الآنية الموجودة في بيت الرب " 2 مل 14 :

 14 " . ثم ملك بعد امصيا ابنه عزيا،  وبعده ابنه يوثام،  وكانا مستقيمين،  ولكن كان الشعب يفسدون بعد " 2 أي 27 :

 2 " . ثم ملك احاز وسار في طريق ملوك إسرائيل وعمل أيضا تماثيل مسبوكة للبعليم وهو أوقد في وادي هنوم،  وأحرق بنيه في النار حسب رجاسات المشركين،  وترك يهوذا الرب إلههم،  وأيضا ذبح آحاز لآلهة دمشق وقطع آنية بيت الله وأغلق أبواب بيت الرب " 2 أي 28 " . وأغلقوا أيضا أبواب الرواق وأطفأوا السرج ولم يوقدوا بخورا ولم يصعدوا محرقة في القدس " 2 أي 29 :

 . " . وإذ ملك حزقيا فتح أبواب بيت الرب ودخل الكهنة إلى داخله،  وأخرجوا كل النجاسة التي وجدوها في الهيكل،  واستمروا في تطهير بيت الرب ثمانية أيام " 2 أي 29 :

 1 - 19 " . ولما ملك بعده ابنه منسى عمل الشر حسب رجاسات المشركين،  وبنى المرتفعات التي هدمها أبوه وأقام مذابح للبعليم وعمل سوارى وسجد لكل جند السماء وبنى لها مذابح في داري بيت الرب،  ولما ذاق وبال أمره من ملك آشور رجع إلى الله فلما أنقذه أزال الآلهة الغريبة والأشباه من بيت الرب،  وأمر يهوذا أن يعبدوا الرب إلههم،  ثم ملك بعده ابنه امون فعمل كل ما عمله أبوه أول الأمر،  ولم يرجع إلى الله كما رجع أبوه في الآخرة " 2 أي 33 " . وملك بعده ابنه يوشيا وكان مؤمنا،  وفي السنة الثانية عشر لملكه ابتدأ يطهر يهوذا وأورشليم من السوارى والمرتفعات والتماثيل والمسبوكات،  وطهر يهوذا وأورشليم وقطع تماثيل الشمس في كل أرض إسرائيل،  وهدم بيوت المأبونين التي عند بيت الرب،  وبعد أن طهر الأرض وبيت الرب توجه لترميمه وتسقيف البيوت التي أخربها يهوذا . وعند إخراجهم الفضة المدخلة إلى بيت الرب قال حلقيا الكاهن لشافان

 

                                       صفحة 58

 

 الكاتب قد وجدت سفر الشريعة " أي التوراة " في بيت الرب،  فقال شافان للملك قد أعطاني حلقيا الكاهن سفرا وقرأ فيه شافان أمام الملك،  فلما سمع الملك كلام الشريعة مزق ثيابه وأمر جماعة من خواصه قائلا :

 اذهبوا اسألوا الرب من أجلي وأجل من بقي من يهوذا وإسرائيل على كلام السفر الذي وجد لأنه عظيم غضب الرب الذي انسكب علينا من أجل أن آبائنا لم يحفظوا الرب ليعملوا حسب كل ما هو مكتوب في هذا السفر،  وجمع الملك كل رجال يهوذا وكل الشعب من الصغير إلى الكبير والكهنة والأنبياء إلى بيت الرب وقرأ في آذانهم كل كلام سفر العهد التي وجد في بيت الرب ووقف على منبره وقطع عهدا مع الله عبادته وحفظ وصاياه وفرائضه حسب كلام العهد المكتوب في هذا السفر " 2 مل 22 و 23 و 2 أي 24 " . وإن صريح هذا الكلام وفحواه وشواهده ودلائله لتوضح أن ارتدادات يهوذا وتقلباتهم في الشرك حتى جعلوا الأصنام في بيت المقدس ونجسوه وأخربوه وأغلقوه وبقوا أياما كثيرة بلا إله حق ولا كاهن معلم ولا شريعة توراة لم تبق سفرا للشريعة والتوراة بينهم إلى حد لم يقدر الملك عليه ولم يره ولم يسمع منه شيئا مدة اثنتي عشرة سنة من ملكه وهو مؤمن يطلب الله والشريعة فإنه لو كان للتوراة حينئذ وجود لكانت عنده منها نسخة يقرأ بها كل أيام حياته من أول جلوسه على كرسي مملكته حسب ما هو الواجب في الشريعة على ملوك إسرائيل " تث 17 :

 8 - 20 " . ولكنه لما رأى ما ادعى حلقيا الكاهن أنه وجده في بيت الرب وسمع ما فيه رأى شئ جديدا وسمع ما لم يكن معهودا له وحبسه هو والمؤمنون من يهوذا من الحقائق التي غفلت عنها الأيام وخبتها عن دواهيها زوايا الخمول حتى مزق الملك عند قراءته ثيابه واضطرب من أجل تضييعهم وجهلهم ما فيه،  وبذل العناية التامة في قراءته على جميع يهوذا وإسرائيل ليطلعوا على ما أضاعه منهم الضلال،  ويعودوا إلى ما ظفروا به من الشريعة التي لم يكونوا يعرفونها ولا يجدون كتابها . فكانت نسبة هذا الذي وجدوه إلى الشريعة الحقيقية موكولة إلى أمانة

 

                                       صفحة 59

 

 حلقيا ولو كان لسفر الشريعة عندهم قبل هذا اسم أو رسم لما وقع أقل قليل من هذا الاحتفال العظيم والتنبه إلى الشريعة بما ادعى حلقيا أنه وجده،  وهذا مما لا ينبغي أن يرتاب فيه من له حظ من الرشد والفهم . قال المتكلف " يه 4 ج ص 134 " إن المراد بسفر الشريعة هاهنا هي النسخة التي كانت موجودة في الهيكل بجانب تابوت عهد الرب حسب الأمر الوارد " تث 31 :

 25 و 26 " وهذا لا ينافي وجود نسخ أخرى في أيدي الكهنة واللاويين والشعب . أقول :

 إن أراد من هذه النسخة أنها النسخة التي كتبها موسى وأمر بوضعها بجانب تابوت العهد فيدعى في تكلفه أن احتفال يوشيا بها من أجل كونها تذكارا لموسى ومن آثاره فليقل،  وإن كان ما ذكرنا من أحوال يوشيا وأقواله أجنبيا عن

 

ص 59 :

 

هذا الاحتمال أين كانت هذه النسخة وأين صارت،  إذ نهب الفلسطينيون التابوت من بني إسرائيل ووضعوه بقرب صنمهم داجون في اشدود ثم نقلوه إلى حث ثم إلى عفرون ثم إلى بيت شمس ثم نقل إلى قرية يعاريم " 1 صم 84 7 " ثم نقله داود إلى بيت عوبيد الجتي،  ثم إلى قرية مدينته " 2 صم 6 " ثم نقله سليمان من صهيون مدينة داود إلى محراب البيت قدس الأقداس تحت جناحي الكروبين " امل 8 :

 1 - 7 "،  فإنه لم يجر لهذه النسخة في هذه المواضع والتنقلات ذكر ولا اسم ولا رسم مع ما لها من الشأن المهم . فإن قال :

 إنها كانت إذ ذاك في جوف التابوت قلنا :

 لم يكن في التابوت حينما وضعه سليمان في قدس الأقداس إلا لوحا الشهادة " امل :

 98 و 2 أي 5 :

 10 " . وإن قال :

 إنها حين نهب التابوت كانت عند الكهنة،  قلنا :

 ينبغي أن يكون محلها بحسب الوظيفة في مكان التابوت تحت جناحي الكروبين في المسكن من خيمة الاجتماع أنظر إلى " خر 40 :

 1 و 2 - وتث 31 :

 26 " . وعلى هذا فلماذا لم يجر لها ذكر عند تحويل سليمان لخيمة الاجتماع وما فيها،  مع أن هذه النسخة أهم وأهم وأولى بالذكر من سائر أدوات خيمة

 

                                       صفحة 60

 

 الاجتماع،  وفي ذكرها البشارة الكبرى وبيان نعمة الله العظمى بجمع شمل الشريعة المتبدد في جعل نسخة التوراة التي كتبها موسى على مقتضى وظيفتها إلى جنب تابوت العهد الذي أنعم الله بإرجاعه من نهب المشركين إلى بيته المقدس ففي ثاني الملوك الأول 3 وجاء جميع شيوخ إسرائيل وحمل الكهنة التابوت وأصعدوا تابوت الرب،  وخيمة الاجتماع مع جميع آنية القدس التي في الخيمة " 2 أي 5 :

 4 و 5 " فإن أبى المتكلف مكابراته إلا أن تكون النسخة المذكورة وضعت على وظيفتها في محراب بيت المقدس على عهد سليمان بجانب التابوت،  قلنا :

 إن الموضع الذي عينه سليمان لتابوت العهد الذي تكون هذه النسخة إلى جنبه هو المحراب قدس الأقداس تحت جناحي الكروبين " امل 8 :

 6 و 2 أي 5 :

 7 "،  وكانت مساحة هذا المحراب عشرين ذراعا في مثلها " امل 6 :

 20 "،  ومساحة جناحي الكروبين الملتقيين الذين يوضع التابوت تحت ملتقاهما عشرة أذرع " امل 6 :

 24 - 28 " فيكون التابوت في وسط المحراب ومحل نسخة التوراة المذكورة إلى جنبه . وعلى هذا فهل تركها شوشق ملك مصر الذي نهب الذهب والفضة من بيت الرب على عهد رحبعام،  وهل يترك المحراب مع أن عمدة الذهب فيه فرضناه تركها،  فهل يتركها بنو إسرائيل ويهوذا في الأيام الكثيرة التي بقوا فيها بلا إله حق وبلا كاهن ومعلم وبلا شريعة فرضناهم تركوها فهل يتركها المشركون أولاد عثليا المشركة إذ هدموا بيت الرب وصيروا كل أقداسه للبعليم حتى احتاج البيت إلى تجديده وإقامته على رسمه تمحلنا وفرضناهم تركوها،  فهل يتركها يواش المشرك إذ نهب كل الذهب والفضة وجميع الآنية الموجودة في بيت الرب على عهد امصيا،  فرضنا تركه فهل يتركها آحاز المشرك الذي قطع آنية بيت الرب وأغلق أبوابه،  وهل تركها قومه الذين وضعوا النجاسة في الهيكل وأغلقوه وأطفأوا سرجه عنادا للتوحيد والشريعة افترى هؤلاء كلهم يتركون هذه النسخة في محلها ويسمحون لها بالبقاء وهي أشد ما يكون مقاومة ومصادمة لشركهم وضلالهم وأصنامهم وتماثيلهم،  وقد بلغت في توبيخهم ولعنهم وذمهم وسب آلهتهم،  مبلغا لا يمكن في العادة أن يصبروا عليها ويتركوا لها وجودا وأثرا

 

                                       صفحة 61

 

 كلا بل هي أول بأن تمد إليها يد الضلال من الهيكل الذي لا يقاومهم مثلها ببيانه . وأيضا لماذا لم توجد هذه النسخة عند إدخال الفضة إلى بيت الرب وما هو السبب الذي أخر وجدانها إلى حين إخراج الفضة . وأيضا لماذا لم يجدها حلقيا إلا بعد مضي ما يزيد على عشر سنين من ملك يوشيا مع أن يوشيا ملك مؤمن يطلب الله والشريعة من أول أمره . وإن حلقيا الكاهن لا ينفك عن كثرة الدخول إلى المحراب في الأسبوع مرة أقلا . هذا وإن قال المتكلف :

 إن هذه النسخة غير التي كانت في زمان موسى وأمر بوضعها إلى جنب التابوت،  بل هي نسخة أخرى من سائر النسخ وضعت مع التابوت على رسم الشريعة . قلنا :

 كيف يتركها الذين هم قبل يوشيا من المشركين الذين عبثوا ببيت الرب وأخربوه ونجسوه ؟ وكيف لم يجدها حلقيا إلا بعد عشر سنين من ملك يوشيا مع أنها نصب عيني الداخل إلى المحراب . وأيضا فليعمل المتكلف فكره بما عنده من الفطانة،  وليبين لنا أن هذه النسخة إذا لم تكن بخط موسى وتذكارا له،  بل كانت من سائر النسخ الكثيرة،  فما الوجه المقبول في احتفال يوشيا بها ذاك الاحتفال العظيم لو كان لها أمثال كثيرة . ثم ملك من بعد يرشيا إلى سبي بابل يهو آحاز ويهوياقيم ويهوياكين وصدقيا وعملوا الشر " 2 مل 23 و 24 " . وأما يهوذا في أيامهم فقد تكرر كلام ارميا النبي في توبيخهم على سلوكهم وراء البعليم وسيرهم وراء آلهة أخرى حتى صارت آلهتهم بعدد مدنهم وبعدد شوارع أورشليم " ار 7 و 8 و 9 و 11 و 12 و 16 " .

 

ص 61 :

 

ولما رجعوا من سبي بابل وتوجهوا إلى عبادة الله والشريعة اجتمع كل الشعب وقالوا لعزرا الكاهن :

 أن يأتي بسفر شريعة موسى التي أمر بها الرب

 

                                       صفحة 62

 

 فأتى عزرا بالشريعة أمام الجماعة من الرجال والنساء وكل فاهم ما يسمع وقرأ فيه من الصباح إلى نصف النهار وآذان الشعب نحو سفر الشريعة وجميع الشعب بكواحين سمعوا كلام الشريعة،  وفي اليوم الثاني اجتمع رؤساء آباء جميع الشعب والكهنة واللاويون إلى عزرا ليفهمهم كلام الشريعة فوجدوا مكتوبا فيها إن إسرائيل يسكنون في مظال في العيد في الشهر السابع فأخذوا في عمل المظال " نح 8 " . وقرأ أيضا في سفر موسى في آذان الشعب ووجدوا مكتوبا أن عمونيا وموابيا لا يدخل في جماعة الله إلى الأبد،  ولما سمعوا الشريعة فرزوا كل اللفيف " نح 13 " . قل فما هو السبب في أن ينفرد عزرا وحده بقراءة سفر الشريعة على ألوف من بني إسرائيل جميع رجالهم ونسائهم وكل فاهم ما يسمع حتى الكهنة الذين هم حملة الشريعة والتوراة بمقتضى الوظيفة الشرعية،  ولماذا هرع إليه في اليوم الثاني رؤساء آباء الشعب والكهنة واللاويون،  ولماذا تنبهوا بسبب قراءته إلى أمور لم تكن معهودة لهم،  وبادروا إليها مبادرة مغتنم،  أفيجوز مثل هذا ؟ مع فرض الوجود لنسخة أو أكثر في بني إسرائيل غير التي بيد عزرا كلا . وأيضا لو كان بعد سبي بابل عند اليهود نسخ من التوراة،  والشريعة لم يكن محل ووجه لنزول الوحي على حزقيال في شريعة الكهنة،  وقسمة الأرض بين بني إسرائيل وغير ذلك من الشرائع التي تكلفت التوراة ببيانها " أنظر إلى حز 43 - 48 " . تجد من الواضح أن ذلك بيان لما ليس في أيدي بني إسرائيل من الشريعة . ثم من بعد سبي بابل وإن لم يصرح بارتدادهم عن التوحيد إلا أنهم كانوا يقولون من يفعل الشر فهو صالح في عيني الرب وبهم يسر " مل 2 :

 17 " ويقولون :

 عبادة الله باطلة،  وما الفائدة من أننا حفظنا شعائره " مل 3 :

 14 " وإن كهنتهم احتقروا اسم الله " مل 1 :

 6 " وخانوا في الذبائح " مل 1 :

 7 -

 

                                       صفحة 63

 

 14 " وحادوا عن الطريق واعثروا كثيرين بالشريعة،  وأفسدوا عهد موسى " مل 2 :

 8 "،  وكانت منهم فرقة يسمون بالصدوقيين،  ينكرون القيامة وحياة الأموات بعد الموت،  وينكرون الملك والروح " ا ع 23،  8 ومت 22 ومر 2 ولو 20 " . وقد شحنت الأناجيل من الكلام المنسوب للمسيح بتوبيخهم على تمردهم على الله والشريعة ورياء كهنتهم وكتبتهم حتى تربصوا به من أجل ذلك الدوائر ومع هذا كله هل يمكن للإنسان أن يتلقى من هذه الفرقة المتقلبة في ارتداداتها هذا التقلب الذي طرق سمعك كتابا وشريعة عن الوحي والإلهام على حقيقته الأولية بطريق يفيد اليقين بذلك كلا . وأما أهل الديانة النصرانية في زمان المسيح فإن الكثيرين الذين آمنوا به في عيد الفصح لما رأوا منه الآيات لم يأتمنهم على نفسه لأنه كان يعرف الجميع ولا يحتاج لشاهد على ما في ضمير الإنسان " يو 2 :

 23 - 25 " ورجع عنه كثيرون من تلاميذه ولم يعودوا وذلك بسبب وعظه وإرشاده وبيان رسالته " يو 16 :

 52 - 66 " . والتلاميذ الاثني عشر مالوا إلى الرئاسة الدنيوية وتشاجروا في أنه من يكون الأكبر بعد المسيح لما أخبرهم بما يجري عليه،  وإنه ماض عنهم فوعظهم لذلك،  ووعدهم ومناهم بما يرغبهم في الائتلاف وعدم التشاجر " لو 22 :

 22 - 31 " . واغتاظ عشرة منهم على المسيح من أجل ابني زبدى " مت 20 :

 24 " ووبخهم على قلة إيمانهم " مت 16 :

 8 " وأنهم لا إيمان لهم " مر 4 :

 40 " وليس لهم من الإيمان مثل حبة خردل " مت 17 :

 20 " ووصفهم الإنجيل بغلظ القلوب " مر 6 :

 52 " . وأخبر المسيح بأن كافتهم يشكون فيه ليلة هجوم اليهود عليه " مت 26 :

 31 " ويتفرقون عنه كل واحد إلى خاصته ويتركونه وحده " يو 16 :

 32 " وطلب منهم أن يسهروا معه تلك الليلة فلم يفعلوا ولم يواسوه مع ما هو فيه من

 

                                       صفحة 64

 

 الدهشة والاكتئاب حتى وبخهم على ذلك مرارا،  ولما أمسكه اليهود حسب الظاهر تركه التلاميذ كلهم وهربوا " مت 26 :

 36 - 57 " . وإن من التلاميذ الاثني عشر يهوذا الاصطخريوطي كان بيده صندوق أموال الفقراء " يو 12 :

 6 و 13 :

 29 "،  وكان سارقا " يو 12 :

 6 " وهو الذي اجترأ على تسليم المسيح إلى أعدائه،  وباع دمه الشريف بقليل فضة أنظر إلى أخريات الأناجيل وأول الأعمال . وإن كبير التلاميذ بطرس صار ينتهر المسيح حتى قال له المسيح :

 إذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله بل بما للناس " مت 16 :

 22 و 23 "،  وقد أنكر المسيح ثلاث مرات وابتدأ يلعن ويحلف أنه لا يعرفه " مت 26 :

 69 - 75 " مع أن المسيح أنذره بذلك فوعد المسيح أن لا ينكره ولو اضطر إلى الموت معه " مت 26 :

 35 " . هذا وأما ما كان بعد حادثة الصليب فإن التلاميذ الأحد عشر لم يصدقوا اللواتي أخبرنهم بقيام المسيح من الأموات في اليوم الثالث بل عدوا كلامهن

 

ص 64 :

 

كالهذيان " لو 24 :

 11 "، ،  حتى وبخهم المسيح على عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام " مر 16 :

 14 "،  مع أن في الأناجيل أن المسيح كم وكم قدم لهم أنه يتألم من اليهود وفي اليوم الثالث يقوم " أنظر من جملة ذلك أقلا إلى مت 16 :

 21 و 17 :

 23 و 20 :

 19 و 26 :

 32 "،  " وغير ذلك في الأناجيل الأربعة "،  حتى أن اليهود كانوا يعلمون بكلامه هذا ويخشون عاقبته " مت :

 27 :

 63 " . وتذكر اليونانيون من المسيحيين على العبرانيين منهم بسبب الغفلة عن طعام أراملهم " ا ع 6 :

 1 " . ووقعت المشاجرة في الختان فتكلم بطرس ويعقوب في رفعه عن الأمم بمجرد الاستحسان والتآلف للأمم في مقابلة تأكيد حكمه في التوراة وتأييده وتعليم المعلمين المسيحيين من اليهودية فحصروا ما على الأمم من أحكام الشريعة باجتناب المخنوق وما ذبح للأوثان والدم والزنا " ا ع 15 :

 1 - 30 " .

 

                                       صفحة 65

 

 وإن برنابا وبولس اللذين اختارهما الروح القدس لعلمه " ا ع 13 :

 12 " تشاجرا فيمن يأخذانه معهما للخدمة حتى فارق أحدهما الآخر " ا ع 13 :

 36 - 40 " . وقد اختلف المعلمون في النصرانية واختلفوا في التعليم حتى صار بعضهم يحذر الأمة من بعض " أنظر إلى رسائل بولس وبطرس ويهوذا ويوحنا " حتى قال بعضهم في البعض الآخر :

 أنهم لا يخدمون المسيح بل بطونهم وبالكلام الطيب والأقوال الحسنة،  يخدعون قلوب السماء " رو 16 :

 18 "،  وعن حسد وخصام يكرزون بالمسيح " في 1 :

 15 " وأنهم ذئاب خاطفة " ا ع 20 :

 29 " ورسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح كالشيطان يغير شكله إلى شبه ملاك نور " 2 كو 11 :

 13 و 14 " حتى أن كثيرين خرجوا وصاروا أضداد للمسيح " 1 يو 2 :

 18 و 19 " . وجميع الذين في آسيا ارتدوا عن بولس وبعض زاغ عن الحق وادعى إن القيامة قد قامت " 2 تي 1 :

 15 و 18 " . وإن من المعلمين إخوة كذبة ادخلوا خفية ودخلوا اختلاسا،  وإن المعتبرين أنهم شئ " كالتلاميذ الأحد عشر " مهما كانوا لا فرق بينهم وبين هؤلاء . وإن بطرس والنصارى العبرانيين في أنطاكية حتى برنابا استعملوا الرياء والمداهنة،  ولم يسلكوا باستقامة حسب حق الإنجيل " غل 2 :

 3 - 15 " . وإن بولس قد استعمل الرياء،  وختن تيموثاوس اليوناني على خلاف تعليمه " ا ع 16 :

 1 - 4 " . وإن يعقوب وجميع المشايخ في أورشليم تواطأوا مع بولس على استعمال الرياء بإلزام بولس مع أربعة أشخاص بأحكام الناموس تمويها لإبطالهم لها ومداهنة للأنوف والربوات من المؤمنين بالمسيح من اليهود الذين ينكرون إبطال الناموس بمجيئ المسيح " ا ع 21 :

 2 - 27 " .

 

                                       صفحة 66

 

 وإن بولس ليس له نظير مخلص بل الجميع يطلبون ما هو لأنفسهم لا ما هو للمسيح " في 2 :

 20 و 21 " . ويتضح من الأعمال ورسائل بولس أن تعليمه الرائج بين النصارى في القرون المتأخرة كان ضدا لتعليم الرسل والمعلمين من العبرانيين الذين هم من أهل الختان ولذا كثر تعرضه لهم وقد فهم وانتفاضهم وافتخاره عليهم حتى ادعى العروج مرة إلى السماء الثالثة وأخرى إلى الفردوس " أنظر إلى الحادي عشر والثاني عشر من كورنتوش الثانية " . ومن ذلك تعليمه بكفاية الإيمان وحده في الفائدة وتعليم يعقوب بعدم كفايته بدون الأعمال " أنظر إلى الحادي والعشرين من العبرانيين "،  وإلى رسالة يعقوب وخصوص ثانيها،  وقد اختلف تعليم بولس في أكل ما ذبح للأوثان الذي قرر الرسل حرمته واضطرب كلامه فيه،  فتارة جعله يذبح للشيطان لا لله ولا يريد أن يكون المؤمنون شركاء الشياطين لأنهم لا يقدرون أن يشربوا كأس الرب وكأس شيطان ولا يشتركوا في مائدة الرب ومائدة شياطين أم نغير الرب ألعلنا أقوى منه " 1 كو :

 10 - 18 - 22 " . وتارة رجع الامتناع منه من دون تحريم،  لأنه معثرة للضعفاء أنظر " 1 كو 8 " ومن أجل ضمير الآخر الضعيف " 1 كو 10 :

 29 "،  ثم ندم وقال :

 لماذا يحكم في حريتي من ضمير آخر،  فإذا كنت أتناول بشكر فلماذا يفترى علي لأجل ما أشكر عليه " 1 كو 10 :

 29 و 30 " . وعلى كل حال فهذه الأقوال المضطربة خلاف ومقاومة لما قرره الرسل من التحريم المطلق كما مر،  وعن بولس في بعض تعاليمه كل شئ طاهر للطاهرين " تي 1 :

 15 " وكل خليقة الله جيدة،  ولا يرفض شئ منها إذا أخذ مع الشكر " 1 تي 4 :

 4 "،  وهذه خلاف ومقاومة لما قرره الرسل من تحريم ما ذبح للأوثان والمخنوق والدم . وعنه أيضا في تعاليمه في شأن الناموس والعهد القديم ما لفظه فإنه يصير إبطال الوصية السابقة من أجل ضعفها وعدم نفعها إذ الناموس لم يكمل شيئا

 

                                       صفحة 67

 

 " عب 7 :

 18 و 19 " . وعنه في شأن العهد القديم أيضا لو كان الأول بلا عيب لما طلب موضع لثان - فإذا قال جديدا فقد عتق الأول،  وأما ما عتق وشاخ فهو قريب من الاضمحلال " عب 8 :

 7 - 13 "،  وهذا الكلام إذا أغمضنا النظر عن منافاته

 

ص 67 :

 

لما في العهدين،  وخصوص الكلام المنسوب للمزامير وملاخي والمسيح فإنه مناف ومناقض لخصوص ما عن بولس نفسه من قوله كل الكتاب موحي به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملا متأهبا لكل عمل " 3 تي 3 :

 16 و 17 " . وقد طال الكلام في هذه المقدمة فاقتصرنا على ما ذكرنا لئلا يخرج الكتاب عن وضعه وإن كان للمزيد مجال واسع .

 

                                       صفحة 68

 

 المقدمة السادسة قد وجدنا العمدة لمباحثي المسلمين من النصارى هو الاحتجاج عليهم بما في كتب العهدين،  وكأن هؤلاء المباحثين لم يفطنوا إلى أنه لا حجة لهم بها على المسلمين لوجوه :

 " الوجه الأول " أنه من المتعذر إيصال السند في كل واحد من هذه الكتب إلى الأنبياء معادن الوحي والإلهام على سبيل التواتر المفيد لليقين في كل طبقات النقل،  فاستوضح بعض ذلك من المقدمة السابقة،  وغاية ما عندهم هو الاعتماد على حكم المجامع المتقلب في تمييز الكتاب الإلهامي من المكذوب،  والاستشهاد بمطابقة كلام القدماء،  كما ستعرف ذلك من أشتات كلام المتكلف . " الوجه الثاني " أنه لا يتمكن معرفة رسالة الأنبياء السابقين وتعيين كتبهم الصادرة عن الوحي معرفة يقينية إلا بسبب إخبار رسول الله خاتم المرسلين،  والقرآن الذي هو كلام الله بواسطة دلالة العقل على صدق رسول الله بدعواه الرسالة،  وإن القرآن الكريم هو كلام الله العظيم،  فلو شككنا والعياذ بالله بالرسول والقرآن كما يريدون لم تبق لنا معرفة بنبي مرسل ولا اسم كتاب إلهامي فإن كتب العهدين بنفسها ووجوه مضامينها هي التي تصد عن الإذعان باتصال سندها وصحة تواترها وصدورها عن الوحي والإلهام،  وتمنع عن التصديق بنبوة

 

                                       صفحة 69

 

 أنبيائها والوثوق بنقل دلائل نبوتهم لو صححت نسبتها إليهم،  كم ستعرفه إن شاء الله من متفرقات كتابنا،  وخصوص ما يأتي إن شاء الله في بيان أنموذج النظر،  بل قلما يمر بك فصل إلا ويدلك إن شاء الله بأوضح دلالة على ما ذكرنا . وأيضا إن القرآن الكريم والعقل السليم يدلان بأوضح دلالة على أن في هذه الكتب شيئا كثيرا ليس من الالهام والوحي أصلا لمخالفتها لهما في أمور كثيرة مخالفة لا تقبل التأويل،  كما ستسمع تفصيل بعضه في محاله إن شاء الله،  وبذلك يسقط اعتبار مجموعها لو صحت نسبة المجموع إلى الوحي في الجملة . " الوجه الثالث " شهادة بعضها على بعض بالتحريف صريحا،  وإن حامى بعض النصارى عن ذلك وكتبوا في كتبهم قولهم متى حرفت ولماذا حرفت ؟ ومن حرفها ؟ ولأي غرض حرفها ؟ فمن جملة الشهادات ما في الثالث والعشرين من ارميا في خطاب الشعب 36،  أما وحي الرب فلا تذكروه بعد لأن كلمة كل إنسان تكون وحيه إذ قد حرفتم كلام الإله الحي رب الجنود الهنا،  هكذا ما اطلعنا عليه من التراجم العربية ونصه في النسخة العبرانية . ومساء يهوه . لا تزكروا . عودكي . همسا يهوه . لأيش . ووحى الله لا تذكروا بعد لأن وحي الله لرجل ديبارو وهفخيتيم ايت . كلامه وحرفتم . دبرى ايلوهيم حييم يهوه صيباؤت ايلوهينو كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا . وإن في ملاحظة ما ذكرناه من الأصل العبراني هاهنا والتراجم العربية لشهادة أيضا على وقوع التحريف،  وفي ثامن ارميا أيضا ( 8 ) كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا حقا أنه إلى الكذب حولها قلم الكتبة الكاذب،  ونصه في النسخة العبرانية . ايخاه توميروا حاخاميم انحنو وتوراة يهوه اتانوا أكم هنيه لشيقير كيف

 

                                       صفحة 70

 

 تقولون حكماء نحن وشريعة الرب معنا لكن هوذا للكذب عاساه عيط شيقير سوفيريم . صنعها قلم كذب الكتبة . وفي التاسع والعشرين من اشعيا ( 16 ) يا لتحريفكم،  ونصه في الأصل العبراني هافخيخيم . وفي الثالث من رسالة بطرس الثانية 16 كما في الرسائل كلها أيضا متكلما فيها عن هذه التي فيها أشياء عسرة الفهم يحرفها غير العلماء وغير الثابتين كباقي الكتب أيضا لهلاك أنفسهم،  وفيه شهادة بتحريف المعلمين للرسائل كما حرفوا سائر الكتب . ولا تظن أن هؤلاء المحرفين من الوثنيين لا اعتناء لهم بهذه الكتب ولا غرض لهم بتحريفها،  بل إنما هم المعلمون من اليهود،  والمنتصرين الذين يريدون بضلالهم أن يشوهوا تعليم الكتب فيحرفونها حسب أهوائهم . وفي أول غلاطية ( 6 ) إني أتعجب أنكم تنتقلون هكذا سريعا عن الذي دعاكم بنعمة المسيح إلى إنجيل آخر ( 7 ) ليس هو آخر،  غير أنه يوجد قوم يزعجونكم ويريدون أن يحولوا إنجيل المسيح . وفي آخر رؤيا يوحنا 18 و 19 قد شدد في الدعاء على من يزيد في نبوة كتابه أو ينقص منها . وفي فحوى كلامه شهادة بأن للتحريف حسب الهوى حينئذ طغيان مخوف . " الوجه الرابع " شهادة بعض كتب العهدين على البعض الآخر بالتحريف ضمنا وإشارة،  وهو أن التوراة في ثامن عشر التثنية من العشرين إلى الثانية والعشرين قد أعطت علامة لما ليس من كلام الله وما هو كذب على الله

 

ص 70 :

 

والوحي وأن في العهدين لكثير من هذا القبيل الذي يعرف بهذه العلامة أنه ليس من كلام الله ولا من الوحي والإلهام في شئ،  كما ستسمع بعضه إن شاء الله

 

                                       صفحة 71

 

 في المقدمة الثامنة في الفصل الرابع . " الوجه الخامس " هو أنه يوجد من نتائج الجميع بين مضامين العهدين موانع كثيرة من نبوة المسيح ورسالته وقداسته،  بل يلزم منهما شرك موسى وهارون وداود وأساف وسليمان والمسيح،  وكفر ارميا واستحقاق هؤلاء للقتل،  كما سيمر عليك في محاله إن شاء الله،  وأنهم لمقدسون عن مثل ذلك وكل ما يشين . " الوجه السادس " إنا قد وجدنا التبديل الصريح والتصرف الواضح في العهدين في التراجم والمطابع وهو لا يعدو القسيسين ورؤساء الدين،  فمن جملة ذلك أن في النسخة العبرانية في الثامنة من رابع التكوين ما تعريبه الحرفي وقال قايين لهابيل أخيه ولما صارا في الحقل قام قايين على هابيل أخيه فقتله . وكثير من المترجمين لما رأى أن جملة وقال قايين لهابيل أخيه :

 جملة فارغة عن المعنى ناقصة الفائدة لأجل احتياج القول إلى المقول ترجموها في مطابعهم هكذا . وكلم قايين هابيل أخاه فبدلوا القول بالتكلم لأجل ما يترائى في التكليم من الفائدة وجروا على هذا التبديل في أكثر ما رأينا من التراجم الفارسية وغيرها مع إن الأصل العبراني هكذا :

 ويامر فاين ال هبل احيو وقال قايين لهابيل أخيه ولو كان الأصل وكلم لقيل " ويدبر " . وبعضهم كصاحب الترجمة المطبوعة سنة 1811 م لما رأى التباين الكلي في اللغة العبرانية بين لفظ ما تعريبه " وقال " :

 ولفظ ما تعريبه " وكلم " حاول أن يتستر في تصرفه فذكر هكذا وقاول قايين هابيل أخاه . وبعضهم لما وجد النسخة السامرية واليونانية تامة الكلام والفائدة لا سقط فيها كما في العبرانية جعل ترجمة للعبرانية على طبقهما تصرفا وتقولا على العبرانية فذكر في الترجمة وقال قاين لهابيل أخيه تعال نخرج إلى الحقل . نقله في إظهار الحق عن التراجم القديمة والعربية المطبوعة سنة 1831 و 1848 م بعضهم زاد

 

                                       صفحة 72

 

 في الترجمة من تلقاء نفسه تتميما للمعنى منهم تومارابنسن القسيس في ترجمته للعبرانية بالفارسية المطبوعة في لندن بمطبعة رجارد واطس سنة 1829 م فقال ( وقايين هابيل برادر خود را گفت كه بيا ) فزاد من نفسه لفظ كه بيا،  ويلزم مما ذكرنا حدوث النقصان المخل في العبرانية وإقدام مترجميها على التبديل أو الزيادة لأجل تصحيحها فزادوا في الطنبور نغمة،  وأيضا في الأصل العبراني في الثالثة عشرة من ثاني عاموس ما نصه عن قول الله :

 هنيه انوخي ما عيق تحخيم كاشير تاعيق :

 ها هو أنا صار أواصر أو مضايق أو نحو ذلك تحتكم كما أو كالذي تصر أو نحو ذلك هاعغالاه حملا أه لاه عامير . العجلة الملآنة حزما أو حشيشا . وفي العربية المطبوعة سنة 1811 لأجل هذا ها أنا أتمرغ تحتكم كما تتمرغ العجلة المملوءة قصبا . ونقل في إظهار الحق عن ترجمة عربية مطبوعة سنة 1844 م موافقة العبرانية في مضمونها بما لفظها أنا ذا أصر تحتكم كما تصر العجلة المحملة حشيشا . وعن نسخة فارسية أيضا مطبوعة سنة 1838 م ( اينك من در زير شما چسبيده شدم چنانچه آرابه برازاقد چسبيده ميشود ) . ولما رأى كثير من المترجمين أن حقيقة مضمون هذا الكلام ومجازه بمكان من السخافة بدلوه في أكثر ما رأيناه من التراجم العربية إلى ما لفظه،  ها أنا ذا أضغط ما تحتكم كما تضغط العجلة الملآنة حزما،  ونحوها ما رأيناه من التراجم الفارسية . وأيضا قد زادوا على ترجمة العبرانية واليونانية ألفاظا اعترفوا بأنها ليس لها وجود في الأصل العبراني واليوناني،  وزعموا أنهم زادوها في الترجمة لأجل الإيضاح،  ورسموها بحرف صغير في بعض النسخ العربية المبنية على التأنق في طبعها مع أن الكلمات الكثيرة من ذلك بحيث يعسر إحصاؤها في هذه المقدمة كثرة لتأبى أن تكون أيضا حابل هي إتمام لمعنى ناقص أو زيادة على معنى تام

 

                                       صفحة 73

 

 فراجع الكلمات المذكورة في أولى النسخ التي عددناها،  وراجع الأصل العبراني واليوناني . ولنكتف في هذه المقدمة على هذا المقدار وإن كان قليلا من كثير ونحيل بالزيادة على ذلك إلى محالها إن شاء الله وسوف نورد فيما يأتي بابا واسعا إن شاء الله في هذه الشأن وندلك على سقوط المتكلف وغيره في تشبثاتهم وتكلفاتهم،  فإن وضع المقدمات لا يحتمل أكثر مما ذكرنا هاهنا وإن كان فيه كفاية بتوفيق الله لذي الرشد .

 

                                       صفحة 74

 

 المقدمة السابعة لا يخفى على كل ذي رشد ومعرفة بطريق البحث والمباحثة،  أن مباحثة أهل الدين والاعتراض على جامعتهم وأصل دينهم إنما يحسن ولا يعيد خبطا ومراوغة عن الحق إذا كان البرهان عليهم بالمقدمات المنتهية إلى بداية العقل أو المسلمة عند عمومهم،  وإذا كان الجدل والإلزام لهم بما يعلم أنه من الدين الذي عكفوا عليه والقدر الجامع بينهم لا بما كان رأيا أو رواية يختص به واحد أو

 

ص 74 :

 

آحاد من أهل ذلك الدين لا يفيد علما ولا يذعن عموم أهل الدين بصحته،  أو أنه من دينهم فإن تشبث خصمهم بمثل هذا في الاحتجاج على جامعتهم كان ذلك منه حيادا عن الحق لضعف الحجة وضيق الخناق،  ولأجل هذا لم أعتمد في هذا الكتاب في البرهان إلا على ما هو حقه من المقدمات البديهية لدى العقل والعقلاء،  ولم أجادل عموم النصارى وألزمهم في جامعة دينهم والنصرانية التي عندهم إلا بما تسالموا على إلهاميته وصدوره عن الوحي وهي كتب العهدين التي ذكرنا أنهم متفقون في هذه القرون على نسبتها إلى الوحي والإلهام،  وشرحنا أسماءها في المقدمة الأولى . ولم أباحثهم خبطا بآراء آحاد مفسريهم وعلمائهم أو آحاد تقاليدهم التي لا توجب في دينهم علما أو يأبى صحتها أغلبهم . ولكن هلم الخطب في جملة من المباحثين لدين الإسلام وخصوص الثلاثة الذين وعدناك بالتعرض لكلامهم في هذا الكتاب فإنهم قد دارت مباحثتهم للإسلام على قطبين فاسدين في شرع البحث وأدب الكاتب .

 

                                       صفحة 75

 

 " أحدهما " اعتمادهم في البرهان لدعاويهم في قبال الإسلام على كتب العهدين التي يدعون إلهاميتها وصدورها عن الوحي . وقد عرفت في المقدمة السادسة وتعرف إن شاء الله ما يبطل ذلك . وأن تشبثهم بها في قبال الإسلام والمسلمين مما لا يليق بالمباحث وإن لم يقصد ببحثه تحقيق الحق . " وثانيهما " أنهم تشبثوا في مقام الجدل لدين الإسلام وإلزام عموم المسلمين في جامعة دينهم بآراء بعض مفسريهم وروايات آحادهم مما لا يقبله عمومهم ولا يذعنون بصحته ولا يعتمدون عليه في جامعتهم الإسلامية،  أو ترى هؤلاء المباحثين لم يفطنوا أو لم يسمعوا بأنه عرض لروايات آحاد المسلمين مثلما قد عرض للأناجيل وتعاليم النصرانية بعد المسيح من الاختلافات والتشويش والاضطراب حتى تعددت الأناجيل واختلفت إختلافا واضحا وحتى تتابع النداء من أعمال الرسل والرسائل المدرجة في العهد الجديد بأن بطرس ويهوذا ويوحنا وبولس يستغيثون ويحذرون الأمة من التعاليم المتشبعة من المتنصرين،  كما ملأ سمعك في أواخر المقدمة السادسة،  وستسمع له زيادة إن شاء الله على أنه لم ينحصر الاختلاف في أخبار آحاد المسلمين بتعمد الكذب من بعض الوسائط بل كان منه ما نشأ من عدم التثبت والتفهم في السماع،  ومنه ما نشأ من خلل التوهم والنسيان،  ومنه ما كان لأجل اختفاء القرائن المتصلة والنقل بالمعنى،  ولأجل هذا ترى المسلمين لم يأخذوا بها جميعا على سبيل التسليم،  ولم يطمسوا الحقائق بالإعراض عنها رأسا،  بل تصدوا من قديم الزمان إلى الوقت الحاضر وصنفوا الكتب الكثيرة لمحض البحث والتنقيب في أحوال الرواة وجرحهم وتعديلهم وضبطهم وحفظهم وحسن سماعهم وأمانتهم وسلامة عقيدتهم واتصال السند وانقطاعه،  كل ذلك ليميزوا منها المتواتر باللفظ أو بالمعنى فيكون لهم حجة في أصول الدين وفروعه،  والذي لا يبلغ التواتر بحثوا فيه عن سند الرواية وشهرتها وقبول أساطين العلم لها وعدم اضطرابها أو مخالفتها للعقل أو الكتاب أو السنة ليعتمدوا في فروع الدين وأحكامه على ما اطمأنوا بصحته وصدوره على وجهه منها وما وجدوه مضطربا أو مخالفا للعقل أو

 

                                       صفحة 76

 

 الكتاب أو السنة ضربوا به الجدار في مقام العمل،  نعم لأجل اختلاف آرائهم في جهات الاطمئنان والوثوق على طبق القانون المذكور إختلفت فتاوى أئمتهم إذ قد يثق أحدهم بما لا يثق به الآخر،  فقد جرى دأب كل منهم على ما ينبغي للباحث الطالب للحق بجده واجتهاده من عدم التقليد لغيره في بيان الصحيح المطمئن الموثوق به ولو فرض أنه قررته عدة من المجامع بل كل منهم يبحث في هذا الشأن بحسب القواعد الممهدة له ليتميز بنظره واجتهاده ما هو الصحيح الموثوق به ولأجل مراعاتهم للقوانين المذكورة ترى المقبول المعمول عليه من أخبار الآحاد أقل قليل،  وأيضا قد جعلوا من الوجوه التي يعرف بها تخليط الرواي وفساد عقيدته ما يجدونه في روايته من مخالفة العقل أو الوجدان أو الأمور المعلومة أو الكتاب أو السنة . وأما أقوال المفسرين فمنها ما هو رأي لهم أو مؤدي أخذهم من السير والتواريخ التي لا تفيد علما،  وهذا لا حجة فيه على الجامعة الإسلامية ولا جدل أصلا كما بينا . ومنها ما كان رواية،  فالاحتجاج أو الجدل بها في أصول الدين وفروعه إنما يحسن ولا يعد خبطا ومرواغة إذ كان على القانون المتقدم ذكره في الرواية .

 

                                       صفحة 77

 

 المقدمة الثامنة في محل البحث من الرسالة والنبوة،  وفيها بابان وفيهما فصول :

 الباب الأول الفصل الأول منه في بيان حقيقة الرسول النبي المرسل هو إنسان كامل يرسله الله إلى البشر ليكلمهم ويهديهم إلى الصواب ويرشدهم إلى ما يحتاجون إليه في معرفة الله وطاعته والاحتراز عن معصيته ويحملهم على ما فيه حفظ كمالاتهم ومصالحهم الشخصية والنوعية في الدين والدنيا ويزجرهم عما يضرهم فيهما . الفصل الثاني في الغاية المطلوبة من إرساله

 

ص 77 :

 

لا ينبغي أن يشك ذو رشد بأن ما ذكرناه هو الغاية المطلوبة من إرسال الله للنبي . وتقريره بالبيان الواضح هو أن إرسال الله للنبي في دعوته رحمة من الله ولطف من ألطافه بمن يدعوهم النبي ليقربهم إلى طاعة الله ويبعدهم عن معصيته وينبههم من رقدة الغفلة وينقذهم من سورة الهوى والضلال ويحملهم على جادة الهدى ودين الحق وقوانين العدل وحسن التمدن والاجتماع وآداب السياسة لينالوا سعادة الدارين .

 

                                       صفحة 78

 

 الفصل الثالث في عصمته وأول ما يلزم في تحصيل هذه الغاية الشريفة والغرض الحميد وحصول هذا اللطف والرحمة أمران :

 " أحدهما " كون الرسول معصوما في التبليغ غير متهم فيه،  مع فرض رسالته . " وثانيهما " كونه معصوما عن الذنوب وارتكاب القبائح التي هي ضد لما يدعو إليه من شريعة الهدى والصلاح . " أما الأمر الأول " فقد اتفق عليه أهل الملل القائلون بالنبوة والرسالة لوجه أوضحته لهم بداهة عقولهم،  وليس حقيقته إلا تحصيل الغرض من الرسالة وقبح نقضه بإرسال الكاذب والمخطئ في التبليغ . " وأما الأمر الثاني " فحقيقة وجهه وحجته عين الوجه الأول وحجته وأن خالف فيه اليهود والنصارى فإنه يقبح ويمتنع من الله القادر القدوس الغني العليم الحكيم أن يجعل رحمته ولطفه في طريق يمنع عن فائدتهما ويصد عن منفعتهما،  مع إمكان أن يجعلهما في طريق لا يمنع عن حصول الغرض والفائدة ولا مفسدة فيه،  بل هو الناجح في تحصيل الغرض،  ولبيان ذلك وجوه :

 " الأول " إن إرسال النبي الذي يصدر منه الذنب والقبيح،  ومخالفة

 

                                       صفحة 79

 

 شريعة الحق ناقض للغرض المطلوب من إرساله،  ونقض الغرض قبيح ببداهة العقل ومنقصة فاضحة فهو ممتنع على الله،  فإن الوجدان ليشهد بأن نفوس البشر المحتاجة إلى الاستصلاح والترويض والإرشاد والتقريب إلى الله وشريعة الحق لتنفر نفرة شديدة عن الانقياد إلى من يدعوها إلى الله والشريعة ويعظها ويوبخها ويزجرها عن شهواتها إذا كان ممن يخالف الله والشريعة ويتمرد على أحكامها وينقاد إلى شهواته وهواه مع إدعائه المعرفة والرئاسة الدينية،  فلا تصغى إلى إرشاده ولا تعتني به،  فانظر بوجدانك إلى المذنب العاصي إذ جاءك واعظا ومرشدا مؤدبا زاجرا لك عن اتباع هواك،  فهل ينتج من إرشاده ووعظه وزجره إلا أن يستهزء به ويقال له :

 كمل نفسك واصلحها وارشدها ثم التفت إلى تكميل غيرك وإرشاده،  وحينئذ ادع عليه الرئاسة وفضيلة الإرشاد وسيطرة الزجر والتوبيخ . بل نقول :

 إن صدور الذنب والقبيح من الرسول الذي هو الرأس والرئيس والقدوة في الدين،  مؤيد ومحرك لدواعي سائر البشر إلى الإقدام على الذنوب والتهاون بالشريعة لشهادة الوجدان بأن رئيس الدين إذا أذنب هان على الناس اتباعه في الاقتحام في الذنوب،  وتحركت شهواتهم وأهواؤهم إليها وقد لهج الناس بقولهم الموافق للحكمة والتجربة " إذا فسد العالم فسد العالم "،  وعلى ذلك يلزم من صدور الذنب والقبيح ومخالفة الشريعة من الرسول حصول الفساد من الجهة التي أراد الله برحمته ولطفه منها الصلاح،  وحقيقة هذا ومعناه أن يريد الله الصلاح لأجل رحمته ولطفه بعباده من الجهة التي هي أشد وادعى في انتشار الفساد،  وهل يرتاب عاقل في قبح ذلك وامتناعه على الله جل شأنه . وانظر إلى الملوك فهل تراهم يرسلون إلى إصلاح رعاياهم المتمردة على شريعة المملكة إلا من يطمئنون بعدم مخالفته لتلك الشريعة وقوانين الإصلاح مهما أمكنهم لئلا تفسد الرعية بفساده،  ولو وجدوا إلى المعصوم سبيلا لما عدلوا عنه،  وذلك لعين ما ذكرنا من قبح نقض الغرض،  فهل ترى الملوك أنظر لصلاح رعاياهم من الله لعباده . " الوجه الثاني " إن إرسال الله للرسول المعصوم ممكن وحاجة الخلق في الاهتداء إلى الحق وظهور الصلاح والانقياد إلى الرسول وعدم التنفر عنه داعية

 

                                       صفحة 80

 

 إلى ذلك وهو مصلحة بلا مفسدة بل المفسدة بخلافه فيجب بمقتضى الحكمة والرحمة واللطف فيمتنع إرسال غير المعصوم،  أفيقال أن وجود المعصوم غير ممكن ؟ أو أن الله لا يعلم به ؟ أو أن لا مصلحة في إرسال المعصوم ؟ وأن في إرساله مفسدة ؟ أو أنه يجوز على الله القدوس الغني العليم الحكيم الاخلال بالحكمة والعدول عبثا عما فيه الصلاح وحصول الغرض إلى ضده حاشا وكلا ؟ . " الوجه الثالث " دلالة الكتب المنسوبة بين المليين إلى الوحي والإلهام بنحو يشير بمضمونه أو فحواه إلى ما ذكرنا من وجه دلالة العقل قال الله تعالى في سورة البقرة 118 ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) وفاعل القبيح ظالم إذ لا أقل من كونه ظالما لنفسه بإلقائها في تهلكة العقاب ورذيلة فعل القبيح،  قال الله تعالى في سورة فاطر 29 :

 ( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق في الخيرات ) . وفي سابع عشر التكوين " 1 " ظهر الله لابرام وقال له :

 أنا القدير سر

 

ص 80 :

 

أمامي وكن كاملا فاجعل عهدي بيني وبينك فإن جعل الله للعهدين بينه وبين إبراهيم متوقف على سير إبراهيم أمام الله،  وكونه كاملا،  وفي المزمور الخامس والعشرين " 14 " سر الرب لخائفيه . وفي الثالث من الأمثال " 32 " لأن الملتوي رجس عند الرب،  أما سره فعند المستقيمين . وفي الحادي عشر " 20 " كراهة الرب ملتووا القلب ورضاه مستقيموا الطريق . وفي الخامس عشر أيضا " 29 " الرب بعيد عن الأشرار،  وفي ثالث رسالة بطرس الأولى " 22 " لأن عيني الرب على الأبرار وأذنيه إلى طلبتهم،  ولكن وجه الرب ضد فاعلي الشر . وفي خامس متى عن قول المسيح لتلاميذه " 13 " أنتم ملح الأرض ولكن إن فسد الملح فبماذا يملح لا يصلح بعد لشئ إلا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس . وفي رابع عشر لوقا " 34 " ما يؤدي هذا المضمون،  وفي سادس متى " 24 " لا يقدر أحد أن يخدم سيدين لأنه إما أن

 

                                       صفحة 81

 

 يبغض الواحد ويجب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر لا تقدرون أن تخدموا الله والمال ومثله في سادس عشر لوقا " 13 " . وعلى هذا كيف إذا يقدر على خدمة الله ومعاناة المشاق في إرشاد خلقه وإصلاحهم من لا رادع له عن خدمة الهوى والشهوات التي هي في الحقيقة خدمة الشيطان . وفي سادس عشر لوقا " 10 " الأمين في القليل أمين أيضا في الكثير،  والظالم في القليل ظالم أيضا في الكثير . وقد تكرر نقل هذا المضمون عن المسيح بلطيف البيان والتقريب في الخامس والعشرين من متى " 14 - 30 " . وتاسع عشر لوقا " 12 - 27 " وفي ثامن يوحنا في شأن إبليس " 44 " لأنه كذاب وأبو الكذاب . وفي ثامن عشر متى " 1 - 5 " وثاني مرقس " 23 - 26 " وسادس لوقا " 1 - 4 " إن المسيح لما اعترض عليه اليهود بأكل تلاميذه في يوم السبت من الزرع وأنه لا يجوز فعل مثله في السبت،  احتج عليهم بأكل داود من خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة فلو لم يكن النبي معصوما،  وأن داود برئ مما رمى به في شأن امرأة أوريا لما صح من المسيح الاحتجاج بفعله ولكان يحاذر أن يجيبه اليهود بأن داود أذنب وفعل الخطيئة في أكله من خبز التقدمة كما أخطأ في شأن امرأة أوريا وفعل ذلك القبيح الشنيع .

 

                                       صفحة 82

 

 الفصل الرابع في ذكر الاعتراضات على هذا المقام وأجوبتها في تحقيق الحق وكشف الالتباس فإن قيل :

 إن كتب المليين المنسوبة إلى الوحي والإلهام لصريحة في صدور المعصية والذنوب والقبائح من الأنبياء المرسلين . قلنا :

 وهل بعد دلالة العقل وما ذكرناه عن الكتب المنسوبة إلى الإلهام والوحي تجد مجالا للريب،  فإنا إن لم نتمسك بهدى العقل فبماذا نعرف أن الكتاب كتاب وحي جاء به النبي المرسل من عند الله،  ولماذا نتغافل عما ذكرنا عن الكتب من وضوح الدلالة على عصمة النبي مما يؤكد ببيانه الجلي حكم العقل البديهي . فإن قيل :

 فماذا نصنع بما أشرنا إليه مما يدل صريحا على صدور المعصية والذنب من الأنبياء المرسلين . " قلنا " :

 أما ما أمكن حمله على المعصية المجازية التي هي عبارة عن ارتكاب خلاف الأولى ومخالفة الأمر الاستحبابي والارشادي،  أو النهي التنزيهي أو الارشادي فيجب حمله على ذلك لأجل قرينة العقل والنقل وحكمهما بالعصمة كما يحمل ما جاء في الكتب المذكورة من نسبة الوجه والعين والأذن والأنف واليد والرجل والقدم وباطن القدمين والضحك والركوب والطيران لله جل شأنه على معان مجازية مناسبة لأجل حكم العقل بتنزهه تعالى شأنه عن الجسم،  وأما ما لا يمكن حمله على ما ذكرنا فإن العقل الذي هو دليلنا على معرفة الله والنبي والوحي

 

                                       صفحة 83

 

 يدلنا على أن ذلك أجنبي عن الوحي والإلهام وإنما هو من فلتات الأقلام . فإن قيل :

 إن أهل الكتاب يدعون أنه لا ريب في الإلهامية كتبهم المصرحة بصدور الذنوب والمعاصي العظيمة من الأنبياء فهم لأجل ذلك يتأولون ما دل على لزوم عصمة النبي من كتب الالهام ويمنعون ما اعتمدتم عليه في العصمة من دلالة العقل . قلنا :

 أولا قد طرق سمعك وسيتواتر عليك إن شاء الله من بيان هذا المختصر ما يمنحك اليقين بأن الكثير من كتبهم أجنبي عن الوحي والإلهام فلا يوثق بشئ منها في كونه إلهاميا،  فضلا عن مصادمته للعقل والنقل في هذا المقام . " وثانيا " إن ما اعتمدنا عليه من دلالة العقل قد بلغ من البداهة إلى حد تلجئهم فيه الفطرة إلى الاعتماد عليه فينطلق به لسانهم أحيانا من قيود العصبية،  فإن المتكلف وهو أقل من عرفناه إنصافا وأشد عصبية قد قال :

 ( يه 3 ج ص 72 ) إن الأنبياء هم أناس أرسلهم المولى سبحانه وتعالى إلى شعبه لإرشادهم إلى الحق اليقين وهدايتهم إلى الصراط المستقيم فكانوا حصنا منيعا من الحاد الملوك والأمراء وواقيا لشر الفجار،  وكانوا قدوة حسنة للصغير والكبير والخطير والحقير . وهذا اعتراف منه بمقتضى الجاء الفطرة بالغاية المطلوبة من إرسال الأنبياء . وقال أيضا ص 73 :

 ويلزم أن يكون النبي تقيا خائفا لله سليم الفطرة

 

ص 83 :

 

والفكرة ليستأمنه المولى على أقواله وليوحي إليه إرادته ومشيئته ويأمره بأن يبلغها للورى فيسمع طائعا . وهذا اعتراف منه بلزوم عصمة الأنبياء خصوصا عن مثل ما نسبته إليهم كتب العهدين من فواضح القبائح كما سيمجه سمعك إن شاء الله في الفصول الآتية في الباب الثاني من هذه المقدمة . وأيضا قد تكرر من المتكلف في أجزاء كتابه تبعا لأمثاله سئ الطعن

 

                                       صفحة 84

 

 بقدس رسول الله خاتم المرسلين صلوات الله عليه بنسبة المعصية والذنب له لأجل أن يتشبثوا بوهم ذلك لنفي رسالته صلوات الله عليه،  وعدم صلاحيته لها،  مع أن ما نسبوه له لو تساهل معهم الامتناع في فرضه لم يبلغ مبلغ ما نسبته كتبهم لموسى وهارون وداود وسليمان وارميا والمسيح قدست أسرارهم . دع اعتراف المتكلف وأمثاله فإني قد أوضحت الحجة على العصمة بفضل الله لأهل هذه الأدوار السعيدة الذين حرروا أذهانهم من عبودية العصبية والتقليد،  وجعلوا قول الحق ضالتهم التي يطلبونها هداهم الله إلى الحق وأخذ بأيديهم في مزال الأقدام . وقد قال الله تعالى شأنه في سورة العنكبوت 69 ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) . وثالثا :

 إن أهل الكتاب قد اتفقوا على الاعتراف والتسليم بلزوم عصمة الأنبياء في التبليغ،  وحجتهم في ذلك ليست إلا نحو ما ذكرنا من دليل العقل في رعاية الغاية المطلوبة من الرسالة وماذا تراهم يصنعون في ما ورد في كتبهم التي ينسبونها إلى الوحي والإلهام من نسبة بعض الأنبياء إلى الكذب في تبليغ الوحي على وجه الصراحة التي لا يحوم حولها مقبول التأويل،  أتراهم يعدلون عن دليل العقل ويقولون بكذب النبي في التبليغ تعبدا بما في كتبهم أم يعترفون بأن ما ينادي بصراحته بكذب الأنبياء في التبليغ ليس من الوحي والإلهام بل هو مدسوس فيه،  ولئن غفلوا عن ذلك أو تغافلوا أو حاولوا الاغفال فإن رقيب الحق لا بد أن يحصيه عليهم . فقد ذكر في الثالث عشر من الملوك الأول " 11 - 30 " أن الشيخ النبي الساكن في بيت ايل الموصوف " 20 - 22 " بأنه كان إليه كلام الرب للتبليغ قد كذب على شمعيا رجل الله بدعوى الوحي وتكليم ملاك الرب له حتى حمله بكذبه على الله وعليه،  وخداعه بدعوى الوحي على مخالفة أمر الله وأوقعه في هلكة النكال . ومن الظرائف أن مترجم الترجمة العربية المطبوعة سنة 1811 م حاول أن

 

                                       صفحة 85

 

 يجعل هذا النبي الساكن في بيت ايل من الكاذبين في أصل دعوى النبوة وأنه لا حظ له في الوحي والنبوة الحقيقية لأجل أن يتخلص من الاعتراض عليهم بكذب النبي الحقيقي في التبليغ فحرف الفقرة العشرين من ثالث عشر الملوك الأول المذكورة وترجمها هكذا . وبينما هما جالسان على المائدة يأكلان حتى وردت نبوة من عند الله إلى نبي الله الذي رده النبي الكاذب . مع أن مقتضى الأصل العبراني والكثير من التراجم العربية وغيرها هو أن كلام الله الوارد في توبيخ رجل الله الذي جاء من يهوذا قد صار إلى الشيخ النبي الساكن في بيت ايل الذي كذب على رجل الله . ونص الأصل العبراني هكذا :

 ويهيهم . يشبيم . ال هشلحن . ويهيي . دبر . يهوه . ال . هنبئ . وكانا جالسين إلى المائدة وكان كلام الله إلى النبي أشير . اشيبو ويقرأ . ال ايش . هألوهيم . اشير باء ميهوده . لأمر الذي رده ودعا رجل إلا هنا الذي جاء من يهوذا قائلا كه . أمر . يهوه يعن كي مريت في يهوه . هكذا قال الله أداة تعليل أيضا عصيت فم أي قول وما في معناه الله . إلى آخر التوبيخ لرجل الله وهو ينادي بأن هذا الوحي والنبوة قد كان إلى النبي ساكن في بيت ايل فزاد هذا المترجم على الأصل العبراني لفظ يأكلان،  ولفظ النبي الكاذب وبدل المعنى إلى ما شاء . هذا وأن اليشع الرسول الذي ذكرت له المعجزات الباهرات في ثاني الملوك الثاني وما بعده إلى التاسع والثالث عشر قد ذكر عنه في الثامن من الملوك الثاني " 7 - 11 " أن بنهدد ملك آرام إذ كان مريضا أرسل حزائيل ومعه حمل أربعين جملا من كل خيرات دمشق هدية إلى اليشع النبي ليسأله حزائيل عن لسان بنهدد فيخبره اليشع بواسطة الوحي هل يشفى من مرضه ( 10 ) فقال له اليشع :

 وقل له شفاء تشفى وقد أراني الرب إنه موتا يموت . وقال اشعيا في شأن بعض الأنبياء :

 أنهم ضلوا بالخمر وابتلعتهم وتاهوا

 

                                       صفحة 86

 

 من المسكر حتى ضلوا بالرؤيا وقلقوا في القضاء " اش 28 :

 7 " . ومن الواضح أن ضلال النبي في الرؤيا التي هي نبوته مستلزم للكذب في التبليغ بل نقول :

 إن ضلال النبي في النبوة أولى بعدم الجواز من الكذب في التبليغ،  وأن قلقه في القضاء الذي هو عبارة عن تبليغ حكم الله للمتخاصمين إنما هو الكذب والخطأ في التبليغ . وأن حزقيال الرسول قد ذكر عنه في السادس والعشرين من حزقيال " 7 - 13 " أنه ذكر عن قول السيد الرب أنه يجلب على صور نبوخذ راصر ملك بابل فيهدم أبراجها ويقتل شعبها بالسيف،  وينهبون ثروتها ويغنمون تجارتها ويهدون

 

ص 86 :

 

أسوارها ويهدمون بيوتها البهيجة ويضعون حجارتها وخشبها وترابها في وسط المياه . وقد ذكر بعد هذا في التاسع والعشرين " 17 - 21 " عن كلام الرب ما يدل على أنه لم يقع مقتضى الوعد السابق وأن نبوخذ راصر ملك بابل استخدم جيشه خدمة شديدة على صور،  ولم تكن له ولا لجيشه أجرة من صور لأجل خدمته التي خدم بها عليها،  لذلك هكذا قال السيد الرب ها أنا أبذل له أرض مصر فيأخذ ثروتها وينهب غنيمتها فتكون أجرة لجيشه بل أعطيته أرض مصر لأجل شغله الذي خدم . " فإن قلت :

 " إن المتكلف قد ذكر يه 2 ج ص " 144 - 147 " عن التواريخ ما يقتضي صدق النبوة الأولى والثانية . قلت :

 قد رأينا اعتماده في ذلك على نقل الكتابيين مثل يوسيفوس وبريدو . وجيروم . أن نبوخذ راصر استولى على صور كما في النبوة الأولى ولكن لو سامحناه في صحة هذا النقل وما تكلفه في هذا المقام لكان فيما ذكره شهادة صريحة كافية في كذب هذه النبوة المتضمنة لكون نبوخذ راصر وجيشه ينهبون ثروة صور ويغنمون تجارتها " حز 26 :

 12 " فإنه اعترف لإصلاح النبوة الثانية " حز 29 :

 18 " بأن نبوخذ راصر لم يجن من صور فوائد تذكر وأن ثروتها نزفت من طول الحصار .

 

                                       صفحة 87

 

 ونقل عن جيروم ما حاصله أن أهل صور لما رأوا طول الحصار نقلوا كل ما كان ثمينا من ذهب وفضة وثياب وكل ما عند أشرافهم من الأمتعة الثمينة إلى المراكب وذهبوا به إلى الجزائر،  فلما فتحها نبوخذ راصر لم يجد فيها شيئا يقوم مقام أتعابه،  إنتهى انظر إلى " يه 2 ج ص 145 س 16 - ص 146 س 2 " . فأين صار مع ذلك دعوى النبوة وتبليغ الرسول بأن نبوخذ راصر وجيشه ينهبون ثروة صور ويغنمون تجارتها،  وأين تكون التجارة المغتنمة مع حصار ثلاثة عشر سنة،  ونزوف الثروة ونقل الذهب والفضة والأمتعة الثمينة إلى الجزائر . وحاصل ما عند المتكلف في هذا المقام هو أن الرسول لم يكذب في تبليغه بكل ما قال في شأن صور،  وإنما ظهر الكذب في أمرين لم يقعا وهما نهب ثروتها وغنيمة تجارتها والكذب بهذين الأمرين سهل وإن كانا هما العمدة في هذا المقام،  فإن باقي النبوات ها هنا قد تمت بفضل الله على ما يقول يوسفيوس وأمثاله . وأن المسيح قد ذكر عنه في ثاني عشر متى " 38 " حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين :

 يا معلم نريد أن نرى منك آية " 39 " فأجاب وقال لهم :

 جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي " 40 " لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال انتهى . وأن الأناجيل الأربعة لتكذب هذا الكلام في أمرين :

 " الأول " ما عن قول المسيح جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له إلا آية يونان النبي فإنه يكذبه ما ذكره متى بعد ذلك من وقوع الآيات والمعجزات من المسيح " مت 14 :

 4 - 36 و 15 :

 28 - 32 و 17 :

 1 - 6 و 14 - 19 و 20 :

 29 - 34 و 21 :

 19 و 27 :

 45 و 51 - 55 " ونقل لوقا هذا الكلام عن المسيح أيضا " لو 11 :

 29 " وأنه ليكذبه بما ذكره بعد ذلك من وقوع الآيات والمعجزات " لو 13 :

 11 - 14 و 14 :

 2 - 5 و 17 :

 11 - 15 و 18 :

 35 - 43 و 22 :

 50 و 51 " . وأيضا في ثامن مرقس 11 فخرج إليه الفريسيون وابتدأوا يحاورونه طالبين

 

                                       صفحة 88

 

 منه آية من السماء لكي يجربوه 12 فتنهد بروحه وقال :

 لماذا يطلب هذا الجيل آية الحق ؟ أقول لكم لن يعطي هذا الجيل آية،  وأنه ليكذبه بما ذكره بعد ذلك من الآيات والمعجزات " مر 8 :

 13 - 20 و 22 - 26 و 9 :

 2 - 5 و 14 - 28 و 10 :

 46 - 52 و 11 :

 13 و 14 " . ويكذبه أيضا ما ذكره يوحنا من إحيائه لعازر من الموت " يو 11 "،  وقد كان ذلك في أواخر أمر المسيح قريب الفصح الذي هجم به اليهود عليه " انظر يو 12 و 13 " . ويكذبه أيضا ما ذكر في أعمال الرسل أيضا من ظهور المعجزات والآيات من الرسل لليهود " انظر أقلا إلى أوائل الثاني والثالث من الأعمال وخصوص الثالثة والأربعين من الثاني " . على كل حال لا ينفك القائلون بكون الأناجيل والأعمال كتب وحي وإلهام عن لزوم كذب الرسول على الوحي لأنه كان الكلام المنسوب للمسيح صادقا لزم كذب الرسل متى . ومرقس . ولوقا . ويوحنا . على الوحي فيما ذكروا وقوعه بعد ذلك من الآيات وإن صدقوا في ذلك فالعكس . الأمر الثاني :

 قوله هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال فإنه يكذبه ما في آخريات الأناجيل الأربعة من أن المسيح أنزل عن الصليب مساء يوم الجمعة عند استعداد اليهود للسبت ووضع في القبر والسبت يلوح وقام من القبر حيا في صبح الأحد فلم يكن بقاؤه على هذا في قلب الأرض إلا ليلتين ويوما تاما وجزئين قليلين من يومين " انظر مت 27 :

 57 - 63 و 28 :

 1 ومر 15 :

 42 و 16 :

 1 و 2 ولو 23 :

 53 و 54 و 24 :

 1 ويو 19 :

 31 و 42 و 20 :

 1 " فاختر أي الأمرين يكون كذبا في التبليغ أو

 

ص 88 :

 

نقول :

 إن الكذب من متى الرسول بقوله ثلاث ليال أو يقال إنه زيادة وتحريف في إنجيله وليست من وحيه . قلنا :

 كيف وإنجيله متواتر النقل بزعم النصارى ولم يوضع على هاتين الكلمتين حتى الآن علامة اختلاف النسخ،  ومن الظرائف أن المتكلف قد أطال

 

                                       صفحة 89

 

 الكلام وجهد في التكلف " يه 2 ج ص 215 - 218 " فلم يقدر أن يتكلف إلا بدعوى توجيه إسم الثلاثة أيام على اليوم التام هو يوم السبت،  والجزئين القليلين من اليومين المحيطين به وهما آخر يوم الجمعة وأول يوم الأحد ولكنه لم يستطع ولن يستطيع هو ولا غيره أن يتشبث بحيلة لتدبير أمر الثلاث ليال وإن صرف الكلام عنها إلى الثلاثة أيام مع أن الجزء الأخير من يوم الجمعة والجزء الأول من يوم الأحد لا يصلح كل منهما لقلته المقاربة للعدم أن يعبر عنه باليوم حتى يقال ثلاثة أيام " انظر لو 24 :

 1 ويو 20 :

 1 " . وعن بولس الرسول العظيم عند النصارى في خامس عشر كورنتوش الأولى بعد ذكر قيامة الأموات وبيان كيفيتها والبرهان على إمكان وقوعها ما لفظه " 51 " ذو ذا سر أقوله لكم لا نرقد كلنا ولكن كلنا نتغير،  وعن النسخة اليونانية كلنا لا نرقد " 52 " في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير فإنه سيبوق ويقام الأموات عديمي فساد ونحن نتغير . وعنه في رابع تسالونيكي الأولى " 15 " فإنا نقول لكم هذا بكلمة الرب إننا نحن الأحياء الباقين إلى مجيئ الرب لا نسبق الراقدين " 16 " لأن الرب نفسه يهتف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أولا " 17 " ثم نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء،  وهكذا نكون كل حين مع الرب . وليت شعري أين هذا الوعد السري لأهل كورنتوش،  وأين ما قيل بكلمة الرب لأهل تسالونيكي أو ليس قد رقدوا جميعا هم وبولس رقدة طحنهم فيها البلاء وتداولت عليها القرون . وقد أطال المتكلف " يه 2 ج ص 226 - 230 " في محاولة التخلص من هذه الورطة وكثر بالشواهد التي لا دخل لها بخياله،  وخلاصة ما يتشبث به هو أن قول بولس . نحن . ونرقد . ونرقد . وكلنا . ونتغير . وإننا . ونحوها مما هو للمتكلم لا يراد منه إلا الأحياء الموجودين عند القيامة ولو بعد آلاف من السنين لا يكون فيهم بولس المتكلم و الحاضرون من أهل كورنتوش وتسالونيكي فنقول له :

 أيجوز أن يكون كلام الوحي وبيان الرسل وكشفهم للناس عن أسرار

 

                                       صفحة 90

 

 لملكوت والمعارف النظرية جاريا على غير مجرى كلام العقلاء في محاوراتهم وعلى وجه يعد فيه غلطا في بيان المراد،  فمن هم الذين عناهم بقوله لا نرقد كلنا أو كلنا لا نرقد ولكن كلنا نتغير . وكذا قوله :

 ونحن نتغير،  أترى يصح في الكلام أن يكون المتكلم خارجا عن الحكم في هذه الأخبار،  ويصح للمتكلم أن يقول :

 نحن الأحياء الباقين إلى مجيئ الرب وهو والحاضرون ليس منهم . وأما الاستشهاد المتكلف " يه 2 ج ص 227 س 10 " بقوله عليه الصلاة والسلام :

 نحن معاشر الأنبياء لا نورث،  وقولهم نحن العرب نكرم الضيف فإنما هو خلط وتشبث واه . أفلا ترى أنه لا يصح في الكلام لمن لا يصف نفسه بالنبوة أن يقول نحن معاشر الأنبياء،  وكذا لا يصح للعجمي أن يقول :

 نحن معاشر العرب،  ولنفرض المثال على نهج المثل لا فنفرض الحكم بعدم التوريث من الآثار الخاصة بالمتصف بالنبوة عند موته وفي أوان ثبوت الحكم،  ولا يثبت لمن كان في أوان الحكم منسلخا عن وصف النبوة،  كما أن عدم سبق الراقدين والاختطاف في السحب من الآثار الخاصة بمن كان حيا حين القيامة ولا يثبت لمن كان في أوان القيامة منسلخا عن ذلك . وعلى هذا فهل يصح أن يقول :

 نحن معاشر الأنبياء لا نورث إلا من يريد إدخال نفسه في موضوع الحكم وهم الأنبياء المتصفين بالنبوة في أوان الموت وتعلق الحكم دون من يفرض انسلاخه عن وصف النبوة في أوان تعلق الحكم وقبله بمدة . وأما قولهم نحن معاشر العرب نكرم الضيف،  فمن المعلوم أنها قضية نوعية غالبية لشهادة الوجدان بأن منهم من لا يكرم الضيف فلا تقاس عليها كلمات بولس التي هي قضايا كلية لاستيعاب الأفراد . ومع ذلك لا يصح،  بل يقبح ويستهجن من العربي البخيل الذي لا يكرم الضيف .

 

                                       صفحة 91

 

 قوله نحن معاشر العرب نكرم الضيف ولقد ألجأنا إلى هذا التعمق بيان الخلط في الأمثلة وإعطاء بعض القارئين حقهم من اكتشاف الحقائق بالتحقيق،  وحيث اتضح لك الخلف في هذه المواعيد المنقولة عن حزقيال والمسيح وبولس كان ذلك من الكذب في التبليغ عن الله بحكم التوراة،  ففي الثامن عشر من التثنية " 20 " . وأما النبي الذي يطغى فيتكلم باسمي كلاما لم أوصه أن يتكلم به،  أو الذي يتكلم باسم آلهة أخرى فيموت ذلك النبي " أي يقتل " " 21 " . وإن قلت في قلبك كيف نعرف الكلام الذي لم يتكلم به الرب " 22 " فما تكلم به النبي باسم الرب ولم يحدث ولم يصر فهو الكلام الذي لم يتكلم به الرب بل يطغيان تكلم به النبي انتهى .

 

ص 91 :

 

ولو خلع الناس العذار بالتأويل بمثل ما تكلفه المتكلف في مثل هذه المقامات لما عرف كذب خبر من الأخبار ولبطلت علامة التوراة على كذب مدعي النبوة على الله في التبليغ وكانت لغوا فإنه يمكن للسان المتغلب على الجنان والوجدان أن يتلاعب في كل كلام بمثل هذه التأويلات . وإذا وعيت ما ذكرنا فماذا ترى أهل الكتاب يقولون أفتراهم يرجعون عما سلموه من دليل العقل على عصمة النبي في التبليغ ويقولون :

 إن النبي الساكن في بيت ايل . واليشع . وحزقيال . والمسيح . وبولس ومتى ومرقس . ولوقا . ويوحنا،  رسل حق،  ولا يضر في ذلك وقوع الكذب منهم في التبليغ،  أم يقولون :

 إن هذا الذي نسب في العهدين إلى هؤلاء مما يلزم منه الكذب في التبليغ عن الله مكذوب عليهم مدسوس في الكتب الإلهامية .

 

                                       صفحة 92

 

 الباب الثاني من المقدمة الثامنة في تحقيق الحال في نسبة المعاصي والذنوب إلى الأنبياء في الكتب المنسوبة إلى الالهام وما ينبغي أن يقال في ذلك،  وفي هذا الباب أيضا فصول :

 

 

                                       صفحة 93

 

 الفصل الأول في ذكر آدم وما يقال في شأنه أما نبوته ففي القرآن الكريم بقوله تعالى في سورة آل عمران " 31 " ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ) . وأما ما جاء في شأنه فقد قال الله تعالى له كما في سورة البقرة " 33 " ( يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) " 34 " فأزلهما الشيطان عنها . وفي سورة طه 119 ( وعصى آدم ربه فغوى ) . فنقول :

 إن النهي قد يكون مولويا تحريميا يستحق مخالفة الذم والعقاب على مخالفة مولاه التي هي المعصية القبيحة،  وقد يكون مولويا على وجه الكراهة والتنزيه مرخصا في مخالفته التي تسمى أيضا معصية إما مجازا وإما لأن اسم المعصية أعم منها ومن مخالفة النهي التحريمي القبيحة . وقد يكون إرشاديا كنواهي الطبيب للمريض التي لا يترتب على مخالفتها إلا الوقوع في المشقة التي أرشد إلى التجنب عنها بالنهي،  ولا يترتب على هذا النهي من حيث مخالفة المولى ذم . ولا عقاب . ولا لوم . ولا قبح وإنما اللوم على إلقاء النفس في المشقة التي أرشد بالنهي إلى اجتنابها،  وتسمى هذه المخالفة أيضا معصية إما مجازا وإما لأن اسم المعصية أعم منها ومن القسمين الأولين من المخالفة .

 

                                       صفحة 94

 

 وحينئذ فدلالة العقل والنقل على عصمة النبي تكون قرينة على أن المراد من معصية آدم هي مخالفة النهي التنزيهي الكراهي أو النهي الإرشادي ومما يرشد إلى كون النهي لآدم إرشاديا قوله تعالى في سورة طه 115 :

 ( يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى ) 116 ( إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى ) 117 ( وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى ) . فإن التحذير والتخويف لآدم من عداوة إبليس بإخراجه من راحة الجنة ونعيمها إلى التعب والجوع والظمأ ومقاساة شقاء العيش ليرشد ويقرب إلى الذهن إن هذه هي العاقبة المحذورة من عداوة إبليس لآدم لإيقاعه في قبح مخالفة نهي الله التحريمي ووبال ذنب المعصية وغضب الله . ولو كانت هذه الأمور الأخيرة هي العاقبة المحذورة لكان ذكرها أنسب بالتحذير وأدخل في الزجر عن المنهي عنه،  وأتم في الحجة والبيان . وقد يشهد له قوله تعالى في سورة البقرة 34 :

 ( فأزلهما الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه ) حيث لم يقل جل شأنه :

 فأزلهما الشيطان فأوقعهما في قبح المخالفة والذنب واستحقاق عقاب الله وغضبه . ولو كان ذلك لازما لكان أولى بالذكر . ومن هذا النحو من التحذير المذكور في القرآن ينكشف أن وصف آدم بالظلم والغواية في أكله من الشجرة إنما هو لاغتراره بقول إبليس وظلمه لنفسه بسبب إخراجها من نعيم الجنة إلى شقاء التعيش وعنائه،  لا بسبب إيقاعها في عقاب التحريم وغضب المخالفة لله،  فليس من الظلم القبيح الذي يمنع من نيل عهد الله كما تقدم في دلالة القرآن على العصمة . وأما قوله تعالى حكاية عن آدم وحوا في سورة الأعراف 22 :

 ( ربنا إننا ظلمنا أنفسنا فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )،  فقد بينا وجه ظلمه نفسه،  وأنه ليس من نحو ظلم النفس بإيقاعها في قبح الذنب ونكال العقاب . وأما طلب المغفرة وحصول الخسران بعدمها فلا ينافي ما قدمنا ولا يلزم منه

 

                                       صفحة 95

 

 الوقوع في الحرام،  لأن العبد العارف خصوصا إذا كان من الأنبياء ليود أن تكون كل أفعاله وتروكه موافقة لأمر الله ونهيه سواء كانا على جهة الحتم أو الرجحان أو الإرشاد،  فإن اتفق وقوعه في متابعة الميل الإنساني بغير المعصية القبيحة وجد في نفسه أنه قد خسر الفوز في المرتبة المرغوبة له وحاد عن جادة الصديقين وزل عن مقام المقربين فيفزع إلى الله مولاه في طلب المغفرة والرحمة والتوبة ليعود ببركتها إلى مقامه الرفيع . كما نفزع نحن معاشر عبيد العصا إلى التوبة عند ارتكاب الذنب العظيم

 

ص 95 :

 

لأجل التخلص من العقاب ونكال الغضب،  وعلى مثل ما ذكرنا جاء قوله في سورة البقرة ( فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ) . وأما قوله تعالى في سورة الأعراف 189 ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين ) 190 ( فلما آتيهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتيهما فتعالى الله عما يشركون )،  فإن نسبة الشرك فيه لآدم مبنية على ما يذكره بعض المفسرين من قصة تسمية آدم وحوا لولدها بعبد الحارث " أي إبليس " إجابة لاقتراحه ذلك عليهما . وأن سوق الآيات ليأبى ذلك فإنها لو كانت واردة على هذه القصة لكان الذي ينبغي أن يقال فيها فلما أتاهما صالحا جعلا له شريكا فيه فتعالى الله عما يشركان،  لأنه لم يكن الشريك بحسب القصة إلا واحدا وهو الحارث " إبليس "،  ولم يكن المشرك بحسبها إلا اثنين وهما آدم وحوا،  وبحسبها أيضا لا يعرف الوجه الصحيح في العدول عن قوله تعالى،  فيه إلى قوله تعالى،  فيما أتاهما . مع أنه قد جاء عن الرضا وهو الإمام الثامن من أهل البيت الذين هم أحد الثقلين اللذين لا يفترقان،  ولا يضل من تمسك بهما في تفسير الآية ما معناه أن المراد بالصالح هو نوع الذرية التامة الخلقة على أحسن التقويم لا خصوص ولد واحد فلما أتاهما صالحا من الذرية المشتملة على صنفين ذكرانا وإناثا جعل ذلك الصنفان من الذكران والإناث لله شركاء من الأصنام وسائر المخلوقات التي

 

                                       صفحة 96

 

 جعلوها بضلالهم آلهة مع الله فيما آتاهما من النعم والأموال والأولاد وغيرهما فقال جل شأنه بحسب كثرة المعنى المراد من الصالح والضمير المثنى اللذين هما عبارة عن صنفي الذكور والإناث " فتعالى الله عما يشركون " وليس في هذه الوجه من التفسير ما هو خلاف الظاهر البدوي إلا رجوع الضمير المثنى في " جعلا وآتاهما " التي بعدها على اسم الجنس الذي هو " صالحا " باعتبار اشتمالها على صنفين،  وإلا كون السياق يوهم ابتداء كون المرجع لضميري " جعلا وآتاهما " هو النفس الواحدة مع زوجها . وهذه المخالفة للظاهر البدوي هينة بالنسبة لتلك المحاذير التي نجدها على الوجه الأول من تنزيل الآيتين على ما يدعى من القصة كما ذكرناه فتكون تلك المحاذير قرينة واضحة على أن الظاهر هو ما ذكرنا معناه عن الإمام الرضا عليه السلام ويشهد لذلك أيضا تعقيبه بقوله تعالى :

 ( أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ) حيث أوضح أن الشركاء في الآية هم جماعة من المخلوقين لا خصوص إبليس كما يدعى في الآية،  بل يوضحه الإلتفات بالتوبيخ إلى المقصود بالضمير في " جعلا وآتاهما " بقوله تعالى 193 :

 ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم )،  ويكشف عن قوله في سورة الأنعام 98 ( وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة )،  إلى قوله تعالى 100 ( وجعلوا لله شركاء الجن )،  إلى قوله تعالى 102،  ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ )،  فإن التدبر في هذا كله يرشد بأوضح إرشاد إلى أن الموصوف بالشرك والعنف عليه إنما هم المخلوقون من النفس الواحدة وإن اختلف التعبير عنهم بالخطاب والغيبة والتثنية باعتبار صنفيهم،  والجمع باعتبار كثرة المعنى،  كل ذلك بحسب ما يقتضيه صوغ البلاغة للكلام . ولو تنزلنا عن هذا كله فلا أقل من أن يكون احتمالا مساويا للوجه الأول فلا تبقى في الآية السابقة دلالة على نسبة الشرك لآدم . هذا كله مع أن الرواية التي تشبث بها في تفسير الآية لقصة نسبة الشرك لآدم إنما هي رواية قتادة عن الحسن عن سمرة وأن سندها لمطعون فيه من وجوه أيسرها أن الحسن وقتادة لم يحتفلا بهذه الرواية ولم يفسرا الآية على مقتضاها كما

 

                                       صفحة 97

 

 حكاه عنهما في مجمع البيان . وعن الحسن في تنزيه الأنبياء للمرتضى ( 1 )،  وبهذا كله تعرف خبط المتكلف وتحامله على القرآن ومبلغه حيث ادعى جازما . يه 1 ج ص " 11 " أن رسول الله " ص " نسب إلى آدم في القرآن خطيئة أخرى وهي الشرك متشبثا بهذه الرواية لتفسير الآية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) طبع للمرة الثانية في النجف الأشرف - بالمطبعة الحيدرية . ( * )

 

                                       صفحة 98

 

 الفصل الثاني في ذكر نوح وما قيل في شأنه أما نبوته ورسالته في القرآن فقد تكرر ذكرها،  ويكفي منه قوله تعالى في سورة هود 27 :

 ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أني لكم نذير مبين ) . وفي سادس التكوين " 9 " كان نوح رجلا بارا كاملا في أجياله وسار نوح مع الله - " 13 " وقال الله لنوح،  وفي أولى السابع،  وقال الرب لنوح وفي الثامن " 15 " وكلم الله نوحا " 20 "،  وبني نوح مذبحا للرب في حادي عشر رسالة العبرانيين " 7 " بالإيمان نوح لما أوحى إليه عن أمور لم تر بعد،  وفي ثامن رسالة بطرس الثانية " 5 " بل إنما حفظ الله نوحا ثامنا كارزا للبر . وأما ما يقال في شأنه فقد دعا على قومه بالضلال،  كما حكاه الله تعالى في

 

ص 98 :

 

سورة نوح عن قوله " 24 " ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) فيقال إن هذا خلاف الوظيفة النبوية،  فإن الرسول المبعوث لهدى الخلق وصلاحهم لا يجوز له الدعاء عليهم مهما كانوا بالفساد والانحراف عن الله وسبيل الحق . قلنا :

 ليس الضلال المدعو به ذكر بل المراد منه إضاعة طريق الرشد والتدبير في أمورهم وعوائدهم ليشتغلوا بحيرتهم في شؤونهم عن أذى الخلق وإضلالهم عن الحق،  فهو دعاء عليهم بالعقوبة الدنيوية لأجل صلاح غيرهم فإن الضلال هو مطلق الإضاعة والتيه عن الطريق المطلوب،  وتختلف أنحاء أفراده التي تزاد منه باعتبار الأمر المضيع والطريق الذي ضل عنه .

 

                                       صفحة 99

 

 ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة 282 :

 ( أن تضل إحديهما فتذكر إحديهما الأخرى ) ولم تقم قرينة على أن المراد هاهنا بالضلال المدعو به هو الضلال عن الله وسبيل الحق،  بل إن قرينة العقل قاطعة بأن المراد منه غير هذا،  بل لو صدر هذا الكلام والدعاء من سائر الأتقياء المحبين للخير وصلاح العباد وقلة الفساد واهتداء الخلق فضلا عن الرسل لكان صدوره منهم قرينة على إرادة غير المعنى المدعى . وأما دعاؤه على كفار قومه بالهلاك،  كما حكاه الله جل شأنه في سورة نوح 27 ( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) 28 ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) . فقد أبدى وجهه وحكمته لما علمه من عند الله في شأنهم بالعلم النبوي من سوء عاقبتهم،  فكان من الحكمة والوظيفة النبوية أن يدعو عليهم كما اقتضت الحكمة الإلهية إهلاكهم بالطوفان . وأما ما حكاه الله في أمره في سورة هود بقوله تعالى 47 ( ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين ) 48 ( قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم أني أعظك أن تكون من الجاهلين ) فإنه غير قادح بمقامه النبوي ووظيفة رسالته أصلا،  فإن غاية ما هناك سؤاله عن وجه الحكمة في غرق ولده مع سبق وعد الله له بنجاة أهله معترفا في السؤال لله بأنه أحكم الحاكمين وأن وعده الحق،  فأبان الله له وجه الحكمة بأن الموعود بنجاتهم هم المؤمنون من أهله الذين يحسن أن يضافوا إليه لاهتدائهم بهداه،  وأن ولده الغريق ليس من أهله الموعود بنجاتهم،  أو أنه لا يليق أن يعد من أهل بيته لأنه عمل غير صالح ليس على هدى أبيه،  ثم وعظه الله على سؤاله عن الحكمة لأن الأولى بعلو مقامه هو التسليم والتفويض لحكمة الله إجمالا لا سيما مع عرفانه بأن الله أحكم الحاكمين،  فأناب إلى الله من فعله خلاف الأولى،  وخاف الانحطاط به عن مراتب الصديقين ومقامات المقربين،  وقال كما حكاه الله عنه 49 :

 ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإن لا تغفر لي وترحمني أكن من

 

                                       صفحة 100

 

 الخاسرين ) للفوز بالمراتب العالية . وإذا تدبرت ما ذكرنا ظهر لك خلل أقوال المتكلف " يه 1 ج ص 14 و 15 " . وأما ما في تاسع التكوين " 21 " وشرب نوح من الخمر فسكر وتعرى داخل خبائه . فنقول فيه :

 قد روى مستفيضا عن أهل البيت عن النبي صلوات الله عليهم أن الخمر ما حلت في دين قط،  ويدل العقل بأوضح دلالة على أن شربها والسكر بها الذي هو رأس الخلاعة والتهتك والشرور والمفاسد والخروج عن حدود الإنسانية مناف لوظيفة النبي الداعي إلى الهدى والكمال والصلاح وحفظ الشرف خصوصا وقد حفظ الله نوحا كارزا للبر " 2 بط 8 :

 5 " . وحينئذ فلا بد من القول بأن قصة شرب نوح للخمر،  وسكره ليست من الوحي،  والإلهام لما بيناه من لزوم عصمة النبي . ومن الظرائف اضطراب كلام المتكلف في هذا المقام " يه 1 ج ص 13 - 18 " ولو أنه التزم بما ادعاه . " يه 4 ج ص 168 " من أن الله لم ينزل على القدماء قبل موسى شريعة بل اصطلح القدماء على عادات للجريان عليها في هذه الدنيا . فقال :

 هاهنا بمقتضاه أنه لم تكن في زمن نوح شريعة بتحريم الخمر فلم يفعل نوح بشربها خطيئة لاستراح هذا المتكلف فمن اضطرابه قوله :

 " يه 1 ج ص 13 " لا ننكر أن شرب الخمر حرام وقوله فأنت ترى أنها كانت جائزة والتوراة والإنجيل ناطقان بأنها حرام قطعا وشربها نوح دلالة على ضعف الطبيعة البشرية . فنقول له :

 أنت يا ذا الذي تقصر الحقائق على ما في العهدين،  وإذ لا تجد فيهما ما تذكره نبوة القرآن تصول عليه صولة المتحمس من أين لك من العهدين أن الخمر كانت محرمة على عهد نوح خصوصا وقد ادعيت غفلة منك أو

 

                                       صفحة 101

 

 إغفالا إن الله لم ينزل شريعة على القدماء وكيف تنفوه وتقول ؟ . " يه 1 ج ص 18 س 16 " قد استفاق نوح من سكره،  ولم يعد إلى هذه الخطيئة . قل عن أي كتاب إلهامي تنقل ذلك ؟ أفتدعي أنت الإلهام لنفسك ؟ أم جاءك نوح وتاب على يدك من شربه للخمر ؟ وأما قولك :

 فأنت ترى أنها كانت جائزة،  والتوراة والإنجيل ناطقان بأنها حرام قطعا . فلماذا غفلت أو تغافلت عن اضطراب التوراة والانجيل في هذا الشأن

 

ص 101 :

 

فإنهما وإن وجد في مضامينهما ما يعطي حرمتها وقبحها سيما بالنسبة للأنبياء كما سنسجله إنشاء الله في المقدمة العاشرة في موانع النبوة . ولكن فيهما ما يناقض ذلك وينقض عليك قولك هذا . قل فما معنى الأمر في شريعة تقريب القرابين أن يسكبوا معها سكيب خمر للرب " انظر أقلا خر 29 :

 40 ولا 23 :

 13 وعد 15 :

 5 " وسكيب مسكر للرب " عد 28 :

 7 "،  وأكد حكم السكيب في التاسع والعشرين من العدد وغيره أكثر من عشر مرات . وكيف يكون الحرام قربانا لله ؟ وكيف يأمر الله شعبه بأن يعدوا للقرابين شيئا محرما وجوده مجلبة للغواية والشرور والفساد بل الرحمة وحكمة إصلاح الناس يقتضيان الأمر بإعدامهما عن أعينهم خصوصا بني إسرائيل الذين لا حاجز لهم من تقواهم عن التمرد على الله كما عرفت في المقدمة الخامسة . وأيضا ما معنى دعاء موسى على بني إسرائيل إن لم يعمل بوصايا الله بقوله في الثامن والعشرين من التثنية 39 كروما تغرس وتشتغل وخمرا لا تشرب ولا تجنى لأن الدود يأكلها " 51 " ولا تبقى لك خمرا ولا قمحا ولا زيتا " . وأيضا ما معنى دعائه لهم بالبركة في قوله في الثالث والثلاثين من التثنية " 28 " تكون عين يعقوب إلى أرض حنطة وخمر وسماؤه تقطر ندى .

 

                                       صفحة 102

 

 فهل يكون هذا كله مع كون الخمر محرمة،  أو ليس يعطي هذا أنها من النعم المباحة ومتاعهم الشهي حتى يدعى عليهم بفقدانها ويدعى لهم بوجدانها . وما معنى ما يذكر من أن داود النبي قسم على كل واحد من رجال بني إسرائيل رغيف خبز وكأس خمر وقرص زبيب " 2 صم 6 :

 19 و 1 أي 6 :

 3 "،  وما وجه إهداء زق الخمر إلى داود " 2 صم 16 :

 1 "،  وما وجه اسكاره لأوريا " 2 صم 11 :

 13 " أفلا يصح الاحتجاج بذلك لجواز شرب الخمر كما ينقل عن المسيح الاحتجاج لجواز أكل تلاميذه من الزرع في يوم السبت بأكل داود من خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة " مت 18 :

 1 - 5 " . وأيضا ما معنى المنقول من جلوس المسيح ووالدته وتلاميذه في قانا الجليل في مجلس العرس الذي تسكب فيه الخمر وتدار الراح في الأقداح حتى يفعل السكر بالألباب ما يفعل،  وينال من العقول ما ينال،  ولم يكف ذلك حتى طلبت منه والدته إذ نفذ الخمر أن يصنع لهم بمعجزة خمرا،  فعمل لهم ستة أجران من الخمر الجيد وسقوا منه،  وكان ذلك بعد أن اعتمد من يوحنا بمعمودية التوبة،  ونزل عليه الروح القدس،  وتبعه اندرواس وبطرس وننثائيل،  وفيلبس " انظر إلى ثالث متى والثاني والثالث من يوحنا " . وأيضا ما معنى المنقول عن كلام المسيح في شأن جيله في سابع لوقا " 32 " يشبهون أولادا جالسين في السوق ينادون بعضهم بعضا ويقولون زمرنا لكم فلم ترقصوا نحنا لكم فلم تبكوا 33 لأنه جاء يوحنا المعمدان لا يأكل خبزا ولا يشرب خمرا فتقولون به :

 شيطان " 34 "،  جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون :

 هو ذا إنسان أكول،  وشريب خمر،  ونحوه في حادي عشر متى . أو ليس صريح هذا الكلام وفحواه أن المسيح - وحاشاه - كثير الشرب للخمر المسكر بخلاف يوحنا . وأيضا ما معنى المنقول من قوله لتلاميذه بعد أن شرب من الكأس وأعطاها لهم،  وأقول لكم من الآن :

 لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك

 

                                       صفحة 103

 

 اليوم حينما أشربه معكم جديدا في ملكوت أبي " مت 26 :

 29 ومر 14 :

 25 ولو 32 :

 18 " حيث عبر عن الخمر في هذا الكلام بعد أن شربها تعبير الشريب المغرم بها المودع لها المتألم على فراقها . وأيضا ما معنى المنقول عن الرسل من حصرهم اللازم على الأمم باجتناب ما ذبح للأصنام والدم والمخنوق والزنا " اع 15 :

 29 " . وإن اقترحت فوق هذا من صراحة العهدين ففي ثاني عشر التثنية " 17 " لا يحل لك أن تأكل في أبوابك عشر حنطتك وخمرك وزيتك - " 18 " بل أمام الرب إلهك تأكلها في المكان الذي يختاره الرب . وفي رابع عشر التثنية " 23 " وتأكل أمام الرب إلهك في المكان الذي يختاره ليحل اسمه في عشر حنطتك وخمرك وزيتك " 24 "،  ولكن إذا طال عليك الطريق حتى لا تقدر أن تحمله - 25 " فبعه بفضة وصر الفضة في يدك واذهب إلى المكان الذي يختاره الرب إلهك " 26 " وأنفق الفضة في كل ما تشتهي نفسك من البقر والغنم والخمر والمسكر وكل ما تطلب منك نفسك،  ولك هناك أمام الرب إلهك وافرح أنت وبيتك . حتى جرى اليهود بعد رجوعهم من سبي بابل على تقديم رفائع الخمر،  وعشر الخمر إلى بيت المقدس حسب الشريعة " انظر نح 10 :

 37 و 39 و 13 :

 12 " . فإن قلت لا أكتفي بهذه الصراحة حتى يحضر الإله في مجلس الشرب ويسقي الناس الخمر بمجلس أنبيائه ورسله . قلت :

 إن مزاعمك تقتضي وقوع ذلك فإن الذي زعمت في مقدمة الجزء الأول من كتابك وغيرها أنه الإله الذي توشح الطبيعة البشرية ليرفع قدرها قد ذكر الكتاب الذي تحامى عن الخدشة في الهاميته أنه قد جلس في قانا الجليل في مجلس الشرب والسكر هو وعدة من رسله وسقى الناس زيادة على خمرهم إذ

 

ص 103 :

 

عمل لهم بمعجزة سنة أجران من الخمر . . . اللهم إني أعوذ بقدسك وجلال وجهك من التعرض لمثل هذا لغير الجدل الذي تدعو إليه ضرورة الوقت، 

 

                                       صفحة 104

 

 ومعارضة فلتات الأوهام إرشادا لعبادك المغرورين إلى الهدى والصواب . فأقول للمتكلف ليعتبر السامع :

 أفتقول إن التوراة والإنجيل ناطقان بأن الخمر حرام قطعا ويكون كل هذا فيهما ؟ أم تقول :

 إن هذا كله مدسوس في العهدين ليس من الوحي وكلام النبوة في شئ ؟ أم تقول :

 إن العهدين غير خاليين من التناقض والاضطراب والتهافت . وأما قوله المتكلف " يه 1 ج ص 14 "،  أما المسيح فلم يشرب " أي من الخمر " إلا شيئا لا يعتد به في عيد الفصح مرة في السنة حسب شريعة موسى . فهو قول مخالف للأناجيل الرائجة في دلالتها على أن المسيح وحاشاه شريب خمر كما تقدم أي كثير الشرب لها،  وكونه حضر مجلس العرس المعقود لشرب الخمر وعربدة السكر هو وعدة من تلاميذه وزادت في الطنبور نغمة إذ ذكرت أنه عمل لهم بطلب والدته ستة أجران من الخمر الجيد،  وحاشا قدسه من هذا كله . وأيضا أين يوجد من شريعة موسى حكم شرب الخمر في عيد الفصح،  أو ليست التوراة الرائجة هي التي يزعمون أنها كتاب شريعة موسى،  وأن كل ما لم يتذكر فيها لا حقيقة له . وأما قول المتكلف عقيب كلامه المتقدم،  فكان كل واحد من بني إسرائيل يشرب شيئا طفيفا لا يعتد به في هذا العيد تذكارا لمراحمه تعالى . فيحق أن يقال فيه أن سكر بني إسرائيل الذي استغاث منه أشعيا النبي في الثامن والعشرين من كتابه،  وذكر أن الأنبياء والكهنة ابتلعتهم الخمر وتاهوا من المسكر حتى ضلوا في الرؤيا وقلقوا في القضاء،  أيضا كان كله تذكارا لمراحمه تعالى . وعبد بنو إسرائيل العجل تذكارا لمراحمه تعالى،  وزنوا ببنات مواب وذبحوا لآلهتهن تذكارا لمراحمه تعالى،  وعبدوا البعل والعشتاروت وآلهة الكنعانيين

 

                                       صفحة 105

 

 وغيرهم تذكارا لمراحمه تعالى،  وذبحوا أولادهم للأصنام تذكارا لمراحمه تعالى،  وجعلوا بيوت المأبونين عند بيت الرب تذكارا لمراحمه تعالى وخربوا بيت المقدس ونجسوه تذكارا لمراحمه تعالى،  وتمادوا على ارتداداتهم وأحوالهم المذكورة في المقدمة الخامسة تذكارا لمراحمه تعالى،  وأظرف من هذا كله أن المتكلف كان شاعرا بما في العهدين من تلويث قدس الأنبياء وخصوص المسيح بشرب الخمر فحاول أن يموه على البسطاء المغفلين ويلوث قدس خاتم المرسلين بشربها فتشبث لذلك بأخبار آحاد لم يتحقق سندها ولم يفهم مدلولها،  ولو أنها صحت وكانت لها مداخلة في أصول الدين لكانت أجنبية عن مقصوده الممتنع عليه . فقال " يه 1 ج ص 13 " إن محمدا شرب الخمر،  وذكر عن ابن عباس أن رسول الله " ص " أتى السقاية في مكة وقال اسقوني من هذا فقال العباس :

 ألا نسقيك مما في البيوت ؟ فقال " ص " :

 ولا لكن اسقوني مما يشرب منه الناس فأتى بقدح من نبيذ فذاقه فقطب ثم قال هلموا وصبوا فيه الماء،  ثم قال :

 زد فيه مرة أو مرتين أو ثلاثا،  ثم قال إذا صنع أحد منكم هكذا فاصنعوا به وهكذا . وذكر عن ابن مسعود أن رسول الله " ص " عطش وهو يطوف بالبيت فأتى بنبيذ من السقاية فشمه ثم دعا بذنوب من ماء زمزم " أي دلو " فصب عليه ثم شربه فقال له رجل :

 أحرام هذا يا رسول الله ؟ فقال لا . وقد غفل المتكلف أو تغافل عن أن اسم النبيذ مأخوذ من النبذ وهو الطرح،  قد كان النبيذ على قسمين :

 " أحدهما " أن يطرح التمر أو الزبيب في الماء في الأواني التي تصبر على التمادي إلى أن يبلغ حد الإسكار كأواني الدبا وهو القرع اليابس والمزفت وهي أوان تطلى بالزفت،  والحنتمة وهي أوان خزفية تدهن بالقلى ونحوها فيترك زمانا طويلا إلى أن يبلغ حد الإسكار . " وثانيهما " أن ماء الحجاز كان مرا مضرا فيطرح فيه لمداواة طعمه وطبعه ما يتمكن الأعرابي منه في ذلك الزمان وهو قليل من التمر فإن ترقى فالزبيب

 

                                       صفحة 106

 

 بمقدار الكف أو أقل يطرحونه في السقاء غدوة فيشربونه عشيا ويطرحونه عشيا،  فيشربونه غدوة،  حينما يؤثر طعم التمر أو الزبيب في الماء حلاوة ما . وقد تضافرت الأخبار الكثيرة بأن رسول الله " ص " كان ينهى عن نبيذ الدبا والمزفت والحنتمة بسبب أنه يصبر عليه حتى يبلغ حد الإسكار،  ويرخص في نبيذ الأسقية وهو أن يطرح في السقاء كف ونحوه من التمر أو الزبيب فيشرب في يومه أو صبيحة ليلته حينما يطيب طعم الماء بحلاوة التمر أو الزبيب لأن أسقية البيوت لا تحتمل أن تشغل زمانا طويلا بالنبيذ،  ولا تقوى على بقائه إلى أن يختمر ويتعفن ويبلغ حد الإسكار . انظر إلى مسند أحمد وغيره من كتب الحديث،  فعلى المتكلف في تشبثه بما ذكر من الحديثين أن صحافي الجامعة الإسلامية أن يعين دلالتهما على أن النبيذ المذكور فيهما كان من القسم المسكر المخمر لا الذي ذكرنا أنه يطرح فيه قليل من التمر أو الزبيب لمحض تطييب طعم الماء على عادة أهل الحجاز .

 

ص 106 :

 

ونحن نقول :

 إن المتعين كون النبيذ فيهما من هذا القسم،  لا القسم المسكر لوجوه :

 أولها :

 إنه لو كانت في مكة مصانع للنبيذ المسكر كمصانع أوروبا لما وسعت كفاية الألوف العديدة من الحجيج في الأيام الكثيرة وهو يعطي مجانا لهم،  وكيف يقوى العباس على ذلك ؟ وثانيها :

 إن السقاية في مكة كانت لإرواء الحجيج من العطش لا أنها حانوت خمار . وثالثها :

 إن هذه الواقعة إن كانت فإنما تكون بعد فتح مكة في أواخر أيام النبي " ص "،  ومقتضى الأخبار التي يذكرها المتكلف " يه 1 ج ص 23 و 24 " أن الخمر حرمت في أوائل الهجرة . وفي ما ذكره عن ابن مسعود أن رسول الله " ص " قال فيما شربه أنه ليس بحرام،  مع أن حرمة النبيذ المسكر كانت حينئذ مقررة معلومة في الإسلام .

 

                                       صفحة 107

 

 ورابعها :

 الذي يكشف الحجاب ما صح نقله عن جعفر الصادق وهو الإمام السادس من أهل البيت حيث قال في نبيذ السقاية :

 أن العباس كانت له حبله وهي الكرم،  فكان ينقع الزبيب غدوة فيشربونه بالعشي وينقعه بالعشي ويشربونه غدوة يريد أن يكسر به غلظ الماء على الناس . وأما سر تقطيبه صلوات الله عليه في رواية ابن عباس فليس لأن النبيذ الذي اعطي له كان من القسم المسكر،  بل لأن حلاوة التمر والزبيب كانت زائدة على المتعارف من نبيذ الأسقية،  فإن الحلاوة إذا ظهر أثرها مع مرارة الماء كانت من المهوعات فزاد عليها من الماء إلى أن ردها إلى النحو المتعارف،  وأرشدهم إلى أن هذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه هذا النحو من المشروب لإصلاح طعم الماء . ولو تنزلنا وفرضنا أن النبيذ المذكور في الروايتين كان من القسم المسكر لكانتا دليلا على أنه صلوات الله عليه كان يعاف المسكر ويشمئز ويقطب وجهه الشريف منه ولم يشربه حتى أخرجه عن موضوعه وصورته بإراقة الماء الكثير عليه . . . أفبهذا يتشبث الكاتب ويقول بملئ فمه ومهوى قلمه أن رسول الله " ص " شرب الخمر . وقد فات المتكلف الشنب فإن في أخبار الآحاد التي لا تقيم لها الجامعة الإسلامية وزنا ما يساعفه على مقصوده بعض المساعفة،  فقد روى في مسند أحمد أن رجلا كان إذا قدم المدينة أهدى لرسول الله " ص " خمرا فقد مرة ومعه زق خمر ليهديه إلى رسول الله " ص " فقيل له :

 إن الخمر قد حرمت ولكن ماذا يعمل الوهم من هذا الخبر في مقابلة متواترات الآثار ومعلومات السير بأن قدس رسول الله لا تحوم حوله هذه الأوهام . وقد جاء عنه صلوات الله عليه في مستفيض الحديث من طريق أهل البيت قوله " ص " :

 أول ما نهاني عنه ربي شرب الخمر وعبادة الأوثان،  وكفاك أن مشركي قريش والعرب قد تمحلوا في تكذيب رسول الله " ص " وكابروا الوجدان وغالطوا العيان بدعواهم أنه صلوات الله عليه مجنون ولو أنه صلوات

 

                                       صفحة 108

 

 الله عليه كان يمكن أن يرمي بشرب الخمر والمسكر لتيسر لهم أن يقولوا بلا مكابرة للوجدان إن ادعاءه " ص " للرسالة والوحي إنما هو من سورة الخمر وعربدة السكر وخيالات الخمار،  ولكنه كان صلوات الله عليه ولم يكن لقائل فيه مغمز،  فيا ذا الرشد والفكر الحر الذي لم يستأسر للعصبية والتقليد . سألتك بفضيلة الصدق وشرف النفس هل كان من الرشد وأدب المكاتب أن يتغاضى هذا المتكلف عما لوثت به الكتب الإلهامية في نحلته قدس الأنبياء وخصوص المسيح بشرب الخمر وحضور مجلس السكر صريحا ويتشبث لتلويث قدس رسول الله بهذه الأوهام،  ولقد شذ بنا الكلام عن وضع المقدمة ولكنه بفضل الله لم يشذ عن إحقاق الحق والهدى إلى الرشد .

 

                                       صفحة 109

 

 الفصل الثالث في شأن إبراهيم وما قيل فيه أما رسالته ففي القرآن الكريم بقوله تعالى في سورة الحديد 260 ( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم )،  وقوله تعالى في سورة مريم 42 ( واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا ) وقوله تعالى في سورة البقرة 118 :

 ( إني جاعلك للناس إماما ) . وأما دينه وإيمانه فيكفي فيه من القرآن قوله تعالى في سورة الأنعام 162 ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) . وأما كتابه وبعض مضامينه،  فقد أشار إليه بقوله تعالى في سورة النجم 370 :

 ( أم لم ينبأ بما في صحف موسى ) 38 ( وإبراهيم الذي ) وفي - 56 وفي سورة الأعلى عند ذكر بعض المضامين العالية 18 ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) . وفي ثاني عشر التكوين " 1 "،  وقال الرب لابرام :

 إذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك " 2 " فأجعلك أمة عظيمة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة،  ( ومقتضى الأصل العبراني :

 وكن بركة ) " 3 "،  وأبارك مباركيك ولا عنك اللعنة وتتبارك فيك جميع قبائل الأمم . وفي سابع الأعمال عن قول استفانوس " 2 - 4 " إن هذا الخطاب كان

 

                                       صفحة 110

 

 حينما كان إبراهيم بين النهرين في أرض الكلدانيين قبلما سكن حاران . وفي سابع عشر التكوين " 9 - 14 " وقال الله لإبراهيم وجعل له شريعة

 

ص 110 :

 

الختان وعهده ولذريته وخدمه وعبيده . وفي الثامن عشر عن قول الله " 19 " لأني عرفته لكي يوصي بنيه وبيته من بعده أن يحفظوا طريق الرب ليعملوا برا وعدلا . وهذا هو حقيقة الرسالة في هذا المقام،  ويوضح أمرها ما في السادس والعشرين من التكوين عن قول الله لإسحاق " 5 " من أجل أن إبراهيم سمع لقولي وحفظ ما يحفظ لي أوامري وفرائضي وشرائعي . وفي العشرين من التكوين عن قول الله لأبي مالك " 7 " أن إبراهيم نبي وفي العهدين خليل الله " 2 أي 20 :

 7 واش 41 :

 8 ويع 2 :

 23 " . وأما ما ذكر في شأنه فقد قال الله في القرآن الكريم في سورة الأنعام 75 ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ) 76 ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ) 77،  ( فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) 78،  ( فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني برئ مما تشركون ) . قال المتكلف " يه 1 ج ص 20 " إن عبارة القرآن ناطقة بوقوعه " يعني إبراهيم " في عبادة الأصنام . فأقول :

 إن الآيات واضحة الدلالة على أن رؤية إبراهيم للكواكب وملكوت السموات والأرض كانت أول رؤية منه لها فقال ما ذكره القرآن فأما أن يعتمد في ذلك على ما روى من أن أمه ولدته في مغارة خوفا عليه من النمرود فلما ترعرع خرج من المغارة فرأى الكوكب إلى آخر المذكور،  أو أنها أول رؤية كانت في ابتداء تمييزه حال طفوليته الذي التفت به إلى عظمة شأن العالم العلوي وأجرامه وفضيلة إشراقها ونورها،  فإن الله علم منه أن فطرته السليمة في أول تمييزه قد أشعرته بأن له إلها صانعا وربا معبودا،  ولكنه بعد لم يوصله التدرب

 

                                       صفحة 111

 

 بالنظر والتقدم بالتمييز ليقف عندها على اليقين،  فرحمه الله ولطف به وأراه ملكوت السموات والأرض ليكون بالتدبر والتدرب في النظر من الموقنين بالله،  فصار ينظر عند رؤيتها بالنظر الصائب،  ويسير متدرجا إلى حق المعرفة على جادة الصواب فأدرك فضل العالم العلوي على السفلي،  ثم أدرك فضل النير على غيره،  فإذا رأى الكوكب النير وقفت به الطفولية وعدم التقدم بالتمييز عنده فلما أفل الكوكب سدده فكره فقال :

 لا أحب الآفلين ولا يكون الإله متغيرا،  ولما رأى القمر بازغا مشرقا يفوق نوره نور الكوكب وقفت به الطفولية أيضا عنده فلما أفل أدرك أنه ضال في نظره،  فطلب الهدى من إلهه :

 فلما رأى الشمس بازغة بنورها الباهر وقفت به الطفولية أيضا،  فلما أفلت أوصله التدبر إلى الحق اليقين من العرفان وخالص الإيمان،  حتى لم يمض له يومان من أول تمييز الطفولية . ويمكن أن يكون وقوفه المذكور وقوف شك وحيرة واستعلام فيكون قوله :

 هذا ربي على سبيل الاستفهام،  وقد أسقط حرف الاستفهام من الآيات جريا على المتعارف من لسان العرب،  كما يشهد له الكثير من شعرهم ونثرهم،  والأقرب أن وقوفه المذكور كان وقوف فرض وتقدير إلى أن يحصل له من النظر ما يكشف عن الحق المبين،  وعلى كل حال لم يقع من إبراهيم الشرك القبيح المعاقب عليه حتى لو قلنا :

 بأن ما ذكرناه في شأنه كان في زمان مهلة النظر عند أول التكليف بالمعرفة،  فإن الإنسان لم يخلق عارفا بالله من أول أمره،  بل جعل الله له النظر لتحصل له فضيلة الجهاد في سبيله . فإن قلت :

 من أين لك هذه الوجوه في الآيات ؟ وهل هي إلا احتمال وتخمين ؟ . " قلت " :

 يدل عليها سوق الآيات والمتكرر في القرآن من قوله تعالى في وصف إبراهيم " وما كان من المشركين " . ثم أقول :

 هب أن هذه الوجوه احتمالات لا دليل عليها،  ولكن مع قيامها كيف يتجه للمتكلف أن يقول غير متأثم إن عبارة القرآن ناطقة بوقوع إبراهيم في عبادة الأصنام .

 

                                       صفحة 112

 

 وقال الله تعالى في سورة البقرة 262 :

 ( وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) . فقال المتكلف في هذا الشأن " يه 1 ج ص 20 س 4 " القرآن ناطق بأنه يعني إبراهيم شك في قدرة الله . أقول :

 ليت شعري أين سمع المتكلف وبصره وقلبه عن قول إبراهيم بلى ولكن ليطمئن قلبي،  أفيشك عاقل بأنه إذا اجتمع العقل والحس على أمر كان أوقع في النفس وأثبت في الاعتقاد وأدخل في الاطمئنان من المعقول الصرف،  وصريح الآية أن إبراهيم كان يطلب هذه المرتبة من الاطمئنان والإيمان الكامل،  وإن كان إيمانه بقدرة الله ثابتا،  ولأجل إيمانه وخلوص بيته في طلب الاطمئنان،  وأكمل أفراد الإيمان أعطاه الله مراده فقال تعالى له :

 خذ أربعة من الطير فصرهن إليك الآية . فانظر يا ذا الرشد والفكر الحر إلى ما ذكرناه في القرآن الكريم وإلى ما في الخامس عشر من التكوين " 7 " وقال له :

 " أي الله لإبراهيم " أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها " 8 " فقال أيها السيد الرب بماذا أعلم أني أرثها ؟

 

ص 112 :

 

وقل أي المقامين أولى بأن يكون شكا في قدرة الله وصدقه في وعده . فهل هو ما ذكر في القرآن الكريم من طلب إبراهيم الاطمئنان وأعلى مراتب الإيمان زيادة على إيمانه المطلوب في شأن المعاد العظيم أمره ؟ أم هو ما ذكر في التوراة في شأن إعطاء الله أرض الكنعانيين لإبراهيم ليرثها فقال إبراهيم :

 بماذا أعلم أني أرثها ؟ فإنه صريح في أنه لا يحصل له العلم بمجرد قول الله بل يحتاج في ذلك إلى شاهد يوجب له العلم بقدرة الله على ذلك أو صدقه في وعده مع أن إعطاء الأرض لقوم بدل آخرين أمر سهل على التصديق . ثم انظر أيضا استطرادا وتتميما لمتعلقات المقام في انتظام البرهان المذكور في القرآن على إحياء الموتى لأجل اطمئنان إبراهيم ومناسبته للمبرهن عليه بقوله

 

                                       صفحة 113

 

 تعالى :

 ( فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا )،  حيث أقام جل شأنه الحجة الحسية على إحياء الموتى بعد تفرق أوصالهم بإحياء الطيور بعد موتها وتفرق أوصالها على النحو العجيب والإعجاز الباهر . وأمعن النظر في البرهان المذكور في خامس عشر التكوين ليحصل العلم لإبراهيم بصدق وعد الله له بأنه يرث أرض كنعان وقدرته على ذلك " 9 " فقال له :

 خذ عجلة ثلاثية،  وعنزا ثلاثية،  وكبشا ثلاثيا،  ويمامة وحمامة " 10 " فأخذ هذه كلها وشقها من الوسط وجعل شق كل واحد مقابل صاحبه،  وأما الطير فلم يشقه " 11 " فنزلت الجوارح على الجثث فكان ابرام يزجرها . وقل :

 ماذا يفهم من مداليل هذه الفقرات من حاصل أمر الله وبرهانه على صدقه في وعده وقدرته وأي نتيجة فيها مناسبة للمقام،  أفلا تجدها حكاية بتراء لا يفهم لها أول من آخر،  ولا حاصل ولا فائدة،  أفهكذا كلام الله العليم الحكيم ؟ . هذا وأما ما تشبث به المتكلف " يه 1 ج ص 20 س 7 " من الرواية عن قول رسول الله نحن أولى بالشك من إبراهيم،  فيكفي في ردها مخالفتها لنص الكتاب بإيمان إبراهيم في قوله تعالى :

 ( أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) فهذه الرواية كلا شئ . وقال الله تعالى في سورة الأنبياء 63 :

 ( قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم ) 64 ( قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون ) . فقال المتكلف :

 " يه 1 ج ص 20 س 7 "،  ورد في القرآن أنه " يعني إبراهيم " كذب . قلنا :

 إن قول إبراهيم بل فعله كبيرهم لم يخرج مخرج القطع والأخبار الجدي،  بل هو للتوبيخ والتبكيت إذ هو معلق على قوله إن كانوا ينطقون وحاصله توبيخ المشركين على عبادة الأصنام،  ومعناه أن أصنامكم إن كانوا ينطقون ويملكون حراكا فقد فعله كبيرهم إذ لا وجه لنسبة هذا الفعل إلى دونه

 

                                       صفحة 114

 

 مع عدمه المشاهدة وإن كانوا جمادا فلم تعبدون جمادا لا ينطق ؟ ومن المعلوم أن الخبر المعلق على أمر يعلم المتكلم والمخاطب أنه غير واقع ليس خبرا جديا حتى يقال إنه صدق أو كذب . " فإن قلت " :

 إن هذا احتمال محض في الآية " قلت " :

 أولا كونه احتمالا كاف في بطلان قول المتكلف وورد في القرآن أن إبراهيم كذب . " وثانيا " أن دلالة العقل والنقل على عصمة النبي تعين دلالة الآية عليه،  وكونه المراد منها خصوصا مع صلاحية التركيب بدون تجوز أو خروج عن القانون . وأما الرواية التي ذكرها المتكلف في كذب إبراهيم ثلاث مرات فلا يصح بها الجدل للمسلمين لما ذكرناه في المقدمة السابعة . وقال الله تعالى حكاية عن إبراهيم في سورة الصافات 86 :

 ( فنظر نظرة في النجوم 87 فقال إني سقيم )،  وقد تشبث المتكلف هاهنا " يه 1 ج ص 20 " برواية استنتج منها أن إبراهيم فعل حراما بنظره في علم النجوم وكذب بقوله إني سقيم . ولا يخفى أن الرواية لا يصح بها الجدل للمسلمين في جامعتهم بحكم المقدمة السابعة،  أما الآية الأولى فلا تدل إلا على أن إبراهيم نظر نظرة في النجوم لا في علمها الذي لا يعلم أنه هل كان في زمانه محرما حتى عليه أم لا،  ولعلما كان نظره في النجوم نظر تفكر وتأمل في شأنه كما هو المعتاد للمتفكرين في شؤونهم من نظرهم إلى السماء وإلى الأرض ونحو ذلك،  كما يحكى عن المسيح لما أتاه اليهود بالزانية ليرجمها انحنى إلى الأسفل وكان يكتب باصبعه على الأرض " يو 8 :

 6 " . وأما قوله :

 إني سقيم فمن أين يعلم من القرآن أنه كان كذبا،  ولماذا لا يحمل على حقيقته . وفي الثامن عشر والعشرين من التكوين أن إبراهيم قال عن سارة امرأته

 

                                       صفحة 115

 

 إنها أخته لكن العشرين من التكوين عن قول إبراهيم " 12 " وبالحقيقة أيضا هي أختي ابنة أبي،  غير أنها ليست ابنة أمي فصارت لي زوجة . وعلى ظاهر هذا لم يكذب بقوله أنها أخته،  نعم قوله أنها أخته وسكوته عن جهة الزوجية خصوصا مع شهادة المقام بإنكار كونها امرأته،  وتعريضها لطمع الغير فيها يمكن أن يكون مما أباحته ضرورة الوقت لإبراهيم حفظا لنفسه،  أو أنه كذب على الوحي لعصمة إبراهيم .

 

                                       صفحة 116

 

 الفصل الرابع

 

ص 116 :

 

في ذكر إسحق وما جاء في شأنه أما نبوته فيكفي فيها من القرآن الكريم قوله تعالى في سورة مريم 50 ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا )،  وفي سورة النساء 161 :

 ( وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ) . وفي السادس والعشرين من التكوين " 2 و 24 " أن إسحاق ظهر له الله وكلمه بما كلمه . وأما ما ذكر في شأنه ففي السادس والعشرين من التكوين " 7 " أنه قال عن امرأته أنها أخته وهو خلاف الواقع لأنها بنت ابن عمه بتوئيل ابن ناحور من ملكه بنت هاران " تك 11 :

 29 و 25 :

 20 " وكان هذا القول منه مخافة من القتل فيمكن أن يكن جائزا لضرورة الوقت . ولا يمكن أن يكون كذبا على الوحي لما ذكرناه من عصمة النبي،  وعلى هذا فلا وجه للوقيعة بقدس إسحاق لأجل هذا لإمكان أن يكون مباحا لضرورة الوقت،  ولماذا لا يكون ذلك في أقل الأمر احتمالا مانعا لأهل الكتاب عن الإقدام على قداسة الأنبياء الصالحين،  أفلا ترى ما نقله في إظهار الحق عن القسيس وليم اسمت من علماء بروتستنت في كتابه المسمى بطريق الأولياء وكيف قد أطال لسانه على إبراهيم وإسحاق من أجل ما نقل عنهما من قولهما عن امرأتيهما أنهما أختاهما .

 

                                       صفحة 117

 

 فقال في شأن إبراهيم ص " 99 " لعل إبراهيم لما أنكر كون سارة زوجة له في المرة الأولى عزم في قلبه أنه لا يصدر منه مثل هذا الذنب لكنه وقع في شبكة الشيطان السابقة مرة أخرى بسبب الغفلة . وقال في شأن إسحاق ص " 168 " زل إيمان إسحاق لأنه قال لزوجته :

 أنها أخته وص " 69 " يا أسفا أنه لا يوجد كمال في واحد من بني آدم غير الواحد العديم النظير،  والعجب أنه شبكة الشيطان التي وقع فيها إبراهيم وقع فيها إسحاق أيضا،  وقال عن زوجته :

 أنها أخته فيا أسفا أن أمثال هؤلاء المقربين عند الله يحتاجون إلى الوعظ . وقال المتكلف " يه 1 ج ص 19 " في شأن إبراهيم ولا ينكر أنه ترك الأولى لضعف الطبيعة البشرية،  فالمولى سبحانه وتعالى هو الكامل وحده والنقص ملازم لكل إنسان مهما كان . وقال في شأن إسحاق ص " 21 " فإذا كان هذا حال خليل الله وأنه لم يسلم من الكذب فلا عجب إذا وقع إسحاق في ذات هذه الخطيئة فلم يقو على التجربة لضعف الطبيعة البشرية . فأقول :

 ليت شعري إذ بنوا على صحة هذه القصص وأنها من الوحي الصادق،  فلماذا لم يحتملوا أن مثل هذا الكذب كان على وجه من الضرورة بحيث يكون مباحا أو واجبا على مثل إبراهيم وإسحاق حفظا من الهلكة والقتل لنفس النبي الذي يفدى بجملة الناس . هب أنه لا يجوز مثله في شرعنا ولكن لماذا لا يكون مباحا في شرع إبراهيم وإسحاق خصوصا مع قولهم لم تكن شريعة للقدماء قبل موسى فينحصر تحريمه عليهم بحكم العقل بقبح الكذب وأن قبحه مع الضرورة وخوف القتل على النبي غير معلوم،  ولماذا لا يحتملون ذلك فيتقون الله من الوقيعة في قدس الأنبياء . أفيقولون :

 إن الكذب بحسب كل حال وكل شريعة لا يمكن أن يكون غير قبيح وجائزا أو واجبا لأجل بعض الضرورات والدواعي الراجحة،  إذا

 

                                       صفحة 118

 

 فكيف أمر الله موسى وشيوخ بني إسرائيل بمقتضى نقل التوراة الرائجة أن يكذبوا على فرعون،  ويقولون له :

 إن إله العبرانيين التقانا فالآن نذهب سفر ثلاثة أيام في البرية لو نذبح للرب إلهنا " خر 3 :

 18 " فعمل موسى بهذا الأمر وزاد على قول الله بقوله لئلا يصيبنا بالوباء أو بالسيف " خر 5 :

 3 " وبقوله :

 لأن لنا عيدا للرب " خر 10 :

 9 "،  مع أن الغرض الحقيقي والموعد بين الله وموسى غير هذا بل هو ذهاب بني إسرائيل إلى أرض الموعد أرض الكنعانيين وما والاها وخلاصهم من عبودية المصريين " انظر إلى ثالث الخروج أقلا 8 و 17 " . وكأني بالمتكلف وغيره يقول :

 إن الغرض من سفر الثلاثة أيام ليس على ما هو المعروف من هذا التركيب،  بل المراد منه السفر الذي تقطع مسافته بالسير المتوالي الدائم في اثنين وسبعين ساعة مثلا وهو صادق على السفر إلى أرض الموعد فإن أقرب أرض الكنعانيين إلى رعمسيس منزل بني إسرائيل في مصر لا يزيد مسافته عنها على الستين فرسخا،  أي مائة وثمانون ميلا اعتياديا بكثير . " قلت " :

 لئن سامحناهم في صدق ذلك وجاز من الله وموسى أن يريدا هذا الغرض المعمى من هذه العبارة البعيدة عنه جدا في المحاورات لأجل التعمية على فرعون وإن فهم من الكلام ما هو المتعارف منه مما يخالف المراد فلماذا لا يجوز لإسحاق أن يعمى مراده بقوله عن امرأته أنها أخته ويريد أنها أخته من حيث القبيلة والاتصال بالنسب كما سمى الادومي أخا للإسرائيلي باعتبار اجتماعهما في النسب بعيسو ويعقوب في إسحاق " تث 23 :

 7 " . دع هذا وقل :

 كيف جاز للمسيح أن يقول لإخوته حيث لم يكونوا يؤمنون به اصعدوا أنتم إلى هذا العيد،  أنا لست اصعد بعد إلى هذا العيد لأن وقتي لم يكمل بعد ثم صعد إلى ذلك العيد بالخفاء " يو 7 :

 1 - 11 " . وأما قول طريق الأولياء :

 لا يوجد كمال في واحد من بني آدم غير الواحد العديم النظير .

 

ص 118 :

 

فأقول فيه :

 ويا أسفا ويا ليت كتبكم المنسوبة إلى الإلهام تركت قدس هذا الواحد عن التلويث،  كما سنذكر بعضه في الفصل الخامس عشر في عصمة المسيح .

 

                                       صفحة 119

 

 وفي السابع والعشرين من التكوين " 25 " أن يعقوب أحضر لإسحاق أبيه خمرا فشرب . أقول :

 قد تقدم في الفصل الثاني في عصمة نوح ما يتعلق باضطراب المتكلف وتناقض العهدين في مسألة شرب الخمر . فإن قال المتكلف هنا كما قال في شأن نوح إن إسحاق شرب الخمر ولما أفاق تاب من هذه الخطيئة ولم يعد . قلنا له :

 يا أيها الكاتب الماهر أين توجد توبة إسحاق من العهدين ؟ .

 

                                       صفحة 120

 

 الفصل الخامس في نبوة يعقوب وما قيل في شأنه أما نبوته فيكفي فيها من القرآن الكريم النص عليها مع نبوة أبيه إسحاق كما تقدم في أول الفصل السابق . وفي الخامس والثلاثين من التكوين " 1 " قال الله ليعقوب " 9 " :

 وظهر الله ليعقوب " 10 " وسماه إسرائيل " 11 " وقال له :

 وكذلك " تك 28 :

 13 " . وأما ما ذكر في شأنه ففي السابع والعشرين من التكوين ما ملخصه أن إسحاق أمر عيسى ابنه البكر أن يذهب إلى البرية ويتصيد له صيدا ويصنع له أطعمة كما يجب ليباركه قبل أن يموت،  فلما ذهب قام يعقوب بمشورة أمه رفقة وأخذ من الغنم جديي معز وصنع لأبيه طعاما ولبس ثياب عيسى الفاخرة وألبس يديه وملاسة عنقه جلود جديي المعز ليزور على أبيه إن رقبته ويديه مشعرة على ما كانت عليه رقبة عيسى ويداه وتقدم لأبيه وقال كذبا :

 أنا عيسو بكرك قد فعلت كما كلمتني قم اجلس وكل من صيدي لكي تباركني نفسك،  وأحضر له خمرا فشرب وقال إسحاق :

 هل أنت هو ابني عيسو ؟ فقال يعقوب أنا هو فباركه إسحاق،  ومن جملة البركة أن دعا له بكثرة الحنطة والخمر فاستعمل يعقوب بمقتضى التوراة الرائجة هذا الخداع والتزوير وكذب على أبيه أكثر من أربع مرات حتى أوقعه مع كبر سنه وذهاب بصره في أذى الارتعاد العظيم جدا حيث علم بالخديعة " تك 27 :

 33 " .

 

                                       صفحة 121

 

 أقول :

 قد قدمنا لك في الباب الأول من هذه المقدمة ما يدل بأوضح دلالة على أن مثل هذه المخادعة والتزوير والكذب المتكرر على الأب النبي العاجز الكال البصر مناقضة لورود النبوة على يعقوب خصوصا مع دلالة هذا العمل المذكور عنه على ضعف الإيمان والمعرفة بالله بسبب البناء على أن البركات الله التي هي من مفاتيح النبوة وسلسلة عهده مع إبراهيم تستلب من الله ونبيه إسحاق بمثل هذه المخادعات والتزويرات القبيحة،  فلا بد من القول بكون هذه الحكاية ليست من الوحي ولا صادقة مضافا إلى سخافتها في نفسها ومنافاتها لجلال الله الحكيم الغني علام الغيوب لأنه إن فرضت هذه البركة وما يتبعها من الشؤون العظيمة مقدرة من الله ليعقوب،  كما عن وحي ملاخي عن قول الله أحببت يعقوب وأبغضت عيسو " مل،  1 :

 2 و 3 "،  وكما عن الوحي لامهما من قول الرب لها وهي حبلى بهما،  إن الكبير يكون عبدا للصغير " تك 25 :

 23 ورو 9 :

 11 و 12 " . سألنا أهل العقول السليمة أنه هل يصح في حكمة علام الغيوب أن يقدر هذه البركة التي هي زمام النبوة أو نفسها لمن تنسب له هذه المخادعات والتزويرات والأكاذيب الناشئة عن ضعف الإيمان والمعرفة بالله أو عدمهما كما ذكرنا،  مع أن اللسان الكاذب مكرهة للرب " 1 م 6 :

 16 و 17 " وكراهة الرب شفتا كذب " ا م 12 :

 22 "، ،  وكيف يجتمع هذا مع كون الله أحب يعقوب ؟ وأيضا في التاسع عشر من الأمثال " 5 " المتكلم بالأكاذيب لا ينجو " 9 " المتكلم بالأكاذيب يهلك . قال فكيف قدرت له هذه البركة العظيمة " انظر تك 27 :

 27 - 30 " . هذا وإن فرض أن أمر هذه البركة موكول إلى جعل إسحاق وأنها تكون حيثما يجعلها سواء كان مخدوعا أو مختارا . سألنا أيضا أهل العقول السليمة كيف يوكل الله العليم الحكيم أمر هذه البركة مع عظيم شأنها إلى جعل إسحاق،  مع أن إسحاق أراد وعزم وجزم على

 

                                       صفحة 122

 

 أن يجعلها ليعسو مبغوض الله ثم جعلها توهما وانخداعا بالكذب ليعقوب بتوهم أنه عيسو فابتع الله إسحاق على وهمه،  أفيعجز الله عن جعل البركة في محلها ولا يعلم حيث يجعل رسالته ؟ . أفيغفل العاقل عن كون هذه القصة خرافة مخالفة للعقل،  مجعولة مكذوبة على الوحي ؟ .

 

                                       صفحة 123

 

 الفصل السادس في نبوة يوسف وما جاء في شأنه أما نبوته فيدل عليها من القرآن الكريم ذكر الله له في عداد الأنبياء الذين فضلهم على العالمين من ذرية إبراهيم " انظر سورة الأنعام 84 - 86 ونص على نبوتهم بقوله تعالى 89 :

 ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة ) . وأما ما جاء في شأنه فقد قال الله تعالى في سورة يوسف في شأنه مع امرأة العزيز 24 ( ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ) . فقال المتكلف " يه 1 ج ص 5 " إن القرآن نسب ليوسف ما هو منزه عنه بقوله :

 ولقد همت به وهم بها أي قصدت مخالطته وقصد مخالطتها .

 

ص 123 :

 

قلت أولا :

 من أين للمتكلف أن المراد قصد مخالطتها ولماذا لا يكون المراد أنه هم بها ضربا ونحو ذلك من وجوه المدافعة عن قداسته . " وثانيا " أن قوله تعالى :

 ( وهم بها ) معلق على عدم رؤيته لبرهان ربه الذي هو العصمة . فمعنى الآية أنه لو لا أن رأى برهان ربه وكان معصوما لهم بها لأجل وجود الدواعي الكثيرة من شبابه وجمال المرأة ورغبتها فيه وخلو المكان وألفتها . ولعل المتكلف إنما لم يذكر في نقله للآية تتمتها،  وهو قوله تعالى :

 ( لولا أن رأى برهان ربه ) لأجل التفاته،  إلا أن التتمة تنقض غرضه خصوصا ما في

 

                                       صفحة 124

 

 التتمة من قوله تعالى :

 ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء أنه من عبادنا المخلصين ) سيما وقد حكى الله عنه قبل الآية المذكورة قوله :

 ( معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي ) . وحكى جل شأنه عن المرأة 32 ( أنا راودته عن نفسه فاستعصم ) 51 ( أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) فصراحة القرآن تدل على نزاهة يوسف في هذه الحادثة مطلقا .

 

                                       صفحة 125

 

 الفصل السابع في رسالة موسى وما قيل في شأنه أما رسالته في القرآن الكريم فغنية عن البيان،  ويكفي مما يدل على بعثته ورسالته وكتابه ومعجزاته ودعوته ما اقتصه الله جل شأنه في سورة الأعراف 101 - 155 - ولا حاجة إلى بيان رسالته من العهدين فإنها العنوان والأساس لهما . وأما ما قيل في شأنه فقد قال الله جل اسمه في شأنه في سورة القصص 14 ( ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين 15 قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ) . فقال المتكلف " يه 1 ج ص 41 " فقتل القبطي مع أنه لم يكن ذلك مباحا له ولم يكن قتله على سبيل الخطأ بل كان قتل عمد وعدوان لقوله هذا من عمل الشيطان . وقوله :

 ( رب إني ظلمت نفسي ) وقوله في سورة الشعراء 19 :

 ( فعلتها إذا وأنا من الضالين ) . أقول :

 لا يخفى إن بني إسرائيل حينئذ كانوا مؤمنين بالله موحدين له يعرفونه باسمه المقدس ( اهيه الذي اهيه . ويهوه إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ) وهم شعب الله " انظر إلى ثالث الخروج " وأبناء الله أي أولياءه " خر 4 :

 23 "

 

                                       صفحة 126

 

 وكان المصريون مشركين يعبدون البهائم " خر 8 :

 26 " . فلما رأى موسى الذي من شيعته في الدين مع الذي من عدوه في الدين يقتتلان حسن منه دفاع المشرك عن الموحد فوكزه فقضى عليه . ولا يتبين من الآية أنه وكزه ليقتله بل سوقها يعطي أنه أراد به مجرد الضرب للدفاع فصادف قتله خطأ فيجوز في نفس الواقعة أن يكون دفاع موسى للقبطي جائزا،  ويجوز أيضا أن يكون قتله جائزا ولو لأجل دفاع عابد الوثن عن الموحد خصوصا والعادة تقضي أن يكون القبطي هو الظالم المعتدي لكون بني إسرائيل حينئذ تحت عبودية المصريين القاسية وهذا الدفاع والقتل كان على حين غفلة من أهل المدينة يمكن ستره في وقته بحيث لا يتعقبه ضرر فعلي ليكون حراما من هذه الجهة،  ولكن كان الأفضل لموسى تركه سترا على نفسه المقدسة أو على بني إسرائيل من تجسس المصريين وتهمتهم أو أخبار الإسرائيلي إذا غضب وساء خلقه،  فلما مات القبطي وعلم موسى أنه وقع في خلاف الأفضل قال إنه من عمل الشيطان يعني إغواء المصري على العدوان أو إغواء الإسرائيلي على المقاومة أو إقدامه على خلاف الأفضل ليثير الشيطان شر المصريين على بني إسرائيل فقال على وتيرة الصديقين الذين يفزعون من تركهم الأفضل ( ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) ليعود إلى مقامه الرفيع فغفر له . وأما قوله ( فعلتها إذا وأنا من الضالين ) فلا دلالة فيه على أنه فعل حراما لأنا قد قدمنا في الفصل الثاني من عصمة نوح أن المعنى الموضوع له لفظ الضلال بل والمستعمل فيه غير مختص بمعصية الله ومخالفة أمره ونهيه اللازمين بل هو إضاعة الطريق ويختلف باختلاف متعلقه . ومن الواضح أن النبي بعد أن يهديه الله بنور النبوة إلى الحق اليقين . ويكشف له بمشاهداتها عن أسرار اللاهوت والملكوت يرى أنه كان قبلها كالميت الذي أحياه الله . والجماد الذي نعشه بروح القدس فيحق له أن يصف حاله فيما قبلها بالضلال الذي هو إضاعة الطريق عما اهتدى إليه بنور الوحي . فالظاهر من سوق الآية وما قبلها أن موسى لما أخبر فرعون بأنه رسول

 

                                       صفحة 127

 

 رب العالمين وأمره بأن يرسل معه بني إسرائيل ألقى عليه فرعون جملة من الكلام تتضمن أمرين " أحدهما " الامتنان عليه بتربيتهم وإيوائهم له " وثانيهما " التهكم على دعواه الرسالة وإنكارها بأنهم هم الذين ربوه من الطفولية ولبث فيما بينهم سنين من عمره وآخر أمره كفر نعمتهم وفعل فعل الأشرار فقتل منهم نفسا فمتى جاءته النبوة فأجاب موسى عليه السلام بما معناه إني في آخر مكثي معكم حينما

 

ص 127 :

 

فعلت الفعلة وقتلت النفس لم أكن رسولا بل كنت من الضالين عن هدى الرسالة إلى الحق اليقين،  ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين . وأما التربية والمكث بينكم فقد كان ذلك من آثار استعبادكم القاسي لقومي المؤمنين أولاد الأنبياء،  فتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل " انظر سورة الشعراء 15 - 22 "،  وهب أن ما ذكرناه مع وضوحه احتمالا في الآيات والواقعة،  فلماذا لا يمنع المتكلف من أن يقول جازما إن قتل موسى للقبطي لم يكن مباحا ولم يكن خطأ بل كان قتل عمد وعدوان . وقال الله تعالى في سورة الشعراء حكاية عن موسى لما أرسله إلى فرعون 11 ( قال رب إني أخاف أن يكذبون 12 ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون 13 ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون 14 قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون ) . فقال المتكلف " يه 1 ج ص 14 " إن هذا يدل على أنه لما أمر الله موسى اعتذر عن التوجه بسبب العقدة التي في لسانه وقتله أحد المصريين فطلب من المولى أن يرسل إلى أخيه هارون بأن يبلغ الرسالة والقصة مأخوذة من التوراة وإنما دأب القرآن الاستخفاف بالخطايا فلم يذكر غضب الله على موسى كما ذكرته التوراة،  فموسى ترك الأفضل . أقول :

 ليس في الآيات شئ من الدلالة على اعتذار موسى عن التوجه إلى ما أرسل إليه،  وإنما كان كلامه هذا حرصا على حصول الغرض من رسالته وطلبا لليقين بحصوله بإبداء الموانع منه،  ولم يطلب تحويل الرسالة عنه إلى هارون إذ لا دلالة في قوله :

 أرسل إلى هارون على طلب الاستبدال به بل غاية

 

                                       صفحة 128

 

 ما يدل على طلب الرسالة لهارون،  وأن الموارد الأخر من القرآن لتشهد بأنه طلب الرسالة لهارون معه ليكون ذلك أنجح لحصول الغرض،  فقد حكى الله عنه في سورة القصص قوله 34 :

 ( وهارون أخي هو أفصح مني لسانا فارسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون 35 قال سنشد عضدك بأخيك ) وفي سورة طه 30 ( واجعل لي وزيرا من أهلي 31 هارون أخي 32 اشدد به أزري 33 وأشركه في أمري - 36 قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ) . بل يدل في خصوص المورد ما تقدم من قوله تعالى :

 " كلا " أي لا تخف من القتل ولا يصلون إليك بسوء فاذهبا بآياتنا فإن قوله تعالى :

 ( فاذهبا بآياتنا ) دال بواسطة الفاء التفريعية على أن الأمر بذهابهما معا إجابة لمطلوب موسى وإيتاء لسؤله بقوله :

 " فأرسل إلى هارون " وكاشف عن أن المطلوب لموسى هو إرسال هارون معه لا الاستبدال به . ولئن تنزلنا قلنا الذي المعرفة :

 أفلا يكون ما ذكرنا في دلالة الآيات احتمالا يمنع المتكلف عن جزمه في دعواه ولكنه قد امتلأ سمعه وقلبه من صراحة التوراة الرائجة في نقلها استعفاء موسى من الرسالة بلسان غير لين ولا موافق للأدب فصار يحمل ذلك على عاتق القرآن وحاشا وكلا . ففي رابع الخروج " 10 " فقال موسى للرب :

 استمع أيها السيد لست أنا صاحب كلام منذ أمس ولا أول أمس ولا من حين كلمت عبدك،  بل أنا ثقيل الفم واللسان " 11 " فقال له الرب :

 من صنع للإنسان فما أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصيرا أو أعمى ؟ أما هو أنا الرب " 12 " فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به " 13 " فقال استمع أيها السيد أرسل بيد من ترسل " 14 " فحمى غضب الرب على موسى وقال :

 أليس هارون اللاوي أخاك أنا أعلم أنه هو يتكلم إلى آخره . وأنك لترى أن سوق الكلام القول المنسوب إلى موسى أخيرا :

 " استمع أيها السيد أرسل بيد من ترسل " يعطي ما معناه أني لا أعتمد على هذا الوعد ولا أصغي إلى هذه الحجة،  بل اختر لرسالتك رسولا غيري . وحق أن يحمي غضب الله لذلك اللهم إني أعوذ بك أن انسب مثل هذا لقدس رسولك

 

                                       صفحة 129

 

 وكليمك موسى . وأن انسب لجلال وجهك أن ترسل من يرد عليك بمثل هذا الرد . وأما قول المتكلف فيما تقدم من كلامه إنما دأب القرآن الاستخفاف بالذنوب فنقول فيه :

 إن القرآن الكريم كلام الله العليم الحكيم لم يجر على مجرى العهدين الرائجين في الوقيعة بقدس موسى والأنبياء ونسبة فضائح الذنوب والكفر إليهم كما سنذكر بعضه في هذه المقدمة إن شاء الله ولم يكن القرآن ليجمع على العقل والنقل بين المتناقضين وهما الرسالة وقبائح الذنوب . وأما قوله :

 إن موسى ترك الأفضل فهو من الظرائف أفما ذكر عنه في التوراة في خطابه مع الله يعد من ترك الأفضل،  أو أن ترك الأفضل يستدعي غضب الله،  ولعل المتكلف سمع من المسلمين بلفظ ترك الأفضل ولم يصل إلى حقيقة المراد منه . وأما ما ورد في القرآن الكريم في سورة الكهف 64 - 82 في الحكاية عن شأن موسى والرجل الذي آتاه الله شيئا من علم الغيب من قوله تعالى :

 ( فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما ) إلى قوله تعالى :

 ( وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) فقد حاول المتكلف " يه 1 ج ص 42 " أن يجعل فيه قدحا بقدس موسى وأنى له ذلك .

 

ص 129 :

 

ولنكشف نقاب الغفلة عن وجه هذه الآيات،  فلا يذهب عليك أن الله جلت عظمته وعظمت آلاؤه قد قسم رحمته وفضله على عباده حسبما اقتضته حكمته في خلقه فأنعم على هذا العبد الصالح الذي يقال إنه الخضر بشئ من علم الغيب وأسرار الحقائق،  وأنعم على موسى كليمه فخصه في ذلك العصر بسيادة الرسالة بالشريعة وحقائق العرفان بالله وقوانين السياسة المدنية والسيطرة على تربية الناس وتأديبهم على ذلك بالدعوة إليه والاجراء له حسب فرصة الوقت من الاجراء بالقول والفعل وعلى حكمة التمدن من مراعاة ظاهر الحال وحجبه عن علم الغيب الذي لا مسيس له بحكمة وظيفته،  فلما اجتمع موسى مع ذلك العبد الصالح طلب منه أن يطلعه على شطر مما منحه الله من علم الغيب ولم يتواطئا على أن يكون كل ذلك بأسرار الأفعال الجارية بحسب

 

                                       صفحة 130

 

 ظواهرها على خلاف الشريعة التي جعل تبليغها وسيطرتها لموسى،  فكان العبد الصالح يفعل الأفعال على مقتضى حقائقها وأسرارها الغيبة،  وكان موسى يعترض فيها على مقتضى وظيفته في القوانين الشرعية والسياسات المدنية . ولم يظهر من القرآن أن موسى كان مذعنا بعصمة ذلك العبد الصالح في جميع أفعاله عن الخطأ والجهل ليكون الاعتراض من موسى عليه مناقبا للإذعان بعصمته فيسوغ لموسى السكوت عما يخالف ظاهرة الشريعة إلى أن يخبره بسره الغيبي،  ولم يظهر من القرآن أن ذلك الرجل كان رسولا واجب العصمة . نعم يظهر من القرآن أن موسى كان معتقدا بصدقه في دعواه بأن ما صدر من أفعاله المشار إليها إنما هو لكشف غيبي،  ووصول إلى حقائقها لا لغفلة أو خطأ في شريعتها . هذا ويجوز أن يكون اعتراض موسى على وجه الاستعلام عن الحقيقة والاستكشاف لغيبها،  ويكون قوله شيئا أمرا وشيئا نكرا،  إنما هو بحسب مزاعم الناس الذين لا يعلمون بحقيقة الرجل واطلاعه على بعض الغيب فلا ينبغي لغير المتسرع في غفلاته أن يتوهم في دلالة الآيات شيئا من القدح بقدس موسى . ثم قال المتكلف في هذا المقام " يه 1 ج ص 42 " والظاهر أن محمدا أخذ هذه القصة من أقوال أهل عصره أو من خرافات اليهود فإنه لا وجود لها في التوراة التي هي أقدم كتاب في الدنيا . قلت :

 من أين للمتكلف حصر الحقائق والوقائع التاريخية بما ذكر في التوراة،  ومن أين له أن التوراة أقدم كتاب في الدنيا ؟ أفتقبل هذه الدعاوى الكبيرة بلا برهان مقبول ؟ وكأن المتكلف لا ينزه القرآن من الخرافات حتى يذكر ما في التوراة من خوف الله من آدم أن يأكل من شجرة الحياة لأنه صار مثل الله في معرفة الخير والشر " انظر تك 3 :

 22 " . وأكل الملائكة من الزبد واللبن والعجل الذي قدمه لهم إبراهيم :

 " تك 18 :

 8 " .

 

                                       صفحة 131

 

 ومصارعة يعقوب مع الله حتى أنه لم يقدر على يعقوب فطلب منه أن يطلقه فلم يطلقه حتى باركه " انظر تك 32 :

 22 - 30 " . ومخادعة صفوره لله حين التقى موسيى وطلب أن يقتله بعد أن أرسله ووعده " انظر خر 4 :

 24 - 27 "،  وفي هذا المقدار كفاية فإن الإكثار منه يخرج عن حد البحث إلى سوء القالة . وأما قوله تعالى في سورة الشعراء 42 ( قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون ) فلم يكن قول موسى فيه لسحرة فرعون إذنا في السحر أو بعثا عليه ليكون قد فعل حراما بذلك كما زعم المتكلف،  بل إنما حقيقته اختياره التأخر في إلقائه العصا عما صمموا عليه من السحر بإلقاء حبالهم وعصيهم،  كما يفيده قوله تعالى ( ما أنتم ملقون ) أي ما أنتم مصممون على إلقائه حيث جمعهم فرعون ليقابلوا بسحرهم معجزة موسى،  ويكشف عن ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف 112 ( قالوا يا موسى أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين ) . 113 قال :

 ألقوا،  وفي سورة طه 68 ( قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى 69 ( قال بل ألقوا ) . وإنا لنسأل المتكلف من أين أخذ قوله قال علماء الإسلام :

 إنه أذن لهم في السحر،  وإن السحر كان جائزا . ولا نقل للمتكلف أن العهد القديم يذكر عن إيليا النبي أنه أمر أنبياء البعل " صنم " أن يذبحوا له محرقة ويدعوا باسم آلهتهم ففعلوا ذلك باقتراحه حسب العادة في عبادة المشركين من الصباح إلى الظهر قائلين :

 يا بعل أجبنا،  كل ذلك بمحضر إيليا وبني إسرائيل،  وزاد إيليا على ذلك بقوله :

 ادعوا بصوت عال لأنه إله لعله نائم ونحو ذلك،  كل هذا ليظهر لهم معجزته " 1 مل 18 :

 23 - 30 " . لأنا نقول لك أولا :

 لا قياس بين الأمرين فإن موسى لم يأذن بمقتضى القرآن بالسحر ولا اقتراحه ابتداء ولا بعث عليه كما ذكرنا بخلاف ما يذكره العهد القديم عن إيليا من أنه هو المقترح للعبادة الشركية للبعل والباعث عليها فسماه إلها .

 

                                       صفحة 132

 

 " وثانيا " إن المتكلف لا يتحاشى في هذا الحال عن أن يقول نعم إن إيليا أخطأ هاهنا وتحمل إثم العبادة الشركية وفعل خلاف الأفضل دلالة على ضعف الطبيعة البشرية كهارون وسليمان وغيرهما من الأنبياء .

 

ص 132 :

 

وأما قوله تعالى في شأن موسى في سورة الأعراف 149 ( ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه ) فلم يعين القرآن أن أخذ موسى رأس أخيه وجره إليه كان على وجه الإهانة والإذلال في التعزير بحسب متعارف ذلك الوقت في بني إسرائيل،  بل يجوز أن يكون بحسب المتعارف من أحوال بني إسرائيل من أهون أوضاع العتاب فإن العهدين ليوضحان بنقلهما لسير بني إسرائيل أنهم كان عندهم تمزيق الثياب عند الغضب والتألم بمنزلة الحولقة والتمرغ على الأرض بمنزلة الاسترجاع " انظر أقلا إلى السقوط على الأرض وتمزيق الثياب من أنبيائهم وملوكهم الذين هم أولى بالوقار والتحمل " تك 37 :

 29 و 34 وعد 14 :

 5 و 6 و 16 :

 4 و 22 و 45 و 20 :

 6 ويش 7 :

 6 و 2 صم 1 :

 11 و 3 :

 31 و 13 :

 31 و 2 مل 2 :

 12 و 5 :

 7 و 19 :

 1 و 22 :

 11 وخر 11 :

 1 ومت 26 :

 65 " . وقد كان موسى حينئذ حريا بالغضب لله إذ شاهد ذلك الأمر العظيم من قومه،  وأن المتكلف " يه 2 ج ص 56 س 4 " جعل ما ذكره القرآن من فعل موسى مع هارون من فعل السفهاء . وانطر أنت إلى ما نذكره في هذا الفصل مما نسبته التوراة الرائجة لموسى في خطابه مع الله وقل إنه كخطاب من يكون،  وفي خامس الخروج " 22 " فرجع إلى الرب وقال :

 يا سيدي لماذا أسأت إلى هذا الشعب لماذا أرسلتني ؟ . وفي الثاني والثلاثين إذ عبد بنو إسرائيل العجل نسب إلى موسى أنه قال لله " 32 " والآن إن غفرت خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت . وفي حادي عشر العدد " 11 " فقال موسى للرب لماذا أسأت إلى عبدك ؟ حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي " 12 " لعلي حبلت بجميع هذا

 

                                       صفحة 133

 

 الشعب أو لعلي حتى تقول احمله في حضنك " 15 " فإن كنت تفعل بي هذا فاقتلني قتلا . ولما وعده الله بقول التوراة عند ذلك أن يخفف عنه ثقل بني إسرائيل ويطعمهم اللحم شهرا من الزمان " 21 " فقال موسى ستمائة ألف هو الشعب الذي أنا في وسطه،  وأنت قلت اعطيهم لحما ليأكلوا شهرا من الزمان " 22 " أيذبح غنم وبقر ليكفيهم أم يجمع لهم كل سمك البحر ليكفيهم " 23 " فقال الرب لموسى هل تقصر يد الرب الآن ترى يوافيك كلامي أم لا إنتهى . فانظر يا ذا المعرفة واللسان ولحن المحاورات ومواقع الأدب والجرأة والطلب والشك والتهكم والسخرية وسوء الأدب في الكلام،  والتفت إلى مواقع هذا الكلام المنسوب لموسى مع الله وحاشاه . وانظر أين الأقوال الأخيرة من قول الله في القرآن الكريم :

 ( رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) . أفقول إبراهيم هذا مع اعترافه بالإيمان وطلبه لاطمئنان قلبه بانضمام الحس إلى العقل يكون شكا في قدرة الله،  أم هذا القول المنسوب صدوره لموسى بعد ما رأى من آيات الله العظيمة في مصر وبعد خروجهم منها ما رأى سيما وقد رأى كيف أنزل الله عليهم المن في برية سين قبل ورودهم برية سينا حسب كفاية بني إسرائيل وزيادة " خر 16 :

 1 - 6 " وبمقتضى التوراة أن هذا الكلام المنسوب لموسى كان في قبروت هتاوه إذ اشتهى بنو إسرائيل اللحم بعد أشهر من نزول المن " عد 11 :

 4 - 34 " . ثم انظر أيها الفطن إلى أنه هل تليق هذه الأقوال والمخاطبات لله العظيم بوظائف الأنبياء المرسلين لأجل ردع الناس عن مثل هذه الجرأة على الله،  وتعريفهم عظمة الله وحكمته وقدرته وتعليمهم أن أوامره نعمة وتكاليفه لطف ونبوته عناية ورحمة ورسالته فضل منه وتحمل مشقاتها عبادة وجهاد في سبيله وأن الذي يمحى من كتابه من الهالكين . وذكرت التوراة عن قول الله في شأن موسى وهارون إنهما لم يؤمنا بالله

 

                                       صفحة 134

 

 " عد 20،  12 " وعصيا قوله عد " 27 :

 14 " وخاناه " تث 32 :

 51 " حتى أن موسى فرط بشفتيه " مز 106 :

 33 " وليت شعري ماذا فرط بشفتيه وحاشاه ومع هذا كله والمتكلف يقول ويكتب " يه 1 ج ص 42 س 18 " . أما التوراة فلم تذكر يعني في شأن موسى سوى أنه اعتذر بثقل لسانه،  ولعله يقول أيضا :

 أن اعتذار موسى كان بألين الكلام وأحسنه أدبا فيا لهفاه على الناس لو كانت رسل الله إليهم ودعاتهم إلى الحق وإدلاؤهم إلى الله وهداتهم إلى الرشد على مثل هذه الصفات وحاشا لله من ذلك .

 

                                       صفحة 135

 

 الفصل الثامن في رسالة هارون وما ذكر في شأنه أما رسالته في القرآن الكريم فيكفي فيها قوله تعالى في سورة مريم 54 ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) وفي سورة قد أفلح 47 ( ولقد أرسلنا موسى وأخاه هارون ) . وأما في العهدين ففي السابع من الخروج " 1 " فقال الرب لموسى انظر أنا جعلتك إلها لفرعون وهارون أخوك يكون نبيك،  ولئن أبيت هذا فيكفي من التوراة صراحتها بأن الله كلم هارون في أمور الشريعة ولوازم الرسالة مع موسى ومنفردا ففيها ما لفظه وكلم الله موسى وهارون وقال الله لموسى وهارون ما يزيد

 

ص 135 :

 

على ثلاثة عشر موردا " انظر أقلا خر 7 :

 8 و 12 :

 43 ولا 11 :

 1 "،  وكلم الرب هارون " لا 10 :

 8 "،  وقال الرب لهارون :

 " عد 18 :

 1 و 20 " . وفي الثاني عشر من صموئيل الأول " 8 " أرسل الرب موسى وهارون وفي المزمور الخامس عبد المائة " 26 " أرسل موسى عبده وهارون الذي اختاره وفي المزمور السادس عبد المائة " 16 " وهارون قدوس الرب . وفي التوراة أنه ظهرت على يده معجزة عصاه ويكفي من ذلك " خر 7 :

 10 و 20 " وأنه صنع الآيات أمام عيون الشعب " خر 4 :

 30 " . وأما ما ذكر في شأنه فقد ذكرنا عن التوراة قولها في شأنه وشأن موسى قولها أنهما لم يؤمنا بالله وعصياه وخاناه .

 

                                       صفحة 136

 

 وفي الثاني والثلاثين من الخروج " 1 " ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له :

 قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا . " 2 " فقال لهم هارون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وائتوني بها،  فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها هارون . " 4 " فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالازميل وصنعه عجلا مسبوكا فقالوا هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر . " 5 " فلما نظر هارون بني مذبحا أمامه وقال غدا عيد الرب . " 6 " فبكروا في الصباح وأصعدوا محرقات وقدموا ذبائح . فأقول :

 وإن ما تذكره التوراة من صنع هارون العجل إجابة لطلب بني إسرائيل منه أن يصنع لهم آلهة،  لهو بمنزلة الإخبار القولي الصريح بأن العجل إلههم،  وبمنزلة الدعوة الصريحة إلى عبادته،  وزاد على ذلك في الصراحة بأن بنى مذبحا أمام العجل ونادى بالعيد على الرسم المألوف للعبادة،  بل إن بناءه للمذبح ونداءه للعيد عبادة منه في الظاهر للعجل الذي تبانوا على أنه إلههم . فإذا كان الاعتقاد في هذا المقام موافقا للقول والعمل،  كان القول والعمل عبادة ظاهرا وواقعا،  وإن كان الاعتقاد مخالفا لهما كانا عبادة منه في محض الظاهر،  وينضم إلى قبحها قبح الإضلال للناس وحملهم على الشرك بالله كفعل إبليس،  وعلى كل حال فالتوراة الرائجة صريحة في أن هارون وحاشاه صنع العجل ليتخذه بنو إسرائيل إلها لهم وعبده وأمر بعبادته ولم تتعرض لبيان أن اعتقاده كان مخالفا للظاهر . وقد أنكر المتكلف " يه 1 ج ص 35 " على صاحب السيف الحميدي قوله ورد في سفر الخروج أن هارون صور العجل وعبده وأمر بني إسرائيل بعبادته فجعل المتكلف هذا القول افتراء على هارون فرية كبرى . فأقول :

 أولا لا يخفى على الغبي أن صاحب السيف الحميدي كان

 

                                       صفحة 137

 

 باعتراضه منزها لهارون والتوراة الحقيقية عن هذه النسب،  بل يقول إن هذه الأقوال افتراء على هارون قدوس الله وعلى التوراة الحقيقية كتاب الله . " وثانيا " إن قول التوراة الرائجة فلما نظر هارون بنى مذبحا أمامه ونادى غدا عيد الرب قد بتره المتكلف عند نقله لهذا المقام ليموه اعتذاره البارد بأن هارون طلب من بني إسرائيل أقراط الذهب ليصرفهم ويماطلهم في مطلوبهم إلى أن يأتي موسى . أجل فلماذا فعل وصنع العجل الذي أرادوه إلها ؟ أو ليس اللازم على المؤمن فضلا عن النبي الرسول أن يبذل نفسه وما يعز عليه في المحاماة عن التوحيد،  ولماذا لما سمعهم يقولون عنه هذه آلهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر ورأى عكوفهم عليه على أنه إله بنى مذبحا أمامه ودعى للعيد . وأن المتكلف هل يحصر العبادة بوضع خاص أو قول خاص،  أو ليس من الواضح أن أولاها وأظهرها القول والإعلام بأن هذا إله،  ثم التطوع له وترتيب آثار الألوهية،  وقد نسبت التوراة الرائجة كل هذا لهارون . فيا أيها الذين لا يجوزون كذب النبي في التبليغ،  ولا يجوزون على الله أن يرسل النبي الكاذب في تبليغه كيف جوزتم على النبي الرسول أن يصنع وثنا لمن يدعوه إلها ويدعو إلى الشرك بالله وعبادة الأوثان ويعين عليهما بفعله وجعلتم ما تضمن ذلك من الوحي والإلهام . وليت شعري كيف يجتمع هذا الذي تذكره التوراة في شأن هارون مع ما ذكرته قبل ذلك من تكليم الله لموسى في شأن هارون أيضا وزيادة عنايته به في استخدامه زيادة على النبوة والرسالة بتوظيفه للكهنوت والرئاسة الدينية للتقديس وتكفير الخطايا وتعليم الشريعة وسدانة خيمة الاجتماع وزاد في العناية بالتفصيل الضافي لثياب كهنوته للمجد والبهاء وتلوينها وتزيينها وترصيعها وكان هذا التكليم المطنب على طور سينا في صعود موسى الذي تذكر التوراة أن هارون صنع في أثنائه العجل إلها لبني إسرائيل وعبده ودعا لعبادته حينما أبطأ موسى في النزول من الجبل " انظر إلى الثامن والعشرين من الخروج بتمامه ولاحظه مع " خر 24 :

 12 - 32 :

 9 " .

 

                                       صفحة 138

 

 وأسأل المتكلف هل كان الله يعلم حينئذ بما يصنعه هارون من العجل وعبادته والدعوة إليها وتساهل معه أو تقول غير ذلك تعالى الله علوا كبيرا . وكيف ثم كيف يجوز العقل والعقلاء أن يرسل الله رسولا ويوظفه لخدمته

 

ص 138 :

 

في الوظائف العظيمة وحفظ شريعته ويؤيده بإظهار عنايته به مع أن ذلك الرجل يساعد على الضلال والشرك ثم يظهره أو يعتقده ويدعو إليه ويغوي المؤمنين . أترى أن واحدا من ملوك الدنيا يعتني هذه العناية بمن يعلم أنه يضل رعيته ويهيأ لهم التمرد على شريعته وسلطانه،  أو ليس أهون من ذلك أن يكون الرسول موحدا في الظاهر والباطن محافظا على التوحيد والدعوة إليه ولكنه يكذب قليلا أو كثيرا في تبليغ الأحكام التي لا تضر بأصل الإيمان وجوهر الشريعة . ومن الظرائف فرار بعضهم كصاحب ميزان الحق إلى إنكار نبوة هارون ورسالته فكابر في ذلك ما ذكرنا من صراحة العهدين . ولقد صرف المتكلف فيما نحن فيه كلاما كثيرا لا ينفعه حتى في المغالطة انظر إلى " يه 1 ج ص 36 و 37 " . واستشهد أيضا حيرة منه بآيات كثيرة من القرآن الكريم تنقض عليه بصراحتها غرضه . ومنها قول الله جل اسمه في سورة طه 87 - 95 وآخرها قوله تعالى :

 ( ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمان فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ) . أفترى المتكلف توهم من هذه الآيات وخصوص الأخيرة أن معناها أن هارون صنع العجل إلها لبني إسرائيل وإجابة لطلبهم ذلك منه،  وبنى مذبحا ودعى إلى العيد . ثم إن المتكلف لما شعر بارتباكه في هذا المقام ولم يجد من طول كلامه طائلا فر إلى الانتقاد بوهمه على القرآن ورسول الله ونسب " يه 1 ج ص 37 " الخلط والغلط بتسميته صانع العجل المذكور بالسامري وجعلها من الجهل التام

 

                                       صفحة 139

 

 بالتاريخ وبعلم توقيع البلدان وادعى بغفلته " يه 2 ج ص 55 " أنه لم يكن في عصر موسى شئ يقال سامرة ولا سامرى . فأقول :

 والذي دعى المتكلف إلى هذا التهور والإقدام ما في السادس عشر من الملوك الأول في التراجم العربية الجديدة في ذكر عمري ملك إسرائيل الذي ملك بعد سليمان بن داود بخمسين سنة تقريبا " 24 "،  واشترى جبل السامرة من شامر بوزنتين من الفضة وبنى على الجبل ودعى المدينة التي بناها باسم شامر السامرة،  فأضاف المتكلف إلى ذلك بوهمه مقدمتين إحداهما أنه لم يقع في خلق الله في جميع الأمكنة والأزمنة منشأ للتسمية بالسامري حتى بنى عمري مدينته المذكورة،  " وثانيهما " أن القرآن تبع في تسميته صانع العجل بالسامري لما ذكرناه عن الملوك الأول،  وأن دعوى هاتين المقدمتين لتحتاج إلى الإلهام ولعل المتكلف يدعيه ولم يختص بهذا بل سبقه إليه المتعرب " ذ ص 50 " فادعى أنه لا يمكن أن يكون في بني إسرائيل على عهد موسى سامري وأن هذا النعت لم ينعت به إلا بعد جلاء بابل . إذا سمعت هذا فاعلم أنه كل ما جاء في العهد القديم من اسم السامرة المذكورة فإنما لفظه في الأصل العبراني " شمرون "،  وعلى ذلك جرت النسخة الفارسية المطبوعة في ادن برغ سنة 1845 و 1846 حتى في العهد الجديد الذي ترجمه هنري مارتن،  وعليه أيضا جرت النسخة العربية المطبوعة سنة 1811 م في العهد القديم منها . والترجمة العبرانية للعهد الجديد وجرت على نهج الأصل العبراني للعهد القديم فسمت السامري " شمروني "،  والسامرية " شمرونيت " والسامريين " شمرونيم "،  " انظر أقلا مت 10 :

 5 ويو 4 :

 4 و 9 و 8 :

 48 " . ولا بد أن يتضح لك من ذلك أن سامرة وسامر تعريب شمرون في اللغة العبرانية،  وسامري تعريب شمروني،  وسامريين تعريب شمرونيم . وحينئذ فاعلم أنه لا ينحصر وجه التسمية بالسامري بالنسبة إلى ما بناه عمري بعد زمان سليمان،  بل إن من المدن التي افتتحها يوشع بن نون ووقعت في سهم سبط زبولون مدينة شمرون،  وكان لها ملك فلا بد أن تكون موجودة

 

                                       صفحة 140

 

 في عصر موسى لقرب الزمان " انظر إلى يش 11 :

 1 و 12 :

 20 و 19 :

 15 " فيكون تعريبها سامرة،  والمنسوب إليها سامري،  وهذا كاف في جهل المتكلف والمعرب . ويبقى السؤال على كثير من تراجم العهدين بالعربية،  وهو أنه لماذا عربوا شمرون مدينة عمري بالسامرة وتركوا في التعريب شمرون التي افتتحها يوشع في تراجمهم على حالها . دع هذا فحقيقة الحال أن من أولاد يساكر ابن يعقوب من اسمه " شمرون " " تك 46 :

 13 وعد 26 :

 24 وأي 7 :

 21 " . وكان بنوه من عشائر بني إسرائيل المعدودين في الجند على عهد موسى وسميت عشيرتهم في الأصل العبراني " هشمرونيم " " عدد 26 :

 24 " وبمقتضى ما ذكرنا من التعريب يكون اسمهم في العربية السامريين وواحدهم سامري،  ولئن تهازل المتكلف معجبا بعلمه ومعارفه . وقال " يه 1 ج ص 37 " لا نعلم من أين أتى هذا السامري هل نزل من السماء أم طلع من الأرض ؟ قلنا إنا لنعذرك في مبلغ اطلاعك وتهوراتك ونخبزك بمقتضى العهد القديم أنه جاء من سبط يساكر من عشيرة " هشمرونيم " باللفظ العبراني والسامريين بالعربي .

 

                                       صفحة 141

 

 الفصل التاسع في رسالة أيوب وما ذكر في شأنه أما نبوته ورسالته في القرآن الكريم فيكفي فيها أن عده الله في عداد من

 

ص 141 :

 

أوحى إليه من الرسل المبشرين والمنذرين لتقوم بهم الحجة " انظر إلى سورة النساء 161 - 163 . وجاء في شأنه قوله تعالى في سورة ص 44 :

 ( إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب " . وأما نبوته في العهدين فقد تكرر ذكر تكليم الله له ووحيه إليه " انظر أي 38 :

 1 و 40 :

 1 و 6 و 42 :

 7 " . وما يدل على أنه كان عظيما عند الله يخلص نفسه ببره " مز 14 :

 14 و 20 " وأنه ليس مثله في الأرض رجل كامل ومستقيم يتقي الله ويحيد عن الشر " أي 1 :

 8 و 2 :

 3 " . وفي الخامس من رسالة يعقوب " 11 " قد سمعتم صبر أيوب . ومع ذلك قد جاء عنه في العهد القديم من الاعتراض على أمر الله،  والضجر من ابتلائه،  وسوء الأدب،  في الاعتراض على الله والتألم من الوعظ والإرشاد ما لا ينبغي أن يصدر من أجهل جهال الأشرار . فقيل عنه إنه جعل القضاء ظلما بكلام بلا معرفة " أي 38 :

 2 " وصار

 

                                       صفحة 142

 

 يطلب المحاكمة مع الله " أي 19 :

 7 و 23 :

 3 - 9 " ويعرض بنسبة الظلم إليه تعالى الله عن ذلك " أي 10 :

 3 و 19 :

 7 " وإن الله نزع حقه " أي 27 :

 2 " ولفق فوق إثمه " أي 14 :

 17 " . وانظر الكلام المنسوب له في السفر المسمى باسمه تجد العجب العجيب " انظر أقلا أي 9 :

 21 - 24 و 28 - 35 و 10 :

 1 - 8 "،  فهل يجتمع صدق هذا النقل عنه مع صدق المنقول في رسالة يعقوب . قد سمعتم صبر أيوب،  وهل يجتمع هذا مع النبوة والرسالة التي من مهمات مقاصدها قطع مادة هذا الفساد .

 

                                       صفحة 143

 

 الفصل العاشر في نبوة داود وما ذكر في شأنه أما نبوته في القرآن الكريم فيكفي فيها قوله تعالى في سورة بني إسرائيل ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا " . وعده في جملة الرسل الموحي إليهم كما في سورة النساء 161 - 163،  ( وانظر إلى سورة الأنعام 84 - 90 . وأما في العهدين ففي الثالث والعشرين من صموئيل الثاني 1 وحي داود ابن يسي ووحي الرجل القائم في العلا روح الرب تكلم بي وكلمته على لساني 3 قال إله إسرائيل إلي تكلم صخرة إسرائيل . وفي ثاني عشر مرقس 36 لأن داود يدعوه بالروح القدس ربا،  ونحوه في الثاني والعشرين من متى . وفي ثاني الأعمال 30 صرح ما عن بطرس بأن داود كان نيبا،  وفي أول رسالة العبرانيين المنسوبة إلى بولس استشهد بفقرات عديدة من المزامير وجعلها قول الله . وأما ما ذكر في شأنه ففي القرآن الكريم في سورة ص 20 ( وهل أتيك نبوء الخصم إذ تسوروا المحراب ) 12 إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض - 22 إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني بالخطاب 23 قال لقد ظلمك بسؤال

 

                                       صفحة 144

 

 نعجتك إلى نعاجه - وظن داود إنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ) . قال المتكلف يه 1 ج ص 47 كل من أوتي ذرة من الفهم جزم بأن هذه الأقوال مأخوذة من التوراة . يعني أنها مأخوذة من الحادي عشر من صموئيل الثاني حيث ذكر فيه أن داود وحاشاه زنى بامرأة أوريا الحثي الذي هو من جنده المؤمنين على علم بأنها امرأة أوريا وذات بعل فحملت منه وحاول أن يموه حملها منه ويلصقه بأوريا زوجها ثم سعى في قتل أوريا،  وقد تشبث المتكلف لدعوى مطابقة الآيات في المراد لما ذكرنا عن صموئيل الثاني بأقوال بعض المفسرين حيث ذكروا في تفسيرها نحو ما ذكر في صموئيل من الزنا وإلقاء أوريا للقتل وقد قدمناه في المقدمة السابعة أن مثل هذه الأقوال لا تحتفل بها الجامعة الإسلامية ولا يصح الجدل بها،  وأن التشبث بها إنما هو من ضيق الخناق خصوصا مع مصادمتها لحكم العقل بعصمة النبي ومعارضتها بما حكاه المتكلف " يه 1 ج ص 49 " عن تفسير النسفي وغيره من أن داود وقعت عينه على المرأة فأحبها فسأل أوريا النزول له عنها فاستحيا أن يرده ففعل فتزوجها . وما نقله أيضا " يه 1 ج ص 50 " مما روى عن علي عليه السلام أنه قال من حدثكم بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين وهي حد الفرية على الأنبياء فسمى عليه السلام رواة ذلك قصاصا وهم المعتمدون على الخرافات التاريخية،  وصرح بأنه فرية على النبي . وروى الراوندي في قصص الأنبياء عن الإمام السادس من أهل البيت جعفر بن محمد عليهما السلام روايتين بهذا المضمون وتبرئة ساحة داود عن هذا الافتراء . فمن الوهم البين قول المتكلف قبل ذكر الرواية عن علي عليه السلام إن عليا لم يكن زجره إنكارا لحقيقة القصة بل لصرف الناس عن المثالب . وليت شعري ألم يفهم المتكلف معنى قوله عليه السلام حد الفرية على الأنبياء ولم ينظر إلى معنى الفرية في كتب اللغة،  هذا وقد رويت أيضا في تفسير

 

                                       صفحة 145

 

 الآيات روايات متعددة مختلفة المضمون وكلها معارضة لما ذكره أولا عن المفسرين ومبرئة بجامع مضمونها لداود عن الزنا وما بعده،  فانظر إلى كتاب تنزيه الأنبياء للسيد المرتضى " قدس سره " ( 1 ) .

 

ص 145 :

 

فأقول :

 إن من كان له من الفهم ما يهديه إلى الصواب ليجزم بأن مدلول الآيات مباين للقصة المذكورة في حادي عشر صموئيل الثاني،  فإن دعوى أحد الخصمين إن كانت على سبيل المثل لفعل داود كانت هي وجواب داود في القضاء بمقتضى القرآن يدلان على أن الصورة محض الطلب والسؤال للنعجة من دون أخذ لها أو تصرف بها قهرا أو اختلاسا وبمقتضى قانون المثل في مطابقته للممثل أن لا يكون داود تصرف بامرأة أوريا،  وحيث أن الروايات المفسرة للآيات زيادة على تعارضها فيما بينها لم يبلغ بعضها الحد الذي يصح الاعتماد عليه أو الجدل به حسب القانون الذي ذكرناه في المقدمة السابعة فصواب القول في الآيات هو إنها لا دلالة فيها على أن الخصمين من أي نوع كانا،  ولا على أن محاكمتهما كانت صورية لأجل التوبيخ لداود،  ولا على أنه تسرع في القضاء،  ولا على أن فتنته وامتحانه بأي نحو كانا،  فمقتضى ظاهر اللفظ أن المخاصمة غير صورية،  ومقتضى أن داود آتاه الله الحكمة وفصل الخطاب كما في سورة ص 19،  وأنه عن أحكام الله لم يمل لأن الله هو علمه ولم ينس شريعة الله ولم يضل عن وصاياه " مز 119 :

 112 و 109 و 110 " هو أنه لم يتسرع في الحكم ولم يجر على غير قانونه الشرعي . وأما فتنته فيجوز في معناها أن يكون داود قد امتحنه الله بدخول الخصوم من غير الموضع المعتاد للدخول ومخاصمتهم في أمر غير مهم كثيرا حتى فزع وفكر في ذلك،  وأنه ما عسى أن يكون هذا الأمر فشغل بفزعه وفكره زمانا عن وظيفته وطريقته في محراب العبادة من النوافل والتسابيح المندوبة فخر راكعا مسارعة إلى وظيفته وأناب إلى الله عما يعده في تقواه واجتهاده في العبادة زلة من زلات المتقين فطلب من الله المغفرة والعود إلى مقامه الرفيع ومنزلة الصديقين فقال الله جل شأنه في أثر الآيات 24 :

 ( فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) طبع في المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف . ( * )

 

                                       صفحة 146

 

 وحسن مآب )،  وكيف يكون له عند الله زلفى وحسن مآب إذا كان قد اتبع هواه مدة من الزمان كما يزعمون إلى الزنا بذات البعل وتسبيبه قتل زوجها،  وقد قال الله له 25 :

 ( ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) . وأن هاتين الآيتين الأخيرتين يتحصل منهما برهان استثنائي على أن داود لم يتبع الهوى فلم يفعل خطيئة،  وتقريره هو أن كل من يتبع الهوى له عذاب شديد بحكم الآية الأخيرة،  لكن داود ليس له عذاب شديد بل له عند الله زلفى وحسن مآب بحكم الآية التي قبلها،  فينتج بالبداهة أن داود لم يتبع الهوى فكيف تفسر الآيات السابقة ؟ أو يتوهم في معناها ما يناقض هذه النتيجة،  وإذا تدبرت هذا كله عرفت صواب الشيخ السنوسي وجرأة المتكلف عليه " يه 1 ج ص 53 س 16 "،  وسيعلمون غدا من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى . وفي المزمور المائة والتاسع عشر 101 من كل طريق شر منعت رجلي لكي أحفظ كلامك 102 عن أحكامك لم أمل،  لأنك أنت الذي علمتني 110 أما وصاياك فلم أضل عنها . وليت شعري كيف يجتمع هذا المنسوب إلى الإلهام والوحي مع ما سنذكره من العهدين مما يشدد القدح في قدس داود،  وكيف لا يتناقضان ؟ وكيف يكون التناقض ؟ . ففي الحادي عشر من صموئيل الثاني 2 وكان في وقت المساء أن داود قام عن سريره وتمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم وكانت المرأة جميلة جدا 3 فأرسل داود وسأل عنها فقال واحد :

 أليست هذه بثشيع بنت اليعام امرأة أوريا الحثى ؟ 5 فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت اليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها 5 وحبلت فأرسلت وأخبرت داود وقالت :

 إني حبلى،  فأرسل داود على أوريا وجاء به من الحرب وأمره أن يذهب إلى بيته " وغرضه أن يقارب أوريا امرأته فيتموه أمر الحمل " فلم يمض أوريا إلى بيته مواساة لأصحابه المتجردين للحرب في سبيل الله مع

 

                                       صفحة 147

 

 تابوت الله،  ولما مضى أوريا إلى الحرب كتب داود إلى رئيس جيشه أن يجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديدة ويرجعوا من ورائه ليقتل ففعلوا وقتل أوريا وأخبر داود بموته فأرسل إلى امرأته المذكورة فضمها إلى بيته فولدت له ولدا من حمل ذلك الزنا " 2 صم 11 :

 6 - 27 " فأرسل الله ناثان النبي إلى داود وقال له قد كان في مدينة رجلان واحد فقير له نعجة واحدة عزيزة عليه،  وآخر غني له غنم وبقر كثيرة جدا فأخذ الغني نعجة الفقير وهيأها لضيفه فقال داود يقتل هذا الرجل ويرد على الفقير النعجة أربعة أضعاف " وفي النسخة السبعينية سبعة أضعاف " فأخبره ناثان بأن هذا مثل له ووبخه عن قول الله على أفعاله وأن الله سيكافيه ويسلط عليه من أهل بيته من يزني بنسائه قدام جميع إسرائيل وأخبره بأن الولد المولود له من هذا الزنا سيموت،  ولما مرض الولد صام داود لأجله وطلب من الله شفائه وبات مضطجعا على الأرض ولم يأكل خبزا " 2 صم 12 -

 

ص 147 :

 

18 " . وقد نسب إلى داود هاهنا خطيئة أخرى وهو حكمه على آخذ النعجة بخلاف شريعة التوراة إذ قد جمع عليه بين القتل وغرامة أربعة أضعاف النعجة أو سبعة لأنه إن كان قد سرقها غرم أربعة أضعافها ولكن لا يهدر دمه مطلقا إلا إذا وجد ينقب فضرب ومات فإنه ليس له دم،  ولكن إن أشرقت عليه الشمس فله دم " خر 22 :

 1 و 2 "،  وأما إن كان قد غصبها فليس عليه إلا أن يعوض عنها ويزيد عليها خمس العوض ويكفر بكبش صحيح ذبيحة اثم " لا 6 :

 1 - 8 " . وأيضا قد نسب له مع أبشالوم ابنه ما ينجر إلى الخطيئة والتساهل في تأديبات الشريعة وحدودها مع الأشرار المفسدين في الأرض لمحض الهوى وحب الولد " انظر 2 صم 15 - 18 :

 33 " .

 

                                       صفحة 148

 

 الفصل الحادي عشر في نبوة سليمان وما ذكر في شأنه أما نبوته في القرآن الكريم فقد ذكره الله جل اسمه في عداد الأنبياء من ذرية إبراهيم في سورة الأنعام 84 وقال تعالى بعد تعدادهم 89 ( أولئك الذين آتيناهم الكتاب والنبوة ) . وذكره أيضا في سورة النساء في عداد الرسل الموحي إليهم المصرح برسالتهم 161 - 163 . وأما في العهدين ففي الثالث من الملوك الأول 5 والأول من الأيام الثاني 7 ترائى الله لسليمان وقال له :

 اسأل ماذا أعطيك ؟ وفي العهدين أيضا فقال الله لسليمان :

 " 1 مل 3 :

 11 و 12 ى 1 :

 11 "،  وفي السابع من الأيام الثاني 12 ما حاصله أن الله ترائى ثانيا لسليمان وقال له :

 قد سمعت صلاتك . وفي سادس الملوك الأول 11 وكان كلام الرب إلى سليمان . وفي الثامن والعشرين من الأيام الأول عن قول داود عن قول الله له 6 وقال :

 إن سليمان ابنك هو يبني بيتي ودياري لأني اخترته لي ابنا وأنا أكون له أبا . ونحوه في الثاني والعشرين من الأيام الأول 9 و 10،  وسابع صموئيل الثاني .

 

                                       صفحة 149

 

 وأما ما ذكر في شأنه ففي القرآن الكريم في سورة ص 29 ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب 30 إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد 31 فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارث بالحجاب 32 ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق ) . قال المتكلف " يه 1 ج ص 43 "،  قد ورد في القرآن ما يفيد أنه اشتغل بالأمور الدنيوية التي ألهته عن عبادة الله - والآيات دالة على أن الخيل ألهته عن الصلاة . أقول :

 لا ينبغي أن ينكر أن اقتناء سليمان للخيل واختياره لأحوالها كان من الخير الراجح،  لأن اقتناءها كان بمقتضى الحال لتثبيت مملكة الإيمان والاستعداد لدفاع طغيان الوثنيين وعدوانهم،  وربما يدل عليه قوله أحببت حب الخير فلا وجه للقطع بأنه كان من اللهو الدنيوي كما توهمه المتكلف بل هو على ما ذكرناه نحو من أنحاء العبادة ومقدمات المحافظة على الموحدين والجهاد في سبيل الله،  ومن أين في دلالة الآيات ما يفيد أنه اشتغل بالنظر إلى الخيل عن عبادة واجبة حتى فات وقتها ليكون قد أذنب وفعل قبيحا . فلماذا لم يحتمل المتكلف أن ذكر الرب في الآية كان من التسابيح المندوبة التي يجوز تركها وإن كان عمدا فضلا عن الاشتغال عنها بخير آخر،  ولكنها لما كانت من وظائف سليمان المعتادة في ذلك الوقت أسف على فوات وظيفتها بسبب ما يمكن تحويله إلى وقت آخر . ويمكن أن يكون معنى باقي الآيات إن لم يكن هو الظاهر منها أن سليمان رد الخيل إلى محالها ليدرك وقت الوظيفة من الذكر المعتاد له،  ولما توارت بالحجاب وفات وقت الوظيفة قال :

 ردوا الخيل علي ليعود إلى الخير الأول فطفق يمسح بسوقها وأعناقها لأحد أمرين :

 إما لأنه أحب أن يتواضع لله ويعمل عمل المتولين لخدمة الخيل وسواسها،  وإما لأن يتآلفها ليتمكن منها وتجري على إرادته عند الركوب،  وكيف كان فإن قول الله جل اسمه عند صدر القصة في شأن سليمان " نعم العبد إنه أواب "،  مانع عن حملها على وجه يقتضي وقوع سليمان في المعصية .

 

                                       صفحة 150

 

 وقال الله تعالى في سورة ص أيضا 33 ( ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب 34 قال رب اغفر لي . . . ) . فقال المتكلف " يه 1 ج ص 45 " إن هذه العبارات دالة بصراحة اللفظ على وقوعه أي سليمان في الخطيئة . أقول :

 إن من معاني الفتنة هو الامتحان والابتلاء وقد اقتضت الحكمة ابتلاء سليمان فألقى على كرسيه جسدا فشغله ذلك عن تسابيحه المندوبة ووظائفه المعتادة ولم يفعل بذلك ذنبا ولو تركها عمدا وابتداء ولكن اجتهاد الأنبياء في العبادة يأبى ذلك بل يعدونه من الخسران وأسباب عدم الترقي بالطاعة إلى المراتب السامية،  فساء سليمان ذلك وأناب إلى ربه واستغفره لتقصيره عن وظيفته الذي يعده الصديقون من الزلل ونقصان الربح فغفر الله له،  ولعل ما ناله بالإنابة إلى الله أفضل مما فاته . ومما ينبغي الاعتبار به أن المتكلف تقول على القرآن وهذه الآيات . فقال " يه 1 ج ص 43 " غير متحرج حتى من انتقاد الناس،  أنه ورد في القرآن أن سليمان سمح بعبادة الأصنام في بيته .

 

ص 150 :

 

وتشبث لكل ما ادعاه هاهنا كعادته بأخبار بعض القصاص " انظر إلى يه 1 ج ص 44 و 45 " وأنه ليعلم أن جمهور المسلمين والجامعة الإسلامية لا يحتفلون بها،  وأنه لحق أن يقال له ماذا تصنع ؟ أو ما سمعت المثل ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر . فإن في الحادي عشر من الملوك الأول 4 وكان في زمان شيخوخة سليمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى ولم يكن قلبه كاملا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه 5 فذهب سليمان وراء عشتاروت آلهة الصيدونيين وملكوم رجس العمونيين 6 وعمل سليمان الشر في عيني الرب ولم يتبع الرب تماما كداود أبيه 7 حينئذ بنى سليمان مرتفعة لكموش رجس الموابيين على الجبل الذي تجاه اورشليم ولمولك رجس بني عمون وانظر الى " 2 مل 23 مل :

 13 " .

 

                                       صفحة 151

 

 وليت شعري هل عبادة الأوثان إلا أن يذهب ورائها ويعمل لها مثل ما يعمله عبدتها لها كبناء المرتفعات ونحوه،  وأن المتكلف قد هون هذا الأمر " يه 1 ج ص 43 " فقال ذكر في التوراة :

 إن النساء الغريبات أملن قلب سليمان حتى بنى لآلهتهن المرتفعات . ومن الاتفاق الظريف أن في العهدين كلمة تنقل عن قول الله قد لازمتها العاقبة الغير المحمودة " وهي كلمة الابن " . ففي رابع الخروج 22 يقول الرب إسرائيل ابني البكر 23 أطلق ابني ليعبدني فكان عاقبة ذلك أن هؤلاء الذين قيل فيهم هذا قد تقلبوا في شركهم ما شاؤا كما سمعت في المقدمة الخامسة . وفي الثامن والعشرين من الأيام الأولى في شأن سليمان اخترته لي ابنا وأنا أكون له أبا . ويقول الحادي عشر من الملوك الأول 5 - 8 إن هذا المختار مال قلبه إلى الأوثان وذهب ورائها وعمل لها ما يعمله عبادها . وفي ثالث متى في شأن المسيح 17 هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت فكانت العاقبة ممن ينتمي إليه أن يقول إن الله ذو أقانيم ثلاثة فهو واحد وثلاثة . هذا وقد نسب الحادي عشر من الملوك الأول إلى سليمان غير هذا من المعاصي الكثيرة ومخالفات الشريعة،  منها تزوجه بسبعمائة امرأة واتخاذه ثلاثمائة من السراري " 1 مل 11 :

 3 " . وقد حرمت التوراة على ملك بني إسرائيل كثرة النساء " تث 17 :

 17 " ومنها تزوجه بالوثنيات وقد حرمته التوراة أيضا " خر 34 :

 16 وتث 7 :

 3 و 4 " . ولا بد حينئذ من أن تكون مقاربة المرأة التي حرم التزويج بها من قسم الزنا المحرم في التوراة " خر 20 :

 14 وتث 5 :

 18 " . وعلى هذا فقد نسب إلى سليمان كثرة الزنا في كثير من عمره الشريف

 

                                       صفحة 152

 

 وذلك من حيث تجاوزه المقدار الموظف له في الشريعة من النساء ومن حين تزوجه بالمشركات . فلينظر العاقل أنه هل يجوز في حكمة الله ولطفه أن يكون مثل من تنسب له هذه الأمور نبيا بعث لإرشاد الخلق واختاره الله ابنا له وأوحى إليه مثل كتاب الأمثال والجامعة المعدودين من كتب الوحي .

 

                                       صفحة 153

 

 الفصل الثاني عشر في نبوة اليسع وما ذكر في شأنه أما نبوته في القرآن الكريم فقد ذكره في عداد الأنبياء الذين صرح بنبوتهم في سورة الأنعام 86 - 89،  وفي مقام آخر ظاهر في أنه لتعداد الأنبياء في سورة ص 48 . وأما في العهدين فقد صرح بنبوته في أول التاسع من الملوك الثاني،  وأما ما ذكر في شأنه ففي الثامن من الملوك الثاني 7 - 9 أن بنهدد ملك آرام كان مريضا فأرسل حزائيل مع هدية إلى اليشع ليسأله عن كلام الله أنه هل يشفى من مرضه 10 فقال له اليشع :

 اذهب وقل له شفاء تشفى وقد أراني الرب أنه يموت موتا . وقد نسب إلى اليشع في ذل صريح الكذب على الوحي وكلام الله . وفي السادس من الملوك الثاني 19 ما حاصله أن اليشع كذب على الجيش الذي أرسله في طلبه ملك آرام ثلاث كذبات لم تلجأ إليها الضرورة كما ألجأت إسحاق إلى قوله عن امرأته إنها أخته .

 

                                       صفحة 154

 

 الفصل الثالث عشر في نبوة ارميا وما ذكر في شأنه أما نبوته ففي صريح السادس والثلاثين من الأيام الثاني 12 وثامن متى 17 وفي هذا المقدار كفاية لأهل الكتاب . وأما ما ذكر في شأنه ففي العهدين في رابع كتابه المسمى ارميا عن قوله 10 فقلت آه يا سيد الرب حقا إنك خداعا خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا يكون سلام وقد بلغ السيف النفس . أقول :

 وليت شعري ماذا يقول المتكلف في هذا المقام ؟ أيقول إن الله جل شأنه متصف بهذا تعالى عن ذلك علوا كبيرا ؟ أم يقولون إن هذا النبي الموحى إليه بكثير من الغيب والمرسل لموعظة بني إسرائيل وإرشادهم لا معرفة بالله ولم يسمع عن التوراة أقلا قولها إن الله ليس إنسانا فيكذب " عد 23 :

 19 " . وفي خامس عشر صموئيل الأول 29 ونصيح إسرائيل لا يكذب أم يقولون إن هذا النبي شاء أن يسب الله ويصفه بالكذب والخداع لينكشف للناس علم الله وغناه وحكمته في إرساله،  ولا أقل من أن يكون هذا الكلام المعدود من الإلهام كذبا في تبليغ الناس وإرشادهم إلى العارف الحقة إذ نسب هذه الصفة إلى الله تعالى،  أم يقولون إن هذا الكلام وما يجري مجراه مكذوب

 

ص 154 :

 

على الأنبياء مدسوس في كتب الوحي من تصرف الضلال أو من عبث الجهل،  فليعتبر ذو الرشد .

 

                                       صفحة 155

 

 الفصل الرابع عشر في نبوة حزقيال وما ذكر في شأنه أما نبوته فضرورية عند أهل الكتاب والكتاب المنسوب إليه المشتمل في أواخره على تبليغ الشريعة معدود من الكتب الإلهامية الصادرة عن الوحي وكلام الله عند عامة أهل الكتاب ما عدا بقية السامريين . وأما ما ذكر في شأنه فقد قدمنا عنه أنه أخبر في السادس والعشرين من حزقيال عن قول السيد الرب في شأن تخريب نوبخذ راصر لصور ونهبه لثروتها وغنيمة لتجارتها بتفصيل طويل الذيل،  ثم ذكر عنه في التاسع والعشرين عن كلام الرب إن نبوخذ راصر لم تكن له ولا لجيشه أجرة من صور وإن الله عوضه عنها بمصر فراجع وافرض صحة ما تكلفه المتكلف ومع ذلك تجد ما بد من أن يكون كذبا في التبليغ عن الله .

 

                                       صفحة 156

 

 الفصل الخامس عشر في رسالة المسيح وما قيل في شأنه أما رسالته في القرآن الكريم فيكفي قول الله جل شأنه في سورة النساء 169 :

 ( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة إنتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا )،  وقوله جل شأنه في سورة المائدة 79 :

 ( ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون ) . وأما رسالته في العهد الجديد فلا تحتاج إلى ذكر . وأما ما ادعى في العهد الجديد من إشارة العهد القديم إليه وإلى نبوته فسيأتي إن شاء الله إيضاح أن بعضها لا وجود له في العهد القديم،  وبعضها لا يمكن انطباقه عليه،  وبعضها نص في سليمان بن داود وبعضها رموز تنطبق على غيره كما تنطبق عليه،  بل لعل انطباقها على غيره أولى . وأما ما ذكر في شأنه فأمور :

 " الأول " أن في سابع لوقا 34 وحادي عشر متى 19 ما يتضمن اعتراف المسيح وحاشاه بأنه شريب خمر - أي كثير الشرب لها -،  وفي السادس والعشرين

 

                                       صفحة 157

 

 من متى 27 - 30،  ورابع عشر مرقس 23 - 26 والثاني والعشرين من لوقا 17 و 18 ما يتضمن أنه حاشاه شرب الخمر وقال قول المودع لها المتأسف على فراقها،  وفي ثاني يوحنا 1 - 12 أنه وحاشاه حضر هو وتلاميذه في قانا الجليل مجلس العرس الذي تشرب فيه الخمر ولما فرغت الخمر صنع لهم بطلب أمه ستة أجران من الخمر الجيد فسقوا منه . وليت شعري ما يصنع المتكلف وغيره بهذا إذا كانت الخمر حراما قطعا،  كما اعترف به المتكلف " يه 1 ج ص 13 "،  وكذا سقيها كما في ثاني حبقوق 15،  وكما سنوضحه إن شاء الله في موانع النبوة وبيان حرمتها خصوصا على الأنبياء . " الثاني " قد قدمنا في الفصل الرابع من الباب الثاني من هذه المقدمة أنه قد ذكر عن قول المسيح في شأن معاصريه جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي " مت 12 :

 39 ولو 11 :

 29 " الحق أقول لكم لن يعطي هذا الجيل آية " مر 8 :

 12 " . وذكرنا أن كل واحد من هؤلاء الثلاثة يذكر في إنجيله ما يكذب هذا القول المنسوب إلى المسيح بنقله صدور الآيات بعد ذلك ويكذبه أيضا يوحنا بواقعة إحياء العازر ويلزم من ذلك،  أما نسبة الكذب إلى المسيح وحاشاه أو كذب أصحاب الأناجيل فيما نقلوه من صدور الآيات بعد ذلك أو كذبهم في نسبة هذا الكلام إلى المسيح أو كذب غيرهم في نسبة ذلك إليهم . وأيضا ذكر عن قول المسيح لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال،  هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال " مت 12 :

 40 " . مع أن مقتضى الأناجيل الأربعة أنه لم يبق في قلب الأرض إلا ليلتين وهما ليلة السبت وليلة الأحد ويوما كاملا وهو يوم السبت وشيئا يسيرا من يوم الجمعة وشيئا يسيرا لا يذكر من يوم الأحد،  فاختر لمن تنسب الكذب في هذا الأمر . وأيضا في سابع يوحنا أن المسيح إذ كان في الجليل قريبا من عيد المظال

 

                                       صفحة 158

 

 قال له إخوته أن يذهب إلى اليهودية ليرى تلاميذه أعماله،  فقال لهم 8 اصعدوا أنتم إلى هذا العيد أنا لست أصعد بعد إلى هذا العيد لأن وقتي لم يكمل بعد 9 قال لهم هذا ومكث في الجليل 10،  ولما كان إخوته قد صعدوا صعد هو أيضا إلى العيد . وأيضا في حادي عشر متى عن قول المسيح في شأن يوحنا المعمدان 14 وإن أردتم أن تقلبوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي مع أن في أول إنجيل يوحنا في شأن يوحنا المعمدان 21 فسألوا إذا ماذا إيليا أنت ؟ فقال :

 لست أنا وينتج من هذين النقلين نسبة الكذب إلى أحد النبيين،  إما إلى المسيح بقوله إن يوحنا هو إيليا المزمع أن يأتي،  وإما إلى يوحنا بقوله :

 إنه ليس إيليا مع أنه نقل عن قول المسيح في شأن يوحنا،  أنه نبي وأعظم من نبي " مت 11 :

 9 " .

 

ص 158 :

 

" الثالث " في ثامن يوحنا عن قول المسيح إذ قال الفريسيون :

 أنت تشهد لنفسك وشهادتك ليست حقا حيث قال 17 . وأيضا في ناموسكم مكتوب شهادة رجلين حق 18 أنا هو الشاهد لنفسي ويشهد لي الأب الذي أرسلني وقد نسبوا إلى قدسه بهذا الكلام تمام الجهل بحكم التوراة ومعرفة المكتوب وحكم القضاء شرعا وعرفا،  فإن المدعي لا يكون أحد الشهود البتة حتى عند الأوباش . " الرابع " في ثالث عشر يوحنا بعد أن ذكر أخبار المسيح بأن واحدا من تلاميذه سيسلمه 23،  وكان متكئا في حضن يسوع واحد من تلاميذه كان يسوع يحبه 24 فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذي قال عنه 25 فاتكأ ذاك على صدر يسوع وقال :

 يا سيد من هو انتهى،  واعلم أن قوله كان متكأ معناه أنه كان جالسا وشواهده من العهد الجديد كثيرة انظر أقلا إلى " يو 2 :

 1 - 10 ومت 14 :

 19 و 15 :

 35 ومر 6 :

 39 ولو 9 :

 14 و 15 ويو 6 :

 10 و 11 " . ولا تظن أن هذا التلميذ كان ابن أربع سنين أو ثلاث حتى لا يقبح اتكاؤه وجلوسه في حضن المسيح،  بل يدلك الحادي والعشرون من يوحنا 20 -

 

                                       صفحة 159

 

 25 على أنه هو يوحنا بن زبدي الذي ينسب إليه هذا الإنجيل،  وأنه قبل اتكائه وجلوسه في حضن المسيح بنحو ثلاث سنين كان يصطاد السمك مع أبيه وأخيه ويعمل في السفينة ويصلح الشباك " مت 4 :

 21 و 22 ومر 1 :

 19 و 20 " فلا بد وأن يكون حين ما يدعى من جلوسه في حضن المسيح واتكائه على صدره شابا في ريعان الشباب وغضارته،  فانظر يا ذا الرشد والفهم الحر واعتبر في أحوال البشر ونزاهة الأولياء وعفافهم وقل هل يجوز على قدس المسيح أن يجلس في حضنه شاب غض في محفل من التلاميذ ويعطيه وجها حتى إذا أراد أن يكلمه اتكأ على صدره كتغنج الفتاة المعجبة بجمالها المعتمدة على شغف زوجها بها . أفهذا وضع رسول مرشد إلى الهدى والعفاف أم وضع . . . غفرانك الله مما ذكرت فإني أردت إرشاد الجاهل وتنبيه الغافل وتنزيه مسيحك المقدس ورسولك المكرم ليحيي من حي عن بينة . " الخامس " في عاشر يوحنا في شأن المسيح 33 إجابة اليهود قائلين لسنا نرجمك لأجل عمل حسن بل لأجل تجديف فإنك وأنت إنسان تجعل نفسك إلها 34 أجابهم يسوع أليس مكتوبا في ناموسكم أنا قلت إنكم آلهة 35 أن قال :

 آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله ولا يمكن أن ينقض المكتوب 36،  فالذي قدسه الأب وأرسله إلى العالم أتقولون له :

 إنك تجدف ؟ لأني قلت :

 إني ابن الله إنتهى . فأقول في هذا الكلام وفرض نسبته إلى المسيح وحاشاه إن كان هذا الاحتجاج بما في الناموس جدلا من المسيح لليهود وإسكاتا بما في ناموسهم لزم أن يكون في ناموسهم ما ليس من الإلهام بل هو كذب عليه فجادلهم به المسيح الزاما لهم وانتقادا عليهم،  وهذا من شواهد التحريف الذي ادعيناه وإن كان برهانا من المسيح لزم أن يكون معتقدا مصدقا بتعدد الآلهة وكثرتهم وحينئذ أين يكون ما في التوراة ولا تذكروا اسم آلهة أخرى ولا يسمع من فمك " خر 23 :

 13 " لا يكن لك آلهة أخرى أمامي " تث 5 :

 7 " لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه،  فاعلم اليوم وردد في قلبك أن الرب هو الإله في السماء من فوق وعلى الأرض من أسفل ليس سواه " تث 4 :

 35 و 39 " أنا هو الرب

 

                                       صفحة 160

 

 وليس إله معي " تث 32 :

 39 " . وفي السابع عشر من الأيام الأول 20 يا رب ليس مثلك ولا إله غيرك . وفي المزمور الثامن عشر 31 لأنه من هو إله غير الرب . وفي الرابع والأربعين من اشعيا 6 هكذا يقول الرب ملك بني إسرائيل وفاديه رب الجنود أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيري 8 هل يوجد إله غيري ؟ إلى غير ذلك من العهدين . وكيف أمكن أن ينقض هذا كله ويقال بتعدد الآلهة ولا يمكن أن ينقض قول المزامير،  أنا قلت :

 إنكم آلهة ولا يصرف عن ظاهره المدعى لأجل دلالة العقل والنقل على توحيد الإله،  هذا كله مع أن المزمور الثاني والثمانين المتضمن لهذه الفقرة ظاهر بسوقه فضلا عن قرينة العقل في أن هذه الفقرة مسوقة للإنكار لا للأخبار ففيه 2 حتى متى تقضون جورا وترفعون وجوه الأشرار سلا 5 و 3 أقضوا للذليل ولليتيم انصفوا المسكين والبائس نجوا المسكين والفقير من يد الأشرار انقذوا 5 لا يعلمون ولا يفهمون في الظلمة يتمشون تتزعزع كل اسس الأرض 6 أنا قلت :

 إنكم آلهة وبنوا العلى كلكم 7 لكن مثل الناس تموتون وكأحد الرؤساء تسقطون 8،  قم يا الله دن الأرض لأنك أنت تمتلك الأمم إنتهى . فتأمل في أول هذا الكلام وآخره وسوقه وحصل بفهمك الحر معناه ثم تنبه إلى أن العهدين مع ما تضمنا من توحيد الإله كما سمعت بعضه وستسمع إن شاء الله في محاله باقيه،  ومع نهي التوراة عن ذكر اسم آلهة أخرى،  وأن لا يسمع ذلك من الفم،  قد ذكر فيها أن موسى إله لهارون " خر 4،  16 " وإله لفرعون " خر 7،  1 " . وفي العهد الجديد ما سمعت من الذين صارت لهم كلمة الله آلهة،  أو يرضي ذو الفكر السليم أن يكون هذا كله من الوحي الإلهي،  أو كما يقول

 

ص 160 :

 

المتكلف " يه 1 ج ص 38 " وغيرها تنزيل العليم الحكيم .

 

                                       صفحة 161

 

 وأما رسل العهد الجديد فقد مر عليك في أواخر المقدمة الخامسة شئ مما وصمهم به كتابهم . فتبصر أيها العاقل فيما ذكرنا عن العهدين في شأن أنبيائهما وانظر نظر الطالب للحق الراغب في السعادة الخائف من الهلكة،  فهل ترى ذلك كله يمكن أن يكن من الوحي الإلهي وتنزيل العليم الحكيم فإن الله عليك رقيب،  وللمتكلف كلام قد آن أوان التعرض له . قال " يه ج ص 42 و 43 " إن الله عز وجل المذكور في التوراة قدوس ظاهر يعاقب على أقل خطيئة بخلاف الإله المذكور عندهم " يعني المسلمين " فإنه يتساهل بالخطايا ويغفرها وحاشا لله الحق من ذلك فإن عدله وقداسته يستلزمان عقاب أصغر الخطايا ما لم يكفر عنها بالذبيحة . أقول :

 أنا بفضل الله وبركة الإسلام دين الحق لنبرأ قلوبنا وألسنتنا وأقلامنا وننزهها عن فرض تعدد الآلهة،  ولكنا نقول :

 إن الله الذي لا إله إلا هو العليم الغني الحكيم اللطيف الخبير اختار من خلقه بلطفه وحكمته وعلمه بعباده رسلا مطهرين مقدسين بررة مبرئين عن الأرجاس والقبائح ليكونوا أدلاء على معرفته،  وهداة إلى الحق وقدوة للخلق باعثين لهم بما تقتضيه الحكمة الإلهية،  ومصلحة الوقت على التقوى والصلاح ليعرفوا الحق وينكروا الباطل،  ويهتدوا بهداهم إلى الرشد والعدل والصلاح فينالوا سعادة الدارين . فإن صدر من هؤلاء الرسل المطهرين من خلال الأولى والأفضل ما يرونه لحسن معرفتهم بجلال الله منافيا لما ينبغي للعبد العارف من الانقياد إلى مولاه عدوا ذلك على أنفسهم زلة تحطهم عما يرغبون فيه من المقام الرفيع وفزعوا مما صدر منهم إلى الله مولاهم بالتوبة وطلب المغفرة والرحمة وإن لم يفعلوا حراما ويتركوا واجبا فيغفر لهم ذلك ولا يحطهم به عما يجتهدون له من رفيع المقام وحسن الزلفى فإنه أكرم مسؤول وأوسع معط . ونقول :

 إن الله تقدست أسماؤه أعلى شأنا وأوسع رحمة وعلما وأتقن حكمة ولطفا من أن يرسل للغاية المذكورة من يكذب،  أو يستعمل الخداع والتزوير، 

 

                                       صفحة 162

 

 أو يستهين بالرسالة ومواعيد الله،  ويصفه بالإساءة،  ويتحكم عليه بالمغفرة لمن أشرك به،  ويرضى بمحوه من كتابه،  أو يصنع وثنا للعبادة ويعبده ويدعو لعبادته أو يبرر نفسه ويصف الله جل شأنه بالجور ويطلب المحاكمة معه،  أو يزني بالمحصنات من نساء أصحابه المحامين عنه المجاهدين في سبيل الله،  ويحاول أن يلصق ولد الزنا بغير أبيه،  ويسعى في قتل الزوج،  أو يتزوج بالمشركات والنساء الكثيرة المحرمة عليه في الشريعة بحيث وقع في أغلب عمره بالزنا بهن ومال قلبه إلى الشرك وذهب وراء آلهة أخرى وعظم شعائر الأوثان ومعابدها وهو معنى عبادتها،  أو من يكذب في التبليغ عنه أو من يسميه خداعا،  أو من هو شريب الخمر المحرمة ويعين على شربها ويكذب ويصدر منه ما لا يرضاه أولوا العفة ويقول بتعدد الآلهة تعالى الله عن ذلك وتقدست رسله عن هذه الأوهام الباطلة . وأما قول المتكلف إن عدل الله وقداسته يستلزمان عقاب أصغر الخطايا ما لم يكفر عنها بالذبيحة فنقول فيه :

 " أولا " أن رحمة الله وغناه يقتضيان الغفران للتائب المنيب إذا وجده مولاه أهلا لذلك،  وأين يذهب العبد إلا إلى مولاه الكريم الرحيم،  نعم إن كانت الخطيئة من نحو الظلم للعباد كان مقتضى العدل أن لا يضيع حق المظلوم وذلك لا ينافي المغفرة للتائب إذا كان أهلا لها . " وثانيا " إن كان العدل والقداسة يستلزمان ما ذكره فليوضح لنا هو أو غيره وجها معقولا لحل الذبيحة لعقدة هذه الملازمة . ثم إن أراد من الذبيحة ذبيحة العهد القديم فإن الله لغني عن جميع العالم وعنها وعن رائحة السرور للرب " لا 1 :

 9 و 13 و 17 "،  وإن كثرة المعاصي المنسوبة للأنبياء في العهدين ليناسب تكفيرهم عنها بالذبائح ما في أول اشعيا عن قول الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا 11 اتخمت من محرقات كباش وشحم مسمنات . وإن أراد ذبيحة العهد الجديد أعني المسيح المصلوب بزعمه سألناه أيضا كيف يعقل أن تنحل بهذه الذبيحة عقدة ما ذكره من الملازمة .

 

                                       صفحة 163