الهدى إلى دين المصطفى

تأليف " الإمام المجاهد "

الشيخ محمد جواد البلاغي

الجزء الثاني

منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات

بيروت الأعلمي للمطبوعات

بيروت - لبنان ص . ب 7120

 

 

 الطبعة الثالثة

كافة الحقوق محفوظة ومسجلة للناشر

 1405 ه‍ 1985 م

 

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 المقدمة الثالثة عشرة

 في دفع الاعتراضات على قدس القرآن الكريم، 

وفيها فصول

 الفصل الأول

 في الاعتراضات عليه من حيث العربية وقد وسوس بها الضلال لأهواء شرذمة غرها الجهل،  وأغرتها العصبية فشطت عن القصد،  وعكفت على الشطط،  فكشفت عن مغطئها وفضحها نضحها،  ليعتبر المتبصر،  ويبصر المتدبر،  كيف مني الحق،  وابتليت الحقائق واستفحل الجهل،  وقل الحياء وجمح الغرور،  فكم من بادرة يجب التستر بها حتى في المستراح،  قد سماها الجهل في سوق الأدب سوم العلق الثمين،  فسود بها وجوه الصحف،  وشوه بها صورة العلم . فهل كان يلوح للخيال ويترائى للوهم،  أن واحدا من الناس تستفزه العصبية،  ويمنيه الضلال،  ويغريه الجهل بأن يتعرض بطبيعته الجعلية،  وقريحته الهمجية إلى الاعتراض على القرآن الكريم بالعربية،  وقد علم الشرقي والغربي،  والعربي والعجمي،  والفاهم والغبي بأنه لؤلؤ بحرها،  وقلادة نحرها وعقدها الفريد،  وبكرها الوحيد،  قد أقعت لباهره البلغاء،  وسجدت لهيبته الفصحاء،  وخضعت لسلطانه الخطباء،  ففقأ عين الحاسد،  وأرغم أنف الشانئ،  ولم يبق للعرب معلقة إلا حطها،  ولا شاردة إلا عقرها،  حيث استقل من العربية بصدر النادي،  ومحتبى الدست،  ومرف اللوآء،  وذروة المنبر،  وصار موردها المستعذب ومنهلها المورود،  وروضها المرتاد وإمامها المقدم،  وقاضيها المحكم،  فراج به سوقها،  وأزهر به روضها،  وأشرق به وجهها،  إلى أن أسفر صبح الإسلام على الأمم،  واتحدت في هداه العرب

 

                                       صفحة 6

 

 والعجم،  وتداخلت اللغات،  وأهجنت الألسن،  فأرفض نظام العربية،  وأشكلت مناهجها،  والتبست مقاصدها،  وكتمت أسرارها،  وتعاصى عرفانها وانفت دررها من سوم الفحام،  ونفرت أوانسها من غرائب الطبائع،  وعزفت من هجائن القرائح،  وإذ علم المسلمون وغيرهم بالعلم اليقين أن القرآن الكريم الذي هو أساس الدين،  ومنار الهدى،  ومناط الحجة،  وأنموذج الاعجاز،  قد استولى من العربية على أفلاذ كبدها،  وفرائد لئالئها،  ومفاتح كنوزها،  فلا يوصل إليه إلا من سبيلها،  ولا تقرع بابه إلا بيدها،  فلأجل ذلك نهض للتدرب فيها،  وللإلتقاط من سقط مائدتها،  والمص من وشلها فئة من الأجانب عنها،  والمتطفلين في معرفتها،  فلم يدركوا من كلام العرب شيئا إلا بطفيف النقل،  ولم يقرعوا منه أبواب أسرارها إلا بالتظني،  فأسسوا من بسيطها قواعد يتوكؤون عليها في ترعرعهم فيها،  وقد فاتهم منها يتائم درر لم تنتظمها قواعدهم،  ووقف دونها جدهم،  فلا يحظى ببعضها إلا الغائص المتعمق،  والقانص المترصد،  إذا أسعد جدهما حسن الفطنة،  وصفاء القريحة وتوقد الذكاء،  ومجانبة التقليد . ثم إن الناس إذ ذاك على اختلافهم في البضاعة والإضاعة توجهوا بقواعدهم المذكورة إلى اكتشاف أسرار القرآن الكريم،  وفهم نكاته في مقاصده التي جرى فيها على النحو الأرفع من مراقي البلاغة وفذلكات العربية فاختلف في ذلك وردهم وصدرهم،  وقاموا وقعدوا،  وترددوا بين صواب وخطأ،  وسداد ووهن،  ووجدوا في القرآن الكريم موارد قد ذيدت عنها قواعدهم،  أو قصرت عنها منقولاتهم،  أو عشت عنها أفهامهم،  فتفاوضوا فيها تفاوض الحيران،  ولا جرم فما كل زاد مبلغ،  ولا كل ظهر موصل ولا كل عدة تجدي،  ولا كل من سار وصل،  ولا كل من استنجع ورد،  ولا كل من طلب أدرك،  ولا كل من سمع وعى . والمتعرب قد نكصت به العصبية في قهقرة جعل وصار يطالب جلالة القرآن الكريم بالقواعد التي لأجل فهمه لفقها المولدون بعد اللتيا واللتي من وشل كلام العرب البسيط،  ونزر شعرهم الساذج،  وبعد تعثر الأفهام

 

                                       صفحة 7

 

 واضطراب الأوهام،  وشذوذ الأفكار،  وتلجج القرائح،  وطويل معترك في الخطأ والتخطئة،  وتردد مقالات في التقريض والتغليط فقال ( ذ ص 72 ) ثم إن للفصاحة في العربية قواعد وأصولا وضعوها هم أنفسهم وعدوا في جملتها سلامة الكلام من ضعف التأليف،  ومن الغرابة والتنافر ومخالفة القياس،  وسترى أن في القرآن ما يخالف قواعدهم،  ونحن لا نذكر لك منه إلا ما كانت المخالفة فيه بينة لا تحتمل التأول على علم منا أن المفسرين قد تمحلوا لكل من غلطاته تأولا :

 وعزب عنهم أن مجرد احتياجه إلى ذلك هو حجة عليه،  ولو سلمنا بما حاولوه من الحذف والتقدير لستر غلطه تارة وكشف معناه أخرى لم يبق،  ثم من داع لوضع ما وضعوه من القواعد ولأصبح كل لحن وتأويله بل عده من أنواع البديع ممكنا ( 1 ) على طريقتهم،  هذا كلامه . ولا تستعجل التسجيل على مفردات شططه،  ومكورات لغطه،  فإن مباحثنا الآتية إن شاء الله لزعيمة بذلك توقفك على هفواته،  وتأخذ بيدك في مداحض زلله،  فلنقصر التعرض هاهنا على تمويهه بمولدات القواعد السطحية ومستطرفات الأصول التابعة،  وقاصر القياس المجعول،  واعتراضه بالحذف والتقدير،  وإنا نسألك يا من يعاف المباهتة،  ويأنف من لغط الهذيان،  هل مهد هذه القواعد قحطان ؟ أم هل عنونها عدنان ؟ أو شعراء البادية أو خطباء الحاضرة ؟ وهل تفاوضوا فيها في سوق عكاظ،  أو تآمروا عليها في دار الندوة ؟ أو عقدوا عليها حلف الفضول ؟ وهل انعقدت عليها للعرب المجامع ؟ أم أوجبت الآباء أن يجري القرآن على البساطة السطحية ؟ أو حجرت عليه أن يتجاوز في فذلكاته،  وبديع الإشارة في مقاصده عن مبلغ نظر الأخفش ونضيج قريحة المبرد ؟ . أفلا يعلم كل من له أدنى إلمام بتاريخ هذه القواعد والأصول،  وسبب وضعها ومأخذ قياسها أنها حادثة التشكيل،  متعبدة باللغة العربية،  تابعة لها منقادة لنفوذ مأثورها،  خاضعة لسلطان القرآن الكريم الذي تسالمت العرب العرباء على تقدمه وإمامته في لغتهم حتى خضعوا وهم العتاة لإعجازه،  واعترفوا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) هكذا في الأصل فحكيناه على ما به . ( * )

 

                                       صفحة 8

 

 وهم الخصوم اللد بعلو مقامه . وأنا لنسألك بذمة الحقائق وحرمة الصواب أن تحضر المتعرب بين شهود يحتشمهم في شططه . ويتستر عنهم من تزويره،  ولا يطمع بمخادعتهم وسله متى جاء القرآن الكريم ؟ ومن الذي جاء به ؟ وما يكون من العرب ؟ وما حال القرآن مع العرب ؟ وما حالهم معه ؟ ومتى وضعت فنون العربية ولفقت أصولها،  وخمنت أقيستها،  ومن الذي وضعها ؟ وكيف وضعها وعمن أخذها ؟ ولماذا وضعها ؟ وهل كان أبا العرب ؟ أو واضع لغتهم أو قدوتهم فيها،  أو المسيطر على غرائزهم وقرائحهم فيها . وسله أيضا من هم الذين يقول فيهم ( هم،  وهم أنفسهم ) أو ليسوا هم الذين يتكافحون في فهم العربية بالتخطئة والتخليط،  ويقومون في تفهمهما ويقعون تستهويهم الغفلة ويخذلهم الفهم ( 1 ) ولا غرو فإن الغفلة عن عوائد الإنسان،  والعلم كله في العالم كله،  وكم وكم أكدى السعي،  وضلت الأفهام وزلت الأقدام،  ولا سيما إذا تزبب الحصرم،  وتمشيخ الصبي،  ولا سيما إذا أحكم الجهل والغفلة والتقليد في الذهن مقدمة تحول بين الفكر وبين الحقيقة وتسد عنه باب الصواب .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) فلو أن واحدا من أبلغ خطباء الانكليز وأحذقهم في صناعة الإنشاء كتب في أوائل القرن الثامن عشر كتابا في شريعة المملكة وآدابها،  وتعلق غرضه بأن يكتبه على أبلغ أساليب الأنكليزية في مراعاته لمزايا محاوراته وفذلكتها في مقاصدها،  فاحتفلت به المملكة وسلم باستحسانه العدو والصديق من أهل اللسان،  وأذعنت عرفاؤهم باحتوائه على خصائص اللسان الإنكليزي في محاوراته،  وبدائع فذلكاته،  ولطائف إشاراته،  وجعلوه أنموذج خطاباتهم وأمام إنشائهم . ثم قام بعد مائة سنة أو أكثر جماعة من هنود الشرق فحاولوا أن يفهموا شريعة المملكة وطقوسها وآدابها من ذلك الكتاب،  فاستعانوا على ذلك بأن استنبطوا بتخمينهم من أشتات ما وصل إليهم من بسيط اللغة الانكليزية وسطحيها قواعد وأصولا يتفهمون بها ذلك الكتاب،  فهل ترى مع هذا أن واحدا يعرف قدره،  ويحافظ على شرفه،  يعترض على ذلك الكتاب في مزاياه في لغته وفذلكاتها في مقاصده،  وينتقد عليه بما أخطأه البسيط السطحي من تلك القواعد التي لفقها أولئك الأجانب،  كلا،  ولكن داء الحمق داء عضال،  ولا ضاد بعد خلع العذار . ( * )

 

                                       صفحة 9

 

 فلك العبرة بجماعة من النصارى يعدون أنفسهم ويعدهم أصحابهم من أهل العلم والوصول،  فإنهم قد وقعوا في مخالفة اعتقادهم وجماعتهم وجامعتهم من حيث لا يشعرون،  وارتبكوا في الشطط على كتابهم وذهبت بهم الوساوس أنى شاءت،  ولنقتصر من شواهد ذلك على موارد :

 ( الأول والثاني ) قال البستاني في الجزء الخامس من دائرة المعارف ( ص 536 ) وبعض مفسري الكتاب المقدس المدققين ذهب إلى أن قصة ( بلعام ) المدرجة في سفر العدد ( ص 22 - 24 ) دخيلة . وذهب آخرون إلى أن كلام الأتان عبارة عن رؤيا ظن بلعام أنه رأى فيها ملاكا وتوهم أنه سمع الأتان،  فأنكر بعضهم الملاك وكلام الأتانة وجعل ذلك من الظن والوهم،  وخالف صراحة العهدين أقبح مخالفة وذلك لمقدمات فاسدة استحوذت على أفكارهم،  إذ سولت لهم امتناع كلام الأتانة وعاقليتها لمثل هذه الأمور وإن اقتضت القدرة الإلهية ذلك،  وما هذا إلا من عدوى مجاورة الملحدين . ولكن هذا الإنكار تفضحه صراحة التوراة بوقوف ملاك الرب في الطريق ليقاوم بلعام،  ورؤية الأتان له،  ثم وقوفه في الخندق،  ثم اجتيازه ووقوفه في مكان ضيق،  ورؤية الأتان له،  في هذه الحالات قبل أن يراه بلعام وأن الله فتح فم الأتانة وترادت الكلام مع بلعام مرتين . وكشف الله عن عيني بلعام فأبصر الملاك واقفا وسيفه مسلول،  وتراجع في الكلام مع بلعام مرتين،  ووقفا على قرار،  وموعد تعليم ( انظر عد 22 : 22 - 36 ) . ولأجل ذلك أقدم بعض المفسرين المدققين على أن ينكروا كون قصة بلعام من التوراة فحكموا بأن ثلاث فصول من سفر العدد هي مدسوسة ودخيلة في التوراة،  كل ذلك سترا على اعتقادهم الفاسد ومكافحة صراحة التوراة له،  ولا ينفعهم ذلك حتى ينكروا صراحة العهد الجديد بتكلم الأتانة ونطقها بصوت إنسان ( 2 بط 2 : 16 ) وإشارته إلى قصة بلعام المذكورة في التوراة ( 2 بط 2 : 15 ويه 11 ) .

 

                                       صفحة 10

 

 وهل تراهم بعد هذا أبقوا حيثية لسند العهدين،  والبستاني مع ذلك يصفهم بالمفسرين المدققين .

( الثالث ) نقل إظهار الحق في حقيقة الاعتقاد بالأرواح النجسة ( مردة الجن ) شيئا من كلام ( بيلي ) وهو من علماء البروتستنت،  وحاصله أن تسلط الأرواح النجسة وحديثها في العهد الجديد،  وإيراد كثير منه في معجزات المسيح إنما كان رأيا غلطا،  ولكنه لكونه رأيا عاما في ذلك الزمان وقع فيه مؤلفوا الأناجيل،  وإصلاح رأي الناس في ذلك ليس جزءا من الرسالة،  والمتكلف وإن خالف إظهار الحق في ترجمة كلام ( بيلي ) إلا أنه أوضح فيه ( يه 3 ج ص 117 ) أن بيلي شاك في هذه الحقيقة،  وأن الفصل فيها فوق طاقته وأن جماعة من النصارى ينكرونها،  ولهم على إنكارها أدلة،  وأنك إذا نظرت إلى حديث الأرواح النجسة في الأناجيل تجده يقارب ما ذكرته من تعاليم المسيح أو يزيد . ومع ذلك جاء قوم من متبعي الإنجيل فجعلوه غلطا لا أصل له،  وما ذاك إلا لوسوسة عرضت لهم،  وما منشؤها ومبدؤها إلا العدوى بداء الطبيعة والإلحاد والتعصب على القرآن الكريم بإنكار الجن،  فجرهم هذا الضلال إلى أن يقولوا ما يرجع حاصله إلى أن مؤلفي الأناجيل قد لفقوا للمسيح أكاذيب معجزات مأخوذة من أغاليط الآراء العامة ليداهنوا بذلك أصحاب تلك الآراء فيروجوا بين العامة أمر التثليث الذي يعترفون بأنه وراء عقولهم،  ويشدد الأساقفة في المنع عن التفكر في تعقله،  ويوجبون على الناس أن يطووه على غرة،  ويقبلوه على البساطة،  والحاصل أن هؤلاء المنكرين من النصارى لحقيقة الأرواح النجسة،  والشاكين فيها لم يعدوا أن جعلوا أناجيلهم أخس من كتاب ( كليلة ودمنة ) .

 ( الرابع ) : حكى إظهار الحق أن ( لوطر ) إمام فرقت البروتستنت يقول في حق رسالة يعقوب :

 إنها كلا،  يعني لا اعتداد بها . ونقلا عن واردكا تلك أن ( بومرن ) من علماء البروتستنت وتلميذ لوطر يقول : إن يعقوب يتم رسالته في الواهيات . وإن ( وائي تس ) الواعظ في نرم برك قال : إنا تركنا قصدا مشاهدات

 

                                       صفحة 11

 

 يوحنا ورسالة يعقوب،  ثم ندد برسالة يعقوب . وإن ( مكدي برجن سنتيورس ) قال :

 إن رسالة يعقوب تنفرد عن مسائل الحواريين في موضع يقول :

 إن النجاة ليست موقوفة على الإيمان فقط،  بل هي موقوفة على الأعمال أيضا،  وفي موضع يقول :

 إن التوراة قانون الحرية،  إنتهى كلامهم . والمنشأ لأقوالهم هذه هو ما علق بأوهامهم،  وأحكمته فيها أهواؤهم من التعليم المنسوب لبولس بكفاية الإيمان في النجاة،  كما جاهرت وأكدت به رسالة العبرانيين،  فنقموا على رسالة يعقوب اعتبارها الأعمال في النجاة أيضا،  وحق لأهوائهم ذلك،  فإن الأعمال الصالحة قيود باهظة للهوى المردى والنفس الأمارة،  وهب أنها لازمة لحقيقة الإيمان ومظهر صدقه ومفتاح بابه ورابطة دوامه،  وثمرات غرسه،  ولكن الهوى المطاع لما اضطرته العادة إلى إسم الإيمان يقول :

 آمن بالثالوث فقط،  وما عليك من هرج الأعمال الصالحة ومرجها . ولما استشعروا من الكلمات المنسوبة لبولس أن معنى الحرية هو الإباق عن الشريعة والتمرد على أحكامها بزعم الفداء بذبيحة الفادي الكريم وتعليقه على الخشبة أنكر الأخير في الذكر على رسالة يعقوب قولها :

 إن التوراة قانون الحرية،  ولم يتدبر صوابها في ذلك،  لأن حقيقة الحرية هو التخلص من عبودية الهوى والشيطان،  وإنما يكون ذلك بالتمسك بأدب الشريعة والتقدس باتباع نواميسها الإلهية . ( الخامس ) قد ذكرنا في مبحث الختان من النسخ عن رسالة الكندي زعمه أن شريعة الختان لإبراهيم والمؤمنين إنما كان سببها علم الله بتغربهم إلى مصر وميلهم إلى الزنى فوسمهم بهذه العلامة المشوهة لتنفر منهم الزواني المصريات فيكون ذلك عصمة لهم من الزنى . وليس المنشأ في هذا الشطط إلا أن هذا الرجل أشرب في قلبه وهواه رفع النصارى لشريعة الختان مصانعة لأهواء الأمم الذين لا يختتنون،  ولم يبال بأن كلامه هذا يرجع إلى تغليط موسى . ويوشع . والأنبياء الإسرائيليين،  والمسيح في إبقائهم لشريعته،  بل وكذا رسل العهد الجديد،  إلى زمان الاجتماع

 

                                       صفحة 12

 

 للمشورة في أمره،  ورفعه مصانعة الأمم،  وقد مر هذا كله فراجعه . ( السادس ) زعم سايل ( ق ص 226 ) وكذا الكندي أن الله تساهل مع اليهود فأعطاهم وصايا غير صالحة وأحكاما لا يحيون بها . وما المنشأ لهذا الشطط إلا موافقة إطلاق النصرانية الرائجة وراحتها لأهوائهما فسول لهما ذلك عيب الشريعة والخضوع لنواميسها،  فاجترآ على الذم لشريعة موسى عليه السلام اقتفاء للكلمات المنسوبة إلى بولس،  وتوهما من كلام في حزقيال ( 20 : 25 ) . مع أن ظاهر سوقه ينادي بأن المراد منه أن اليهود لما تمردوا على شريعة الحق وتمادت ارتداداتهم عنها ابتلاهم الله بالذل بين الأمم فخضعوا لشرائعهم الباطلة،  ومما يوضح غلطهما في هذا الكلام هو أن العهد القديم وخصوص كتاب حزقيال قد كثر فيه بيان منة الله على الأمة اليهودية إذ أعطاهم شريعة حق عادلة وفرائض صالحة وأحكاما إن عمل بها الإنسان يحيا بها،  وقد ذكرنا ذلك في المثال الرابع والأربعين من النسخ . ( السابع ) زعم سايل ) ( ق ص 257 ) وليس وحده في قصاص الجراح والأطراف المذكورة في التوراة،  أن المقصود منه قودما أو عقاب يفي بالجناية لا مقابلة المثل بالمثل فعلا،  وأن اسلوب قول التوراة في ذلك قد جرى مجرى الأمثال،  ولا يعني به سوى أن القاضي يقتص من الجاني بحسب أهمية الجناية إنتهى . وما المنشأ في توهمه هذا وتقوله على التوراة بما تكافحه صراحتها،  إلا أنهم رأوا أن الإنجيل الرائج قد ألغى أحكام السياسة والقصاص المذكورة في التوراة،  وجعلها من مقاومة الشر ( مت 5 : 38 - 41 ) ثم رأوا أن إهمال السياسة إلى هذا الحد مما يقصم ظهر النظام ويشوه وجه المدنية والعمران فجعلوا من أنفسهم في هذا المقام شريعة المصادرات والتعزيرات بحسب ما تتقلب فيه آراؤهم وكأنهم تخيلوا أو خيلوا أن ذلك لا يمس التوراة والإنجيل بمخالفة في العمل ومراغمة لصراحتهما بالتأويل .

 

                                       صفحة 13

 

 فأين ( سايل ) وأشباهه عن صراحة التوراة في قولها،  وإن حصلت أذية تعطي نفسا بنفس وعيا بعين وسنا بسن ويدا بيد ورجلا برجل وكيا بكي وجرحا بجرح ورضا برض ( خر 21 : 23 - 26 ) . وإذا أحدث إنسان في قريبه عيبا فكما فعل كذلك يفعل به كسر بكسر وعين بعين وسن بسن،  كما أحدث عيبا في الإنسان كذلك يحدث فيه ( لا 24 : 19 و 20 ) لا تشفق عينك نفس بنفس عين بعين،  سن بسن يد بيد،  رجل برجل . وهلم الخطب في المتعرب فمع أنه لا يستطيع أن يجر ذيل تمويهه الواهي على مثل هذه التأويلات المرغمة للصراحة،  والتي تكشف بمخائلها وشمائلها عن عدوى داء الإلحاد،  ونفوذ القول بالطبيعة العمياء،  ومع أنه قد شوه وجه بصيرته جذام هذا الداء صار يندد ويتهكم على مفسري المسلمين في وصولهم إلى مقاصد القرآن الكريم في بارع أسلوبه الجاري على محاسن اللغة العربية وبدائع فذلكاتها في البلاغة من حيث الحذف لما تهدي إليه نورانية المقام،  وتحكم بحذفه براعة الكلام،  وسيحلو لذوقك إذ يجلو لك البيان إن شاء الله عنه صدأ الشبهات والمغالطات . عدم الفهم لما يلزم تفهمه ولك العبرة أيضا في عدم التدبر للمسموع والتساهل في التثبت في فهمه كما ينبغي،  ولندرج لك من ذلك ما وقع فيه خواص النصارى ونذكره في موردين

( الأول ) ذكر إنجيلهم والتاريخ أنه قد شاع بين التلاميذ ونصارى عصرهم أن يوحنا ابن زبدي الإنجيلي لا يموت،  وذلك لعدم تثبتهم في فهم ما حكي لهم عن المسيح ( انظر يو 21 :

 20 - 24 ) . ولعل المنشأ في ذلك هو أن الضلال قد أشاع في تلك الأيام ما قرف به إنجيل يوحنا ( 13 :

 23 - 26 ) قدس المسيح بأنه كان يحب يوحنا بحيث يجلسه في حضنه ويبوح له بأسراره ويتوسل التلاميذ إليه به،  وإذا خاطب المسيح يتكئ على صدره،  فتوهموا بهذه الوسوسة أن المسيح منحه الحياة الدائمة كما كان مشغوفا به .

 

                                       صفحة 14

 

 ( الثاني ) ذكر الإنجيل كثيرا أن التلاميذ لم يفهموا كلام المسيح معهم وذهبت بهم الأوهام مذاهبها،  مع أنهم أتباعه الملازمون له،  ومقتضى القاعدة أن يكونوا يعرفون محاوراته وكناياته وإشاراته وقرائن أحواله ومقارنات مشافهاته،  وإن لم يفهموها فمن عسى أن يفهمها من أهل عصرهم وغيرهم ( انظر مت 16 : 5 - 10 ومر 8 : 13 - 19 ويو 2 : 18 - 23 و 22 4 - 24 و 11 : 11 - 14 و 12 : 16 و 16 :

 17 و 18 ) . ولك العبرة أيضا باشتباه كثير من لغويي المسلمين ومفسريهم في أمور لغوية التبست عليهم موارد استعمالها،  أو اختلجت فيها الخيالات،  ولنذكر لك من ذلك ثلاثة موارد :

 ( الأول ) خلط جماعة منهم في معنى ( اللمس،  والمس ) ففي القاموس فسر المس باللمس،  ثم فسر اللمس بالمس باليد . وفي المصباح مسسته أفضيت إليه بيدي من دون حائل هكذا قيدوه وقال لمسه أفضى إليه بيده هكذا فسروه . وفيه أيضا عن المهذب عن ابن الأعرابي المس مسك الشئ بيدك وقد قال : اللمس يكون مس الشئ . وعن ابن دريد اللمس باليد،  وقال : لمست مسست وكل ماس لامس ثم استغرب في المصباح على هذا تفرقة الفقهاء بين المس واللمس في المغني ومال إلى قول الفقهاء لكونهم أدق نظرا وأوصل فهما . ولا يخفى وضوح الفرق بين معنيي المس واللمس قديما وحديثا بحكم التبادر وشهادة موارد الاستعمال،  ولا أظنه يخفى على العارف فإن المس هو مطلق الإصابة بالبدن،  واللمس هو مطلق الإصابة بما به الإحساس من البدن بقصد إحساس الملموس،  نعم قد يكون الغالب في موارد استعماله هو اللمس باليد لكونها أقوى الجوارح إحساسا في الغالب،  وهذا كله مما تحكم به بديهة المحاورات على نحو يقطع معه بعدم النقل .

 

                                       صفحة 15

 

 ( الثاني ) اشتباه بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى في سورة النجم : ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) وأن جماعة من محققي المفسرين كصاحب الكشاف وأمثاله فسروا ألقاب فيه بالقدر،  وقالوا : إن المعنى قدر قوسين واتفق اللغويون على تفسير ألقاب بالقدر كالقيب والقاد والقيد،  وقال ابن ربيعة المخزومي في شأن ناقته . قصرت لها من جانب الحوض منشأ * جديدا كقاب الشبر أو هي أصغر وقال آخر ولكن تنحى جنبة بعد ما دنا * فكان كقاب القوس أو هو أنفس نعم : زاد بعض اللغويين في معنى ألقاب،  وذكر أنه يقال لما بين مقبض القوس وسيته فلكل قوس على هذا المعنى قابان فأوقع ذلك جماعة من المفسرين بالاشتباه فحملوا عليه قوله تعالى قاب قوسين،  والتجأوا في تكلفهم هذا إلى دعوى القلب وقالوا : إن المراد قابى قوس فأقلقوا اللفظ وتقلبوا في المعنى،  وشذوا عن النهج من دون حاجة تلجئهم ولا دليل يساعدهم،  ولو نحروا رشدا لتركوا اللفظ على رسله،  والمعنى على مرماه،  ولو أن لهم قلوبا لما استهواهم الاشتباه إلى دعوى القلب،  مع أن المعنى المستقيم قد ذكره اللغويون في غرة ذكرهم لمعنى القاب . ولكن المتعرب اغتنم اشتباه هذه الشرذمة فرصة في الاعتراض على القرآن الكريم وأوهم في كلامه أنه قول المفسرين بل المسلمين جميعا كما أوهم في كلامه أنه لا معنى للقاب إلا ما يلزم منه أن يكون للقوس قابان،  وقال في الآية الكريمة : الوجه قابى قوس،  ( انظر ذ 73 )،  شاهت الوجوه التي ما بلها الحيا .

( الثالث ) اشتباه جماعة من المفسرين في تفسير قوله تعالى في سورة الكهف 78 ( وكان ورائهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا )،  فقالوا : إن وراء فيها بمعنى ( أمام،  وقدام ) واستشهدوا لذلك بقوله تعالى في سورة المؤمنون 102 ( ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون )،  وقوله تعالى في سورة البروج 20 : ( والله من ورائهم محيط ) . والمتعرب اغتنم هذا الاشتباه فرصة الاعتراض على القرآن،  فأعاب استعمال لفظة وراء بمعنى أمام وقدام،  وأنكر كون ذلك من معانيها ( ذ ص 73 )، 

 

                                       صفحة 16

 

 فأقول :

 وقد جاء على مثل هذا الاستعمال قول لبيد بن ربيعة :

 أليس ورائي أن تراخت منيتي * لزوم العصا تحني عليها الأصابع وقول عبيد :

 أليس ورائي أن تراخت منيتي * أدب مع الولدان أزحف كالنسر وقول المرقش :

 ليس على طول الحياة ندم * ومن وراء المرء ما لا يعلم وهذه الأبيات وأمثالها لو طويناها على غرها لكانت على كل حال شاهدة بكثرة استعمال العرب للفظة ( وراء ) في المعنى الذي نحاه القرآن الكريم،  فإن وجه الاستعمال فيها وفي القرآن الكريم واحد،  لأن ما جعل الوراء ظرفا له في الشعر لم يقع في الزمان الماضي ليكون وراء بالمعنى المعروف،  وإنما هو مترقب في المستقبل فهو أمام وقدام . والتحقيق الذي توحي به كل فطرة سليمة،  ويشاهده كل فهم مستقيم هو أن ( وراء ) في الآيات والشعر مستعملة في معناها المعروف الكناية،  عن كون مظروفها طالبا مستوليا كاستيلاء الطالب،  وقدرته على أخذ المطلوب إذا كان من وراثه،  قال تأبط شرا :

 ووراء الثار مني ابن أخت * مصع عقدته لا تحل ولا يسلم للآيات الكريمة والشعر المتقدم هذا البيان البارع لهذا الغرض العالي أو عبر بلفظة ( أمام ) ولتنازل الكلام إلى البساطة . وقد جاء كثير من كلام العرب ما قد أخذ بمجامع البلاغة والبراعة،  وأوحى أسلوبه الخاص وصورته البهية بأسرار بديعة ومقاصد عالية ونكات شريفة لا يحيط بها الكلام البسيط إلا بتطويل ممل،  ولكن أصحاب صناعة النحو اضطروا في تطبيقه على صناعتهم التابعة للسان العرب لا المتبوعة،  والتجأوا اعتلالا إلى التقدير،  وتوصلا إلى الإلمام بفهمه باسم التوسع مع أنا نجد أنه لو أظهرنا ما يقدرونه فيه لفات الغرض وانحل نظام الكلام .

 

                                       صفحة 17

 

 فقد قال امرؤ القيس :

 اليوم خمر * وغدا أمر .

 وقال النابغة الجعدي :

 كأن عذيرهم ( 1 ) بجنوب سلى * نعام قاف في بلد قفار

وقال الحطيئة :

 وشر المنايا ميت وسط أهله * كهلك الفتى قد أسلم الحي حاضره

وقالت الخنساء :

 ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار

وقال متمم ابن نويرة :

 لعمري وما دهري بتأبين هالك ( 2 ) * ولا جزع مما أصاب فأوجعا

وأن من أعطى حظا من فهم محاورات العرب ليجد أن إظهار ما يقدره النحويون في مثل هذه المواضع مما يهدم على الشاعر غرضه ويمحو نكتته،  فمن هذا النحو ما يخرج الكلام به من صورة الفرض الذي لا يهم في الغرض إلى صورة الوقوع المقصود،  فيخرج الكلام بحسن بيانه من نحو الدعوى إلى ناحية العيان،  ومن المصادرة إلى صورة البرهان،  وعلى ذلك جاء قول الحارث بن حلزة اليشكري :

والعيش خير في ظلال النوك ممن عاش كدا ألا ترى أنه لو أظهر ما يقدره أهل الصناعة

 وقال :

 خير من عيش من عاش كدا .

 لم يتحمل كلامه إلا بيان التفاضل بين العيشين،  وهذا من الواضحات التي لا يهمه بيانها ولا يتعلق بها غرضه،  وإنما غرضه بيان ابتلائه بالعيش الصعب المتعب على نحو يفضل فيه على عيشه عيش الحمق المقرون غالبا من تعس الوقت بالرفاهية والسعة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) العذير : الصوت،  وسلى اسم موضع .

 ( 2 ) التأبين : مدح الميت . ( * )

 

                                       صفحة 18

 

 فإذا عرفت هذا عرفت البراعة وعلو الشأن في قوله تعالى في سورة البقرة 173 ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس وأولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) . وفهمت أن الغرض من الآية الكريمة ليس هو بيان الفروض والأمثال وإنما الغرض فيها المقابلة بين الأفعال الواقعة من الغواة والمهتدين وإيضاح المفاضلة فيما بينها وفيما بين فاعليها،  والتنويه بمحاسن أفعال المهتدين والتمجيد لهم بها،  والتبكيت للغواة وأفعالهم،  فتعرض القرآن لعوائدهم القشرية التي ألصقوها بنسب العبادة وموهوها باسم البر،  وليس فيها إلا الحركات البدنية التي لا تتعب من دون علاقة لها مع القلب ولا ارتباط لها بالإخلاص والإقبال ولم يتزينوا معها بزينة رغبة الإيمان ولا رهبة العرفان . وحاصل ما يستنير به الفهم من معنى الآية الكريمة هو أنه ليس البر ملاعبكم المعتادة وإن تولوا وجوهكم إلى مشرق الشمس أو مغربها صورة بلا روح وخيالا بلا معنى وعوائد بلا مستند،  فلا تتبجحوا ولا تتبرروا بها فلستم بفعلها من البر في شئ،  ولكن انظروا واعتبروا بأولياء الله وخاصة عباده الأبرار الذين آمنوا بالله فانقادت نفوسهم وجوارحهم إلى تقواه،  وأقبلت في حبه على طلب رضاه،  وأرخصوا لذلك كل عزيز واستسهلوا في سبيله كل صعب،  وآمنوا باليوم الآخر وما فيه من عظيم الثواب،  فاقبلوا على العمل لأجله راغبين،  وما فيه من أليم العقاب،  فتحذروا عما فيه بأشد الرهبة وآمنوا بالملائكة وأنزلوهم منازلهم،  وبالكتاب المنزل من الله فاتبعوا هداه وبالنبيين فأذعنوا بأنهم رسل الله الهداة البررة المعصومون ففازوا بهداهم والاقتداء بهم ولم يستبدلوا عن اتباع شريعتهم بالغلو فيهم،  ولم يفرطوا بوصمهم بالنقائص التي لا ترتضي لسائر البشر،  بل عرفوا جليل قدرهم وانشرحت صدورهم لما بلغوه عن الله،  ولم يعيبوه ولم ينتقصوه،  ولم يحملهم التمرد على الفرار إلى اختراع عبادة لا تبهظ الأهواء ولا تعارض الشح ولا تقرب

 

                                       صفحة 19

 

 من الله ولا تؤازر جامعة الحق بل طردوا أهواءهم والشح خاسئة مدحورة فاتوا المال راغبين متطوعين لأجل حبهم لله وواسوا به ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وخلصوا به العبيد العانين من أوزار الرق ومذلة العبودية،  وأقبلوا على الله فأقاموا الصلاة بحدودها الشرعية ووظائفها العرفانية وآدابها الأخلاقية،  وآتوا الزكاة في محالها طائعين راغبين لإقامة أمر الدين ومهمات الملة ولم تتلاعب أهواؤهم بعهودهم بل هم الموفون إذا عاهدوا ولم يكونوا من الذين جعلوا الدين ونصره - لعقا على ألسنتهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون - بل كانوا الصابرين في البأساء والضراء وحين اليأس،  وهناك تبلى السرائر وتختبر الرجال،  ويعرف الصادق من الماذق،  فأولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون . هذى المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ولو أنا ذكرنا في الآية الشريفة ما يزعم أهل الصناعة التابعة تقديره لخرج الكلام إلى محض التفاضل الفرضي بين الفعل الحسن وغيره وهو أمر ساقط الفائدة لأنه من إيضاح الواضحات،  فيضيع الغرض الحميد والمعنى السامي وهو الاطراء بالهداة والمفاخرة بكمالاتهم والاحتجاج بهم،  كما يدل عليه حسن الختام بقوله جلت عظمته :

 ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون )

ولك العبرة بأن جماعة من أهل الصناعة قد قالوا :

 إن التقدير في الآية الكريمة ( ولكن البر من آمن بالله . الآية ) وهو اشتباه واضح،  فإن المقام ليس مسوقا لبيان أن البر بر هؤلاء على إجماله ومن حيث هو بر،  بل هو مسوق لبيان أن الذي يستحق أن يسمى برا إنما هو ما نوهت به الآية الكريمة من صفاة هؤلاء الصفوة الذين كانوا بفضيلتها هم الذين صدقوا والمتقين حقا،  ومرجع الأمر بعد ما توحي به براعة الأسلوب إلى أن البر إنما هو أوصاف هؤلاء المنوه بها . وبما ذكرنا بعضه من الفوائد والشواهد تعرف شطط المتعرب إذ سمع من أهل الصناعة شيئا ذكروه لاطراد قواعدهم التي لفقوها لأجل الوصول إلى عربية القرآن الكريم ومقاصده،  فصار يتعرض به على القرآن الكريم ( انظر ذ ص 73 ) .

 

ص 20 :

 

 

 

                                       صفحة 20

 

 ومن براعة العرب نصبهم الاسم على المدح،  وذلك لينبهوا الذهن إلى ما يريدون امتيازه عند السامع ليلتفت إلى مزيته وخصوصيته بنفسه لتكون إحالة الالتفات إليها على معرفته بها من نفسه،  أو كد في المدح والتنويه من البيان الصريح،  فينتبه الذهن بتغيير سياق الإعراب بحركة واحدة إلى ما لا يتنبه له بدون ولا يكفي في التنبيه عليه كثير من الكلام،  وهذا باب واسع نص عليه النحويون،  وأوردوا فيه الشواهد،  ومن ذلك قول الخرنق بنت عفان من بني قيس :

 لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر وعلى ذلك جاء في الآية الكريمة نصب ( الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس )،  وذلك لأجل التنبيه على امتياز المتحلين بهذه الصفة التي عليها ابتني الثبات على الدين،  والإخلاص في العبادة،  والدوام على الطاعة والإقدام في نصرة الحق،  والاقبال على الله،  والبعد عن التمرد،  والسلامة من الضلال،  والعصمة من الارتداد،  فأولئك هم أعلام الهدى،  وحماة الدين،  ودعاة الحق،  فلله صبرهم ما أحلى ثمره،  وما أحسن في التوحيد أثره،  وما أبهى في الإسلام عاقبته :

 وهذا السنا الوضاح من ذلك السنا وهذا الشذا الفياح من ذلك الوادي وقال المتعرب ( ذ ص 73 ) ولا أدري لماذا استحق الصابرون هذا المدح،  ولم يستحقه الموفون بعهدهم،  مع أنهم مقدمون في النسق على أولئك ومع أن السورة نفسها متقدمة في النزول على سورة براءة التي سن فيها نبذ العهد،  وعلى سورة التحريم التي أحل فيها الحنث بالإيمان .

أقول : قد نبهناك على علو مقام الصابرين المذكورين في الآية،  ولا يخفى عليك عظيم أثرهم في الدعوة والدين . وقد روى في المجازات النبوية قوله صلى الله على وآله وسلم : ( العم خليل المؤمن،  والحلم وزيره،  والعقل دليله،  والعمل قيمه،  واللين أخوه

 

                                       صفحة 21

 

 والرفق والده،  والصبر أمير جنوده ) أي هو الذي يدبر أمرها ويثبتها عند محاربة الهوى والشيطان . وروى في ربيع الأبرار عن مستودع علم الرسول علي عليه السلام أنه قال : ( الحياء زينة،  والتقى كرم،  وخير المركب الصبر ) . وقال عليه السلام ( الصبر مطية لا تكبو بصاحبها ) . ولكن أتدري لماذا يجحد المتعرب فضيلة الصابرين ؟ لأنهم هم الذين قاموا بنصرة التوحيد،  ولم يثنهم عن عزمهم تضايق الشدائد،  وأهوال الملاحم،  ومحك الامتحان،  حتى أشرقوا الشرك بالريق،  وأرغموا أنف الضلال . . . وأيضا لا يسمح المتعرب بأن تتوجه الأذهان إلى فضيلة الصبر والصابرين،  وذلك ليستر ما ذكره إنجيلهم في شأن التلاميذ الذين هم بزعمه عطية الله للمسيح ( 1 ) وخيرة العالم ( 2 ) ونوره ( 3 ) وملح الأرض ( 4 )،  فقد ذكر في شأن الأحد عشر منهم عن قول المسيح بأنهم كلهم يتفرقون عنه في ساعة الامتحان كل واحد إلى خاصته ويتركونه وحده،  ويشكون أو يعثرون فيه ( حينما ينتقدهم الاختبار )،  وطلب منهم المواساة بسهر ليلة فلم يتركهم الوهن والخور ليسمحوا،  ولما هجم اليهود تركه الجميع وهربوا ( مر 14 :

 27 - 51 ) وراجع ج 1

 

 صحيفة 62 .

 ولعل المتعرب مع ذلك يقول :

 ليست الفضيلة بالصبر عند الشدائد على امتثال الواجب ونصرة الدين والثبات على الإيمان،  بل الفضيلة كل الفضيلة أن يجتمعوا ويرتأوا لاستجلاب الناس للإيمان بالثالوث ولو بطمس رسوم الشريعة ومصانعة المشركين بعوائدهم والتقرب بالثالوث إلى شركهم ومداهنة أهل الشريعة بالرياء ( انظر صحيفة 63 و 64 من الجزء الأول . وأما اعتراض المتعرب على تمييز الصابرين المذكورين في الآية على الموفين بعهدهم،  فليس لأنه يجهله لكن ليتوصل به في المغالطة إلى ضلالة التعريض

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) يو 17 : 24 .

 ( 2 ) يو 15 : 19 .

 ( 3 ) مت 5 : 14 .

( 4 ) مت 5 : 13 . ( * )

 

                                       صفحة 22

 

 بالقرآن والرسول صلى الله عليه وآله وسلم،  فإن كل أحد يعلم أن الوفاء بالعهد،  وإن كان خلقا حسنا إلا أنه يتصف به المؤمن والمشرك والشجاع والجبان . ولكن الصبر المذكور في الآية لا يتصف به إلا خاصة الأبرار وعيون الرجال،  وأما تعريضه بنبذ العهد في سورة براءة،  فإن كل من له أدنى إلمام التاريخ الاسلامي لا يجهل أنه قد وقعت الموادعة في عام الحديبية بين رسول الله وبين قريش وأحلافهم،  وتصالحوا على ترك الحرب مدة بشروط و روابط منها عدم التعرض للإسلام والمسلمين،  ومن دخل في عهد رسول الله،  ودخلت ( خزاعة ) في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودخلت ( بكر ) في عهد قريش،  ثم غدرت بكر وظاهرتهم قريش،  فنقضوا الصلح والموادعة وعدوا على خزاعة فقتلوهم،  فقدم مستغيث خزاعة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال فيما قال :

 لا هم أني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيك الأتلدا إن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ذمامك المؤكدا هم بيتونا بالحطيم هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا

 

ص 22 :

 

وقد ترجم المتعرب هذه الوقائع من نقل ( سايل ) لها ( ق ص 103 و 107 ) فكان هذا النكث من المشركين موجبا لانحلال عقدة الموادعة مع الناكثين عرفا وشرعا،  فإن كل متعاقدين على شروط و روابط قد تبانيا في عقدهما على أن نكث أحدهما حال للعقد ومحلل للآخر من ذمته،  ولولا ذلك لما كان معنى لجعل الشروط والروابط في المعاهدات،  وإن كنت في شك من ذلك فانظر إلى طريقة الملوك والسوقة في معاهداتهم،  وانظر إلى ما يذكره العهد القديم في معاهدات الله مع بني إسرائيل ( خر 3 : 17 و 9 : 5 و 6 ) ومع داود في مملكته ( 2 صم 7 : 16 وخر 89 : 28 - 37 ) . وانظر إلى نبذ هذه العهود ( عد 14 : 21 - 24 ومز 99 : 38 - 45 وار 7 : 23 - 30 و 11 : 2 - 9 و 14 : 21 )،  فإن هذا كله إنما يصح على ما ذكرناه .

 

                                       صفحة 23

 

 ولا نطالب المتعرب بما ذكره العهد القديم عن ميثاق الله ( لفينحاس ) ( عد 25 : 12 و 13 )،  نعم لنا عليه المطالبة بما يذكره العهد الجديد عن عهد ( بطرس ) الذي أيسر مدحه في الإنجيل أن المسيح فوض إليه بناء الكنيسة وأعطاه مفاتيح ملكوت السماوات،  وأناط الحل والربط فيها بحله وربطه على الأرض ( مت 16 : 18 و 19 ) وجعل إليه رعاية الأمة ( يو 21 : 15 - 18 ) فإنه قد كان عاهد المسيح نبيه،  وبزعم المتعرب - واستغفر الله - ( إلهه ) معاهدة بأكثر تشديد على أن لا ينكره ولو اضطر إلى الموت ( مت 26 : 35 ومر 14 : 31 )،  وأنه مستعد لأن يمضي معه حتى إلى السجن وإلى الموت ( لو 22 : 33 ) ولم تمض من هذا العهد سويعات حتى جعل عهده المشدد تحت قدميه . وكثر منه الحلف بأنه لا يعرف المسيح وصار يحلف ويلعن ( مت 26 : 70 - 75 ) ولمن تظن يلعن،  وأن المتحلي بأقل قليل من الصبر الذي نوهت به الآية لا يستهويه الشيطان في مثل هذا الخور،  وأني لأحاشي بطرس من هذه الوصمة ولكن المتعرب لا يحاشيه . ثم اعلم أن سورة برائة هي التي تعلم بالوفاء بالعهد والدوام عليه مع غير الفجرة الغادرين الناقضين للعهد،  فقد قال الله جل اسمه فيها بعد أن برء من أولئك الناقضين للعهد 4 ( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين ) الموفين بعهودهم مع من لم يغدر بنقضها .

 فإن قلت :

 أفما كان من المعروف أن يتم العهد للناقضين وإن غدروا وفجروا،  قلت هذا سؤال من لم يعرف من المعروف إلا اسمه،  وأحاشيك من ذلك إذ لا يخفى عليك أنه لولا أن إقامة الحجة ومصلحة دين الحق وسياسة ترقية اقتضت الموادعة معهم مدة من الزمان لما حسن الابقاء على الشرك وعوائد الضلال،  ومكالبات الجور والعدوان .

 أفيقول موحد بأنه يحسن الإبقاء على الشرك والمشركين الفجرة وضلالهم بعد جرئتهم على الغدر ونكث العهد الذي فتحوا به باب التكالب على مقاومة التوحيد والموحدين،  وراموا به تجرئة العرب على نقضهم لعهد رسول الله

                                       صفحة 24

 

 والنهوض لنصرة شركهم وضلالاتهم،  كلا بل إن الإغضاء عن هؤلاء إنما هو من الوهن والفشل،  والتقاعد عن نصرة الحق،  والقيام بواجب الدين القويم ولولا أن شوكة الحق تفقأ أعينهم لكثر الهرج والمرج في مضايقة التوحيد والموحدين . وأما تحلة الأيمان الواردة بقوله تعالى في سورة التحريم 2 ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم ) . فإن تعريض المتعرب بها في كلامه السابق وتسميتها حنثا،  لمن قبيح التعصب،  كيف لا ؟ وأن تحلة اليمين لها معنيان ( أحدهما ) الاستثناء بقول الحالف ( إن شاء الله ) . وتسمية هذا الاستثناء بالتحلة تؤخذ تارة من الحل،  كقولهم : حلا أبيت اللعن.

  وقول عمر بن معديكرب :

 حلا يا أمير المؤمنين فيما تقول.

  وقول أبي بكر : حلا أم فلان،  وذلك باعتبار أن هذا التعليق على مشيئة الله يحل عقدة اليمين الجازمة لو كانت على رسلها،  وتؤخذ تارة من التحليل كقول امرئ القيس في معلقته :

 يوما على ظهر الكثيب تعذرت * علي وآلت حلفة لم تحلل

 وذلك باعتبار أن تعليقها على المشيئة سبب للتحلل من تحريمها البتي .

( وثانيهما ) هو بر اليمين والوفاء بها،  قال : قبيصة ابن النصراني الجرمي من طي :

 لم أر خيلا مثلها يوم أدركت * بني شمجي خلف اللهيم

على ظهر أبر بإيمان وأجرأ مقدما * وأنقض منا للذي كان من وتر

 عشية قطعنا قرائن بيننا * بأسيافنا والشاهدون بنو بدر

 فأصبحت قد حلت يميني وأدركت * بنو ثعل تبلى وراجعني شعري فيتحلل الحالف وتحل اليمين بالوفاء بها ولو بفعل شئ مما حلف على فعله لتكون اليمين به مبرورة فيتحلل به الحالف منها ويبرأ من ذمتها،  كما إذا حلف

 

                                       صفحة 25

 

 على ضرب ولده مثلا فإنه يبرء يمينه بضربة واحدة ويتحلل منها ويتخلص بذلك من إثم الحنث بالترك الكلي . . . وقد ضربت العرب بذلك مثلا في القلة قال كعب بن زهير يصف الناقة :

 تخدى على يسرات وهي لاهية * ذوابل وقعهن الأرض تحليل

وقال ذو الرمة ( قليلا كتحليل الألي ) ومنه ما تكرر في الحديث من قوله صلى الله عليه وآله وسلم :

 ( لا تمسه النار إلا تحلة القسم )،  ويحتمل أن يكون منه قول امرئ القيس المتقدم على وجه بعيد في السياق . . فالمولى العليم الحكيم شرع بلطفه لعباده أن يستثنوا في أيمانهم بمشيئة الله لئلا يورطهم الشيطان في إثم الحنث إذا عقدوهما على البت،  أو أنه جل شأنه بين لهم في الشريعة أنهم يتحللون من أيمانهم ويبرونها إذا فعلوا شيئا مما حلفوا على فعله،  كما يقتضيه اللفظ،  ولعل المتعرب سمع من بعض المفسرين تفسيرهم لتحلة الأيمان بالكفارة،  وهو اشتباه بين،  فإن الكفارة إنما هي عقوبة على الحنث واليمين على حالها لم تحللها الكفارة أصلا . . نعم غاية ما يقال في الكفارة أنها عقوبة معجلة تدرء شيئا من عقوبة الآخرة،  ولا أثر لها في تحليل الحرام لا لغة ولا شرعا،  فانظر في حال كفارات الأحرام والصيام . ( تتمة ) قال الله تعالى قبل هذه الآية في السورة المذكورة 1 ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم 2 قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) الآية . وقد اضطربت الرواية في سبب نزول الآية الأولى،  فروي أن النبي خلا بأمته مارية في يوم عائشة فعلمت بذلك حفصة فقال لها :

 اكتمي،  وقد حرمت مارية على نفسي . وروي أنه ( ص ) خلا بمارية في يوم حفصة واسترضاها بتحريم مارية على نفسه . وروي أنه شرب العسل في بين زينب فقال بعض نسائه شيئا فحرمه على على نفسه،  وروي أنه شربه في بيت حفصة،  وروي في بيت أم سلمة، 

 

                                       صفحة 26

 

 وحاصل الأمر أن النبي ( ص ) عز على الامتناع عن شئ استصلاحا لعائلته،  فإن التحريم هو المنع،  ولكن شاء الله أن يخفف عن رسوله ثقل هذا القيد،  ويتولى إصلاح عائلته بتأديب الوحي فأنكر عليه أن يلقي على نفسه الشريفة ثقل القيود والامتناع عن الحلال . والمتعرب من خبطه وتعصبه جعل ( ذ ص 62 ) الآية الثانية من تتمة مضمون الآية الأولى ومرتبطة بحكم واقعتها،  وأن المعني فيها تحليل الحنث بيمين تضمنها بزعمه التحريم،  ولم يشعر أن تغيير الأسلوب في الآيتين يقطع علاقة الارتباط بينهما . فإن الآية الأولى خطاب للنبي،  والثانية خطاب للأمة،  مضافا إلى أن غالب الروايات الواردة في واقعة التحريم ليس فيها ذكر لليمين،  ولو كان في الواقعة يمين لما أمكن تعلق الآية الثانية به وكونها تبيح مخالفته،  لأنه إن قلنا إن التحلة المشروعة هو التعليق على مشيئة الله،  فإنما ذلك شريعة وتعليم بالنسبة إلى الأيمان المستقبلة ولا ربط لها بيمين قد مضى . وإن قلنا :

 إن التحلة هو التحلل من اليمين بفعل شئ من المحلوف على فعله فلا يمكن ارتباطها بواقعة التحريم،  لأنها لو كان فيها يمين لكان على النفي لا على الفعل ( أفلا يتدبرون القرآن )،  وهذا بعض الوفاء لما وعدناك به ( ص 143 ) . ( عود إلى النصب على المدح والتعظيم ) وقد جاء أيضا في قوله تعالى في سورة النساء 160 ( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ) . فنصب ( المقيمين ) على المدح للغرض الذي أشرنا إليه في نصب ( الصابرين ) فإن المراد من المقيمين الصلاة غير الذين يصلونها بسوق الوجوب،  وحث الوعيد،  وتوصلا إلى الدعاء الزخارف الدنيوية،  فإنها حينئذ إذا عوفيت من وباء الرياء وتشويه العجب لم تعد أن تكون جسما بلا روح وشجرة بلا ثمر بل إنهم هم الذين يرتاحون إليها ويعدون وقتها أسعد أوقاتهم وأفضل أعمارهم

 

                                       صفحة 27

 

 فيغتنمون فيه الأنس بمناجاة مولاهم وفضيلة المثول في حضرته فيقيمونها بالإقبال والعرفان والأنس والهيبة والرغبة والرهبة والنشاط والخشوع على حدود شريعتها وآداب سنتها وشروط إخلاصها ووظائف التعبد بها،  فهذا هو إقامة الصلاة وأولئك قادة المؤمنين وسادة الموحدين،  وإن تشرف من هو دونهم ببعض مراتب الإيمان بالله واليوم الآخر . فالقرآن الكريم نبه الذهن بأيسر تغيير في الأسلوب إلى حقيقة إقامة الصلاة وامتياز مقيميها عن سائر المصلين والمؤمنين . وبهذا تعرف شطط المتعرب في إنكاره لامتياز هؤلاء على سائر المؤمنين ( ذ ص 74 ) . وأما ضلال المتعرب في تعريضه بقوله ( ذ ص 74 ) وقصارى ما يقدرون عليه ( يعني من يزعم أنهم مؤمنون بالله واليوم الآخر ) هو أنهم إذا رأوا واحدا منهم يغدر ويخون وينهب ويقتل الأسرى حتى يثخن في الأرض ساغ لهم أن يرتابوا في صحة إيمانه بالله واليوم الآخر . فإنه يكفي في إزهاقه ما ذكرناه من ج 1 ص 159 إلى ص 200 فراجعه . ولكن القلم الغيران للحق أبى إلا أن يقف للمتعرب موقف الاستفصال وقول الفصل،  فقال المتعرب :

 إن الإيمان الذي عندنا والإيمان الذي عندك قد تبينا إلى حيث لا ملتقى . فإن الإيمان عندنا بمقتضى هدى العقل ونور الكتاب وإرشاد الشريعة هو

 

ص 27 :

 

الإيمان بأن إله الحق هو الله الواحد الأحد القادر القاهر العزيز الجبار القدوس الحي الذي لا يموت لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا،  جل وتعالى عن المثل والمكان،  لا يتجرأ ولا يتعدد ولا يتجسد،  قد اصطفى بعلمه وحكمته ولطفه من عباده رسلا أطهارا بررة معصومين من الذنوب مبرئين من العيوب دائبين على طاعة الله صادعين بأمره،  ليس لقال فيهم مغمز،  ومن عدادهم المسيح عبد الله المقرب ورسوله المنتجب،  خلقه بقدرته وأودعه في رحم أمه الطاهرة العذراء من غير نطفة فحل،  ثم ابتعثه رسولا هاديا مهديا وأنزل عليه الإنجيل

 

                                       صفحة 28

 

 نورا وهدى،  وأن الحواريين أنصار المسيح إلى الله وأما الإيمان بحسب عقيدتك واقتضاء كتابك ومجامعك هو الإيمان بأن الله روح،  ومحبة،  واحد هو ثلاثة،  وثلاثة هم واحد،  الأب،  والابن،  والروح القدس،  فتجسد الابن في الأرض،  وبعد مدة نزل عليه الروح القدس بشكل حمامة جسمية،  ثم قاده الروح إلى البرية وبقي فيها أربعين يوما وإبليس يحاول إغواءه ويتصرف به وينقله من مكان إلى مكان ويطمعه بمالك المسكونة ليسجد له،  وبقي الأب في السماء،  وبقي الابن أي الإله المتجسد على الأرض يعاني الاضطهاد،  إلى أن دنا الوقت فحزن وبكى وألح في السؤال من الأب أن يجيز عنه كأس المنية،  فلم يشأ الأب بل أسلمه للهوان والصلب فمات ودفن في الأرض،  وبعد ثلاثة أيام أقامه الله من الموت وجلس عن يمين الأب،  ولما كان هذا الإله على الأرض كان من رأفته قد ميز من تلاميذه بفرط الحب غلاما يافعا يجلسه في حضنه،  ويفضي إليه بسره ويتركه يتغنج عليه ويتكئ على صدره،  وأن الزانية يكون إيمانها الكامل إذا ثنت عطفها عليه وهو ابن نيف وثلاثين سنة،  وجعلت تقبل قدميه،  وتبلها بالدموع وتمسحها بشعر رأسها،  وأن رسل هذا الإله المتجسد الذين هم خيرة العالم ونوره وملح الأرض منهم من يجلس في حضن إلهه المتجسد ويتغنج عليه،  ومنهم من يغتاظ عليه،  ومنهم من ينكره وينقض عهده . وكلهم قد شكوا فيه،  وتركوه في الشدة وهربوا عنه،  ثم انتجت مشورتهم أن يلاشوا الشريعة بالكلية،  ويطلقوا الأهواء من قيدها ببشارة الفداء،  وكانت الأنبياء قبل ذلك منهم من يكذب،  ومنهم من يستلب البركة بالمخادعة والتزوير،  ومنهم من يستعفي من الرسالة بخشن الكلام وينسب إلى الله الاساءة ويستهزء بوعده ويفرط بشفتيه،  ومنهم من يصنع وثنا وينادي لعبادته،  ومنهم من يزني بالمحصنة ويسعى في قتل زوجها ويغضي عن المناكير في بيته،  ومنهم من يذهب وراء آلهة أخرى ويبني لها المرتفعات مع أنه الابن المختار،  ومنهم من يدعو الله جل شأنه خداعا . فيا أيها المتعرب إن كنت تعني المؤمنين بالله واليوم الآخر من كان على مثل إيماننا،  فإنهم لينادون كما يعتقدون وهو الحق اليقين بأنه ما هدى إلى حقيقة التوحيد وحق الإيمان وحقائق العرفان،  ولا أوضح محجة الحق وأقام حجته

 

                                       صفحة 29

 

 وأعلى كلمته إلا رسول الله الصادع بأمر الله . . . وإن كنت تعني بالمؤمنين من كان على مثل إيمانك فمن الغلط والشطط أن يشكوا في إيمان رسول الله بل لا يسعهم إلا القطع بأن رسول الله مستمسك بوثقى عروة الكفر بمثل ما تقول به أنت في إيمانك . ومن لغة العرب رفع المعطوف على المنصوب ( 1 ) ومنه رفع المعطوف في الصورة على اسم ( إن )،  قال بشر ابن أبي حازم الأسدي يخاطب بني طي :

 إذا جزت نواصي آل بدر * فأدوها وأسرى في الوثاق وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق وقال الحارث بن ضابئ البرجمي :

 ومن يك أمسى بالمدينة رحله * فأني وقيار بها لغريب وقال آخر :

 خليلي هل طب فأني وأنتما * وإن لم تبوحا بالهوى دنفان وقال عنتر يرثي مالكا :

 وكان إذا ما كان يوم كريهة * فقد علموا أني وهو فتيان وقال الله تعالى في سورة المائدة 73 :

 ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) فرفع لفظ ( الصابئون ) تمييزا لهم من النسق وتنبيها على أن الصابئين وإن كانوا أبعد من اليهود والنصارى عن صورة التوحيد إلا أنهم مثل اليهود والنصارى في أن من آمن منهم وعمل صالحا فهو آمن،  ولا حاجة إلى هذه الفذلكة في الآية التاسعة والخمسين من سورة البقرة،  وذلك لأجل أن التنازل في الترتيب فيها كاف في الإشارة إلى هذه النكتة،  فالآيتان معا دالتان عليها ولكن كل واحدة بنحو من الأسلوب . وأما الآية السابعة عشرة من سورة الحج فلا محل لهذه النكتة فيها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) أنظر شواهده في كتاب سيبويه ص 88 وغيره من كتب النحو . ( * )

 

                                       صفحة 30

 

 ( ولنستطرد الكلام في الحذف ) ولا يخفى عليك أنه قد شاع في كلام العرب في الشعر والنثر اكتفاء بدلالة المقام،  وتوصلا في بعض الموارد إلى غرض ونكتة لا تحصل بدونه،  فيخرج الكلام به كالذهب المصفى والجوهر المجلو،  وقد جروا في الحذف على أنحاء :

 

 

ص 30 :

 

( أحدهما ) أنهم التزموا بالحذف فيما إذا كانت دلالة المقام لازمة،  وجعله النحويون من الحذف الواجب في العربية،  فمن ذلك خبر المبتدأ قبل جواب ( لو ) نحو ( لولا البعد لزرتك ) وقبل جواب القسم الصريح نحو ( لعمري لأفعلن ) ولا يحتاج هذا إلى ذكر الشواهد،  وكذا في نحو ( اخطب ما يكون الأمير قائما ) و ( ضربي زيدا قائما ) و ( كل رجل وضيعته ) ومن هذا النحو ما يلتزم النحويون بتقديره في الظرف والجار والمجرور المستقرين . ( وثانيها ) أنهم اطرد عندهم الحذف في موارد جعل لها النحويون ضابطا منها حذف الضمير المنصوب أو المجرور العائد على الموصول،  ومنها حذف الجر قبل ( أن ) المصدرية . ( وثالثها ) ما لا ينحصر بعنوان عام إلا بدلالة المقام وهو كثير لا يحصى فلنذكر من ذلك شيئا من شعر مشاهير الشعراء في العرب ممن طرقوا باب البلاغة وشهد لهم بالتقدم . قال امرؤ القيس في معلقته :

 فيا لك من ليل كأن نجومه * بأمراس كتان إلى صم جندل أي كأن نجومه شدت،  وقال طرفة بن العبد في معلقته يصف ذنب ناقته :

 فطورا به خلف الزميل وتارة * على حشف كالشن ذاو مجدد أي فطورا تضرب به . . وقال أيضا :

 ألا أيهذا اللائمي اشهد الوغى * وأن أحضر اللذات هل أنت مخلدي أي على أن اشهد . . وقال أيضا :

 وإن يلتقي الحي الجميع تلاقني * إلى ذروة البيت الكريم المصمد

 

                                       صفحة 31

 

 وقال يزيد بن الحكم الكلابي :

 مسنا من الآباء شيئا فكلنا * إلى حسب في قومه غير واضع أي أنتمي،  وننتمي إلى . . . وقال أوس بن حجر :

 حتى إذا الكلاب قال لها * كاليوم مطلوبا ولا طلبا أي ليس كاليوم . . وقال النمر بن تولب :

 وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم * تلاقونه حتى يؤوب المنخل أي لا تلاقونه . . وقال امرؤ القيس :

 فقلت يمين الله أبرح قاعدا * وإن قطعوا رأسي لديك وأوصالي أي لا أبرح . . وقال آخر :

 تنفك تسمع ما حييت * بهالك حتى تكونه أي لا تنفك . . . وبهذا ونحوه تعرف شطط المتعرب ( ذ ص 82 ) في اعتراضه على قوله تعالى ( تالله تفتأ تذكر يوسف ) . وقد أفحش المتعرب في الغلط إذ قال في اعتراضه والوجه لا تفتأ لأن فتئ وما جرى مجراها لا يستعمل إلا منفية،  فقل له :

 أتقول إن ( تفتأ ) في الآية مستعملة في الإثبات . ومن الحذف في كلامهم وشعرهم ما يعرفك المقام والأسلوب أنه كان لأجل نكتة لطيفة وغرض سام لا ينال بذكر المحذوف،  والقرآن الكريم قد تأنق في هذه البراعة ما شاء إعجازه،  فانتقى يتائمها،  واستولى على غايتها . قال امرؤ القيس :

 ملوك من بني حجر بن عمرو * يساقون العشية يقتلونا فلو في يوم معركة أصيبوا * ولكن في ديار بني مرينا وقال أيضا :

 فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا فإن التقدير في جواب ( لو ) في البيتين ( لهان الخطب،  أو سهل،  وما

 

                                       صفحة 32

 

 يجري مجرى ذلك ) ولكنه لم يسمح في هذا المقام أن يصرح بذكر الهوان ونحوه فأبدع في الأسلوب وطوى ذكر ما لا يجب ذكره،  فأوحاه إلى الفهم بطرف خفي وبيان شجي . وقال عبد مناف الهذلي في آخر قصيدته :

 حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلاكما تطرد الجمالة الشردا فطوى ذكر الحال بعد ذلك ولم يأت بجواب ( إذا ) ليوكل الأمر إلى رجم الظنون،  وقال الله تعالى في سورة يوسف 15 ( فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب وأوحينا إليه لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) فطوى القرآن الكريم من حال يوسف وإخوته في تلك الساعة ذكر ما يتوزع السامع بين الشجي المبرح والغيظ المهيج،  فلم يتعرض لما يلزم في تلك الحالة من تذلل يوسف بين يدي إخوته وتوسله بهم،  واستعطافه لهم،  ولواذه بواحد واحد منهم،  ومناشدته لهم بالله والرحم بطرف خاشع وعين عبري وقلب مروع يسترحم لشبابه،  ويستبقيهم على مهجته بلين الخطاب وشجي البيان . ومن قسوة إخوته وغلظتهم وما جرى لهم معه في تلك الحال من الكلام القاسي والأحوال الفظة . . فما ظنك بالغلام اليافع ربيب الترف والدلال إذا شاهد تلك الحال المدهشة كيف يفعل ؟ وكيف يتوسل بمن يمت إليه بالأخوة ويرجو فيه الرقة ويستثير منه العواطف ؟ أفلا يقرح قلبك شرح حاله،  أم لا يوري غيظك ما يجري معه إذ ذاك من نكاية القسوة وبوادر الغلظة . فالقرآن الكريم راعى في هذا المقام كل جانب تنبغي مراعاته،  فطوى الكلام بأحسن طي وأشار إلى الحال بأجمل إجمال وألطف تنبيه،  فكأنما أوقفك عليه بفكرك ومثله لوجدانك،  ولكنه قبل أن يقرع الفكر بالشجي قلبك عجل لك البشارة على النسق بأن الله جل شأنه قد سلى يوسف بالوحي وبشره بالنجاة والرفعة التي ينبئ فيها إخوته بأمرهم هذا وهم لا يشعرون فالقرآن الكريم لأنه كلام الله لم يدمج القصة كما أدمجتها التوراة الرائجة ( تك 37 :

 23 و 24 ) .

 

                                       صفحة 33

 

 وجل عن أن يغرق في حكايات الحالات المستبشعة السمجة،  كما زعمت الأناجيل الرائجة أن اليهود وبيلاطس وعسكره فعلوه مع المسيح وحاشا،  انظر أقلا ( مت 26 :

 67 و 27 :

 26 - 32 ) .

 

ص 33 :

 

وقال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته :

 لا تخلنا على غراتك أنا * قبل ما قد وشى بنا الأعداء فلم يذكر خبر ( أنا ) ليترقي الذهن في محتملاته إلى أشد الحماسة،  وعدم المبالاة بالملك . وقال عبيد بن الأبرص يخاطب امرؤ القيس :

 نحن الأولى فاجمع * جموعك ثم وجههم إلينا ولم يذكر صلة ( الأولى ) ليترقي الذهن في محتملاتها أيضا إلى أشد الحماسة والتهويل . . وقال الله تعالى في سورة الحج 25 :

 ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي ) فلم يذكر خبر ( إن ) تهويلا بما يستحقه هؤلاء الكفرة المردة من عظيم النكال والعذاب،  أو بما يستحقونه من القذع والذم على كفرهم وعتوهم فيبلغ الذهن في ذلك ما لا يبلغه البيان اللفظي،  وأن المقام لجدير بذلك،  ومقتضى الحال لا يليق بغيره . ولعلك لا يخفى عليك جهل المتعرب في اعتراضه ( ذ ص 77 ) على الآية بعطف ( يصدون ) المضارع على ( كفروا ) الماضي،  فإنه لا ينبغي أن يخفى على غير المتعرب أن الغرض هو التسجيل والتشنيع عليهم بتماديهم على الغي والصد عن سبيل الله والمسجد الحرام،  ولا تحصل هذه الفائدة إلا بالفعل المضارع الدال على الثبوت،  ولم يكن الغرض هو التشنيع عليهم بما فعلوه من الصد في الماضي فقط . ( تتمة ) وتتمة الآية المتقدمة قوله تعالى في ذكر المسجد الحرام :

 ( ومن يرد

 

                                       صفحة 34

 

 فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) . فقال المتعرب ( ذ ص 77 و 78 ) فهذا أيضا كلام ناقص لأنه جاء فيه بفعل متعد وهو ( يرد ) ولم يأت بمفعوله،  ثم قال :

 نذقه من عذاب أليم،  وكان المقام يقتضي العذاب الأليم أو عذابا أليما . قلت :

 لا يخفى على كل من يميز بعد الطفولية كيف يتكلم،  سواء كان يتكلم باللغة العربية أم بغيرها من لغات الدنيا،  ولا يلتبس عليه أن الفعل المتعدي تارة يقصد بالإتيان به بيان وقوعه على المفعول فقط،  ولأجل ذلك يعرض المتكلم عن بيان الفاعل ويبني الفعل في اللغة العربية للمفعول،  وتارة يقصد به محض وقوعه من الفاعل فلا يذكر المفعول ولا يقدر في الصناعة ولذا قالوا :

 إن المفعول فضله،  أي يصح الاستغناء عنه في الكلام ومرمى الإسناد فالآية الكريمة لم يتعلق فيها الغرض بالمفعول،  بل إنما تعلق الغرض فيها بمحض صدور الفعل القبيح من الفاعل المتمرد على الجهة الخاصة والباعث الخاص،  فإن قبح الإرادة بالإلحاد والظلم في المسجد الحرام لا ارتباط له بتعلق الإرادة بالإلحاد والظلم بمفعول خاص،  بل هو مسجد حرام سواء العاكف فيه والبادي،  فهو كقول الملك من يضرب بشقاوة بظلم نعذبه،  فليس في الآية الكريمة شئ من الحذف . ومما ذكرناه تعرف غلط المتعرب في اعتراضه ( ذ ص 90 ) على قوله تعالى في سورة البقرة 28 ( ونقدس لك ) وذلك لأن المقام غني عن بيان أن المقدس هو الله،  وإنما المهم في التقديس بيان كونه لله خالصا مخلصا في قصد القربة الذي هو روح العبادة . . وأما قوله تعالى :

 ( نذقه من عذاب أليم ) فلأن الظالم بإلحاد وإنكار للمعاد والعقاب يكفي في وعيده بيان خيبته في اغتراره واطمئنانه وتهديده بأنه لا مناص له عن سوء المنقلب الذي أنكره بإلحاده . والنكتة التي اقتضت التعبير بقوله تعالى ( نذقه ) لا بد معها من تعبير بقوله تعالى ( من عذاب ) فإن الذوق إنما هو لبعض الشئ،  هذا مضافا إلى أنه لم يقل

 

                                       صفحة 35

 

 نذقه بعض ما يستحقه،  بل بعض العذاب المعد عند الله للأشرار،  فإن كل معذب شخصا كان أو صنفا إنما يعذب ببعض العذاب،  ويعذب غيره ببعض آخر،  أعاذنا الله من ذلك ببركة الإيمان والإخلاص في توحيده وتقديسه،  وبهذا تعرف إن شاء الله أن المتعرب يعيب المسك برياه . وقال لبيد بن ربيعة العامري :

 قالت غداة انتجينا عند جارتها * أنت الذي كنت لولا الشيب والكبر فحذف خبر ( كنت ) لنكتة آثرها،  وقال آخر :

 إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها * جرى دون ليلى مائل القرن أعضب فحذف خبر ( لعل ) لنكتة آثرها أيضا،  وقال مساور بن هند بن قيس :

 زعمتم أن إخوتكم قريش * لهم ألف وليس لكم ألوف أولئك أوهنوا خوفا وجوعا * وقد جاعت بنو أسد وخافوا فاكتفى عن ذكر تكذيبهم بالحجة عليه . ومما ذكرناه تعرف الحسن والبراعة في قوله تعالى في سورة القصص 46 ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ) فإنه طوى ذكر المستدرك بقوله تعالى ( ولكن ) لأجل تلألؤ المقام به وإشراقه على أرجائه،  وتركه ليستعذبه الفهم من المورد نهلا وعلا،  ويقتبسه من مشكوة البرهان،  ويكون هو الزعيم باستنتاجه والمستأنس ببرهانه،  لا كما يلقى عليه باللفظ ثقلا على وساوسه . وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى في سورة البقرة 67 :

 ( وإذ قتلتم نفسا فادارئتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون 68 فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) فقد ألقى حياة المقتول إلى الفهم بسبب

 

ص 35 :

 

ضربه ببعض البقرة السابق ذكرها،  ولقنه بها من سوق المورد وحججه بأحسن مما يلقيه إليها بفضول اللفظ،  كما لا يخفى إلا على تعصب المتعرب فانظر إلى شططه ( ذ ص 91 و 92 ) .

 

                                       صفحة 36

 

 كما تعرف البراعة وعلو الشأن في قوله تعالى في سورة البقرة 16 ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضائت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون ) فإنه بعد أن فتح عين الفهم بضرب المثل ودله على مغزاه أوقفه على ربوة التنبه،  وموعد الانتظار،  وكفاه بعد المسافة،  ومعثرة التطويل وملل التكرار،  وناوله تتمة المثل ونتيجة التمثيل بيد واحدة من مكان قريب قد راعى في أسلوبه أولوية الكافرين بصفة المثل،  وأن يروع الذهن بهول حقيقتها قبل أن يؤلف بفرض مثالها،  ولو أجرى الكلام على السذاجة المبتذلة لتباعدت أطرافه وتشتت معانيه وانحل نظامها،  واضمحلت خواص مقاصده،  ولم ينجح في طوله الممل بطائل،  واستوضح ذلك من تفكيكه وتطويله حسب ما يقترحه البسطاء،  واتل لمن ينكر نورانية إعجازه بهذا الأسلوب الخاص ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضائت ما حوله . . ) الآية والتي بعدها . ومما ذكرناه تعرف أنه لا حاجة إلى أن نجعل ( الذي ) بمعنى ( الذين ) فإن هذا التقدير زيادة على وهنه يذهب برونق السياق وفرائد الفوائد . والمتعرب ( ذ ص 77 - 79 ) يعد هذه الآيات من الكلام المبتور الذي يتحير فيه السامع زاعما في تمويهه أن هذه الأساليب مخلة بالبلاغة لعدم الدلالة فيها على المحذوف . وقد ذكرنا لك ما يحتمله الاختصار من شعر العرب الذي يوقفك على أسرار البلاغة وتفنن البلغاء في كلامهم حسب مقتضى الحال،  على أنك لو قسته بالآيات المذكورة لوجدته كالمصباح مع الشمس والصبابة مع النهر . أم يريد المتعرب أن يكون القرآن الكريم في التطويل المضجر والتكرار الفارغ،  كالتوراة الرائجة في صنعة المسكن وثياب هارون،  ( فانظر خر 25 - 31 ) ( وانظر أيضا خر 35 - 40 ) . أو يريد أن تكون أمثال القرآن الكريم كأمثال الإنجيل الرائج التي شوه التطويل صورتها،  وشردت بها الفضول الفارغة عن مطابقة الممثل حتى كانت النتائج بعدها أجنبيه،  مضافا إلى أنها قد اشتملت على فقرات أن كانت داخلة في غرض المثل لزم منها الكفر ونسبة الظلم إلى الله جل شأنه،  والمعاملة مع

 

                                       صفحة 37

 

 عباده بالمحاباة والمجازفة،  وإن لم تكن داخلة في ضرب المثل كانت لغوا ومعثرة فانظر إلى ( مت 20 :

 1 - 17 و 21 :

 28 - 45 و 22 :

 1 - 4 و 25 :

 1 - 31 ) ويا عجبا أن التعاليم المنسوبة في الإنجيل للمسيح لا تبلغ أن تملأ جريدة أسبوعية أو يومية ومع ذلك كان ما في الإنجيل الرائج ككتابة صحافي ضايقته وظيفة الوقت فصار يملأ أعمدة الجريدة بسفاسف التطويل . . أهذه تعاليم المسيح كلمة الله ؟ حاشا وكلا . وإن أراد المتعرب أن يعرف الكلام المبتور الذي لم يقف الفهم فيه عل محصل ما،  ولم يستشم منه رائحة الفائدة . فلينظر إلى ما تذكرت التوراة الرائجة في شأن العلامة لإبراهيم على أنه يرث أرض الكنعانيين،  كما ذكرناه سابقا،  ولينظر إلى قول العهد القديم أن نسيتك يا أورشليم تنس يميني . . ليلصق لساني بحنكي إن لم أذكرك ( مز 137،  5 و 6 ) . وقوله :

 من منكم من كل شعبه الرب إلهه معه ويصعد 2 أي 36،  23 وقوله :

 ويكون إذا سمعتم صوت الرب إلهكم ( زك 6،  15 )،  وقد جاء في لغة العرب حروف كثيرة تفيد في الكلام فوائد لا تحصل بدونها،  وهي مثل ( من ) و ( الباء ) الجارتين في مثل قولك ( ما فيها من أحد وما زيد بقائم ) و ( أن ) في مثل قولك ( ما إن فعلت ) و ( كان ) في مثل قول المتعجب ( ما كان أحسنها ) و ( ما ) بعد ( إذا،  وأي )،  و ( لا ) قبل القسم والشواهد لذلك لا تكاد تحصى في شعر العرب فضلا عن نثرهم . . ولكن لما رأى أهل الصناعة أن الكلام يمكن أن يتألف بدونها إذا لم تقصد فيه فائدتها جعلوا تلك الكلمات زائدة،  ولما لم يصلوا إلى حقيقة فوائدها بعنوان من عناوينهم أدمجوا أمرها وقالوا :

 إنها للتأكيد . وبعض المفسرين جعل بعض الحروف في القرآن الكريم من هذا النحو فصار المتعرب يعترض عليه ( ذ ص 79 ) ويقول :

 إنه زائد فهو إذا لغو،  ولو أنها كانت كما زعم هؤلاء البعض لقبح من المتعرب أن يشط بزعمه أنها لغو فمن

 

                                       صفحة 38

 

 ذلك قوله تعالى في سورة القيامة 1 ( لا أقسم بيوم القيامة 2 ولا أقسم بالنفس اللوامة 3 أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه ) وليس كما حسب المتعرب وتوهم،  فإن الحقائق النيرة لا يحجبها غبار القيل والقال،  فإن ( لا ) في الآية وأمثالها للنفي وجئ بها لأعظام القسم والمحلوف به،  كما يرشد إلى ذلك ويدل عليه قوله تعالى في سورة الواقعة 74 ( فلا أقسم بمواقع النجوم 75 وأنه لقسم لو تعلمون عظيم ) . ويرشد إلى ذلك أيضا شائع الاستعمال العرفي،  فإن المخبر المؤكد لخبره قد يجمع بين التعريض بالقسم وإعظامه بإنشاء واحد،  فيقول :

 لا أحلف برأس

 

ص 38 :

 

أبيك قد كان الأمر كذا،  وهو اسلوب لطيف وغرض حميد،  وأن صاحب الكشاف قد تنبه في تفسير سورة القيمة لهذا الوجه الواضح فجزم به في التفسير واحتج لتقريبه بقوله تعالى :

 ( فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم )،  وإن كان عند تفسيره لسورة الواقعة قد اتبع في هذه الآية قول بعض المفسرين فقال :

 إن ( لا ) صلة،  أي زائدة . ( فإن قال قائل ) إذا كان ذلك جامعا بحسن أسلوبه بين التعريض بالقسم وإعظامه،  فأين الخبر الذي عرض بالقسم لأجل تأكيده،  قلنا :

 ( أفلا يسمع النداء بيوم القيامة )،  وقوله تعالى ( أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه بل يريد الإنسان ليفجر أمامه يسئل أيان يوم القيمة ) أم يريد أن لا يجري القرآن على خصائص اللغة العربية ومحاسنها . وقال الله تعالى في سورة الحديد بعد ذكر الذين اتبعوا المسيح 28 :

 ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم 29 لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شئ من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ) . فذهب جماعة إلى أن ( لا ) في قوله تعالى :

 ( لئلا ) زائدة،  وتشبث المتعرب ( ذ ص 80 ) بكلامهم ليتعرض على القرآن الكريم بزيادتها،  ولكن الصواب قد أخذ بيد جماعة ففهموا من الآيات أن ( لا ) غير زائدة وأن الضمير في ( يقدرون )

 

                                       صفحة 39

 

 يعود على المؤمنين المخاطبين في الآية المتقدمة على نحو الالتفات من الخطاب إلى الغيبة،  ويكون قوله تعالى :

 ( وأن الفضل ) معطوف على المجرور بلام التعليل في ( لئلا )،  أي يتفضل على المؤمنين حق الإيمان بالهدى والثروة والشوكة لكيلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدر المؤمنون على شئ من ذلك،  ولأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء . والسبب المقتضي للالتفات هو أن التعليل المذكور في الآية الثانية غير داخل في الوعد بالجزء المذكور في الآية السابقة وإنما هو حكمة في الجزاء ووجهه،  فراعى القرآن بيان ذلك بتغيير الأسلوب بالالتفات لئلا يوهم النسق أنه غاية داخلة في الجزاء والامتنان . ولكن المتعرب لأنه يتعذر عليه الالتفات إلى الحق صار يعترض على ما جاء من الالتفات في القرآن الكريم ( انظر ذ ص 80 ) مع أن الالتفات يعد من محاسن اللغة العربية،  ولم يجئ في القرآن إلا لنكتة شريفة،  وإن عشى عنها من عشى :

 قال عمر بن كلثوم في معلقته :

 بأي مشيئة عمرو بن هند * تطيع بنا الوشاة فتزدرينا تهددنا وأوعدنا رويدا * متى كنا لامك مقتوينا فالتفت من الخطاب إلى الغيبة،  ومن الغيبة إلى الخطاب،  وقال امرؤ القيس في معلقته :

 إلى مثلها يرنو الحليم صبابة * إذا ما أسكرت بين درع ومحول تسلت عماياة الرجال عن الصبا * وليس فؤادي عن هواك بمنسلي وقال عنتر في معلقته :

 حلت بأرض الزائرين فأصبحت * عسر علي طلابك ابنة محرم ثم التفت إلى الغيبة في البيت الذي بعده،  ثم إلى الخطاب فيما بعده ثم إلى الغيبة،  ثم إلى الخطاب،  ثم إلى الغيبة وقد تنقل بالالتفات في ستة أبيات

 

                                       صفحة 40

 

 على النسق،  وقال قيس بن جروة الطائي :

 أيوعدني والرمل بيني وبينه * تبين رويدا ما أمامة من هند وقد جاء الالتفات أيضا في التوراة الرائجة العبرانية ( انظر لا 2،  8 ) . ( تتمة ) واعترض المتعرب أيضا ( ذ ص 80 ) على قوله تعالى في الآية المتقدمة :

 ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ) . فقال :

 إنهم إن كانوا حقيقة قد آمنوا كما دعاهم فقد اتقوا الله وآمنوا برسوله وإلا فما هم بمؤمنين . قلنا :

 مما لا يخفى ولا يستر أن عموم النصارى على سعة شريعتهم الفعلية وإطلاقها وقلة تكاليفها غير معصومين عن مخالفة التقوى،  ولا نذكر شيئا مما يشهد به العيان والتاريخ القطعي،  بل نقول :

 إن ملوكهم وحكامهم قد بذلوا غاية جهدهم في كسر سورة الظلم وطغيان الفساد،  وقرروا بينهم في ذلك مؤكدات الروابط والمعاهدات،  وإنك لترى مع ذلك ما يحدث في العالم من النكال ببعض المقصرين الذين عرفوا أمرهم ولم يحابهم الوقت . وترى ما يحدث من مخالفة التعاليم النبوية والآداب العقلية والنواميس الروحية التي قد اتفق هتافها ونجواها في الحث على الوداعة والصفاء والسلام،  وترى من المخالفة المذكورة ما يكاد أن يأتي على رمق المدنية والانصاف،  ويدفنهما في رمس العواطف البالي . ولو تركنا القلم وجريه لقال :

 ضع يدك على من شئت مستشهدا بشواهده مدليا بحججه . أفترى المتكلف يقول :

 في أهل نحلته أنهم ما هم بمؤمنين أو يغالط وجدانك ويقول :

 كلهم فائقون في العصمة والتقوى على أنبياء العهدين الذين نسبا إليهم عظائم الذنوب وقبائح الأحوال،  كما ذكرناه لاقتضاء المقام وعز علينا ذكره صحيفة 48 - 116 . ولعلك تسأل أن المتعرب لماذا لم يعرف أن للإيمان معارج ومراقي،  أولها :

 

 

                                       صفحة 41

 

 

 

ص 41 :

 

التحلي بفضيلة الإقرار بالإله الصانع،  والتطهر من رجاسة الشرك،  فلا يخالس به التوحيد أو يسر حسوا بارتعاء،  ثم يترقى في معارجه بالعمل الصالح،  والتقوى،  والصبر،  والتوكل والعرفان،  والتسليم،  والتهيؤ لطاعة الرسول فيما يبلغه عن الله . فنقول :

 دع عنك المتعرب إذ وصلت بسؤالك إلى أن الله جل شأنه أمر المؤمنين في الآية بالترقي في معارج الإيمان ببركة التقوى والأيمان بالرسول ليقوم بذلك نظام الشريعة والمدنية وتنال به سعادة الدنيا والآخرة . فأما قوله تعالى في سورة الأعراف 160 ( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما )،  فإن المعدود فيه محذوف يهدي إليه المقام،  أي اثنتي عشرة قبيلة حال كونهم أسباطا وأمما . والمتعرب توهم أن السبط في اللغة العربية بمعنى القبيلة كما توهمه مترجمو التوراة إلى العربية،  ولم يدر أن السبط هو الشخص الواحد،  وأما القبيلة فهي أسباط متعددون لا سبط واحد . وأما قوله تعالى في سورة المنافقين 9 ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون 10 وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فاصدق وأكن من الصالحين )،  فجزم ( أكن ) لأجل التنبيه على أن الكون من الصالحين أولى بأن يكون جزاء للطلب ( بلولا ) وغاية للتأخير . ليتدارك به الخسران الحاصل بسبب اللهو بفتنة الأموال والأولاد عن تقوى الله . ونسيانه بفعل المعاصي :

 ولو لم يجزمه بل تركه على النسق لضاعت هذه المزية الشريفة والتنبيه البارع . بل وكذا لو قدمه في النسق . ومن هذا النحو قول خارجة بن الحجاج الأيادي :

 فابلوني بليتكم ( 1 ) لعلي * أصالحكم واستدرج نويا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) البلية :

 ناقة كانت الجاهلية تعلقها عند قبر الميت حتى تموت عطشا وجوعا . يزعمون أن الميت يركبها :

 يقول اصنعوا إلى البلية لعلي أصالحكم وأقرب بركوبها نواى . ( * )

 

                                       صفحة 42

 

 فجزم ( استدرج ) لينبه على أنه أولى بكونه جزاء للطلب . وأما قوله تعالى في سورة آل عمران 52 ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ) :

 فقال جل شأنه في مقام الاحتجاج بالتمثيل ( فيكون ) بالفعل المضارع الدال على الثبوت . وذلك لبيان الملازمة الدائمة بين قوله تعالى ( كن ) وبين أن الشئ يكون بهذا الأمر لا محالة . وبهذه القدرة التامة والملازمة الدائمة خلق عيسى من غير فحل إذ قال له ( كن ) ولا تقوم الحجة بهذا التمثيل ولا يحصل المراد منه في الاحتجاج إلا بيان الملازمة بخلاف ما لو قيل . كن فكان . لأن هذا الأسلوب لا يفيد إلا أن آدم كان . سواء كان ذلك باتفاق أو بملازمة خاصة بذلك الكون أو عامة . وهو أمر معلوم لا فائدة في بيانه ولا حجة فيه على خلق عيسى من غير فحل . فلا يكون التفريع لو قيل :

 كن فكان . إلا لغوا في كلام متهافت،  وبما ذكرناه تعرف غلط المتعرب ( ذ ص 75 ) وأنه يعيب المسك برياه - كما غلط ايضا في اعتراضه ( ذ ص 91 ) على قوله تعالى في سورة البقرة 51 فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم . حيث قال ثم ان قوله ( فتاب عليكم ) ظاهره انه جواب لجملة سقطت فيما سقط ولو قال فيتوب مكان فتاب لكان الكلام أصح . قلت :

 تعسا لغرور العصبية . أفلا يعلم الناظر في خطاب الله لبني إسرائيل في سورة البقرة 38 - 88 أنه إنما كان خطابا لبني إسرائيل المعاصرين لرسول الله ( ص ) لا المعاصرين لموسى . فاستوضح ذلك من الآية 38 - 44 ومن أنه لا يصح خطاب الأموات الذين صاروا رميما بمثل هذا الخطاب . بل قد خاطب الله الموجودين وامتن عليهم ووعظهم بأحوال آبائهم وشؤونهم . فأسندها إليهم كما هو المتعارف في خطاب القبائل والفرق،  وبذلك تعرف أن التوبة ماضية بالنسبة للخطاب وعصر المخاطبين . ( فإن قال قائل ) :

 كيف يخاطب الموجودون بأحوال الماضين ؟ ( قلنا ) هذا نهج متعارف في خطاب القبائل والفرق . فإن أبى الاذعان بذلك من المحاورات فلينظر إلى العهدين . فإن التوراة الرائجة صريحة بأن بني إسرائيل الذين خرجوا من مصر وحضروا طور سيناء لم يبق منهم إلى السنة الأربعين لخروجهم من مصر أحد حي بل ماتوا كلهم في القفر قبل أن يقتلوا

 

                                       صفحة 43

 

 ( مديان ) ويغنموهم . ولم يبق من ذلك الجيل إلا موسى . ويوشع . وكالب . أنظر اقلا عد 26 :

 64 و 65 وقد جاء في التوراة أيضا أن موسى في أواخر السنة الأربعين بعد سبي مديان خاطب بني إسرائيل الموجودين بشؤون آبائهم وقال لهم ( وكلمتكم في ذلك اليوم ) أي في حوريب ( فأجبتموني وقلتم ) تث 1 :

 9 و 14 ( فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام - وأخبركم بعهده - لم تروا صورة ما يوم كلمكم في حوريب ) ( تث 4 :

 12 - 16 ) وانظر أيضا ( تث 5 :

 23 - 28 )،  كما جاء نحو ذلك عن خطاب المسيح لمعاصريه من الكتبة والفريسيين ( مت 23 :

 35 ) . ( تتمة ) واعترض المتعرب في هذا المقام على امتنان الله على بني إسرائيل

 

ص 43 :

 

بشأن أمره لهم بذبح البقرة مع تمردهم في مراجعة السؤال عن المسارعة إلى الامتثال بمقتضى إطلاق اللفظ ( البقرة 63 - 67 ) وعلى امتنانه جلت آلاؤه على النسق بشأن إحياء المقتول بضربه ببعضها ( 67 و 68 ) فقال ذ ص 91 إنه كلام في غاية المعاناه ولا يقدر أحد أن يفهم معناه . وكان يقترح أن تكون آيات الامتنان الأول حشوا في آيتي الامتنان الثاني توهما منه أو إيهاما بأن القرآن الكريم في صدد أن يذكر قصة البقرة حكاية تاريخية لقوم بسطاء كحكاية بنتي لوط ( تك 19،  31 - 38 ) أو صناعة المسكن وثياب هارون ( خر 25 - 40 ) أو كحكايات الأناجيل الرائجة ( مت 4،  1 - 11 ولو 7،  36 - 50 ويو 2،  1 - 11 و 13،  21 - 31 ) ولم يفهم أن القرآن الكريم إنما هو في مقام الامتنان على بني إسرائيل بتعداد نعم الله عليهم وألطافه بهم على ما هم عليه من الغلظة . فذكر أولا :

 منته عليهم في شأن أمره لهم بذبح البقرة ومجاراته بلطفه لهم على جهلهم وتمردهم في تكرير السؤال . وذكر ثانيا :

 منته عليهم بفصل القضاء المعجز بإحياء الميت وإخماد الفتنة وفضيحة العادي،  ولقد أبهر القرآن الكريم بإعجازه هاهنا ولا بدع،  فقدم الامتنان الأول توطئة لبيان الامتنان الثاني على وجهه وخصوصيات حاله،  حيث أنه بعد أن ملأ السمع والقلب بحال الامتنان الأول قال في الامتنان الثاني ( فقلنا

 

                                       صفحة 44

 

 اضربوه ببعضها ) أي تلك البقرة التي تقدم ذكرها،  فنظم البيان نظم العقد،  وأوحى إلى الفهم بواسطة الضمير في قوله ( ببعضها ) جميع خصوصيات القصة من دون أن ينحل نظام البيان وتتباعد أطراف الكلام وتبعد مسافته على الفهم،  بل جلاء القصة مع المحافظة على عناوين الامتنان أحسن جلوة ونوع الامتنان أحسن تنويع،  وما ظنك لو أقحم الامتنان الأول في أثناء الامتنان الثاني،  أفلا يتشتت شمل البيان،  وتندمج بينات الامتنان،  ويعود الكلام بيداء ماحلة تأتي على الفهم بطول المسافة بعد أن كان روضة زاهرة يرتاح إليها ويتمتع بشذاها . . ولئن استهزأ المتعرب بالقرآن الكريم والراسخين في العلم فإنا لا نستهزئ بالمغمورين بالتعصب،  المفضوحين بالجهل والضلال،  ( الله يستهزء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) . وأما قوله تعالى في سورة الصافات 130 :

 ( سلام على آل يس ) بعد قوله تعالى 123 :

 ( وإن الياس لمن المرسلين ) فذلك لأن هذا الرسول لاسمه العبراني في اللغة العربية تعريبان ( الياس،  والياسين ) كما أن اسمه في العبرانية جاء في العهد القديم على وضعين :

 أحدهما ( الياه ) باشباع فتحة الياء وإسكان الهاء بعدها ( انظر 2 مل 1،  3 و 4 و 8 و 12 )،  وثانيهما ( الياهو ) بضم الهاء وتشديد الواو ( انظر 2 مل 1،  10 و 15 و 17 ) . وأما قوله تعالى في سورة التين 2 ( وطور سنيين ) فلأن لهذا المسمى في العربية اسمين ( سيناء،  وسينين )،  كما أنه يسمى في العبرانية في العهد القديم مرة ( سيني ) بفتح النون بالفتحة الخالصة،  وإسكان الياء بعدها ( انظر خر 19،  2 و 18 ومز 68،  9 ) ونص في حاشية هذا المزمور على ذلك فضلا عن رسم الإعراب ويسمى مرة أخرى ( سيناي ) بفتح النون بالفتحة المشالة الى الألف ( انظر خر 19،  1 ولا 27،  34 ) هذا كله مع قطع النظر عن رموز النغمة المصطلحة عند اليهود في قرائة العهد القديم،  وبهذا تعرف بعضا من مبلغ عصبية المتعرب وجهله في كلامه ( ذ ص 76 ) وكأنه إذ ألصق نفسه بالعرب حسب أنه صار الحكم المحكم في العربية،  ولكنه من أين يتورع عن مثل هذه الاقتحامات،  وفي كتاب إلهامه،  لأن هاجر جبل سيناء في العربية ( غل 4، 

 

                                       صفحة 45

 

 25 )،  فيا لهفاه على العربية . وأما قوله تعالى في سورة الحج 20 ( هذان خصمان اختصموا في ربهم ) فثنى فيه في الأولين باعتبار أن الخصومة على طرفين وبين فريقين،  وهما الذين كفروا والذين آمنوا،  وجمع في الأخيرين باعتبار كثرة المتخاصمين من الفريقين،  فلو جمع في الأولين لما دل الكلام على أن الخصومة على طرفين وبين فريقين،  ولو ثنى في الآخرين لما دل على كثرة المتخاصمين،  فلو غير الأسلوب الموجود في الآية لخرج الكلام إلى ضد حقيقته . وأما قوله تعالى في سورة الحجرات 9 :

 ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ) فقد جمع في قوله ( اقتتلوا ) باعتبار أن القتال يقع بين آحاد الطائفتين الكثيرين،  وثنى في قوله ( بينهما ) فلبيان أن الواجب هو الصلح بين الطائفتين،  ولا يحصل امتثال الواجب أصلا إذا أصلحوا بين بعض أفراد الطائفتين وإن كانوا جمعا كثيرا،  وأيضا فإن قرار الصلح وروابطه لا يقع غالبا بين جميع المقتتلين،  وإنما يقع بين عنوان الطائفتين ورابطتي رئاستيهما،  فلو غير الأسلوب الموجود في الآية أيضا لخرج الكلام إلى غير المراد منه . وأما قوله تعالى في سورة الأنبياء 3 :

 ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) فإن الغرض فيه إسناد الفعل إلى اللاعبين اللاهية قلوبهم،  كما سبق فأسند إلى

 

ص 45 :

 

ضميرهم شرحا لذميم حالهم وتسجيلا عليهم بقبيح تماديهم في الغي،  ثم جاء بقوله :

 ( الذين ظلموا ) بدلا من الضمير،  أو منصوبا على الاختصاص والذم إعلاما بظلمهم في أسرارهم النجوى بجحد الرسالة بالذكر وتسميته سحرا،  واحتجاجهم الفاسد بكون الرسول بشرا،  ولو أسند الفعل رأسا إلى الذين ظلموا لانحل ارتباط الكلام ولم يدل على المراد منه كما ذكرنا . وبما ذكرناه تعرف شطط المتعرب في كلامه ( ذ ص 76 و 77 ) وأما اعتراضه على القرآن الكريم ( ذ ص 77 ) بخرافة جمع القلة والكثرة،  فهل عدا فيه أن اتبع به الأصمعي وأمثاله على غير هدى ولا كتاب منير،  ولو أن القرآن الكريم كان كلام واحد من سائر العرب لقبح الاعتراض عليه بعثرات أوهام الأصمعي وأمثاله،  بل كان هو الحاكم عليهم والمقيم لأودهم،  أو لم يصد المتعرب عن

 

                                       صفحة 46

 

 غلطه صاد،  ولا أقل مما عربه من كلام سايل حيث قال في شأن القرآن العظيم ( ق ص 119 س 4 ) ومما لا خلاف فيه أيضا أنه ( أي القرآن ) الحجة التي يرجع إليها في العربية . وقد توغل المتعرب في شطط التعصب فصار يدعي أن القرآن الكريم يستعمل الألفاظ العربية في غير ما وضعت له ( أي خطأ واشتباها ) وعد من ذلك ( ذ ص 81 ) قول القرآن عن دين إبراهيم إنه حنيف،  وزعم أن العرب تسمى عابد الوثن حنيفا،  وأن الحنيف عندهم الملتوي الضال والخب الخداع . والذي ورط المتعرب هاهنا بهذا الافتراء هو ما ذكر في أوائل الرسالة المنسوبة لعبد المسيح فنسي ما نص عليه قبل ( ذ ص 25 ) من أن العرب سئمت الوثنية،  وقد أدرك منها محمدا ( ص ) رجال كثيرون يدعون بالحنفاء،  وإنما دعوا بذلك لحنفهم أي ميلهم عن الوثنية،  فكانوا يحرضون قومهم على اطراح عبادة الأصنام ويدعونهم إلى التدين بدين لا شرك فيه . فاسأل المتعرب لماذا تناقض كلامه ؟ فهل هو على المثل الفارسي ( دروغ گو حافظه ندارد ) أي الكذاب لا حافظة له . أم يقول :

 دع هذا فإن لكل مقام مقال ؟ أو لم يتعظ بما فضح الله به صاحب الرسالة المذكورة في هذا الافتراء حيث أظهر عليه كذبه ومخالفته لصراحة العهدين مع انه نصراني يزعم انهما كتب إلهية . أو لم يعتبر به إذ قال في أول رسالته :

 فقد علمنا الآن أن إبراهيم كان منذ ولد إلى أن أتت عليه تسعون سنة حنيفا عابد صنم - يعبد الصنم المعروف بالعزى مع آبائه وأهل بيته وهو بحران . مع أن التوراة لم تذكر أن إبراهيم عبد صنما لا يوما ولا تسعين سنة بل تذكر أنه حينما خرج من ( حاران ) عن أمر الله وبركته له في خطابه كان ابن خمس وسبعين سنة ( تك 12،  1 - 4 ) . ويقول العهد الجديد :

 إن الله ظهر لإبراهيم وهو في ما بين النهرين قبل ما سكن ( حاران ) وأمره بالخروج فخرج حينئذ بأمر الله ووحيه من أرض

 

                                       صفحة 47

 

 الكلدانيين وسكن في حاران ( 1 ع 7،  1 - 5 ) وعلى هذا فلا بد أن يكون عمره الشريف حينما ظهر الله وأوحى إليه بالهجرة أقل من خمس وسبعين سنة بمقدار سكناه في حاران وزيادة،  وبالإيمان لما دعى أطاع أن يخرج ( عب 11،  8 ) . ويكفي من صارحة ما ذكرناه عن العهد الجديد أنه يلزم منه أن يكون إبراهيم مؤمنا بالله نبيا موحى إليه قبل ما يأتي إلى حاران،  وإنك لتعلم من هذا أن مثل صاحب الرسالة في جرأته على خليل الله ومخالفته لكتب دينه ليروج أضاليله وأباطيله ( كمثل كلب الأكراد يعض الضيف وصاحب المنزل ) . وكيف كان فالحنيف في العربية هو من كان على حقيقة التوحيد وعبادة الحق . قال الجارود بن بشر من عبد القيس،  وكان نصرانيا فأسلم طوعا :

 فأبلغ رسول الله مني رسالة * بأني حنيف حيث كنت من الأرض وقال حسان بن ثابت يخاطب أبا سفيان :

 هجوت محمدا برا حنيفا * أمين الله شيمته الوفاء وأما استشهاد المتعرب ( ذ ص 81 س 14 ) بحكاية قول ( بسطام ) النصراني لأخيه ( إن كررت يا بجاد فإنا حنيف )،  فلا شهادة فيه وإن صحت الحكاية،  فإن مراد بسطام تهديد أخيه بترك النصرانية وتثليثها،  والقول بتوحيد الحنفاء،  فإنهم كانوا يقاومون التثليث والسجود للأيقونات والصور كما يقومون الوثنية الصريحة . وقال الله تعالى :

 ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا 2 إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ) . فاعترض عليه المتعرب ( ذ ص 82 ) حيث قال بعض المفسرين إن ( هل ) بمعنى ( قد ) فقال :

 إنا لا نجد لها هذا المعنى في شئ من كلام العرب،  وقال قبل ذلك أن المتبادر إلى الذهن من هذا أنه سؤال منكر . فنقول أولا :

 إن حقيقة الاستفهام هو طلب الفهم،  وإنما يعرف كونه استفهام تقرير أو إنكار إذا دل الحال أو المقال على ذلك،  فمن أفحش الغلط

 

                                       صفحة 48

 

 قول المتعرب :

 إن المتبادر إلى الذهن كونه في الآية سؤال منكر ( أي استفهام إنكار ) مع اعترافه بأن القرآن لم يرد منه إلا الإثبات،  ومع العلم بأن حال رسول الله ومقاله ومقال القرآن في هذا المقام وغيره يناضل ويحامي أشد المحاماة

 

ص 48 :

 

عن هذه الحقيقة التي هي العمدة والأصل من أساسيات دعوته وتعليمه بوجود الصانع الواحد العليم،  ( وثانيا ) قد جاء مثل سوق الآية الكريمة في قول زهير في معلقته :

 ألا أبلغ الأحلاف عني رسالة * وذبيان هل اقسمتم كل مقسم وقول الحرث بن حلزة اليشكري في معلقته مفتخرا ومحتجا :

 هل علمت أيام ينتهب الناس * غوارا لكل حي عواء وقول زيد الخيل :

 سائل فوارس يربوع بشدتنا * أهل رأونا بسفح القف ذي الأكم ومن الواضح أن الشعراء المذكورين لا يريدون حقيقة الاستفهام،  لأنهم عالمون بما بعد ( هل )،  ولا ينكرونه لأنه يوافق غرضهم،  بل لا يريدون منهم إلا الإثبات والاحتجاج به . . فإن كانت ( هل ) في الشعر بمعنى ( قدم ) فالشعر شاهد لذلك وإن كانت للتقرير والتسجيل عليهم بالاحتجاج،  فإن ( هل ) في الآية الكريمة كذلك وهو الأصح الذي ذهب إليه المحققون من المفسرين . ثم اعترض المتعرب ( ذ ص 82 ) على قوله تعالى في سورة البقرة 229 ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) . فقال :

 إن المقام يأباه وأنه يلزم أن يعدى ( تعتدوا ) بعلى لا بنفسه . فنقول :

 إن من له أدنى تمييز يعرف من اللغة وموارد الاستعمال أن الاعتداء والتعدي إنما هما بمعنى واحد وكلاهما بمعنى التجاوز،  فقولك اعتدى عليه وتعدى عليه بمعنى واحد،  والمراد منهما اعتدى الحد،  وتعدى الحد عليه، 

 

                                       صفحة 49

 

 نعم يختص التعدي المذموم بلفظ الاعتداء،  فالاعتداء هو تعدي الحد حيث لا ينبغي . ثم اعترض أيضا ( ذ ص 82 و 83 ) على قوله تعالى في سورة القصص 76 :

 ( وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة ) . فقال الوجه لتنوء بها العصبة أي تنهض على تثاقل،  فالعصبة هي التي تنوء بالمفاتح لا المفاتح بالعصبة . فأقول :

 جاء في النوع السادس والثلاثين من إتقان السيوطي أن سائلا سأل عن قوله تعالى :

 ( لتنوء بالعصبة )،  فأجاب المجيب بقوله :

 أما سمعت قول امرئ القيس :

 تمشي فتثقلها عجيزتها * مشي الضعيف ينوء بالوسق والظاهر أن سؤال السائل كان عن مجيئ ذات اللفظة في العربية لا عن معناها الخاص في الآية الكريمة فاكتفى المجيب بذكر ما يدل على وجودها وإن كان مخالفا لمعناها في الآية . واحتمل أن المتعرب رأى ذلك في الإتقان،  فتوهم أن السؤال كان عن مجيئ ( تنوء ) على المعنى الذي في الآية فاستشعر من مخالفة الجواب أن المجيب لم يجد شاهدا على ما في الآية،  واحتمل أيضا أن المتعرب جرى على عادته في إقدامه على الاعتراضات الباطلة تمويها بتعصبه وترويجا لباطله . ومهما يكن من ذلك فلا يخفى أن اللغويين اتفقوا على قولهم :

 ( ناء بالحمل نهض به على تثاقل،  وناء الحمل به أثقله وأجهده ) . وأن العرب تسند بعض الألفاظ إلى أمور متقابلة . قال امرؤ القيس في معلقته :

 كميت يزل السرج عن حال متنه * كما زلت الصفواء بالمتنزل فاسند الزلل في صدر البيت إلى السرج المتحول،  وأسنده في العجز إلى الصفواء المتحول عنها المطر،  ومن ذلك ( ناء ينوء ) فإنها تسند تارة إلى المثقل

 

                                       صفحة 50

 

 المجهول كقوله :

 ( ينوء بالوسق ) وتارة إلى الثقيل المجهد كما في الآية الكريمة وقول عمر بن كلثوم في معلقته :

 ومتني لدنة سمقت وطالت * روادفها تنوء بما ولينا فأسند ( تنوء ) إلى الروادف الثقيلة التي تجهد ما وليته بثقلها،  وأشد اللغويون في ذلك أيضا :

 ألا عصا ارزن طارت برايتها * تنوء ضربتها بالكف والعضد وأما المفاتح في الآية الكريمة فهو جمع ( مفتح ) وهو ذات الكنز لا المفتاح الذي هو آلة الغلق . واعترض المتعرب أيضا على قوله جل شأنه في سورة الكهف 76 :

 ( حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) . فقال ( ذ ص 85 ) والوجه استطعماهم . وذلك لتوهمه أن قوله تعالى :

 ( استطعما أهلها ) جواب ( لإذا ) ولم يفهم أنه وصف للقرية وجواب ( إذا ) إنما هو قوله تعالى في آخر الآية ( قال لو شئت ) وحينئذ لو قيل ( استطعماهم ) لخلت جملة الصفة من ضمير الموصوف وأيضا أن الإتيان في الآية لجميع أهل القرية باعتبار الدخول إلى قريتهم،  والاستطعام لم يكن لجميعهم،  وإنما كان لمن هو لائق للضيافة،  ولو قيل استطعماهم لأوهم الكلام،  أن الاستطعام كان لجميع أهل القرية،  فلأجل ذلك كرر ذكر الأهل لئلا يمتنع انصرافه إلى المتعارف بخلاف الضمير العائد إلى ما يراد منه العموم . واعترض أيضا ( ذ ص 85 ) على العدول عن الاضمار إلى تكرار الظاهر في قوله تعالى في سورة البقرة 31 :

 ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم . . ) . فماذا تقول في اعتراضه هذا هو محض تمويه وتعصب ؟ أم أنه لا يفهم من المحاورات فوائد تكرار الظاهر فيها لكي يفهم أن تكرار الظاهر هاهنا لأجل

 

                                       صفحة 51

 

 التسجيل بالصراحة فيما هو العنوان للحجة والقصة،  فلم يطوه بغمغمة

 

ص 51 :

 

الإضمار،  وأن الفوائد التي أشرنا إليها لمعتنى بها في البلاغة،  فقد قال عنتر في معلقته :

 يا دار عبلة بالجواء تكلمي * وعمي صباحا دار عبلة واسلمي وقال سوادة بن عدي :

 لا أرى الموت يسبق الموت شئ * نغص الموت ذا الغنى والفقيرا وذكرنا لك قول امرئ القيس :

 فلو أنها نفس تموت سوية * ولكنها نفس تساقط أنفسا وقول الآخر :

 إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها * جرى دون ليلى مائل القرن أعضب ومن هذا الوجه مجيئ التكرار في قوله تعالى :

 ( بإذني ) في قوله تعالى في سورة المائدة 110 :

 ( وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني )،  والمتعرب ضجر من تكرار هذه الكلمة لأمر لا يحير بيانه . ولا يخفى عليك أن القرآن الكريم لما كان متجردا لتثبيت حقيقة التوحيد منابذا لما يجاهرها أو يخالسها بالشرك فلا جرم أن كانت له العناية التامة في تكرار البيان أو تأكيده بأن أفعال المسيح العجيبة لم تكن بقدرته كما شتت به المزاعم،  وإنما هي بإذن الواحد القادر القاهر وبقدرته،  وأن الحال ليوجب أن يتكرر قوله تعالى ( بإذني ) في هذه الموارد وأمثالها وإن بلغ تعدادها ألفا وإن غاظ المتعرب تكرارها المرغم لأهوائه في ثالوثه . ومن الظرائف أن المتعرب موه تألمه من مباهضتها لهواه . وأبدى أن إنكاره لها،  لأن أولها مثل ( إذ ) ولعله أبغض ( إذ ) لأنها مثل أول ( بإذني ) وإلا فماذا يبهظه من تكرار ( إذ ) إذا اقتضى الحال به تسجيل الامتنان بعظائم النعم وعوائد مزيدها في ظروفها تسجيلا لازما في البيان في مقام الامتنان والتذكير لا يحصل لو خلى السوق ونسق العطف بدون التسجيل بالظرف فاعرف ذلك من

 

                                       صفحة 52

 

 مراجعة الآية التي قبل هذه . ومما يستظرف نقله أن المتعرب قد أخذته الرقة على ( حين ) فتألم من القرآن إذ لم تذكر فيه إلا سبعة عشرة مرة،  وأحمشه الحسد ( لإذ ) حيث ذكرت في القرآن مائتين وأربعا وثلاثين مرة فحقد ذلك عليه . وماذا على المتكلم البليغ إذا استعمل الألفاظ التي هي أدخل بمقاصده مما اربها في المعنى . فقد قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته :

 ما جزعنا تحت العجاجة إذ * ولوا شلالا وإذ تلظى الصلاء وأقدناه رب غسان بالمنذر * كرها إذ لا تكال الدماء

 

ص 52 :

 

وقالت الخنساء :

 كان لم يكونوا حمى يتقي * إذ الناس إذ ذاك من عزيز وقال الأخطل :

 كانت منازل آلاف عهدتهم * إذ نحن إذ ذاك دون الناس إخوانا ولعل الزمان سيرنا من مخبئاته من يعترض على القرآن الكريم بأن ألفاته أكثر من تآته وظاآته . ولماذا يتضجر المتعرب من التكرار فإن التكرار رفيقه في أناجيله فقد تكررت ( لما ) تسع مرات في الأصحاح الثاني وربع الأول من متى،  وجاء في أول يوحنا في البدء كان الكلمة،  والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله هذا كان في البدء عند الله كل شئ به كان وبغيره لم يكن شئ مما كان فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضئ في الظلمة والظلمة لم تدركه،  لم يكن هو النور بل ليشهد للنور كان النور الحقيقي الذي يبرر كل الناس آتيا إلى العالم كان في العالم وكون العالم به ولم يعرفه العالم . وكم وكم ترى في إنجيل يوحنا مثل هذا التكرار وأكثر . . وإن قيل إن

 

                                       صفحة 53

 

 الإنجيل لم يكن مبنيا على البلاغة،  والقرآن المبني على البلاغة قد جاء فيه التكرار الكثير . . قلنا أولا :

 حاصل هذا الكلام إن التكرار الفارغ لا يضر في الإنجيل لأنه غير مبني على البلاغة . وثانيا :

 إنه لم يتكرر في القرآن الكريم إلا ما كان مقتضى الحال موجبا لتكراره،  فكيف ترى التكرار الذي اعترض عليه المتعرب ( ذ ص 85 ) وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة 94 ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ) . فإن نفي الجناح في المطعوم وعدم لحوق الوبال منه إنما يتم بالنسبة إلى هؤلاء الثابتين الدائبين على الإيمان والعمل الصالح والتقوى والاحسان،  فكم من مؤمن عمل صالحا ثم جره الشره والانهماك في الطعام إلى سوء الظن بالله وعدم التوكل عليه،  ومنته نفسه الأمارة وحرصه أن يستزيد رزقه بتدبيره،  وكم من مؤمن عمل صالحا ثم جره الشره إلى مخالفة التقوى والورع بالإغماض والتساهل في مطالب رزقه،  وكم من مؤمن عمل صالحا واتقى مدة ثم جره الشره والاعتياد على ملاذ المطعم إلى الإقدام على كسب الحرام . وكم من مؤمن عمل صالحا واتقى قد أدى به الشره والانهماك بلذة المطعم إلى العجز والتثاقل عن العبادة والعمل الصالح واكتساب الفضائل الروحانية،  فإن تكلف شيئا من ذلك جاء به صورة مشوهة وجسما بلا روح . وكم من هؤلاء من جره الشره إلى الإسراف المحرم والإكثار المضر ببدنه فضلا عن دينه،  وكم وكم جرهم الشره إلى الشح وذمائم الأخلاق والتعطل من زينة الإحسان . ولكن أغلب الناس يقولون :

 لسنا من هؤلاء والحمد لله فلا يسلم الطاعم من الجناح والوبال إلا إذا تأدب بأدب الآية الكريمة ( وقليل ما هم )،  ولا يحسن نفي الجناح إلا مع هذا التأكيد في الثبات والدوام على الإيمان والعمل الصالح والتقوى والاحسان فإن القرآن الكريم لم تجر تعاليمه على الفداء والمغالطة بكفاية اسم الإيمان

 

                                       صفحة 54

 

 ( فإن قيل ) إن القرآن قد كرر في سورة القمر قوله تعالى :

 ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) أربع مرات . وكذا قوله :

 ( فكيف كان عذابي ونذر )،  وكرر في سورة الرحمان سورة المرسلات قوله تعالى :

 ( ويل يومئذ للمكذبين ) عشر مرات فما الوجه في هذا التكرار في السورة الواحدة ؟ ( قلت ) إن للتكرار في الخطابة مناهج البلاغة لمقاما يتنافس فيه البلغاء،  وغاية يتسابقون إليها فيكررون ما يعنيهم أمره ويهمهم تثبيته في القلوب،  ويجلونه بالتكرار ليفتحوا به المسامع ويملأوا به القلوب تنويها بشأنه،  وحياطة للغرض المهم فيه،  فيتفاوتون في الإحسان به كما يتفاوت في الجودة والمناسبة واقتضاء الحال . قال الحرث بن عباد في قصيدة لما قتل مهلهل ابنه بجيرا :

 قربا مربط النعامة مني * لقحت حرب وائل عن حيال فكرر صدر البيت في أربعة وأربعين بيتا،  إلى قوله :

 قربا مربط النعامة مني * ليجير فداه عمي وخالي وقال مهلهل في قصيدة :

 على أن ليس عدلا من كليب * إذا خاف المغار من المغير فكرر صدر البيت سبعة عشر مرة،  إلى قوله :

 على أن ليس عدلا من كليب إذا هتف المثوب بالعشير وكرر قوله ( قربا مربط المشهر مني ) في صدور أبيات كثيرة،  وكرر عمر بن كلثوم في معلقته قوله ( بأي مشيئة عمر بن هند ) في صدري بيتين وكررت ليلى الأخيلية في رثاء،  توبة قولها في قصيدة ( فنعم الفتى يا توب كنت إذا التقت ) في صدور ستة أبيات،  وقولها منها ( لعمري لأنت المرء أبكي لفقده ) في صدور أربعة أبيات،  وقولها منها ( فلا يبعدنك الله يا توب ) في صدور أربعة أبيات . وهكذا حسان بن ثابت في شعره قبل الإسلام جوابا لقيس بن الحطيم

 

                                       صفحة 55

 

 فكرر قوله في قصيدة ( ويثرب تعلم ) في صدور أربعة أبيات . وما هو من هذا النحو الكثير . وغير مختص باللغة العربية،  بل يوجد في خطابة كثير من اللغات وكلامها الذي يتسامى إلى البراعة ومراعاة مقتضى الحال .

 

ص 55 :

 

حتى أن المزامير الرائجة لما كان أسلوبها طامحا إلى البلاغة جاء فيها كثير من ذلك،  فقد جاء في المزمور التسعين ( وعمل أيدينا ثبت علينا وعمل أيدينا ثبته )،  وتكرر في المزمور السابع والخمسين قوله ( ثابت قلبي ) مرتين وفي أول الرابع والتسعين ( يا إله النقمات ) مرتين،  وفي المائة والخامس عشر ( اتكلوا على الرب ) ثلاث مرات،  وفي المائة والثامن عشر ( احمدوا الرب لأنه صالح إلى الأبد رحمته ) مرتين ( أن إلى الأبد رحمته ) ثلاث مرات،  وفي المائة والرابع والعشرين ( لولا الرب الذي كان لنا ) مرتين،  وفي المائة والسادس والثلاثين ( لأن إلى الأبد رحمته ) ستا وعشرين مرة،  على أن هذا المزمور لا يبلغ النصف من سورة الرحمان . وأيضا قد تكرر في العشرين من القضاة ( بين رجليها أنطرح سقط ) مرتين،  وفي الأربعين من أشعيا ( يبس الشعب ذبل الزهر ) مرتين،  وفي العشرين من حزقيال ( التي إن عملها إنسان يحيا بها ) ثلاث مرات،  وأيضا تكرر في سابع متى عن قول المسيح ( من ثمارهم تعرفونهم ) مرتين،  كما في الثالث عشر منه أيضا عن خطاب واحد للمسيح مع تلاميذه قوله ( هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ) . وفي هذا المقدار من العهدين كفاية وإن كان فيه أكثر من ذلك . وإنك إذا نظرت إلى مكررات القرآن في مواردها وجدتها مما لا يساغ لغرض البليغ في تركها،  كيف لا وهي في مقام الامتنان بتيسير القرآن للذكر والحث على الإدكار للإتعاظ بما جرى على الكفرة المتمردين من عظيم النكال . وفي مقام التهديد والتهويل بذلك البطش الشديد حيث تمت عليهم الحجة بالنذر،  وفي مقام التنويه بآلاء الله وبيان أنه لا مجال في التكذيب بها،  وفي مقام التهديد والوعيد بالويل في يوم القيامة للمكذبين بالمعاد والجزاء،  وإنك لترى إن هذه المقامات هي الرأس والعمدة في الاصلاح،  والتكميل،  ونظام المدنية،  والهدى إلى الإيمان والسعادة،  فراجع مواردها فإنها توردك بتوفيق الله من زلالها

 

                                       صفحة 56

 

 العذب نهلا وعلا . وأما تكرار القرآن لقوله تعالى في سورة الشعراء :

 ( وما أسئلكم عليه من أجر ) خمس مرات فذلك لأجل أنه حكاية لكلام خمسة من الأنبياء في خمسة مواقع وهم نوح،  وهود،  وصالح،  ولوط،  وشعيب حيث احتج كل واحد منهم على قومه بأنه لا يريد في إنذاره لهم إلا النصح والهدى ولا يرجو فيه طمعا ولا يسئلهم عليه أجرا . وأما ما تكرر في مجموع القرآن،  فما عسى أن يكون إذا اقتضاه الحال أو لم يتكرر ( متى ) عن قول المسيح ( هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ) ست مرات مع أن الكلمات المنسوبة فيه إلى المسيح لا تقارب واحدة من كبار سور القرآن،  هذا فضلا عن التكرار في كتب العهدين . وبما ذكرناه تعرف شطط المتعرب ( ذ ص 76 و 74 ) وتحامله بضلاله على القرآن الكريم . قال الله تعالى في سورة البقرة 165 ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آبائنا أو لو كان آبائهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون 166 ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ) . والمراد منه أن الذين كفروا تجري ألسنتهم في كفرهم بما لا يعقلون غلطة ولا يتدبرون شططه،  فكأنهم ليس لهم أسماع يسمعون بها ضلال أقوالهم وقبيح فلتاتهم،  فإنها قد بلغت من الغلط والضلال حدا لا ينبغي أن لا يعلقه إلا من لم يسمعها . أفيقول من لم يوقر الغي أذنيه لا أتبع ما أنزل الله بل أتبع ما ألفيت عليه آبائي أفلا يسمع ما يقوله من الغلط والضلال فمثل الذين كفروا في ضلال أقوالهم هذه كمثل الأصم الذي ينعق بما لا يسمعه ولا يميز من مداليل كلماته إلا الصوت والدعاء والنداء،  فكلامهم الغلط الفاسد إنما هو بالنسبة إلى غباوتهم عما فيه كنعيق من لا يسمع .

 

                                       صفحة 57

 

 والمتعرب سمع من بعض المفسرين أنهم يقدرون في الآية،  مثل واعظ الذين كفروا،  ويجعلون سوق الآية لتشبيه وعظ الواعظين بالنعيق،  والذين كفروا بالأنعام التي ينعق بها،  فقال المتعرب ( ذ ص 93 ) هذا التمثيل لا معنى له،  وكان الوجه أن يقول،  ومثل الذي يعظ الكفار أو يدعوهم كمثل الذي ينعق بما لا يسمع . ولا ألوم المتعرب إذ لم يعقل المراد من الآية،  ولم يدر ما يلزم في تقديره من الفساد،  أفلا يتدبر أنه حاشا لله وبلاغة القرآن أن يصف وعظ الواعظ الهادي وإرشاده الشافي بالنعيق المهمل . ويعيب إرشاده بعيب غيره بل حاشا كل من يعرف مواقع الكلام من ذلك،  هب ذلك ولكن المثل الشريف حينئذ يخطئ مرماه ويلغو معناه . فإن الناعق بالأنعام طالما ينجح بنعيقه بها ويندر أن لا تجيبه بإقبالها وانزجارها وإن كان نعيقه مهملا،  وأين ذلك من خيبة واعظ الكفار الذين حرنوا على اتباع ما الفوا عليه آباءهم . وأما اعتراض المتعرب على قوله تعالى في سورة البقرة 276 ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) . حيث قال ( ذ ص 93 )،  وكان الوجه أن يقول :

 إنما الربا مثل البيع .

 

ص 57 :

 

فيكفي في رده أن القرآن كلام الله الصادق قد حكى ما قاله آكلوا الربا على وجهه،  لا كالأناجيل التي تنقلب في نقلها الواقعة الواحدة حسبما تقتضيه الغفلة وغيرها . كما ذكرنا بعضه في الجزء الأول في ( صحيفة 252 - 257 ) ولا كالعهدين الذي يختلف منهما الحاكي والمحكي اختلافا فاحشا،  كما سنذكر بعضه إنشاء الله في المستقبل القريب . ولا علينا أن نقول :

 إن اعتراضهم إنما هو النقض على الشريعة بحل البيع لتوهمهم أن العلة في تحريم الربا موجودة فيه فهو مثل الربا،  فلماذا أحل مع تحريم الربا،  وهذا النحو من الاعتراض يستلزم هذا التعبير . وأما اعتراض المتعرب على عربية القرآن باستعماله بعض الألفاظ التي يدعي أنها عجمية في الأصل :

 كالسندس،  والاستبرق،  والأباريق،  والنمارق

 

                                       صفحة 58

 

 والقسطاس،  والفردوس . فنقول :

 إن من المعروف في جميع اللغات أنها قد تتداخل وتنقل اللفظة من لغة إلى لغة أخرى فتكون بهذا الأخذ في اللغة الثانية كسائر موضوعاتها الخاصة،  وقد كثر ذلك في الأسماء في كل لغة،  فالذي ينقل من لغة إلى اللغة العربية يسمى معربا،  أي صار عربيا بعد أن كان غير عربي،  وذلك كغالب أسماء الأنبياء،  فلا يلزم بعد ذلك في فصيح العربية اجتنابها،  بل إن الألفاظ المعترض بها لا مناص في الفصاحة والبلاغة وحسن البيان عن استعمالها لأنك تعلم أن مثل السندس،  والاستبرق،  والنمارق،  والقسطاس الذي هو ميزان خاص مبني على الدقة،  كل هذه لم تكن من صناعة العرب ولا متداولة عندهم ليضعوا لها الأسماء من لغتهم ابتداء،  بل لم يكن يستعملها إلا ملوك الحاضرة ومترفوهم،  فاكتفوا في تسميتها في لغتهم بتعريب أسمائها،  فلا يمكن البيان عن حقائق مسمياتها إلا بأسمائها،  ولو عدل عن أسمائها المذكورة إلى نحو آخر من التعبير لما تيسر بيان المسميات على ما ينبغي ولو بطول الكلام الفارغ،  فاعتبر بما إذا جاء في بليغ الكلام الإنكليزي ( سلدين ) أي صلاح الدين و ( جبرلتار ) أي جبل طارق،  و ( ارابيك ) أي عربي،  فهل ترى مميزا يعترض على انكليزية ذلك الكلام بوجود هذه الألفاظ المأخوذة من العربية أو يقول،  كان يلزم في بيان معانيها ومسمياتها أن تستعمل الألفاظ الانكليزية الأصلية،  وإن أدى إلى التطويل والهذر،  كلا . وأما دعوى المتعرب أن الملة،  والسكينة،  والمثانى،  والمائدة مأخوذة من اللغة العبرانية فهي دعوى ناشئة من فلتات الجهل وبوادر العصبية . وأما اعتراضه على القرآن الكريم ( ذ ص 85 ) بأنه يوجد فيه كثير مما تنافرت حروفه نحو فسبحه،  ومن يسمعها،  ومن يكرههن،  وإذ سمعتموه وإذ زاغت . فقد تلقن دعوى التنافر فيه من أعاجم يعسر عليهم النطق بالحاء والعين والذال،  وما أشبهها،  بل تراهم يتلكؤون في النطق بالكلمات العربية،  وإن كانت حروفها متداولة بينهم .

 

                                       صفحة 59

 

 وقد تكلفوا الكلام باللغة العربية،  وترددوا في النطق بحروفها بين إفراط وتفريط،  فإما أن يقلبوا الحاء هاء،  والذال زاء،  والعين أيضا،  وإما أن ينطقوا بالحاء على وجه يكاد أن يجرح الحلقوم،  وبالعين على وجه يكاد أن يخنق،  ووضع لهم أرباب الصناعة وهم منهم حدودا للحروف لا تنفك أن تخرجهم من التفريط إلى الإفراط وهو تفريط أيضا،  فإن كان هذا هو الميزان في التنافر،  فكل اللغة العربية متنافرة الحروف بالنسبة إلى غير العرب،  بل كل لغة متنافرة بالنسبة إلى غير أهلها .

 

                                       صفحة 60

 

 الفصل الثاني ( في أوهام الاعتراضات على القرآن الكريم ) من حيث وضع الأرض قال الله جل شأنه في سورة يوسف في قصة الجدب والخصب 49 ( ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ) . فقال المتعرب ( ذ ص 51 ) ويترتب عليه أن خصب مصر مسبب عن المطر،  وهذا خلاف الواقع،  فالمطر قلما يقع في ذلك القطر ولا دخل له في خصبه بل ذلك مسبب عن قبض النيل،  وهذا لا يجهله أحد من أهل البلاد النازحة عن مصر فضلا عن العرب المتاخمين لها . قلت :

 أترى هذا النصراني المتصدي للأمور الدينية والمباحث العلمية كيف أدى به العناد والتمرد على الله ورسوله إلى أن فضح نفسه بالجهل بصراحة التوراة التي هي كتاب ديانته وبمبادئ الجغرافية التي لا يجهلها أطفال المكاتب الابتدائية في هذه القرون . أما التوراة فإنها تقول بصراحتها إن القحط قد عم مصر وأرض كنعان وكل وجه الأرض ( انظر تك 41 . 54 - 57 و 42،  1،  2 و،  43،  1 و 2 و 8 و 45،  4 - 8 )،  وانظر أيضا ( مز 105،  16،  17 واع 7،  11 ) هذا وأن الوجدان شاهد بأن الخصب في أرض كنعان لا يكون إلا بالغيث من المعصرات،  وأن الجغرافية الشائعة في المكاتب الابتدائية قد فهمت الأطفال أن خصب مصر وزيادة نيلها إنما هما من نزول الغيث من المعصرات . وقد حددت

 

                                       صفحة 61

 

 ابتداء زيادة النيل بابتداء المطر في حوضه،  وانتهائها بانتهائه وعينت موقع حوض النيل الذي يمده بماء المطر الواقع فيه،  وعينت مساحة الحوض أيضا .

 

ص 61 :

 

وأن المتعرب قد حقق كلامه هذا كون القرآن الكريم من الله علام الغيوب،  فإنه لو كان من الناس لأسند خصب مصر إلى فيض النيل جريا على ما هو المعروف في تلك القرون التي لم تكتشف فيها مواقع البلاد،  وطبيعيات الأرض وحياض الأنهار . وما ظنك بجرأة المتعرب لو جاء في القرآن الكريم مثل ما جاء في توراته بأنه كان نهر يخرج من عدن ليسقي الجنة وهناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس،  واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش،  واسم النهر الثالث حد أقل ( أي دجلة ) وهو الجاري شرقي آشور،  والنهر الرابع الفرات ( تك 2،  100 - 15 ) . أفتراه لا يقول إن جيحون وأرض كوش في أفريقيا،  ومبدء الفرات من أرمينية،  ومبدء الدجلة من كردستان ومنتهاهما خليج فارس،  فأين هذا وأين عدن،  وأين هذا من العلم بتوقيع البلدان ؟ ومن نحو هذا الفصل اعتراض المتكلف والمتعرب على القرآن الكريم إذ سمى صانع العجل لبني إسرائيل ( بالسامري ) وقد أوضحنا لك حقيقة الحال ومقدار جهلهما في ( صفحتي 34 و 135 من الجزء الأول فراجع . وقال الله تعالى في أول سورة الاسراء :

 ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ) . فاعترض المتعرب على ذلك ( ذ ص 51 ) بأن المسجد الأقصى الذي هو الهيكل السليماني كان قد خرب وانمحت آثاره منذ خمسمائة وخمسين سنة . قلنا :

 لا يخفى أن المسجد لا يخرج عن فضيلة المسجدية وشرفها وعنوانها وإن صار خربة وانمحت آثاره منذ آلاف من السنين،  وعلى ذلك عمل اليهود والنصارى فإنهم يعظمون بيت المقدس بناء على مسجديته السابقة على خرابه . . وأما اعتراضه باعتبار الرواية فساقط لما قدمناه في المقدمة السابعة .

 

                                       صفحة 62

 

 وقال الله تعالى في سورة النحل 15 :

 ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم )،  ونحوه في سورة الأنبياء 32،  وسورة لقمان 9 . فنقل المتكلف ( يه 2 ج ص 84 ) أقوال بعض المفسرين الظاهرة في دعواهم :

 أن الجبال بثقلها تمنع الأرض عن أن تتحرك كرتها على الاستدارة ونحوها،  فصار بمقتضى هذه الأقوال يغلط بضلاله القرآن الكريم مدعيا أن الأرض متحركة . أفتراه لم يشعر بأن ما نقله إنما هو قول بعض المفسرين الذين لا نصيب لهم بشئ من التحقيق،  ولم يفوزوا إلا بكثرة الحفظ،  ولم يكن همهم إلا رسم التفسير من المسموعات بدون تحقيق،  ويكفي في بطلان هذا التفسير أن التضاريس في الكرة والدولاب ادعى لحركتهما على الاستدارة بواسطة ما يصادم التضاريس من القوى،  ثم إذا كانت الكرة على عظم حجمها قابلة للحركة إلى فوق أو إلى اليمين ونحو ذلك . فهل ترى التضاريس الجزئية التي هي من طبيعتها تمنعها عن الحركة . . . ومما يوضح فساد هذا التفسير وأنه تقول على القرآن بدون علم،  هو أن الميدان لغة وعرفا ليس من نحو تحرك الكرة على الاستدارة أو الاستقامة،  وإنما هو حركات متضادة إلى جهات مختلفة على التتابع بواسطة القاسر العنيف،  كالزلزال والرجيف . وهب أن القرآن الكريم كلام واحد من الناس،  فهل يحسن ولا يقبح لك أن تعترض عليه بتفسير غيره،  أو إنما يحسن لك أن تأخذ تفسيره من ذات المتكلم أو من الحقائق المنطبقة عليه . ولكن المتكلف رأى أن الهيئة الجديدة رائجة حتى أن غالب المعاصرين يعدونها زعيمة ببيان الحقائق على ما هي عليه،  ويعدون مخالفتها من الغلط،  فصار يحاول أن يموه على الناس أن فلسفة القرآن الكريم مخالفة لها . . ولما كان القرآن الكريم يصادمه،  والحقائق البينة تجبهه التجأ إلى التمويه بقول بعض المفسرين .

 

                                       صفحة 63

 

 وهاك دلالة القرآن،  وبيان الحقائق لكي تعلم أن فلسفة القرآن لا يمكن أن تصدر من مثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير الوحي الإلهي فاعلم أن الميدان ليس هو الحركة مطلقا،  وإنما هو التزلزل والتزعزع بالحركات المتفاوتة إلى جهات مختلفة على التتابع بواسطة القاسر فهو غير الحركة الطبيعية التي تثبتها الهيئة الجديدة للأرض . . ولكن لما اقتضت الحكمة الإلهية إيداع الحرارة المتحركة وأبخرة البحار في جوف الأرض لكي تتولد بسببها المعادن والفلزات،  وتتصعد بها مجاري العيون لعمارة المسكونة،  جعل لها منافذ مرتفعة عن السطح المعمور وفتح فيها بحكمته أفواه البراكين،  ومنافذ الينابيع،  وتعاهد بالمطر ودوام الثلج عليها فتح مسامها،  كل ذلك لكي تتوجه إليها بسبب ارتفاعها وانفتاح منافذها تلك القوى النارية السيارة في جوف الأرض لتنفذ من خلالها بدون أن تصدم بعاديتها شيئا من المعمور،  ولولا ذلك لاستدام الزلزال في السهل المعمور واستمر الميدان وسلب القرار بسبب ميل القوى النارية إلى الخروج من الأرض بحدتها العنيفة فيعم الضرر في المعمور وساكنيه بشيوع الزلزال،  فالجبال من أجل هذه الحكمة البالغة هي المانع من شيوع الزلزال في الأرض والحافظة لها من أن تكون مائدة . ألا ترى القوى النارية مع هذه المنافذ لها في الجبال كيف تزلزل سطح

 

ص 63 :

 

المعمور وتميده إذا اقتضت الحكمة خروجها منه،  بل قد يستتبع خروجها منه الخسف والانفجار الناري والمائي . ولعل الحكمة في ذلك إرهاب الخلق به لئلا يأمنوا بطش الله فيطغوا ويبغوا،  وإشعارهم بالنعمة عليهم بخلق الجبال وحكمتها البديعة في كونها حافظة للمعمور من هذا البلاء العظيم،  كما صرح بذلك القرآن الكريم فأظهر الله حكمته ورحمته وامتن على الناس بحفظهم من ميدان الأرض المزعج المخرب فضلا عن الخسف والانفجار . . بل قد تساعد الفلسفة والاعتبار على أن نقول :

 إن الجبال بطبعها موجبة لميل القوى النارية إليها والخروج منها،  وإن كانت صخرية ليس فيها براكين ولا ينابيع . وقد امتن الله أيضا على عباده بجعل الجبال راسية في مواطنها

 

                                       صفحة 64

 

 لإجراء حكمتها،  ودوام النعمة بوجودها،  فلا تزعزعها القوى النارية كما تزعزع سطح الأرض،  ولو لا القوة التي أودعها الله فيها لاقتضى نفوذ القوى النارية منها على الدوام أن يحللها ويزعزعها ويلاشيها،  جلت حكمة الله وعظمت آلاؤه،  وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . وقال الله تعالى في سورة الحجر 19 وسورة ق 7 ( والأرض مددناها ) وفي سورة نوح 18 ( والله جعل لكم الأرض بساطا . . ) والمراد من ذلك أنه جل اسمه وعظمت نعمته جعل الأرض ذات أرجاء واسعة ممتدة وسهول منبسطة رحيبة،  فلم يضق رحبها،  ولم تستوعر كلها على ساكنيها بتضاريس الحزون وأسنمة الجبال،  وأن مد الأرض وبسطها بهذا المعنى لا ينافي كرويتها التي لا تدرك إلا بدقة الرصد وكلفة البرهان . . وقد جاء في العهد القديم الباسط الأرض على المياه ( مز 136،  6 ) باسط الأرض ( اش 42،  5 و 44،  24 ) هل أدركت عرض الأرض أخبرني أن عرفته كله ( أي 38،  18 )،  وبعد هذا رأيت أربعة ملائكة واقفين على أربع زوايا الأرض ( روء 7،  1 و 20،  8 )،  وهذا يقتضي كون الأرض مسطحة مربعة ذات زوايا أربع . وأظن أن هذا الكلام هو الذي دعا جماعة كثيرين من قدماء المسيحيين إلى تكفير من يقول بكروية الأرض . ومع هذا كله يقدم المتكلف ( يه 2 ج ص 84 ) بقبيح جرأته على القرآن الكريم فيما ذكرنا،  ويعترض عليه بأن مضمونه مناف لكروية الأرض،  وقد عرفت أنه ليس في شئ من المنافاة،  وأن ما في العهدين أولى بالمنافاة،  وليت شعري أن الذي لا يفهم الكلام ولا يدري بما في كتب دينه لماذا يقتحم مهالك البحث فيقع في فضيحة الجهل فضلا عن ضلال الكفر ولماذا لم يكتف بالأكل من أرزاق الجمعيات كسائر المبشرين . . فإن حاول التقرب إلى الجمعيات بالتمويه والتلبيس،  فإنها لا تجبره على ذلك،  وإنما تتوقع منه ما يرفع ذكرها،  لا ما ينبه الغافلين على جهل المبشرين بكتب دينهم وعدم تماسكهم في أمرهم إلا بالتزوير والتمويه .

 

                                       صفحة 65

 

 قال الله تعالى شأنه في شأن ذي القرنين في سورة الكهف 84 ( حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ) . فاعترض المتكلف على ذلك ( يه 2 ج ص 91 )،  وجعله من الجهل بمبادئ علم الفلك . ( قلت ) :

 لا يخفى أن المغرب أمر مبهم إضافي،  وأن لكل ناحية مغربا وهو ما تغيب فيه الشمس عن تلك الناحية،  والمغرب العمومي للمعمور القديم وهو ( آسيا وإفريقيا وأوربا ) إنما هو البحر المحيط،  فالشمس لا تغرب عن المعمور المعتد به من هذه القطع الثلاث إلا ويكون تمام غروبها أو بعضه في البحر المحيط . والآية الكريمة تعرضت لسر الغيب الذي أظهره الاكتشاف بعد قرون عديدة،  وجرى التعبير في الآية عن البحر بالعين مجازا،  كما جرى التعبير في بليغ الكلام عن الفرات بالنطفة ( وهي القطرة من الماء ونحوها ) وهو من محاسن المجازات في مقامها،  وبوصف هذه العين بكونها حمئة ذات طين قد أشير إلى غيب ( أمريكا ) لأنه لا يكون تخصيص هذا البحر،  ووصفه بكونه ذا طين إلا باعتبار الإشارة إلى أمريكا،  فلا تحسب أن وصف البحر بكونه ذا طين كان باعتبار وجود الطين في قراره أو حافاته وشواطئه،  لأن كل بحر وكل نهر وكل عين لا بد أن يكون في حافاته وقراره طين،  فلا بد أن يكون المراد هو الطين الذي في وسطه . ومقتضى المناسبة في وصف المحيط العظيم بأن في وسطه طينا لا بد أن يكون المراد منه قطعة أمريكا،  ألا ترى أن أقل الأقطار لهذا المحيط يبلغ مائة وثمانين درجة،  كما في ناحية الدرجة السادسة والستين وما قاربها من العرض الشمالي،  فما ظنك بالطين المناسب لوصف هذا البحر به،  أتراه يناسب أن يكون غير أمريكا . ( فإن قلت ) :

 إذن فلماذا عدل عن إيضاح هذه الحقيقة بالصراحة إلى الإشارة إليها بهذه الإشارة وهذه العبارة ( قلنا ) :

 إن حمكة الوحي في دعوته إلى الهدى ودين الحق لتقتضي أن لا يلقي على أذهان الناس شيئا يثقل عليها

 

                                       صفحة 66

 

 بمخالفته لقطعياتهم الوقتية إلا أن يكون في أمر الدين وتعليم الشريعة،  فإن الدين المدعو إليه أثقل ما يكون على الأهواء والجهالات المألوفة،  فلا يصح في الحكمة أن يلقي أيضا على أذهان الناس صراحة ينكرونها بجهالاتهم مع أنها لا

 

ص 66 :

 

يهم أمرها في الدين الذي هو الغرض من الدعوة،  فإن ذلك معثرة في سبيل الهدى وناقض للغرض من الدعوة . ألا ترى أنه قد ذهب قوم في الأعصار القديمة إلى أن الأرض كشكل السفينة الطافية على الماء،  وذهب آخرون إلى تكفير من يقول بكرويتها،  أفترى يحسن مع ذلك في حكمة الوحي أن يضاد أذهانهم بالصراحة بوجود أمريكا،  ألم تسمع أن ( كولمبيوس ) لما عرض على الدول أفكاره في اكتشاف الطريق البحري من أوربا إلى الصين لم يحتفلوا برأيه إلا بالتسفيه،  وإنما أسعفته ملكة إسبانيا من خالص مالها التزاما بوعدها،  فأسعده الجد بالعثور على أمريكا من حيث لا يحتسب . هذا مع أن كروية الأرض المقتضية لتصحيح أفكاره وتصويب مشروعه كانت مقررة مسلمة في ذلك الوقت . والحاصل أن الحكمة اقتضت للقرآن الكريم أن يشير إلى حقيقة أمريكا في البحر المحيط بنحو لا يصادم الجهل،  بل بإشارة يسطع نورها،  ويتضح مرادها عند انكشاف الحقائق للحس في الأعصر التي يترك فيها التقليد للأسلاف في الطبيعيات،  ونسأل الله برحمته ولطفه أن يوفق عباده لترك التقليد في معارف الدين،  وهو القائل جل شأنه :

 ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا )،  ولك العبرة في حسن هذا المجاز في هذه الإشارة ولطف أسلوبه ومناسباته وجريانه على مقتضى الحكمة في الإشارة الغيبية في ذلك العصر فإنه يظهر ذلك كله عند المقايسة بما يذكره الإنجيل الرائج عن قول المسيح في خطاب اليهود انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه،  فأنكر اليهود ذلك أشد الإنكار،  والانجيل يقول :

 إنه قال ذلك عن هيكل جسده،  ولما قام من الأموات تذكر تلاميذه أنه قال :

 هذا ( يو 2،  19 - 22 )،  وبقي هذا الكلام مجهولا حتى جعله اليهود باعتبار ظاهره من الذنوب التي تشبثوا بها في حادثة الصليب ( مت 26،  61

 

                                       صفحة 67

 

 و 27،  40 )،  هذا وزعم الإنجيل أيضا أن المسيح خاطب التلاميذ في مقام التعليم المضيق وقته بقوله :

 تحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين،  وهو يريد بذلك تعليم الفريسيين والصدوقيين بعدوى أخلاقهم برذيلة الرياء والأخلاق الذميمة،  فنسب إلى المسيح أنه أتى في مقام التعليم الديني المضيق بمجاز لا مناسبة له ولا يخطر المراد منه على البال حتى تحير التلاميذ فيه وصاروا يتفكرون ويتحاورون في أوهامهم ( انظر مت 16،  6 - 12 ومر 8،  15 - 21 ) مع أن التعليم الديني هو أولى المقامات بالصراحة والبيان الشافي .

 

                                       صفحة 68

 

 الفصل الثالث في السماوات قال الله تعالى في سورة المؤمنين 88 :

 ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ) . وفي سورة الطلاق 12 :

 ( خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن ) . فتشبث المتكلف بالهيئة الجديدة لجرأته بالاعتراض على القرآن الكريم في هذا المقام ( فانظر يه 2 ج ص 26 ) . وأن الهيئة الجديدة لو طابقت الواقع لما خالفت القرآن الكريم،  فاعلم أن أصحاب فن الهيئة وجدوا كواكب مرئية بعضها ساكن أو شبيه بالساكن،  وبعضها له حركات على الاستدارة موزونة متناسبة في تكرارها،  فحاولوا أن يجعلوا لتلك المتحركات أوضاعا تناسب تلك الحركات وتنطبق عليها،  ولا تخرج عما عندهم من المقدمات ليجعلوا من ذلك ميزانا لبيان تلك الحركات ومقاديرها وآثارها،  وأحوال تلك الكواكب المتحركة بعضها مع بعض من حيث المحل والقرب والبعد . فالمتقدمون استخرجوا وضعا للمتحركات مناسبا لتلك الحركات وبنوه على الحدس من المقدمات حسابية وهندسية واستحسانية وملاحظة الكاسف والمنكسف واقتضاء الحركات والتحريك،  وامتناع الخلاء،  والخرق والالتئام في

 

                                       صفحة 69

 

 الفلك،  وعدم الفضل في الأفلاك،  ولو أدت بهم المقدمات التي عندهم إلى وضع آخر مناسب لما امتنعوا عنه إذ لم يشاهدوا تلك الأوضاع التي بنو عليها،  ولا يستندون في ذات الوضع إلى الحس . والمتأخرون منعوا كثير من مقدمات المتقدمين فتوجهوا بما عندهم من المقدمات والاستعداد إلى استخراج وضع آخر يناسب الحركات المذكورة ولا تحسب أن نظاراتهم دلتهم على الوضع الذي يقولون به،  وإنما أدت بهم إلى توسعة دائرة الاحتمال والتخمين في أحوال ذات الكواكب،  فانظر إلى مقالاتهم ومباحثاتهم في هذا الفن . نعم استخرجوا بها كواكب خفية،  ومن جملتها ثلاث سيارات سموها ( فلكان ) و ( اورانوس ) و ( نيطون ) فأثبتوا لها ثلاثة أفلاك،  ثم إنهم بتخمينهم جعلوا الكواكب اكر قائمة بنفسها في الخلاء وإنما الأفلاك عبارة عن دوائر متوهمة من استدارتها في الخلاء،  وجعلوا الشمس هي المركز لأفلاك الكواكب السيارة،  كما جعلوا الأرض من السيارات حول الشمس،  وجعلوا القمر أو الأقمار ليست بسيارات مستقلة وإنما هي توابع لسيارات أخر تدور عليها كما تدور بمدارها . ولا تنفك مقدماتهم فيما ذهبوا إليه عن الحدس والتخمين كما تعرفه من مباحثهم ومباحثاتهم في ذلك،  مع أن من مقدماتهم ما هو قابل للمنع،  أو غير مستلزم للمدعى .

 

ص 69 :

 

وإنا وإن منعنا على القدماء حكمهم بامتناع الخلاء فإن جوازه لا يستلزم كون الأفلاك عبارة عن دوائر خلائية يفرضها الوهم في مدار السيارات،  بل يجوز أن تكون الأفلاك أجراما شفافة لا تحجب ما وراءها ولطيفة لا لون لها،  ولا تتلون بغيرها،  ويجوز في طبيعتها الخرق والالتئام،  بل إن سعادة التوفيق للاعتقاد بوجود الإله القادر الحكيم مما يوضح فساد القول بامتناع الخرق والالتئام . والحاصل أن كلا من وضعي الهيئة القديمة والهيئة الجديدة ممكن من حيث انطباق الحركات المحسوسة عليه،  ولكنه يمكن أن يتعداه التحقيق والبحث في

 

                                       صفحة 70

 

 المقدمات إلى وضع ثالث ورابع وهكذا،  فلا يحسن الجزم بأحد الوضعين المذكورين بجميع تفاصيله المدونة إلا بالمشاهدة التفصيلية للجزئي والكلي،  أو بالتفصيل من صراحة الوحي،  ولكن الحكمة الإلهية لم تقتض أن يتولى الوحي بصراحته تفصيل ذلك بجميع أنحائه جزئيا وكليا،  بل مقتضى الحكمة الإلهية واللطف في حصول الغرض من الدعوة هو أن لا يبين حقيقة ذلك على الدقة والتفصيل لئلا يتمرد على الدين الذي هو الغرض من سولت له أوهامه وقطعيات وقته خلاف ما يذكره الوحي،  فيكون بيان غير المهم معثرة في سبيل المهم . ولا يسع المقام للمناقشة في المقدمات التي استندوا إليها في كل من الهيئتين،  ومع هذا كله فالقرآن الكريم لم يصرح بخلافهما لئلا يجترء المغرور بأحدهما على الاعتراض بجهله وإلحاده على كلام الله،  فتكون الصراحة معثرة في سبيل الإيمان . وأن قوله تعالى :

 ( سبع سموات والسموات السبع ) لا يمتنع انطباقه على كل واحدة من الهيئتين أعني القديمة والجديدة،  فيمكن أن يقال على الهيئة القديمة إن السماوات السبع هي أفلاك السيارات السبع،  وإن فلك الثوابت هو الكرسي في قوله تعالى في سورة البقرة 256 :

 ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) وإن الفلك الأطلس المدير على ما زعموا هو العرش في قوله تعالى ( قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ) . ويمكن أن يقال على الهيئة الجديدة إن السماوات السبع هي أفلاك خمس من السيارات مع فلكي الأرض و ( فلكان ) والعرش والكرسي هما فلكا نبطون واورانوس،  وأما الشمس فهي مركز الأفلاك،  والقمر تابع للأرض وفلكه جزء من فلكها،  هذا كله في مقابلة من أشرب في قلبه إحدى الهيئتين،  والله أعلم بحقيقة الحال . وأما الأرض فلم تذكر في القرآن الكريم إلا مفردة،  نعم قال جل اسمه ( خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن )،  وهو يحتمل وجوها ثلاثة :

 الأول :

 أن يراد مثلهن في الطبقات باعتبار اختلاف طبقات الأرض في

 

                                       صفحة 71

 

 بدائع الحكم والآثار . الثاني :

 أن يراد مثلهن في عدد القطع والمواضع المعتد بها ( كاسيا ) و ( أوربا ) و ( أفريقيا ) و ( أمريكا الشمالية ) و ( أمريكا الجنوبية )،  و ( أستراليا )، ،  وأرض لم تكشف بعد،  أو لاشتها الحوادث البحرية بالكلية،  أو بقي منها ما لا يعتد به،  أو هي ما تحت القطب الجنوبي،  على ما يظن البعض . الثالث :

 أن يراد بالمماثل للسموات هو غير أرضنا بل ما هو من نوعها فيراد منه ذات السيارات على الهيئة الجديدة،  أو ما هو مسكون من الكواكب ولم يظهر للاكتشاف،  والله أعلم بحقيقته . وبما ذكرناه يظهر لك غلط المعترض على القرآن الكريم بالهيئة . ولئن صح الاعتراض بالهيئة فإن العهدين الرائجين هما المخالفان للهيئة القديمة والجديدة . فقد جاء في التوراة وقال الله ليكن جلد في وسط المياه وليكن فاصلا بين مياه ومياه فعمل الله الجلد وفصل بين المياه التي تحت الجلد والمياه التي فوق الجلد،  وكان كذلك ودعا الله الجلد سماء ( 1 تك 1،  6 - 9 )،  وبهذا الكلام صرحت بمخالفة الهيئة القديمة حيث حكمت بأن السماوات فوقها مياه،  وأنها فاصلة بين المياه التي فوقها والمياه التي تحتها . وكذا قول المزامير يا أيتها المياه التي فوق السماوات ( مز 148،  4 ) وخالفت الهيئة الجديدة حيث قالت في أصل العبراني بدل الجلد ( رقيع ) وهو الشئ المبسوط ( انظر في الأصل العبراني مز 136،  6،  واش 42،  5 و 44،  24 ) . وعلى ذلك جاء قوله الذي ينشر السماوات كسرادق أو يبسطها كخيمة للسكن ( اش 40،  22 ) وعلى ذلك أيضا جاء أن السماوات تلتف كدرج ( اش 34،  4 ) وكالدخان تضمحل ( اش 51،  6 ) وتنحل ملتهبة ( 2 بط 3،  12 ) وهي والأرض تبيد وكلها كثوب تبلى كرداء تتغير ( مز 102،  25 و 26 )،  وأنها انفتحت ( مت 3،  16 ) وانشقت ( مر 1،  10 ) وانفلقت كدرج ملتف ( روء

 

                                       صفحة 72

 

 16،  14 ) وهذه السماوات المذكورة هي التي جعلوها في الهيئة الجديدة عبارة عن المداراة الموهومة للسيارات في الخلاء،  فلا يصح وصفها بالأوصاف المذكورة في العهدين . وجاء في المزامير أن الشمس مثل الختن ( أي العريس ) الخارج من حجلته،  تبتهج مثل الجبار للسباق في الطريق من أقصى السماوات خروجها ومدارها إلى أقاصيها ( مز 19،  5 و 6 ) وهذا مخالف للهيئة القديمة فإن المقرر عند

 

ص 72 :

 

أصحابها أن الشمس ومدارها في السماء الرابعة لا في أقصى والسموات ولا إلى أقاصيها،  ومخالف للهيئة الجديدة أيضا لأن الشمس عند أصحابها مركز للسموات لا تدور وليس مدارها إلى أقصى السماوات بل السيارات تدور عليها بخلاف قول العهد القديم الشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق ( جا 1،  5 ) . ( فإن قلت ) إن المتكلف يزعم أن الهيئة الجديدة مبنية للحقائق الواقعية وزعيمة بالصواب . ويزعم أن كتب العهدين الرائجين كلام الله السميع العليم،  فماذا يصنع أذن في هذه الاختلافات الصريحة ؟ ( قلت ) :

 إنما يتحير في ذلك من يتكلم بميزان،  وأما من لا يبالي فلا يعسر عليه أن يقول وعلى كل حال فلا مخالفة،  كما لهج في مبحث النسخ بقوله :

 وعلى كل حال فلا ناسخ ولا منسوخ .

 

                                       صفحة 73

 

 الفصل الرابع في دفع أوهام الاعتراض على قصص القرآن الكريم وتاريخه ( صدر،  وتمهيد ) اعلم أن أكثر اعتراضات المتكلف في هذا المقام يتشبث فيها بخلو العهدين الرائجين مما يذكره القرآن الكريم أو بمخالفته لهما،  فاقتضى ذلك أن نذكرك قبل الشروع في رد شططه،  ونعيد على ذهنك إجمال ما ذكرناه في المقدمة الخامسة عن كتب العهد القديم من ارتدادات بني إسرائيل ويهوذا وملوكهم في الشرك حتى أن مملكة بني إسرائيل كادت أن تتمحض للوثنية،  ومملكة يهوذا يكاد نور التوحيد فيهم أن يتلاشى،  ثم تبدو منه ذبالة تخفق بها الأهواء . ومن جملة شؤونهم في ذلك أن هدموا بيت المقدس وصيروا كل أقداسه للبعليم ( أصنام ) ثم عادوا بعد ترميمه فأغلقوا أبوابه وأبواب الرواق وأطفأوا السرج ولم يوقدوا بخورا ولم يصعدوا محرقة،  وجعلوا الآلهة الغربية في بيت المقدس وعكفوا على ضلالات المشركين وعوائدهم القبيحة حتى كان فيهم مأبونون يسميهم العهد القديم ( قديسيم،  قديسين ) ( وهم ذكور ينذرون أنفسهم للأوثان لكي يلاط بهم ) واستمرت هذه العادة القبيحة تتفاحش وتقل من أيام ( رحبعام ) ابن ( سليمان ) ( 1 مل 14،  24 ) إلى أيام ( يوشيا ) حتى جعلوا بيوتهم عند بيت المقدس فهدمها ( يوشيا ) ( 2 مل 23،  7 )،  ومضت لبني إسرائيل أيام كثيرة بلا إله حق،  ولا كاهن معلم،  ولا توراة،  وبيت المقدس بينهم عرضة للنهب والتخريب،  والتنجيس،  وجعل الأوثان فيه حتى إذا مضت ثمان سنين من

 

                                       صفحة 74

 

 ملك ( يوشيا ) وطهر بيت المقدس وأراد ترميمه جاء ( حلقيا ) الكاهن بكتاب يزعم أنه سفر التوراة،  وقد وجده فقرء فيه ( يوشيا ) ما لم يكن يعرفه ولا يعهده فطار به فرحا،  واحتفل به هو وبنو إسرائيل احتفالا عظيما إذ سمعوا منه ما لم يكونوا يعرفونه ولا يعهدونه مع أن العادة والاعتبار الصحيح يمنعان أن يكون ( حلقيا ) وجده في المكان الذي زعم أنه وجده فيه،  فمن ذلك الزمان تكون توراة بني إسرائيل هي بنت ( حلقيا ) المولدة في حجره . ثم تمادى بنو إسرائيل بعد ذلك في تقلباتهم في الشرك إلى أن سباهم ( بخت نصر ) إلى بابل،  فقضى ذلك عليهم أن أثكلهم توراة ( حلقيا ) أيضا حتى أنهم لما رجعوا من السبي بعد دهر طويل فزعوا في إعادة ذكرها وتجديد اسمها إلى ( عزرا ) فصار يقرء عليهم جميعا ما لا يعرفونه ولا عهد لواحد منهم به،  فلبس اسمها ثوب الوجود بعد العدم أيضا . وقد ذكرنا هذا كله مفصلا،  وذكرنا مكابرات المتكلف فيه وبينا شططها في الجزء الأول ( صحيفة 56 - 60 ) . ونذكرك أيضا بما ذكرناه في المقدمة السادسة من وجوه الخلل،  وخصوص شهادة ( ارميا ) النبي على بني إسرائيل بتحريف كلا الله وتحويلهم توراة الله إلى الكذب بكذب قلم الكتبة واستغاثة ( اشعيا ) النبي من تحريف اليهود واستعظامه لذلك،  وخصوص ما ذكرناه من تحريف المطابع والتراجم فراجع الجزء الأول وخصوص الصحيفة 68 - 70 . ونذكرك أيضا بما مر في متفرقات الكتاب،  مما يمتنع من كتب العهد القديم أن يكون من الوحي الإلهي كما أوضحه البرهان،  ونستلفت نظرك إلى ما يأتي من هذا القبيل . ونذكرك أيضا بما حكينا في الجزء الأول ( صحيفة 325 ) عن بعض المفسرين المدققين في حكمه بأن قصة ( بلعام ) المذكورة في سفر العدد ( ص 22 - 24 ) هي دخيلة في التوراة،  أي ليست منها وإنما أدخلها عبث الكذب . ونستلفت نظرك إلى ما نقله إظهار الحق في الباب الثاني عن مفسري

 

                                       صفحة 75

 

 النصارى في حكمهم بزيادات كثير من فقرات العهدين،  ووجود كثير من السقط والتحريف فراجعه . نتيجة ومن هذا كله أو بعضه تحصل لك شهادة قاطعة من ذات العهد القديم ومعاملة متبعيه معه بأن العهد القديم أجنبي عن النسبة إلى الوحي،  بعيد العهد به قد استولى عليه التلفيق،  والخلل،  والتحريف،  والخطأ،  واشتماله على ما لا يعقل،  أو يؤول إلى الكفر على وجه لا يترك لعاقل عليه اعتماد ولا يتداركه مغالطة مكابر . التنبيه المقصود هاهنا ونزيدك هاهنا على أن ننبهك على أمور داخلية في العهد القديم تكشف

 

ص 75 :

 

لبصيرتك حق اليقين،  وهو أن أصله العبراني الرائج إنما هو مأخوذ من نسخة وحيدة لا ثانية لها،  وهي مملوءة بالغلط والسقط،  ولكنهم لا ملجأ لهم سواها،  بل اغتنموا وجودها بعد العدم الكلي تجديدا للأثر الدارس وتعبدوا باتباعها في وضعها ورسمها وغلطها الفاحش،  والأمور العرضية الخالية عن الفائدة في وضع الكتابة . ومع الالتفات إلى هذا كله أو بعضه لا يمكن للذهن الصافي من الشوائب أن لا يتيقن بأن الرائج من التوراة العبرانية ليس مأخوذا عن النسخة التي كتبها ( موسى ) وسلمها للكهنة وشيوخ بني إسرائيل وأمر بوضعها بجانب التابوت ( تث 31،  9،  و 24،  27 ) . ولا مما يشابه هذه النسخة،  إذ لا يعقل أن ما كتبه ( موسى ) أو كتب بمراقبته يشتمل على هذه الأغلاط الفاحشة . وكذا الكلام في باقي العهد القديم فإنه لا يمكن أن تكون كتابات الأنبياء أو ما يكتب بمراقبتهم يشتمل على مثل هذه الأغلاط الفاحشة . بل يحصل لك اليقين بأن بني إسرائيل حينما حرصوا على اتباع هذه

 

                                       صفحة 76

 

 النسخة وتعبدوا بصورتها المشوهة لم يكونوا يجدون غيرها،  بل حينما ظفروا بها اغتنموا بها تجديد الاسم لما اندرس من آثار سلفهم فأكرموا وحدتها بالتعبد بصورتها لكي يتداركوا بإفراطهم في الجمود تفريط أسلافهم في التقلب والتلون في الديانة حتى استأثر العدم بكتب الوحي وعادت نسيا منسيا،  ولم يتعرضوا لتلك الأغلاط إلا بالإشارة إلى صحيحها في الحواشي،  وتركوا المتن على سقمه،  ولكن المترجمين أعرضوا عن مراعاة المتن وطابقوا بتراجمهم تصحيح الحواشي،  فطابق أنت بين الأصل العبراني،  والتراجم لكي يتضح لك الحال ولا تغتروا تحسب أن الأصل على ما هو موجود في التراجم . ولنذكر لك ذلك في موارد :

 المورد الأول :

 أن الحواشي ذكرت نقصان الحرف في الأصل العبراني من العهد القديم في أكثر من ستة وأربعين موضعا منها في خصوص التوراة أحد عشر موضعا وأشاروا إلى ذلك في الحاشية بذكر الحرف ولفظ ( حسر ) . المورد الثاني :

 ذكروا زيادة الحرف غلطا في مائتين وثلاثة عشر موضعا،  أربعة منها في خصوص التوراة،  وأشاروا إلى ذلك بذكر الزائد،  ولفظ ( يتير ) . المورد الثالث :

 أنهم وجدوا بعض الكلمات أو الحروف منقوطا عليها بغير النقط التي هي علامات الحركات والسكنات المسماة في العبرانية ( طعميم ) وذلك إما علامة المحو والضرب على الكلمة أو الحرف،  وإما أن تكون لغوا من غلط الكاتب وذلك في أحد عشر موضعا في العهد القديم،  سبعة منها في خصوص التوراة،  وقد أشاروا إلى ذلك في الحاشية بذكر المنقوط عليه ولفظ ( نقود ) . المورد الرابع :

 أنهم وجدوا في المتن حروفا هي أكبر من أخواتها بلا خصوصية ولا إشارة،  فتعبدوا برسمها كبيرة،  وذلك في ثلاثة وثلاثين موضعا،  خمسة عشر منها في خصوص التوراة،  فأشاروا في الحاشية برسم الحرف الكبير ولفظ ( رباتي ) . المورد الخامس :

 أنهم وجدوا أيضا بعض الحروف أصغر من أخواتها بلا خصوصية ولا إشارة أيضا فتعبدوا برسمها صغيرة،  وذلك في سبعة وعشرين

 

                                       صفحة 77

 

 موضعا ستة منها في خصوص التوراة،  وأشاروا إلى ذلك برسم الحرف ولفظ ( زعيرا ) . المورد السادس :

 قد ذكروا في حاشية الأصل العبراني أكثر من ألف موضع تكون فيه القراءة على خلاف المكتوب في المتن،  وذلك يرجع إلى تصحيح الأغلاط الواقعة في المتن من حيث التذكير والتأنيث،  والإفراد والتثنية،  والجمع،  وإبدال بعض الحروف ببعض غلطا،  وسقوط بعض الحروف وتقديم بعضها على بعض غلطا،  وأشاروا إلى ذلك في الحاشية بذكر القراءة الصحيحة،  ولفظ ( ق ) أو ( قرى )،  وقد وقع من ذلك في خصوص التوراة ما يزيد على سبعة وسبعين موضعا . ولأجل شهادة الحال وسوق الكلام ومعلومات اللغة على غلط المتن جرت التراجم على طبق الحواشي إلا نادرا،  وهذا من المترجمين أيضا شهادة وتصديق على غلط الأصل العبراني . أنموذج هذا المورد ولنذكر لك من هذا المورد أنموذجا من التوراة،  وسائر العهد القديم في مواضع :

 1 - اختلاف حروف الكلمة وإسقاط بعضها . فقد جاء في التوراة إسم بلدة من البلاد مرة ( صبيم ) بباء مضمومة وياء واحد ( تك 10،  19 ) وسميت مرة أخرى ( صبييم ) بباء مضمومة ويائين ( تك 14،  2 و 8 )،  والذي عليه التراجم وتصحيح القراءة في الحاشية هو إثبات الواو بعد الباء . وأيضا تسمى الأمة ( جوى ) والأمم ( جوييم ) ( انظر تك 15،  14 و 14،  1 و 9 )،  ثم جاء فيها ( جيم ) بإسقاط الواو وضم الياء الأولى ( تك 25،  23 ) وصحح في الحاشية بلفظ ( جويم ) بالواو وياء واحدة،  وأيضا كتبت ( يسجدون ) المسند للجماعة مرة ( يشتحوو ) بواوين مع تشديد الأخيرة ومرة ( يشتحو ) بواو واحدة،  ( انظر تك 27،  29 )،  وصححت الأخيرة في الحاشية بواو ثانية .

 

                                       صفحة 78

 

 2 - زيادة لفظ ( لو ) بحيث لا معنى لوجودها ( تك 29،  28 ) . 3 - إبدال الواو التي هي ضمير المذكر الغائب بالألف فتكون ( لو ) بمعنى

 

ص 78 :

 

( له ) ( لا ) فينعكس المعنى وينقلب المراد انقلابا فاحشا ( انظر خر 21،  8،  ولا 11،  21،  و 25،  30 )،  وصححت في الحواشي وجرت التراجم على مقتضى التصحيح . ثم لنستدرك على الحواشي بعض الأغلاط التي اهملت تصحيحها،  ونقتصر في ذلك على الأسماء الأعلام :

 وذلك إن التوراة ذكرت إسم واحد من أبناء ( شمعون ) ابن ( يعقوب ) فكتبت اسمه ( يموئيل ) بالياء في أوله ( تك 46،  10 ) ثم كتبته ( نموئيل ) بالنون بدل الياء ( عد 26،  12 ) وكتبت إسم واحد من أبناء ( جاد ) ابن ( يعقوب ) ( صفيون ) بالياء قبل الواو ( تك 46،  16 ) ثم كتبته ( صفون ) بإسقاط الياء ( عد 26،  15 ) . وكتبت إسم واحد من أبناء ( بنيامين ) ابن ( يعقوب ) ( مفيم ) ( تك 46،  21 )،  ثم كتبته ( شفوفام ) بفائين و ( شوفام ) بإسقاط الفاء الأولى ( انظر عد 26،  39 ) . وكتبت واحدا من أبناء ( بنيامين ) أيضا ( نعمان ) بنونين من أوله وآخره،  ثم كتبته بإسقاط النون من آخره ( انظر عد 26،  40 )،  وبعكس هذا كتبت واحدا من أبناء ( يهوذا ) شيلاه ) بالهاء في آخره،  وكتبت واحدا من أبناء ( يساكر ) ( فواه ) بالهاء أيضا،  ثم كتبتهما بحذف الهاء منهما وزيادة النون بدلها ( انظر عد 26،  20 و 23 ) . وكتبت واحدا من أولاد ( يعقوب ) ( شمعون ) بالواو قبل النون،  ثم كتبته بإسقاط الواو ( انظر عد 26،  12 و 14 ) . وبعكس هذا كتبت واحدا من أولاد ( روابين ) ( حصرن )،  ثم كتبته بزيادة الواو قبل النون ( انظر عد 26،  5 )،  وفي هذا القليل كفاية فإن التطويل يؤدي إلى السأم والملل .

 

                                       صفحة 79

 

 ومن أنموذج هذا المورد في العهد القديم كتابة ( لو ) أي له ( لا ) فينقلب المعنى من الإثبات إلى النفي ( اش 49،  5 و 63،  9 )،  ومنه التقلب في كتابة ( دمشق ) فتارة تكتب هكذا ( تك 14،  15،  و 2 مل 8،  7 ) وغير ذلك،  وتارة تكتب ( درمشق ) بزيادة الراء بعد الدال ( 1 أي 18،  6 و 2 مل 28 14 )،  وتارة تكتب ( دومشق ) بزيادة الواو المشدد بعد الدال ( 2 مل 10 16 )،  وكتب فيه من أسماء الأعلام ( عخان ) بالنون في آخره ( يش 7،  18 ) ثم كتبه أيضا ( عاخار ) بإبدال النون بالراء وزيادة المد ( 1 أي 2،  7 )،  وكتب ( داود ) بكسر الواو،  و ( يورام ) ( 2 صم 8،  10 ) ثم كتبهما ( داويد ) بزيادة الياء و ( هدورام ) ( 1 أي 18،  10 )،  وربما يقع التعرض لكثير من ذلك إن شاء الله فلنقتصر في الأنموذج على هذا المقدار . المورد السابع :

 قد أشارت الحواشي إلى أن سبع كلمات في العهد القديم قد زيدت فيه غلطا،  حيث نصت على أنها كتبت وهي لا تقرأ،  وذلك لاختلال المعنى بوجودها،  كما هو ظاهر،  وهي هذه ( 1 - 4 ) ( ام ) ( 2 صم 13،  33،  و 15،  21،  وار 39،  12 ورا 3،  12 ( 5 ) ( ات ) ار 38،  16 ( 6 ) ( يدرك ) ار 51،  3 ( 7 ) ( حمش ) حز 48 )،  16 ) . المورد الثامن :

 وأشارت أيضا إلى أن عشر كلمات فيه قد سقطت منه غلطا،  حيث نصت على أنها تقرأ وهي غير مكتوبة وهي هذه :

 1 ) ( بني ) قض 20،  3 . 2 ) ( الفرات ) 2 صم 8،  3 . 3 ) ( ايش ) 2 صم 17،  23،  . 4 ) ( كن ) 2 صم 18،  20 . 5 ) ( صيبائوت ) 2 مل 19،  37 . 6 ) ( بنيو ) أي ابنا 2 صم 19،  37 . 7 ) ( بائيم ) ار 31،  37 .

 

                                       صفحة 80

 

 8 ) ( له ) أي لها،  ار 50،  29،  ( 9 و 10 ) ( إلي ) ر 31،  5 و 17 ) . المورد التاسع :

 قد استدركت الحواشي على الموجود في الإصحاح الحادي والعشرين من سفر ( يشوع ) عددين محلهما بين الخامسة والثلاثين والسادسة والثلاثين من المتن،  ونص معربهما ( ومن سبط روابين باصر ومسرحها ويهصه ومسرحها،  وقد يموت ومسرحها وميفعه ومسرحها أربع مدن )،  والتراجم الموجودة أدخلت هذا في نفس المتن،  وهذا بعينه موجود في الأصل العبراني من سفر الأيام الأول ( 6،  63،  و 64 ) . ففي الحواشي والتراجم وسفر الأيام الأول شهادة مرغمة بالنقصان في سفر يشوع العبراني . ويشهد لذلك أيضا أن هذا الأصل بذاته صرح بأن المدن المعطاة لبني مراري اثنتي عشرة ( يش 21،  39 ) مع أنه لم يعد إلا ثمان مدن ( يش 21،  34 - 39 ) . وصرح أيضا بأن مدن اللاويين ثمانية وأربعين ( يش 12،  39 ) مع أنه لم يعد إلا أربعا وأربعين ( يش 21،  3 - 39 ) . ويشهد لذلك أيضا أن باصر قد أفرزها ( موسى ) من سهم بني روابين مدينة للملجأ تكون للاويين كما أفرز ( راموت ) من سهم الجاديين وجولان من سهم المنسبين ( تث 4،  43 ) . وذكرت هذه المدن الثلاث أيضا في ( يش 20،  8 ) فلماذا لم تذكر ( باصر ) في الأصل العبراني في عدد الثمان وأربعين مدينة كما ذكر ( راموت ) و ( جولان ) والحاصل أن لزوم السقط في الأصل العبراني هاهنا من أوضح الواضحات،  وكذا في قول التوراة ( تك 4،  8 ) وقال قاين لهابيل وكان بكونهم في الحقل،  وقام قاين إلى هابيل أخيه فقتله،  انظر الأصل العبراني .

 

ص 80 :

 

وزيادة على وضوح السقط والنقصان في هذا الكلام قد ذكرنا لك في الجزء الأول صحيفة 37 كيف اضطرب في هذه العبارة المترجمون،  والنسخة السبعينية والنسخة السامرية،  وإن هذه الموارد لتوضح لك وضوح الشمس في رابعة النهار

 

                                       صفحة 81

 

 أن مأخذ العهد القديم العبراني وخصوص التوراة لم يكن إلا نسخة وحيدة مغلوطة جدا قد اتبعوا غلطها فيما تداولوه عنها،  ولم يمدوا إليه يد التصحيح إلا في الحواشي وتركوا المتون على سقمها حرصا على حفظ الاسم والصورة التي ظفروا بها بعد التلاشي،  وذلك لما هو المعروف من اضطراب أحوالهم،  كما شرحناه في المقدمة الخامسة عن كتبهم،  وتشهد به أحوالهم المشاهدة من أنهم في أمور ديانتهم بين تفريط فاحش،  وإفراط هو أفحش منه . المورد العاشر :

 زيادة الفقرات واعتراضها بين الكلام الذي لا ربط له بها ولا مناسبة فيها لمقامه حتى شوهت وجه تاريخه المسوق له،  وذلك كالسادسة والسابعة من عاشر التثنية،  فإن عاشر التثنية بينما يذكر حديث موسى وكلامه في شأن صعوده إلى جبل سينا بعد واقعة العجل وما أمر الله به من تجديد اللوحين وإفراز بني لاوي لخدمة المسكن،  وحمل التابوت إذ قالت بلا ربط ولا مناسبة :

 وبني يسرائل ناسعو مبارت بني ياعقان موساره شم وبني اسرائيل ارتحلوا من آبار بني ياعقان إلى موساره هناك مت هرون ويقابر شم ويكهن العازار بنو تحتايو،  مشم ناسعو هكد كداه مات هارون وقبر هناك وكهن العازار ابنه بدله من هناك ارتحلوا الى الجد جداه،  ومن هكد كداه يا طباثاه ارض نحلي مايم . ومن الجد جداه إلى يا طباثاه أرض أنهار ماء . ومع أن هذه الفقرات في نفسها غلط صرف بملاحظة منازل بني إسرائيل ومراحلهم بمقتضى الثالث والثلاثين من العدد المستقصى لذكر مراحل بني إسرائيل ومنازلهم على التوالي والترتيب من مصر إلى عربات مواب،  وسأذكر لك محل الغرض من المنازل على مقتضى المرسوم في الأصل العبراني ففيه 30 :

 وارتحلوا من حشمناه ونزلوا بمسروت وارتحلوا من مسروت ونزلوا بني ياعقان وارتحلوا من بني ياعقان ونزلوا بحر الجدجاد وارتحلوا من حر الجدجاد ونزلوا بياطباثاه وارتحلوا من ياطباثاه ونزلوا بعبرناه وارتحلوا من عبرناه ونزلوا بعصين جابر وارتحلوا من عصين جابر ونزلوا ببرية صن هي قادش وارتحلوا من قادش ونزلوا بجبل الهور بطرف ارض ادوم وصعد هارون الكاهن إلى جبل الهور على قول الله ومات هناك،  وارتحلوا من جبل الهور ونزلوا بصلمنه الى آخر المنازل

 

                                       صفحة 82

 

 ( انظر عد 33،  3 - 43 ) . فقول التثنية إن بني إسرائيل ارتحلوا من آبار بني ياعقان الى موساره مناقض لقول العدد إنهم ارتحلوا من حشمناه الى مسروت ومنها الى بني ياعقان ومنهم الى هور الجدجاد . وكذا قول التثنية إن هارون مات وقبر في موساره،  فإنه مناقض لقول التوراة بأنه مات ودفن في جبل الهور ( عد 20،  28،  و 33،  38 و 39 وتث 32،  5 ) . وكذا قول التثنية إنهم ارتحلوا من موساره الى الجدجاد ومنه الى ياطباثاه فإنه مناقض لقول العدد إنهم ارتحلوا من بني ياعقان الى حر الجدجاد ومنه الى ياطباثاه ومنها الى عبرناه . ومن الظرائف أن مترجم الترجمة المطبوعة سنة 1811 أحس بأن ما ذكرناه عن التثنية إنما هو حشو زائد مخل لا ارتباط له بما قبله وما بعده،  فهان عليه أن يحرف الكلام ويزيد فيه ما شاء هواه فلعله يوهم التئام الكلام فعمد إلى الفقرتين اللتين ذكرناهما بأصلهما العبراني وترجمتهما فقال في الترجمة التي هي أشبه بالتشطير والتوشيح ما لفظه،  ( ولما ) شفعني في هارون أقام إلى أن رحل بنو إسرائيل من بايروت بني ياعقان وموسيرا،  ومات هارون ثم ودفن وأم العازرا ابنه مكانه لما رحلوا من ثم الى جدجد ومنها الى ياطباثا أرض ذات أودية ماء . فأنظر إليه وطابقه مع ما ذكرناه من الأصل العبراني لكي تعلم أن هذا المترجم كتب توراة جديدة ولم يتخلص من عدم الارتباط . ثم نقول :

 لا يخفى على من راجع سفر التثنية أنه قد أخذ في حديث اللوحين والعجل . المورد الحادي عشر :

 قد ذكرنا في الجزء الأول صحيفة 35 أن الترجمة السبعينية للعهد القديم قد ترجمت بعناية سبعين أو اثنين وسبعين من علماء اليهود المنتخبين من الملة .

 

                                       صفحة 83

 

 ونقول هاهنا بحسب القدر المتفق عليه من تاريخها،  والجامع المحصل من منقولاته أنه لا بد أن يكون اجتماع هذا العدد المنتخب من أهل العصر الواحد حجة على أهل الكتاب في نقل كتابهم،  فإنه راجع في الحقيقة إلى انتخاب جامعة الملة وعناية رئاستها الدينية من دون توسط اضطهاد أو الجاء أو أدنى سبب للتغيير،  بل كان الحال يحث على الدقة والمحافظة على المطابقة كما يشهد لذلك اتفاق التاريخ على أن هذه الترجمة فازت في الملة اليهودية ورئاستها العلمية الدينية بالاحتفال والقبول والاعتماد . وتتأكد الحجة بها على النصارى لأجل ما ذكروه من اعتماد المسيح

 

ص 83 :

 

عليها وأنه كان يخاطب اليهود الذين اجتمعوا يوم الخمسين من الترجمة السبعينية وكذا استفانوس المملوء بزعمهم من الروح القدس كان يخاطب اليهود منها،  وكذا الذين تشتتوا في البلاد ليكرزوا بالمسيح . وكذا المعلمين من قدماء النصارى ( انظر أقلا يه 3 ج ص 175 و 212 و 4 ج ص 90 - 92 ) . ويشهد لذلك أيضا اعتماد العهد الجديد عليها في ذكر الفقرات التي اختصت بها دون العبرانية كما سيأتي ذكره قريبا إنشاء الله . إذا عرفت ذلك فنقول :

 إن النسخة السبعينية هذه تشهد بوجود السقط والزيادة في النسخة العبرانية،  ( أما شهادتها بوجود السقط والنقصان والغلط في العبرانية ) . فقد ذكرت فقرات كثيرة غير موجودة في الأصل العبراني،  ولنذكر لك بعضا منها ( وهذه هي ) في سفر التكوين 4،  8 ( تعال نخرج إلى الحقل ) 10،  24 ( وارفكشاد ولد قينان وقينان ولد شالح ) . وفي سفر اللاويين 1،  10 ( يوضع يده على رأسه )،  3،  13 ( أمام الرب ) 7،  3 ( وكل الشحم الذي على الأحشاء ) 19،  23 ( الذي يعطيكم الرب إلهكم ) 21،  5 ( لميت ) 24،  7 ( وملحا ) . وفي سفر العدد 4،  14 ( ويأخذون ثوبا أرجوانيا ويغطون به المرحضة

 

                                       صفحة 84

 

 وقاعدتها ويضعون عليها غطاء من جلد تخس ويجعلونها على العتلة )،  10،  6 ( وإذا ضربتم هتافا ثالثة ترتحل المحلات النازلة إلى الغرب،  وإذا ضربتم هتافا رابعة ترتحل المحلات النازلة إلى الشمال )،  14،  12 ( وبيت أبيك )،  و 45 ( فرجعوا إلى المحلة ) . وفي سفرة التثنية 4،  2 ( اليوم ) 20،  17 ( والجرجاشي ) . وفي سفر يشوع 24،  12 ( اثني عشر ملكا للآموريين ) . وفي سفر القضاة 16،  13 ( أضعف وأصير كواحد من الناس ) 19،  18 ( لأنها كانت ميتة ) 21،  11 ( واستبقوا العذارى ففعلوا هكذا ) . وفي صموئيل الأول 1،  5 ( لأنه ليس لها ولد )،  و 18 ( مع رجلها وشربت )،  14،  23 ( وكل الشعب كان مع شاول نحو عشرة آلاف رجل وانتشر الحرب في كل مدينة من جبل افرايم ) 19،  22 فاشتعل غضب شاول . وفي صموئيل الثاني 13،  21 ( ولم يحزن روح امنون ابنه لأنه أحبه لأنه بكره ) و 27 ( وصنع ابشالوم وليمة كوليمة الملك ) 14،  27 ( وصارت امرأة لرحبعام ابن سليمان فولدت له آبيا ) و 30 ( وجاء عبيد يواب اليه وثيابهم ممزقة وقالوا قد أحرق عبيد ابشالوم الحقلة بالنار ) . وفي الملوك الأول 18،  12 ( وأنبياء السواري أربعمائة ) و 30 ( كلم ايليا التشتي أنبياء البعل قائلا حيدوا الآن وأنا أقرب محرقتي فحادوا وذهبوا ) 22،  35 ( من الصباح إلى المساء ) . وفي الملوك الثاني 1،  2 ( وذهبوا لكي يسألوا منه ) و 9 ( رئيس الخمسين ) 9،  28 ( وجاءوا به ) 10،  15 ( فقال يا هو إن كان فهات يدك ) . وفي سفر ( أيوب ) 1،  21 كما حسن عند الرب هكذا فليكن 2،  9 ( بعد زمان طويل ) . وفي المزامير 14،  4 ( حناجرهم قبور مفتحة مكروا بألسنتهم سم الأفاعي في شفاههم وهؤلاء أفواههم مملؤة لعنة ومرارة وأرجلهم إلى سفك

 

                                       صفحة 85

 

 الدماء سريعة 6 البؤس والتعبس في سبلهم وطريق السلامة ما عرفوها وليس خروف الله أمام عيونهم ) . وصاحب الترجمة المطبوعة سنة 1811 أدرج هذه الفقرات في الأصل وجعل مزمورها الثالث عشر في العدد 73،  28 ( في أبواب ابنة صهيون )،  145،  13 ( الرب أمين في كل أقواله رحيم في كل أفعاله ) و 21 ( ونحن نبارك الرب من الآن وإلى الأبد ) . وفي أمثال سليمان 16،  11 ( وإن كنت مجتهدا يأتي كينبوع حصادك ) وفي اشعيا 53،  ( للموت ) . ( وأما شهادة السبعينية بوجود الزيادة في الأصل العبراني ) . فإنها قد تركت كثيرا مما فيه فتركت من سفر اللاويين 22،  31 ( أنا الرب )،  ومن سفر التثنية 28،  5 ( الرض ) . ومن كتاب يشوع 1،  2 لبني إسرائيل،  10 ( الخامسة عشرة بتمامها ) 20 ( الرابعة والخامسة والسادسة بتمامهن ) 22،  12 ( لما سمع بنو إسرائيل )،  ومن صموئيل الأول 2 ( الثامنة بتمامها ) 4،  19 ( خمسين ألف رجل ) 13 ( الأولى كلها ) 17 ( الحادية والأربعين وكذا الخمسين وكذا الخامسة والخمسين إلى الثامنة والخمسين ) 18 ( الأولى إلى لفظ الفلسطيني من السادسة وكذا الثانية عشرة ) 23 ( الثانية عشرة بتمامها ) . ومن صموئيل الثاني 3،  8 ( ليهودا ) 6 ( الرابعة بتمامها ) . ومن الملوك الأول 6 ( الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة )،  12 ( الثانية والثالثة إلى لفظ ير بعام ) 14،  31 ( واسم أمه إلى آخرها ) . ومن كتاب عزرا 1،  29 ( عشر ) . ومن كتاب نحميا 4،  23 ( كل واحد - إلى آخرها )،  ومن كتاب أيوب 27،  13 ( لو لا )،  ومن كتاب حزقيال 26،  17 ( التي كانت قوية في البحر هي وسكانها .

 

                                       صفحة 86

 

 وأما شهادة السبعينية بالغلط في الأصل العبراني فإنها قد خالفته في أمور،  ففي سفر اللاويين العبراني 19،  26 ( لا تأكلوا بالدم )،  وفي السبعينية ( لا تأكلوا على الجبال ) .

 

ص 86 :

 

وفي سفر العدد العبراني 4،  3 و 23 و 30 و 35 و 39 و 43 و 47 ( ابن ثلاثين سنة )،  وفي السبعينية ابن خمس وعشرين سنة . وفي المزامير العبرانية 40،  7 ( اذنين حفرت لي )،  وقرء في السبعينية ( جسدا هيأت لي ) . المورد الثاني عشر ( شهادة العهد الجديد على الأصل العبراني بالنقصان والتحريف ) . ( أما شهادته بالنقصان ) :

 فقد جاء فيه ( لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيدعى ناصريا ) مت 2،  23 . وليس لهذا القول في كتب العهد الجديد عين ولا أثر،  وللمتكلف هاهنا كلام لم يأت لقومه إلا بالإسراف في الحبر والقرطاس وعمل الطبع،  ( فانظر يه 2 ج ص 205 - 207 ) . وخالف التوراة العبرانية فزاد في طبقات النسب ( قينان ) بين ارفكشاد وشالح ( لو ) 3،  35 و 36 . وللمتكلف هاهنا كلام سيأتي قريبا إن شاء الله بيان ما فيه . ( وأما شهادته بالتحريف ) :

 فقد ذكرنا أن الموجود في السابع من المزمور الأربعين ( اذنين حفرت لي )،  وفي الخامسة من عاشر العبرانيين ( هيأت لي جسدا ) . والمتكلف يقول :

 ان قول العبرانيين ( هيأت لي جسدا ) نقل بالمعنى لقول المزامير ( اذنين حفرت لي )،  وتمحل لذلك بكلام طويل وتأويل بارد ( فانظر يه 3 ج ص 226 و 227 ) تعرف شططه .

 

                                       صفحة 87

 

 ويكفي في رده أن النقل بالمعنى يلزم فيه أن يكون المعنى محفوظا بحدوده وإنما يكون التبديل بصورة الألفاظ،  إذن فأين ( اذنين حفرت لي ) وأين ( هيأت لي جسدا )،  ولو كان هذا التفاوت والتباين من النقل بالمعنى لما بقي في الكلام اختلاف بل انسد باب اللوم على أكثر الذين يخطئون أو يكذبون في نقلهم،  فيقال إنه نقل بالمعنى . واعلم أن الترجمة المطبوعة سنة 1811 قد جمعت في ترجمة المزامير بين الأمرين فذكرت هكذا ( وأعددت لي جسدا فتحت مسامعي )،  وفي ترجمة رسالة العبرانيين اقتصرت على قولها ( واقتنيت لي جسما ) فزادت على الأصل العبراني لكي تتجه دعوى النقل بالمعنى . ( تتمة ) واعلم أن المترجمين من النصارى لم يجروا على نهج غير مضطرب فلم يتبعوا الأصل العبراني تماما على ما فيه،  ولم يتبعوا حواشيه تماما على ما فيها،  ولم يتبعوا النسخة السبعينية تماما على ما فيها،  ولم يرفضوا النسخة السامرية تماما،  بل استخرجوا بحسب أفكارهم وأغراضهم كتابا ملفقا لا يطابق بتمامه مطابقة تامة لواحد من هذه الأربعة،  ولقد كنا نحب بيان ذلك بالاستقصاء،  لولا أنه يؤدي إلى الطول الذي تبعد به المسافة عن المقصود،  بل هو جدير بأن نفرده في رسالة مستقلة،  وفي الإشارة إليه هاهنا كفاية فانظر أقلا إلى ما ذكرناه من الموارد،  وراجع النسخة التي ذكرناها أولا في صدر الكتاب . وانظر الجزء الأول من إظهار الحق،  وإن شئت فطابق بين الأصل العبراني وحواشيه والترجمة السبعينية،  وبين تراجم النصارى للعهد القديم لكي تعرف أن العهد القديم ليس له عندهم أصل يعتمد عليه،  وإنما هو كتاب موهون للنظر في تصحيحه وتهذيبه مجال واسع،  لا يصد عن جماحه عنان التعصب والتستر . . وبذلك تعرف شطط المتكلف على قومه وكتبه في قوله ( يه 1 ج ص 127 ) ( لا يعول على التراجم بل المعول عليه والمرجع إليه هو التوراة العبرية التي حافظ عليها اليهود ) .

 

                                       صفحة 88

 

 وقوله ( يه 3 ج ص 216 ) ( التوراة العبرية هي المعول عليها ) ويه 3 ج ص 228 ( أن المعتمد عليه هي التوراة )،  ( أي العهد القديم ) العبرية وعبارتها هي الحق . تتمة الصدر والتمهيد لا يخفى على غير القاصر أن الحقيقة إذا تداولت عليها قرون القدم،  وتقلب الأحوال كثر عليها اعتراك التاريخ ولغطه في الاختلاف والتعارض فلا يكاد المتعمق في سبر كتب التواريخ أن يرى حقيقة سلمت من هرج الاختلاف ومرجه . نعم :

 قد يفوز بالشهرة بعض كتب التاريخ لشهرة كاتبه ولو بنحو السلطنة والوزارة،  أو بموافقته لطباع العوام،  أو الأهواء،  أو العصبية القومية أو تعس الوقت،  ولو أن المؤرخ كان معروفا بالضبط،  والتثبت لما ترجح تاريخه إلا بنحو من رجم الظنون التي تسكن إليها النفس إذا لم يطلع على ما يعارضه . فلو أن بعض أقوال المؤرخين خالفت القرآن الكريم لما كان لذي عقل أن يعترض بها على القرآن،  فإن التاريخ كيفما كان لا يمس الحجة القاطعة على كون القرآن الكريم كلام الله علام الغيوب،  بل إذا تمت الحجة عاد التاريخ المعارض من خرافات الضلال،  ولو فرضنا أن الحجة لم تتم لما عدا الحال أن يكونا تاريخين متعارضين،  لا يحسن التحكم ببطلان أحدهما لأجل معارضة الآخر . وبهذا تعرف شطط المتعرب في اعتراضه على القرآن الكريم بالتاريخ الأحادي المجهول . ألا ترى أن العهد القديم تضمن التاريخ من خلق العالم إلى سبي بابل،  وأن التاريخ من ذلك الحين إلى ميلاد المسيح معلوم ليس فيه خلاف يعتد به ومع ذلك فقد حكى ( 1 ) عن كتاب ( جادلس روجر ) أنه ذكر اختلاف

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) حكاه إظهار الحق مفصلا في الجزء الثاني في الاختلاف الخامس من الفصل الثاني من

 

ص 88 :

 

الباب الخامس . ( * )

 

                                       صفحة 89

 

 المؤرخين في ذلك إلى خمسة وعشرين قولا من اليهود والنصارى وغيرهم،  وتزيد الأقوال بخلاف ( اهيلز ) ( 1 ) لهم أيضا،  وكل هذا الخلاف أو جله يرجع إلى مخالفة تاريخ العهد القديم وخصوص التوراة . وأيضا قد جاء في العهد القديم أن سليمان شرع ببناء بيت الرب في السنة الأربعمائة وثمانين من خروج بني إسرائيل من مصر ( 1 مل 6،  1 ) وعن آدم كلارك ( 2 ) مفسرهم انه نقل في ذلك إثني عشر تاريخا لأهل الكتاب كلها متخالفة،  وأقلها 330 سنة وأكثرها 680 سنة وكلها مخالفة لتاريخ العهد القديم في بناء الهيكل وإتمامه ( 3 ) . ومع ذلك كله لا يحسن الاعتراض على العهد القديم بمخالفة هؤلاء المؤرخين وإن كانوا من متبعيه،  لأنه لو قامت الحجة على كونه من الوحي الإلهي لكشف عن ضلالة هذه التواريخ بأجمعها،  وإذا لم تتم الحجة فهو تاريخ كأحد التواريخ يعارضها،  كما تعارضه لو لم ينحط عنها بمجهولية كاتبه وعصره وكثرة وقوع الغلط في كتابته وعبث التصرف به وتعرض الأهواء في قلبه إلى حيث تميل . وكيف كان فإن المصيبة الفادحة على الكتب المنسوبة إلى الوحي وعلى من ينسبها إليه،  إذا كان الكتاب الواحد متناقض التاريخ . 2 ) أو كانت نسخ الكتاب الواحد المشهود لها بالاعتبار متناقضة التاريخ . 3 ) أو كان بعض الكتب المذكورة مناقضا لبعضها الآخر في التاريخ . وقد ابتلى العهدان بالأقسام الثلاثة من التناقض في التاريخ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) نقله إظهار الحق أيضا في المقام المذكور عن تفسيري هنري واسكات ( 2 ) نقله إظهار الحق في العدد 37 من القسم الثاني من الفصل الثالث من الباب الأول . ( 3 ) ففي العهد القديم ان سليمان أتم بناء الهيكل في السنة الحادية عشرة لملكه ( 1 مل 6،  38 )،  فيكون إتمامه سنة 487،  ولا يوافق شئ من التواريخ المشار اليها لتاريخ ابتداء البناء،  ولا لتاريخ اتمامه،  ولا يقارب واحدا منهما . ( * )

 

                                       صفحة 90

 

 أما القسم الأول فقد جاء في التوراة عن قول الله لإبراهيم :

 اعلم علما أنه غريبا يكون نسلك في أرض ليست لهم ويستعبدونهم ويذلونهم أربعمائة سنة،  وأيضا الأمة يعبدونها ادينها أنا،  وبعد ذلك يخرجون بأملاك عظيمة . وفي الجيل الرابع يرجعون إلى هنا ( أي أرض كنعان )،  ( تك 15،  13 - 16 ) وانظر 1 ع 7،  5 - 8 ) . وفي هذا الكلام دلالة واضحة على أن الأربعمائة سنة هي مدة الاستعباد والذلة في الغربة في الأرض المذكورة التي يخرجون منها كما هو واضح الدلالة على أن الخروج بالأملاك العظيمة إنما هو من أرض الغربة التي يستعبدون فيها أربعمائة سنة،  ولا ينطق ذلك إلا على أرض مصر وخروجهم منها،  ويزيد في وضوح ذلك أنه جعل الغاية لتلك الغربة أن بني إسرائيل يرجعون إلى أرض كنعان،  فلا يمكن أن تكون أرض كنعان داخلة في الغربة والأرض المسوق لهما الكلام . هذا ثم ذكرت التوراة نفسها أن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت أربعمائة وثلاثين سنة ( خر 12،  40 و 41 ) فتناقض تاريخها في المقامين بثلاثين،  ولا تتوهم أن سقوط الثلاثين سنة في التاريخ الأول كان لأجل اعتزازهم بعزة يوسف مدة حياته،  وذلك لأن عزتهم بحياة يوسف في مصر كانت فوق الثمانين سنة،  فإن يوسف وقف بين يدي فرعون وهو ابن الثلاثين سنة،  ثم مضت سبع سنين للخصب،  وجاء بنو إسرائيل إلى مصر في السنة الأولى أو الثانية من سني الجوع ( انظر تك 41،  46 - 55،  و 47،  1 - 18 )،  ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة ( تك 50،  26 ) . ( فإن قلت ) :

 إن المتكلف قد وجه هذا الاختلاف ( يه 1 ج ص 116 و 117 و 4 ج ص 3 - 8 ) بما حاصله أن مبدأ التحديد بالأربعمائة وثلاثين سنة كان من حين الوعد المذكور ( تك 15،  13 - 16 ) عند دعوة إبراهيم وأمره بالخروج من أهله وعشيرته،  وأن مبدأ الأربعمائة سنة كان من ولادة إسحاق أو فطامه . ( قلت ) :

 ولماذا سرى إليك داء المتكلف فلم تلتفت إلى ما في كلامه،  أم

 

                                       صفحة 91

 

 إنك من أعدائه فأردت أن تنبه على شططه . . أم تريد أن تدلنا على معرفة المرسلين الأمريكان الذين طبع كتابه بمعرفتهم . إذن فاسمع ما فيه من الأغلاط . قال المتكلف ( يه 2 ج ص 116 س 5 ) نعم إن المولى سبحانه وتعالى قال :

 إن نسله ( أي إبراهيم ) يستعبد 430 سنة . ولكن كان هذا القول وقت دعوته،  ولا شك أنه من وقت دعوته واختياره إلى خروج بني إسرائيل من مصر 430 سنة . ولا ينبغي أن يخفى عليك أن في كلامه أغلاطا عديدة لا تخفي على صغار الناس ( 1 ) أن الكلام الذي فيه هذا العدد أعني 430 سنة ليس فيه لفظ ( نسله ) ولا لفظ ( يستعبد ) وإنما لفظه في سفر الخروج 12،  40 وإقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر أربعمائة وثلاثين سنة،  ونصها في الأصل العبراني :

 وموشب بني اسرائيل آشر يشبو بمصرايم شلشيم شنه وأربع مأوت شنة،  ( 2 ) لم يجئ في التوراة الرائجة في دعوة إبراهيم وأمره بالخروج تعرض لشئ من هذا النحو

 

ص 91 :

 

أصلا،  وإنما كان وعدا بالعظمة والبركة،  وأنه تتبارك به جميع قبائل الأرض ( انظر تك 12،  1 - 4 ) . 3 - إن التحديد بهذه المدة كان في نص التوراة تحديدا لسكنى بني إسرائيل في مصر،  وبأي محاورة من محاورات العقلاء أو غيرهم يؤخذ مبدأ التاريخ والعدد من دعوة إبراهيم،  فإذا قال شخص :

 إن فلانا عاش في الدنيا ثمانين سنة،  فاطلعت على غلطه،  وإن فلانا ما عاش في الدنيا إلا أربعين سنة،  أفتقبل عذره لو قال،  أخذت مبدأ التاريخ من حين عزم جده على التزويج . 4 - إن هذا القول لم يكن في وقت دعوة إبراهيم،  وإن كان له أصل فهو في عهد موسى جعد خروج بني إسرائيل من مصر . 5 - إن دعوة إبراهيم واختياره كانا في أور الكلدانيين،  كما صرح به المتكلف ( يه 4 ج ص 3 ) في أول جدوله الأيمن،  واعتمد فيه على سابع الأعمال،  وهذه الدعوة لا يعرف تاريخها من العهدين أصلا ورأسا .

 

                                       صفحة 92

 

 وكذا مدة مكث إبراهيم في حاران،  فمن أين يتيسر للمتكلف هذا التطبيق الذي يدعيه حتى يقول بملء فمه ( لا شك ) . ثم قال المتكلف في هذا المقام ( س 7 - 10 ) . أما قوله :

 نسله يستعبد 400،  فكان نزول هذا القول في وقت ولادة إسحاق،  أو في وقت فطامه عند حصول الخلاف بين سارة وبين هاجر ( تك 21،  8 - 12 ) . ولا شك إن من وقت فطام إسحاق إلى خروج بني إسرائيل من أرض مصر هو 400 سنة . ولا ينبغي أن يخفى عليك أن في هذا الكلام أيضا أغلاطا عديدة :

 1 - أن نزول هذا القول على إبراهيم كان بحسب نقل توراتهم حينما شكا العقم وعدم الولد،  وذلك قبل ولادة إسماعيل التي هي قبل ولادة إسحاق بأربع عشرة سنة ( فانظر تك 15 و 16 ) . 2 - إن الترديد بين ولادة إسحاق وبين فطامه يوجب اشتباه التاريخ بمقدار مدة رضاعه ولا يكون ذلك بحسب العادة أقل من سنتين،  وهذا الترديد غلط منه،  فإن أصحابه يدعون إتقان التاريخ . 3 - إن قوله أخيرا ( ولا شك إن من وقت فطام ) إسحاق إلى خروج بني إسرائيل من مصر هو 40 سنة ) هو مناقض لتردده في مبدأ المدة المذكورة بين ولادة إسحاق وفطامه . 4 - ومناقض لقوله ( يه 4 ج ص 3 س 11 )،  لا شك إنه كان من مولد إسحاق إلى خروج بني إسرائيل من مصر 400 سنة،  ولعل المتكلف إذا نبهته على هذا التناقض يقول لك :

 ( لا يوجد في هذا أدنى تناقض فإن إسحاق فطموه في سنة ولادته أو شهرها )،  فلا تقبل مزاعمه التي يدعي تقدم الدنيا بها،  ولكن اعذره في عدم درايته بصراحة توراته إذ تقول وكبر الولد ( أي إسحاق ) وفطم وصنع إبراهيم وليمة كبيرة يوم فطام إسحاق،  وفي الأصل العبراني ( ويكدل هيلد ويغامل ) ( تك 21،  8 ) . 5 - أن تقويم التوراة يقتضي أن المدة من مولد إسحاق إلى دخول بني

 

                                       صفحة 93

 

 إسرائيل إلى مصر تكون مائة وتسعين سنة،  وذلك لأنها من مولد إسحاق إلى مولد يعقوب ستون سنة ( تك 25،  26 )،  ومن ولادة يعقوب إلى دخول بنيه إلى مصر مائة وثلاثون سنة ( تك 47،  9 ) فإذا كانت إقامة بني إسرائيل مائتين وخمس عشرة سنة كما جزم به المتكلف ( يه 2 ج ص 116 س 15 وص 117 س 4 و 4 ج ص 8 س 3 ) فيكون المجموع أربعمائة وخمس سنين،  فهل كتب في العهدين أن مدة رضاع إسحاق كانت خمس سنين،  وإذا كانت كذلك فكيف تتم الأربعمائة سنة على زعمه ( يه 4 ج ص 3 ) في جدوله الذي على اليمين حيث جزم فيه بأن إقامتهم في مصر كانت مائتين وعشر سنين،  بل وكيف تتم على هذا إذا أخذ مبدأ الأربعمائة من ولادة إسحاق،  وتركنا لرضاعه حسب العادة سنتين ونحوهما،  فهذا مع ما تقدم عشر أغلاط . 11 - زعم ( يه 2 ج ص 116 س 16 - 18 و 4 ج ص 7 س 12 - 18 ) أن مبدأ الأربعمائة وثلاثين سنة كان من وقت الموعد الذي وعد الله به إبراهيم بالبركة عند خروجه من حاران وكان عمره حينئذ 75 سنة ( تك 12،  3 و 4 وهذا مناف لتصحيح ( استفانوس ) بأن ظهور الله لإبراهيم ودعوته التي وقع فيها هذا الموعد قد وقع حين كان إبراهيم فيما بين النهرين قبل ما سكن في حاران ( فانظر 1 ع 7،  2 و 3 )،  ومناقض أيضا لأخذ مبدأ التاريخ بهذه المدة من دعوة إبراهيم من أور الكلدانيين فيما بين النهرين قبل خروجه من حاران بخمس سنين حسبما صرح به في جدوليه ( يه 4 ج ص 3 ) معتمدا فيه على قول استفانوس ( 1 ع 7 :

 2 )،  كما اعتمد فيه أيضا ( يه 4 ج ص 8 س 4 و 5 ) على تقويم مرشد الطالبيين . 13 - جزم المتكلف فيما أشرنا بأن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت مائتين وخمس عشرة سنة،  وهذا مناقض لجزمه في جدوله الأيمن المذكور بأنها كانت مائتين وعشر سنين . ولم يكن هذا التناقض والغلط في الحساب والاضطراب في مبادئ التواريخ إلا لأمر يشير إليه المثل المشهور عند العوام ( 13 ) قد التجأ المتكلف في تكلفاته المتناقضة إلى أن يزيد على عبارة سفر الخروج العبرانية 12،  40 مثل

 

                                       صفحة 94

 

 الألفاظ التي زادتها السامرية واليونانية وهي لفظة ( وآبائهم ) ولفظة ( وأرض

 

ص 94 :

 

كنعان ) فتكون العبارة هكذا ( وإقامة بني إسرائيل وآبائهم التي أقاموها في مصر وأرض كنعان أربعمائة وثلاثين سنة ) .،  وهذا غلط بحسب جدوله المذكور واعتماده على تقويم مرشد الطالبيين،  حيث جعلا مبدأ المدة من دعوة إبراهيم في أور الكلدانيين . بل يلزم على هذا أن يزيد على ذلك أيضا لفظ ( وحاران ) بل إن هذه الزيادة لازمة لهم على كل حال،  فإن يعقوب وبنيه قد سكنوا في حاران أكثر من ثلاثين سنة،  لأن يعقوب خدم ( لابان ) ( بليئة،  وراحيل ) أربع عشرة سنة قبل أن يرزق منهما الأولاد ( انظر تك 29،  20 - 30 ) ثم ولدت له ليئة أربعة أولاد،  ثم توقفت عن الولادة ( تك 29،  31 - 35 ) ثم ولدت ولدين وبعدهما بنتا ( تك 30،  17 - 21 )،  ثم ولدت راحيل يوسف ( تك 30،  24 ) وحينما خرج يعقوب من حاران كانت بنته قابلة للتزويج ( انظر تك 24 ) وكان يوسف آخر أولاده يعرف الاستقبال وسجود التحية ( تك 30،  7 )،  وكان شمعون ولاوي إبناه قابلين للقتل والقتال ( انظر تك 34،  25 ) فلا يمكن أن تنقص هذه المدة عن ثلاثين سنة . فلماذا أهمل ذكر حاران مع أنها كانت ليعقوب أرض غربة وخدمة وعبودية وذلة ( انظر تك 29 - 32 )،  ( 14 ) لما التجأ المتكلف إلى أن يقدر في الأصل العبراني لفظ ( وآبائهم ) و ( أرض كنعان ) بل ولفظ ( وحاران ) كما هو لازم له لم يكتف بذلك،  بل جعله ( يه 2 ج ص 117 س 6 و 4 ج ص 4 ) من باب الاكتفاء الوارد في كلام العرب والقرآن الكريم،  وهذا غلط لأن الشرط في الاكتفاء أن تكون دلالة اللفظ الموجود وسوقه كافية في بيان المحذوف المكتفى عنه والدلالة عليه،  كما يقتضيه لفظ الاكتفاء،  بل اعترف المتكلف بنفسه ( يه 4 ج ص 4 س 4 و 5 ) بأن الاكتفاء هو أن يقتضي المقام ذكر شيئين بينهما تلازم وارتباط فيكتفي بأحدهما عن الآخر كنكته . أقول :

 وليت شعري إذن فأي تلازم وارتباط يشعر به المقام ويقتضيه في عبارة سفر الخروج بين بني إسرائيل وبين آبائهم وبين أرض مصر وبين أرض

 

                                       صفحة 95

 

 كنعان بل وحاران . أم تقول :

 كلما جاء لفظ بني إسرائيل يكون اكتفاء عن لفظ آبائهم،  وكلما جاء لفظ مصر يكون اكتفاء عن لفظ كنعان وحاران،  إذن فقرت أعينهم بتاريخ توراتهم ( 15 ) ثم زاد المتكلف في الغلط حيث قاس دعواه في الاكتفاء والحذف بالحذف الذي تجلو مراده نورانية المقام في القرآن الكريم،  كما نبهناك عليه في أوائل هذا الجزء،  مع أن ما نسلم فيه الحذف في القرآن الكريم إنما هو على وجه لو ذكر المحذوف لفاتت من الكلام نكتة شريفة،  أو أدى إلى تطويل ممل في الكلام المتوسط فضلا عن الكلام السامي في البلاغة،  فانظر الأمثلة التي ذكرها في ( يه 4 ج ص 5 و 6 ) . ( مثل ) يحكى أن صبيا انحصر على سطح بلا درج فأعيا عليه النزول،  فجاء بعض المغفلين وألقى إليه طرف الحبل وقال له :

 شده في وسطك،  فلما شده جذبه المغفل إلى صحن الدار،  فلما وقع مات،  فقال المغفل متعجبا ومعتذرا :

 إن هذا الصبي قتله حضور أجله،  وإلا فقد أخرجت بهذا الحبل من البئر عشرين رجلا سالمين . 16 - ثم أفحش المتكلف في الغلط المضحك ( يه 4 ج ص 6 ) حيث اعترض على الآيات التي ذكرها من القرآن الكريم،  ثم قال :

 إن كتاب الله منزه عن مثل هذه التقديرات الفاحشة . القسم الثاني في اختلاف نسخ التوراة في التاريخ مع أن كلا منها إما مشهود لها بالصحة والاعتبار عند اليهود والنصارى معا وإما مشهود لها بالصحة والاعتبار عند النصارى . أما النسخة العبرانية فلا تحتاج دعواهم لاعتبارها إلى بيان . وأما النسخة السبعينية فقد ذكرنا في الصحيفة الخامسة من الجزء الأول وجه اعتبارها،  وأشرنا إليه قريبا في صدر المورد الحادي عشر من التمهيد،  وكله موافق لملخص اعتراف المتكلف ( يه 3 ج ص 175 و 176 و 4 ج ص 90 - 93 ) .

 

                                       صفحة 96

 

 وأما النسخة السامرية فقد ادعى المتكلف أنها ذات خمسة أسفار موسى التي نزلت باللغة العبرانية،  ولكنها مكتوبة بأحرف سامرية قديمة ( انظر يه 3 ج ص 175 س 22 و 23 وص 176 س 4 و 5 )،  وهذه الدعوى وإن كانت ساقطة عند غير السامريين ولكنها اعتراف بصحة السامرية واعتبارها،  دع عنك المتكلف في دعاويه واعترافاته،  ولكنه نقل ( يه 4 ج ص 6 ) عن آدم كلارك قوله ( ذهب كثير من العلماء إلى أن ترجمة خمسة أسفار موسى السامرية هي من أضبط التراجم وأقدمها . ونقل إظهار الحق في شواهد المقصد الأول من الباب الثاني عن المجلد الثاني من تفسير محققهم المشهور ( هورن ) ما ملخصه :

 أن المحقق ( هيلز ) أثبت بالأدلة القوية صحة السامرية،  وأن ( كني كات ) أورد ملاحظات استنتج منها أن الحق ما عليه السامريون،  وأن اليهود حرفوا التوراة قصدا،  ونقل أيضا عن المفسر المشهور ( آدم كلارك ) من ال                                      صفحة 817 من المجلد الأول من تفسيره أن المحقق ( كني كات ) يدعي صحة السامرية،  وأن كثيرا من الناس يفهمون أن أدلة ( كني كات ) لا جواب لها،  ويجزمون بأن اليهود حرفوا لأجل عداوة

 

ص 96 :

 

السامرية . وعنه أيضا في المجلد الأول المذكور قوله يصر ( هيوبي ) إصرارا بليغا على صحة السامرية . ونقل إظهار الحق أيضا في شواهد المقصد الثالث أن جامعي تفسير ( هنري ) و ( اسكات ) قالوا في عبارة في السامرية تخالف العبرانية ( لا شك أن هذه العبارة صادقة ) . والمتكلف لم يسعه أنكار هذه النقول عن محققيهم ومفسريهم،  والكثير منهم،  نعم التجأ إلى شئ من أغاليط التاريخ،  ثم قال :

 فيتضح للمتأمل أن عبارة التوراة العبرية هي صحيحة ( انظر يه 3 ج ص 218 - 224 ) . إذا عرفت هذا فاعلم أن النسخة العبرانية وهاتين النسختين قد وقع فيما بينهما الاختلاف التاريخي،  ولنذكر منه ثلاث موارد :

 

 

                                       صفحة 97

 

 الأول :

 قد سمعت المدة المذكورة في التوراة العبرانية لإقامة بني إسرائيل في مصر وهي 430 سنة،  وعرفت أغلاط المتكلف في حساب التاريخ،  ودعوى الاكتفاء . فاعلم بأنه قد خالفتها الترجمة السامرية،  بل واليونانية،  كما اعترف به المتكلف ( يه 4 ج ص 4 س 17 )،  أو السبعينية الاسكندرانية،  كما نقله عن آدم كلارك ( يه 4 ج ص 6 س 22 ) فقد جاء فيهما ما تعريبه ( وإقامة بني إسرائيل وآبائهم في أرض مصر وكنعان أربعمائة وثلاثون سنة ) فاختلفت النسخة العبرانية مع هاتين النسختين في المدة التي أقامها بنو إسرائيل في أرض مصر . وقد ذكرنا لك أن تقويم هاتين النسختين لا يتجه مع كون المبدأ لتاريخه هو تغرب إبراهيم من أرض الكلدانيين مع كون إقامة بني إسرائيل في مصر 215 سنة،  كما ذكره المتكلف مرارا،  وعليه تقاويمهم لأن العدد حينئذ يزيد على 430 سنة بمقدار إقامة إبراهيم في حاران،  وقد زعم المتكلف في جدوليه وأصحابه في تقاويمهم أنها كانت خمس سنين،  ومع ذلك يلزم أنهما تركتا ذكر حاران باعتبار إقامة إبراهيم فيها وإقامة يعقوب وبنيه أكثر من ثلاثين سنة،  وأنهما أهملتا ذلك قصورا وتقصيرا،  فإن حديث الاكتفاء في مثل هذا المقام عند من يعرف الاكتفاء مضحكة ومسخرة . هذا ولو فرضوا أن إقامة بني إسرائيل في مصر 210 سنين كما زعمه المتكلف في جدوليه،  وبعض اليهود في كتاباتهم لما اتجه التقويم بكون المبدأ له تغرب إبراهيم في كنعان لأن العدد حينئذ ينقص خمس سنين،  فإن ادعى مدع أن المبدأ له أول تغرب إبراهيم في حاران،  قلنا :

 من أين لهذا المدعي أن تغرب إبراهيم في حاران كان خمس سنين لكي يتم العدد ؟ وهل البناء عليه إلا بالتشبث بالتخمين الوهمي،  وإصلاح الفاسد المضطرب،  وتطبيق الحساب الضائع،  وإلا فلماذا تركتا ذكر حاران،  مع ذكرهما كنعان ومصر . الثاني :

 من موارد اختلاف النسخ الثلاث :

 قد ذكرت النسخة العبرانية تاريخ الآباء من آدم إلى إبراهيم فذكرت عمر الأب قبل ولادة الابن المذكور في السلسلة،  وذكرت باقي عمره بعد ولادة ذلك الابن ( فانظر تك 5،  323، 

 

                                       صفحة 98

 

 و 11،  10 - 27 ) . وقد خالفتها النسخة السامرية والسبعينية في ذلك اختلافا فاحشا،  كما تخالفتا بينهما كذلك . . فلنذكر لك الجداول التي ذكرها المفسرون في تسجيل الاختلاف وذكرها المتكلف أيضا ( يه 3 ج ص 213 و 216 ) . وهذه صورتها بعد تصحيحنا للغلط المادي في عناوينها،  والغلط الرقومي في طبعها :

 أسماء آباء أعمارهم عند ولادة الابن أعمارهم بعد ولادة السلسلة الواقع في السلسلة ذلك الابن قبل الطوفان عبرية سامرية سبعينية عبرية سامرية سبعينية آدم 130 - 130 - 230 - 800 - 800 - 700 شيث 105 - 105 - 205 - 807 - 807 - 707 انوش 90 - 90 - 190 - 815 - 815 - 715 قينان 70 - 70 - 170 - 840 - 840 - 740 مهلئيل 65 - 65 - 165 - 830 - 830 - 730 يارد 62 - 621 - 162 - 800 - 785 - 800 اخنوخ 65 - 65 - 165 - 300 - 300 - 200 متوشالح 187 - 67 - 187 - 782 - 653 - 782 لامك 182 - 53 - 188 - 595 - 600 - 595 عند الطوفان بعد الطوفان نوح 600 - 600 - 600 - 350 - 350 - 350 1656 - 1307 - 2262 فانظر إلى هذا الاختلاف في الأعمار،  وفي تاريخ الطوفان من خلقة آدم . والمتكلف لم يسعه في هذا الاختلاف الباهظ إلا تأييد التقويم العبراني

 

                                       صفحة 99

 

 بتأييدات فارغة . ويكفيك أنه جعل من الأدلة القوية على صحة العبرانية ما توهمه ( يه 3 ج ص 215 ) حيث قال :

 إن السبعينية تقتضي تأخر ولادة البكر لآدم وشيث إلى أن مضى من عمرهما 230 سنة و 205 سنين،  وهذا يخل بالنسبة بين وقت النمو وبين مجموع عمريهما . فهل كان أمر الله الذي قال اكثروا واملأوا الأرض ليس بضروري في الجيل المتقدم،  وأنه صار ضروريا في الأجيال التي بعده . قلت :

 وكم ترى في هذا الدليل القوي من الغلط والجهل . أما ( أولا ) فإن شيئا لم يكن بكر آدم،  بل إن توراتهم تصرح بأن آدم ولد قايين وهابيل قبل شيث،  بل مقتضاها أن قايين ولد أولادا كثيرين ثم صارت ولادة شيث فانظر رابع التكوين . وأيضا لا يعرف من التوراة وغيرها من كتب وحيهم أن ( انوش ) كان بكر

 

ص 99 :

 

شيث،  بل إن جميع آباء السلسلة لا يعرف من كتب العهدين أنهم كانوا أبكار آبائهم . وقد سمعت أن شيثا لم يكن بكر آدم . وأيضا بمقتضى التوراة أن ساما لم يكن بكر نوح،  فإنها تقول :

 وكان نوح ابن خمسمائة سنة وولد ساما وحاما ويافث ( تك 5،  32 )،  ولما كان نوح ابن ستمائة سنة صار الطوفان ( تك 7،  7 ) فلو كان سام بكر نوح لكان عمره عند الطوفان المائة سنة،  ولكن توراتهم تقول :

 لما كان سام ابن مائة سنة ولد ارفكشاد بعد الطوفان بسنتين ( تك 11،  10 )،  وهذا يقتضي أن ساما تولد بعد ما مضى من عمر نوح خمسمائة وسنتان،  فالبكر إذن غير سام،  وأيضا يلزم النصارى أن لا يكون إبراهيم بكر أبيه،  فإن توراتهم تقول :

 إن تارح أباه عاش مائتين وخمس سنين،  ومات في حاران . ( تك 11،  32 ) وأن إبراهيم حينما خرج من حاران كان عمره خمسا وسبعين سنة ( تك 12،  4 ) واستفانوسهم يقول :

 إن إبراهيم خرج من حاران بعد ما مات أبوه ( اع 7،  4 ) فلا بد على هذا من أن تكون

 

                                       صفحة 100

 

 ولادته بعد ما ما مضى من عمر أبيه مائة وثلاثون سنة،  والتوراة تقول :

 إن تاريخ ولد ينبه لسبعين سنة من عمره ( تك 11،  26 ) . فإن قيل ) هب أن شيثا وساما وإبراهيم لم يكونوا أبكار آبائهم في هذه السلسلة،  ولكن باقي رجال السلسلة كانوا أبكار آبائهم،  ويدل على ذلك إن التوراة بعد أن تذكر ولادة الولد المذكور في السلسلة تقول في شأن أبيه ( وولد بنين وبنات )،  فيدل ذلك على أن الولد المذكور هو البكر،  وأيضا أن البكورية لها أهمية وفضيلة،  فلا بد أن تكون سلسلة الآباء والعهد ومواليد الأنبياء فائزة بها . ( قلت ) هذا واضح البطلان إذ لا دلالة فيما تشبث به،  كيف وقد قيلت هذه العبارة في شأن آدم بعد ذكر ولادة شيث ( تك 5،  3 - 5 ) وأيضا قد دل العهد القديم على أن جماعة من الأنبياء وآباء سلسلة النبوات والعهد لم يكونوا أبكار آبائهم كما في شيث،  وسام،  وإبراهيم،  وإسحاق،  ويعقوب،  ولاوي،  ويهوذا،  وفارص،  وموسى،  وداود،  وسليمان،  وأكثر هؤلاء عيون هذه السلسلة . وأيضا أن الله العليم الحكيم قد تقتضي حكمته أن لا يربط سلسلة النبوة بالبكورية،  وأن إجراء الحكمة أولى من اتباع عيسو في بيعة بكوريته ليعقوب بأكلة من خبز وطبيخ وعدس ( تك 25،  29 - 34 ) . وأما ثانيا :

 فلو تجاهلنا وسلمنا أن آباء السلسلة هم أبكار آبائهم لقلنا إن الحكمة التي اقتضت تأخر ولادة شيث مائة وثلاثين سنة،  وولادة انوش مائة وخمس سنين حسب التقويم العبراني لا يمتنع أن تقتضي تأخر ولادتهما مائتين وثلاثين سنة ومائتين وخمس سنين حسب تقويم السبعينية،  وكلتا المدتين لا تتفاوت كثيرا بالنسبة إلى الوعد بالأثمار في المنافاة وعدمها،  وبما ذكرناه تعرف غلط المتكلف في قوله في عنوان تقويم الجداول ( قبل ولادة البكر ) و ( بعد ولادة البكر )،  وغلطه في إهمال ذكر الطوفان لما قبل الستمائة وما بعدها في عمر نوح . وهاك بقية الجداول في تقويم الأعمار بعد الطوفان وقبل ولادة الابن الواقع في السلسلة،  وانظر إلى الاختلاف فيها :

 

 

                                       صفحة 101

 

 الأعمار بعد الطوفان وقبل ولادة بعد ولادة الابن الابن الواقع في السلسلة الواقع في السلسلة الأسماء عبرية سامرية سبعينية عبرية سامرية سبعينية سام 2 - 2 - 2 ارفكشاد 35 - 35 - 35 - 403 - 303 - 400 قينان 130 - 330 شالح 30 - 130 - 130 - 403 - 303 - 330 عابر 34 - 134 - 134 - 430 - 270 - 270 فالج 30 - 130 - 130 - 209 - 109 - 209 رعو 32 - 132 - 130 - 207 - 107 - 207 سروج 30 - 130 - 130 - 200 - 100 - 200 ناحور 29 - 79 - 79 - 119 - 69 - 129 222 - 772 - 902 ما قبل 1656 - 1307 - 2262 الطوفان 1878 - 2079 - 3164 فانظر إلى هذه الأعداد والحواصل المختلفة بحسب النسخ من خلقة آدم إلى ولادة ناحور لتارح أبي ابراهيم . واعلم أنه لا يكاد يعرف من العهدين تاريخ ولادة إبراهيم من تارح إلا أن يعرف المقدار لمكث إبراهيم في حاران بعد موت أبيه،  كما يقوله استفانوس ( ا ع 7،  4 ) . وقد عرفت من هذه الجداول أيضا أن التوراة السبعينية قد خالفت العبرانية والسامرية،  حيث زادت عليها في عدد الآباء ( قينان ) بين ارفكشاد وشالح .

 

                                       صفحة 102

 

 القسم الثالث في اختلاف كتب العهدين في التاريخ ولنذكر من ذلك مقامين :

 الأول :

 قد جاء في الأناجيل في طرد النسب ما لفظه ( شالح ابن قينان ابن ارفكشاد ) ( لو 3،  35 و 36 ) فوافق التوراة السبعينية في زيادة قينان بين ارفكشاد وشالح )،  وخالف بذلك العبرانية والسامرية . والمتكلف حاول التخلص من هذه الورطة فارتبك في التخليط،  وقال ( يه 3 ج ص 212 )،  ذهب البعض إلى أن موسى لم يذكره ( أي قينان ) لكي تكون الأجيال من آدم إلى نوح عشرة،  ومن نوح إلى إبراهيم عشرة لتكون أعلق بالأذهان . قلت :

 إن الوحي وموسى عليه السلام لم يكونا ليشوها وجه التاريخ

 

ص 102 :

 

المسلسل ويهملا حقيقة قينان وتاريخه ويجعلا ذلك عثرة في سبيل التصديق بالوحي،  كل ذلك ليصفا الآباء صفا شطرنجيا،  إذن قل كيف أقدم سبعون من علماء اليهود المنتخبين من الملة فزادوا قينان وخالفوا إرادة الوحي وموسى وكيف احتفل بترجمتهم عامة اليهود والمسيح والتلاميذ والأجيال القديمة من النصارى،  ولماذا أقدم هؤلاء على تغيير وضع التوراة ونقض غرض الوحي وموسى،  ولماذا رضي لهم قومهم واحتفلوا بترجمتهم،  أفلا تفهم من هذا أن اليهود لا يتوقفون عن العبث بكتب الوحي إذا حسن في أهوائهم بل يكون هذا العبث رائجا مقبولا في الملة . ثم قال المتكلف :

 وذهب البعض إلى أن ارفكشاد كان أبا لشالح طبيعيا،  ولقينان شرعيا . قلت :

 أظن هذا التوجيه ممن تقدمت الدنيا بكشفه عن هذا الغيب،  وليت شعري إذا كان قينان ابنا شرعيا،  فلماذا أقحمته الترجمة السبعينية في سلسلة النسب والمواليد وجعلته مولودا من ارفكشاد ووالدا لشالح فتلاعبت بالتوراة وشوهت التاريخ وشوشت التقويم بذكرها مقدار عمر قينان عندما ولد شالح،  وكيف رضيت لهم الملة ذلك وقبلت منهم ذلك،  مع أنه تلاعب بكتاب

 

                                       صفحة 103

 

 الوحي بأمر غلطي . دع عنك الملة اليهودية،  ولكن لماذا أقحمه إلهام لوقا في سلسلة الآباء عبثا محضا ومعثرة في التاريخ،  والتصديق بصحة التوراة العبرانية،  وتثبيتا لغلط السبعينية وتحريفها . ثم قال المتكلف :

 وذهب البعض إلى أن قينان وشالح اسمان يدلان على شخص واحد . قلت :

 إذا فلماذا قبلت الملة اليهودية من السبعينية جعلها والدا حتى أنها ذكرت عمر قينان عندما ولد شالح . ولماذا لم يشر إلهام لوقا إلى هذا الغلط،  ولا أقل من أن يجري مجرى التوراة العبرانية،  بل جرى على غلط السبعينية،  وترك متبعيه يخبطون في عشواء،  إذ فإن في طرد النسب وابن شالح ابن قينان ابن ارفكشاد . ثم قال المتكلف :

 وذهب كثيرون إلى أن قينان لم يكن مذكورا في إنجيل لوقا،  غير أن النساخ أخذوه من الترجمة السبعينية محاكاة لها . قلت :

 عجبا كيف سمح المتكلف أن ينطق بشهادة الكثيرين على أن كتب وحيهم كانت ملعبة للنساخ وأوهام الآراء،  فلماذا اتفقت النسخ والنساخ على هذه في الإنجيل المتواتر بزعم المتكلف . ثم مع نقل هؤلاء الكثيرين كيف يتجه للمتكلف أن يقول ( يه 2 ج ص 254 )،  قال المفسرون :

 إن قينان هو لقب لأرفكشاد . . أفلست ترى أن هذا الاضطراب في الشطط إنما هو من الأوهام التي مناها الغرور بأن تصلح الفاسد بالأفسد . . . وبعد هذا كله فما معنى قول المتكلف ( يه 2 ج ص 254 ) على أنه قرئ في بعض النسخ من التوراة قينان قبل ارفكشاد،  أتراه يعني بذلك قينان ابن انوش وهو الثالث من ولد آدم في السلسلة،  كيف وهو مذكور في جميع نسخ التوراة في الأجيال التي قبل الطوفان .

 

                                       صفحة 104

 

 أم أنه يعني بذلك أمرا لم يفهمه هو ولا غيره،  أم يريد بذلك أن الغلط في العهدين غير عزيز،  فلا عيب إذا وقع فيه إنجيل لوقا،  ولعله لذلك عقبه بقوله ( وعلى كل حال فالأمر سهل ) . أفلا تقول له :

 إنا يكفينا مثل هذا الاستسهال في عدم الاعتناء بالعهدين بل لا عذر لنا عند الله في الاعتماد على كتب يستسهل فيها مثل ذلك . المقام الثاني :

 من اختلاف العهدين في التاريخ :

 فقد عرفت من تقويم التوراة العبرانية أن المدة من دخول إبراهيم إلى أرض كنعان إلى حين دخول بني إسرائيل إلى مصر تكون مائتين وخمس عشرة سنة،  وقد عرفت نصها على أن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت أربعمائة وثلاثين سنة . وتدل أيضا على أن نزول الشريعة والناموس كان ابتداؤه في مصر في سنة الخروج منها ( خر 12 ) . ثم جاء جميع ما في سفر الخروج في السنة الأولى لخروجهم من مصر قبل أن يشتغلوا بعمل المسكن الذي تم،  وأقيم في أول السنة الثانية ( خر 40،  17 ) . ثم جاءت الشريعة المذكورة في سفر اللاويين،  وعشر أبواب من سفر العدد في السنة الثانية قبل أن يمضي منها شهر وعشرون يوما ( انظر لا 27،  34،  وعد 10،  11 ) . وقد انتظم في هذا أكثر شريعة التوراة ونواميسها حسبما هو موجود في التوراة الرائجة،  فيكون من دخول إبراهيم أرض كنعان إلى هذه الغاية ستمائة وسبع وأربعين سنة . ثم جاء باقي الشريعة متدرجا إلى السنة الأربعين لخروجهم من مصر فكلم بها موسى بني إسرائيل في سفر التثنية ( تث 1،  3 )،  وكان غالب سفر التثنية تكرارا لبيان الشريعة المتقدمة،  ولذا سمته الترجمة السبعينية بذلك،  وأن أحكام الكهنوت وشرائعه وتأبيده كلها قد جاءت في سفر الخروج وسفر اللاويين قبل أن تمضي لخروجهم من مصر سنة ونصف،  وهاك جداول الحساب بمقتضى

 

                                       صفحة 105

 

 تقويم التوراة :

 سنة :

 25 من دخول إبراهيم كنعان إلى ولادة إسحاق ( تك 12،  4 و 21،  5 ) . 60 ومن ولادة إسحاق إلى ولادة يعقوب ( تك 25،  26 ) . 130 ومن ولادة يعقوب إلى دخوله مع بنيه إلى مصر ( تك 47،  9 ) .

 

ص 105 :

 

430 وإقامة بني إسرائيل في أرض مصر ( خر 12،  40 ) . 1 شريعة سفر الخروج ونواميسه . 647

 

 1 شريعة سفر اللاويين،  وعشر أبواب من سفر العدد ونواميسها . 658

 

 3 باقي الناموس إلى ختامه عن تثنية بيانه . وبمقتضى التوراة أن إبراهيم توفاه الله بعد ما خرج من حاران بمائة سنة ( انظر تك 12،  4،  و 25،  7 ) . وعلى هذا فالزمان الفاصل بين مواعيد الله لإبراهيم حينما تجلى له وبين ابتداء الناموس الذي نزل على موسى لا يمكن أن يكون أقل من خمسمائة وخمس وأربعين سنة . . إذا عرفت هذا فقد جاء عن بولس في ثالث غلاطية 16،  وأما المواعيد فقيلت في إبراهيم وفي نسله،  لا يقول وفي الأنسال كأنه عن كثيرين بل كأنه عن واحد،  وفي نسلك الذي هو المسيح 17،  وإنما أقول هذا :

 إن الناموس الذي صار بعد أربعمائة وثلاثين سنة لا ينسخ عهدا قد سبق فتمكن من الله،  وأقل اختلاف يفرض بين هذا الكلام وبين التقويم المتقدم عن التوراة العبرانية هو مائة وخمس عشرة سنة . قال المتكلف ( يه 4 ج ص 7 و 8 ) ما ملخصه أن الموعد المشار إليه في كلام بولس هو الوعد الذي وعد الله به إبراهيم ( تك 12،  3 ) عندما أمره بالتغرب عن وطنه وعشيرته،  ومن هذا الموعد إلى نزول الشريعة 430 سنة لأن

 

                                       صفحة 106

 

 عمر إبراهيم حينئذ كان 75 سنة،  ومنه إلى دخول بني إسرائيل مصر 215 وأقاموا في مصر 215 يكون المجموع إلى نزول الشريعة 430 سنة،  إنتهى ملخصا . قلت :

 قد أوضحنا لك قريبا في القسم الأول من أقسام الاختلاف الثلاثة كيف قد تقلب المتكلف في التناقض في هذا المقام وقلق في أغلاطه،  فراجعها إلى الغلط الرابع عشر واكفنا مؤنة التكرار،  ولكنا نوضح لك هاهنا أنه لو فرضنا إن إقامة بني إسرائيل في مصر كانت 215 سنة أو 210 سنين كما تقلب به المتكلف لما أمكن أيضا انطباق الكلام الذي ذكرناه عن غلاطية على موعد من مواعيد الله لإبراهيم المذكورة في التوراة لا من حيث المعنى ولا من حيث التقويم أصلا ورأسا . فلنذكر لك ما جاء في التوراة من مواعيد الله وعهوده لإبراهيم . فالموعد الأول :

 وهو الذي عناه المتكلف وعينه في كلامه جاء في ( تك 12،  2 و 3 ) وليس فيه ذكر للنسل الذي ذكر في كلام غلاطية أصلا،  وتاريخ هذا الموعد أما عند خروج إبراهيم من حاران حينما كان عمر إبراهيم 75 سنة كما زعم المتكلف هاهنا . وأما عند خروجه مما بين النهرين أي ( أور الكلدانيين ) على قول استفانوس ( ا ع 7،  3 - 4 )،  وعلى زعم المتكلف أيضا في أول جدوله كما تقدم،  وبمقتضى تقويم المتكلف في جدوليه يوافق السبعين من عمر إبراهيم . الموعد الثاني :

 بعد اعتزال لوط عن إبراهيم وبعد رجوعهم من مصر وعندما أقام إبراهيم في حبرون وهو ( تك 13،  15 و 16 )،  وذلك بعد دخول إبراهيم لي أرض كنعان بسنين،  والنصارى يقولون في تواريخهم :

 أنها كانت خمس سنين أو أربع . وصريح هذا الوعد أن المراد من النسل هم الكثيرون الذين يعسر عدهم كتراب الأرض . الموعد الثالث :

 بعد ذلك وبعد حرب إبراهيم مع الملوك ( تك 15،  5 -

 

                                       صفحة 107

 

 19 )،  وصريحه أيضا أن المراد من النسل الكثيرون الذين يعسر عدهم والذين يستعبدون ويذلون في مصر . العهد الرابع :

 لما كان إبراهيم ابن تسع وتسعين سنة ( تك 17،  7 و 8 ) وهو صريح أيضا في أن المراد من النسل هم الكثيرون في أجيالهم . العهد الخامس :

 فإنه بهذا التاريخ وهذا المعنى ( تك 17،  9 - 13 ) . العهد السادس :

 حينما عزم إبراهيم على ذبح إسحاق قربانا ( تك 22،  16 - 19 ) وهو أيضا صريح في أن المراد من النسل هم الكثيرون،  الذين هم كنجوم السماء وكالرمل . وليس في هذه المواعيد لفظ ( في نسلك ) الذي يتشبث به كلام غلاطية إلا في الموعد الأخير،  ولكن ما شئت فابذل جهدك وسعيك في تطبيق كلام غلاطية المنسوب إلى بولس على أحد المواعيد التي ذكرناها من حيث اللفظ أو المعنى أو التاريخ . أما الوعد الأول فليس فيه ذكر للنسل أصلا،  وأما المواعيد الأربعة التي بعده فليس فيها لفظ ( في نسلك )،  بل ذكر النسل بعبارة أخرى صريحة في أن المراد من النسل هم الكثيرون في أجيالهم . وأما الوعد السادس فإنه وإن كان فيه لفظ ( في نسلك ) لكنه صريح في أن المراد من النسل هم الكثيرون كنجوم السماء وكالرمل،  ولا يمكن تطبيق تقويمه على كلام غلاطيه،  فاذن ليس في التوراة كلام ينطبق عليه الكلام الذي سمعته عن غلاطيه لا من حيث المعنى ولا من حيث التقويم حتى بالتقويم الذي اضطرب في دعاويه المتكلف،  مضافا إلى أنه جاء أيضا في الرسائل المنسوبة إلى بولس ما هو صريح في أن المراد من النسل في مواعيد إبراهيم هم الكثيرون،  وإن زعم أن المراد منهم أولاد الموعد لا أولاد الجسد،  ( فانظر رو 9،  7 و 8 )،  وأظن أن كاتب رسالة رومية لم يطلع على رسالة غلاطية أو بالعكس . والحاصل أن كلام غلاطية زيادة على غلطه في المعنى فهو مناقض لتقويم التوراة كما ذكرناه أولا .

 

                                       صفحة 108

 

 

 

ص 108 :

 

المقام الثالث :

 من اختلاف العهدين جاء في إنجيل متى قوله :

 ( 27،  9 و 10 ) حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل :

 وأخذوا الثلاثين من الفضة ثمن المثمن الذي ثمنوه من بني إسرائيل وأعطوها عن حقل الفخاري كما أمرني الرب . هذا مع أن هذا المنقول لا يوجد في كتاب ارميا،  نعم يوجد له مشابه في بعض المفردات في كتاب زكريا وهو قوله ( 11،  12 و 13 ) فوزنوا أجرتي ثلاثين من فضة فقال لي الرب :

 ألقها إلى الفخاري الثمن الكريم الذي ثمنت عليهم فأخذت الثلاثين الفضة وأرسلتها إلى الفخاري في بيت الرب،  وأنت ترى أنه لا مماثلة من حيث المعنى ولا التركيب بين ما ذكرنا عن متى وما ذكرناه عن زكريا،  وإنما توجد المماثلة بين بعض المفردات مثل :

 ثلاثين،  وفضة وثمن،  والذي،  والرب . فإن أغمضنا عن مسخ التركيب والمعنى فقد غلط كاتب الإنجيل في نسبته إلى ارميا وهو في كتاب زكريا،  أو غلط كتاب العهد القديم إذ جعلوه في كتاب زكريا وهو من كتاب ارميا،  وإن أغمضنا عن الغلط في النسبة،  فقد غلط كاتب الإنجيل في مسخ التركيب،  وتبديل الاسم،  أو غلط العهد القديم في نقل الكلام على وجهه . نقل إظهار الحق في الشاهد التاسع والعشرين من المقصد الثاني من الباب الثاني عن كتاب ( وارد كاتلك ) عن كتاب ( مستر جويل ) أن متى غلط فكتب ( ارميا ) موضع زكريا . وعن ( هورن ) في تفسيره اعترافه بأن في هذا النقل إشكالا جدا من أجل عدم وجوده في ارميا وعدم مطابقته لما في زكريا . ونقل عن بعض المحققين بناءهم على أحد أمرين . إما تبديل الكتاب لزكريا بارميا غلطا . وإما أن لفظ ارميا الحقه الكتاب غلطا،  ثم قوى هورن هذا الأخير ونقل إظهار الحق عن بعض مفسريهم أنه وجهه بالوجه الأول . وعن ابن ساباط أن بعض قسيسيهم اعترف بأن متى كتب هذا اعتمادا

 

                                       صفحة 109

 

 على حفظه بدون مراجعة للكتب فوقع في الغلط،  وقال بعضهم،  لعل زكريا يكون مسمى بأرميا أيضا . والمتكلف ( يه 3 ج ص 271 ) من شدة عناده للحق،  أو من كثرة علمه نسب إظهار الحق إلى الهذيان حيث نقل الحيص والبيص من علماء النصارى في هذا المقام . وليت شعري لماذا حمل على إظهار الحق قصاص علماء النصارى ومفسريهم إذا أنطقوا في اضطرابهم ببعض الصواب الباهظ لضلال الأهواء،  فهل يقول المتكلف إن عدل الله وقداسته ومقته للخطيئة والخطأ والخبط والغلط اقتضى أن يكون إظهار الحق فاديا لمتى والمفسرين . دع هذا فإن المتكلف ( يه 3 ج ص 272 ) زاد في الخبط والاضطراب في هذا المقام،  فزعم ( أولا ) أن من اصطلاحات علماء اليهود القديمة أنهم كانوا يقسمون الكتب المقدسة إلى ثلاثة أقسام :

 القسم الأول :

 شريعة موسى،  وكانوا يسمونها الشريعة . القسم الثاني :

 المزامير . القسم الثالث :

 قسم الأنبياء ويسمى ارميا،  من إطلاق الجزء على الكل،  وسبب تسمية قسم الأنبياء بأرميا هو أنهم ذكروا نبواته أول الأنبياء على هذا الترتيب وهو ارميا وحزقيال وأشعيا،  ثم نبوات الاثني عشر نبيا صغيرا . قلت :

 يحكى أن بعض الكذابين أوصى ولده وقال له :

 إذا كذبت فاستشهد بالأموات،  كيف وأن الموجود من العهد القديم العبراني هو أنهم ذكروا بعد أسفار التوراة حصتين سموا الأولى ( نبيايم - اشونيم ) - أي الأنبياء الأولين - وهي ستة كتب أولها كتاب يوشع وآخرها الملوك الثاني،  وسموا الحصة الثانية ( نبيايم احرونيم ) - أي الأنبياء الآخرين - وهي خمسة عشر كتابا أولها كتاب اشعيا وآخرها كتاب ملاخي . ثم ذكروا بعد ذلك حصة سموها ( كتوبيم ) وهي ثلاثة عشر كتابا أولها المزامير ( تهليم ) وآخرها أخبار الأيام الثاني .

 

                                       صفحة 110

 

 فليس في العهد القديم العبراني حصة أولها كتاب ارميا،  ولا حصة تسمى ارميا،  واليهود لا يعرفون ذلك عن سلفهم،  وإنجيل متى لم يقل بالأنبياء بل قال ( بأرميا النبي القائل ) وهذا كالصراحة بإرادته كتابا واحدا ولو خادعنا نفوسنا وسلمنا دعوى المتكلف في اصطلاحات اليهود القديمة،  وأعرضنا عن دلالة اللفظ لقلنا أن إنجيل متى لم يجر على هذا الاصطلاح المكذوب،  بدليل أنه قال ( مت 27،  35 ) ( لكي يتم ما قيل بالنبي ) وهو يعني بذلك كتاب المزامير،  فإن قسم المزامير لا يسمى عند اليهود بالنبي ولا الأنبياء لا في الاصطلاح المكذوب،  ولا في الاصطلاح المعروف بل يسمى ( تهليم ) . فإن قلت :

 إن استشهاد إنجيل متى بما ذكرته عن المزامير غير ثابت بل ذهب بعض المفسرين إلى أن الفقرة المشار إليها يجب حذفها لأنها ليست في المتن وإنما هي مأخوذة من إنجيل يوحنا ( 19،  24 ) ولذا جعلوها في إنجيل متى بين خطين هلاليين . قلت - أولا :

 إن المتكلف يعترف ( يه 3 ج ص 274 ) بأن هذه الفقرة في إنجيل متى ثابتة في النسخ المعتبرة والقراءات الصحيحة . وثانيا :

 إنك لم تأت في هذا بشئ إلا أنك جلبت على الإنجيل مصيبة أخرى وهي أن تكون مثل هذه الفقرة الطويلة زائدة فيه من عبث التصرف .

 

ص 110 :

 

وزعم المتكلف ثانيا :

 أن كلمة ( ارميا ) تكتب باللغة اليونانية ( ايريو ) وكلمة زكريا ( زيريو ) بتغيير الألف إلى زاي فقط فنشأ هذا الاختلاف . قلت :

 إذن فيحق أن يصنع التنوير والاحتفال لاتقان الإنجيل في لغته وكتابته،  وللمتكلف في رؤياه النبوية . وزعم ثالثا :

 بأن البعض ذهب إلى أن راميا هو الذي تكلم بهذه الكلمات وأن زكريا نقل عنه . قلت :

 دع عنك أن سوق الكلام في كتاب زكريا يأبى ذلك ويبطل هذه الدعوى،  ولكن كان على هذا البعض إذ تنبأ من هواه بهذا الغيب أن يتم

 

                                       صفحة 111

 

 الإصلاح لنقل إنجيله فيتنبأ ويقول :

 إن العبارة الأصلية لأرميا موافقة لعبارة متى،  وإن الخطأ وقع في نقل زكريا . المقام الرابع :

 وأيضا جاء في العهد القديم أن ( بلعام ) هو ابن ( بعور ) بالعين قبل الواو ( عد 22،  5 وتث 23،  4 ويش 13،  22 ومي 6،  5 ) . وجاء في العهد الجديد ( بلعام ) ابن ( بصور ) بالصاد قبل الواو،  ( 2 بط 2،  15 ) . ولا تصغ إلى اعتذار المتكلف في مثل هذا بتقارب الحروف فإن الفرق في الخط العبراني بين العين والصاد من أوضح ما يكون في الفرق بين الحروف إلا أن يقول :

 إن كاتب العهد الجديد لا يحسن أن يميز ما بين الحروف،  فقل له :

 إذن فقد وقع كتبة العهد القديم بمثل ذلك،  حيث اعتذرت عن اشتباههم مرارا بتقارب الحروف،  فلماذا قسم الطالع للعهدين بالكتبة الذين لا يميزون بين الحروف . ولا تلتفت إلى نبواته الأهوائية إذا ادعى باطلا أن ( بعور ) لما تزوج أو لما نبتت لحيته،  أو لما شاب،  أو لما ارتفع بعد الضعة،  أو لما اتضع بعد الرفعة صار اسمه ( بصور ) بالصاد،  كما يلتجأ إلى مثل هذا الخبط عندما يضيق به الخناق كما ادعاه ( يه 2 ج ص 128 )،  لما سمى العهد القديم أم سليمان النبي مرة ( بت شبع بنت اليعام ) ( 2 صم 11،  3 ) ومرة ( بت شوع بنت عميئيل ) ( 1 أي 3،  5 )،  وادعاه أيضا في كتابه في كثير من اختلاف العهد القديم . المقام الخامس :

 في اختلاف ذات الأناجيل فيما بينها في التاريخ،  ولنكتف من ذلك بما ذكرناه في الجزء الأول صحيفة 237 - 264 فراجعه،  فإنه يشتمل أيضا على القسم الأول وهو اختلاف ذات الكتاب الواحد في تاريخه . المقام السادس :

 في اختلاف كتب العهد القديم فيما بينها في التاريخ جاء في سفر الملوك الثاني 8،  26 ابن اثنتين وعشرين سنة اخزيا هو عند ملكه وسنة واحدة ملك بأورشليم واسم أمه عثليا بنت عمري ملك إسرائيل،  وجاء في سفر الأيام الثاني 22،  2 ابن اثنتين وأربعين سنة اخزيا هو عند ملكه وسنة

 

                                       صفحة 112

 

 واحدة ملك بأورشليم واسم أمه عثليا بنت عمري . فزاد تاريخ سفر الأيام على تاريخ سفر الملوك عشرين سنة،  مع أن ما في سفر الأيام لا يكاد أن يصح لنص العهد القديم على أن أباه يهورام مات وهو ابن أربعين سنة،  وأن اخزيا صار ملكا سنة موت أبيه ( فانظر 2 مل 8،  17 و 25،  و 2 مل،  21،  20 ) وعلى هذا يلزم أن يكون اخزيا أكبر من أبيه بسنتين . قال المتكلف ( يه 1 ج ص 282 ) المراد بقوله ( يعني الأيام الثاني 22،  2 ) اثنتين وأربعين سنة - أي من دولته - وأنه صار للدولة التي هو منها 42 سنة وكان عمره نحو اثنتين وعشرين سنة . قلنا :

 سامحنا المتكلف في دعواه التي لا يرتضيها لنفسه كل مؤرخ يعرف من لحن الكلام والتاريخ موطئ قدمه،  ودعه يرضى مثل ذلك لأنبيائه وكتب وحيه،  وإن خالفه اسلوب كل التاريخ المذكور في العهد القديم،  ولكن قبل أي وقت من الدولة يأخذه مبدأ للاثنتين وأربعين سنة،  فإن كان ابتداء دولة أبيه يهورام فإنه يكون ابن ثمان سنين،  وإن كان ابتداء دولة جده يهو شافاط فإنه يكون ابن ثلاث وثلاثين سنة،  وإن كان ابتداء دولة جد أبيه آسا فإنه يكون ابن أربع وسبعين سنة،  أم يقول :

 إن الوحي اشتهى سنة من السنين فجعلها مبدأ للتاريخ،  وعلى كل حال فلا غلط،  ولا خبط ولا اختلاف . ثم قال ( ص 183 ) ثانيا قرأ عوضا عن 42 سنة 22 وعليه فلا لزوم إلى التأويل،  وسبب اختلاف القراءة هو أن العبرانيين كانوا يستعملون الأحرف للدلالة على الأعداد،  وبما أنه يوجد تشابه بين الحرف الدال على الحرف العدد 2 والحرف الدال على العدد 4 نشأ هذا الاختلاف في القراءة وهو أمر نادر جدا في كتاب الله وهو يكاد أن يكون كالمعدوم . قلت :

 أولا إن اليهود وإن كانوا ربما يشيرون إلى العدد بالحروف ولكنه لا أثر لذلك في متن العهد القديم العبراني،  بل إن جميع أعداده مذكورة باللفظ الصريح حتى في هذا المقام،  إلا أن يقول المتكلف إن المتن العبراني كالحرباء يبرز كل زمان بلون .

 

                                       صفحة 113

 

 وثانيا :

 إن إشارتهم إلى العدد إنما هي بحروف ( أبجد ) الكبير الذي تكون فيه مراتب العدد محفوظة في ذات الحرف لا بموقعه في الصف،  كما هو في الإشارة بالأرقام . فالمتكلف غلط في قوله ( تشابه الحرف الدال على العدد 2 والحرف الدال على العدد 4 ) بل الاشتباه في مثل المقام يكون بين الحرف الدال على عشرين

 

ص 113 :

 

وهو الكاف،  والحرف الدال على أربعين وهو الميم . وثالثا :

 إن الباء والدال والكاف والميم في الخط العبراني متباعدة في الشكل كتباعدها في الخط العربي أو أكثر فلا يشتبه بها إلا من لا يميز من الخط إلا السواد على البياض،  فقرت عين المتكلف بكتبه وكتبتها وقرائها وحملتها . ورابعا :

 إن قوله :

 وهذا نادر جدا في كتاب الله إنما هو قول من لا خبرة له في كتابه أو قول من لا يبالي بدعاويه الوقتية وإن قدم وأخر ما ينفضها،  كيف لا وقد تشبث باشتباه الحروف وتقاربها في الاعتذار عن كثير من أغلاط العهدين ( فانظر الجزء الأول صحيفة 242 ) كما اعتذر بذلك ( يه 1 ج ص 180 ) عن اختلاف العهد القديم في نحو تاريع وتحريع،  وبنعة وينعة،  ويهوعده ويعره،  على أنا قد ذكرنا لك في التمهيد أن الحواشي قد ذكرت من أغلاط الحروف في المتن العبري ما يزيد على الألف مع أنها قد اهملت من ذلك الكثير،  ولكن المتكلف لا يبالي أن يقول مع ذلك،  وعلى كل حال فلا اشتباه بالحروف في كتاب الله . ( وأيضا ) جاء في الملوك الثاني 24،  8 ابن ثماني عشرة سنة يهوياكين عند ملكه وثلاثة أشهر ملك بأورشليم . وجاء في الأيام الثاني ( 36،  9 ) ابن ثماني سنين يهوياكين عند ملكه وثلاثة أشهر وعشرة أيام ملك بأورشليم،  فاختلف التاريخان في عمره عند ملكه بعشر سنين . وقال المتكلف ( يه 1 ج ص 183 ) لما كان عمره ثماني سنين أشركه معه والده في الحكم ليمرنه ويدربه على السياسة والإدارة،  ومع ذلك فلم يملك

 

                                       صفحة 114

 

 رسميا إلا لما كان عمره ثماني عشرة سنة . قلت :

 دع عنك إن هذه الدعوى تقول بلا أثر يشهد لها وإنما أوردها على اللسان والقلم ذلك الروح المذكور ( 1 مل 22،  22،  و 2 أي 18،  21 ) ولكن ما يصنع المتكلف والمرسلون الأمريكان بقول الأيام الثاني ( 36،  5 ابن خمس وعشرين يهوياقيم عند ملكه وإحدى عشر سنة ملك بأورشليم،  وملك يهوياكين ابنه عوضه 9 ابن ثماني سنين يهوياكين عند ملكه وثلاثة أشهر وعشرة أيام ملك بأورشليم . وطابق أنت هذه العبارات مع 2 مل 23،  36،  و 624 و 8 فإنه لو كان المراد كما يزعمه المتكلف هاهنا لكان نبيه ووحيه قد غلطا في قولهما إن يهوياكين ملك عوض أبيه،  بل كان عليهما أن يقولا ( معه ) وغلطا في قولهما إن يهوياكين ملك ثلاثة أشهر وعشرة أيام،  بل كان عليهما أن يقولا عشر سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام،  فلا يصح لسفر الأيام إلا أن يريد في جميع كلامه ملك يهوياكين الرسمي بعد أبيه . المقام السابع :

 في اختلاف كتب العهدين فيما بينها في التاريخ،  جاء في صموئيل الثاني 23،  8 هذه أسماء الأبطال الذين لداود،  يوشيب بشبث التحكموني رئيس الثلاثة هو هز قناته على ثمان مائة قتيل دفعة واحدة 9 وبعده العازرا ابن ددي ابن اخوخي 11،  وبعده شمة ابن اجي هاراري،  فاجتمع الفسطينيون جيشا وكانت هناك قطعة مملوءة عدسا . وجاء في الأيام الأول في هذا الموضوع 11،  11 وهذا عدد الأبطال الذي لداود ياشا بعام ابن حكموني رئيس الثوالث هو هز رمحه على ثلاث مائة قتيل دفعة واحدة 12،  وبعده العازرا ابن دودو الاخوخي 13 والفلسطينيون اجتمعوا هناك للحرب،  وكانت قطعة الحقل مملوءة شعيرا فاختلف الكتابان في نقل القصة الواحدة في أمور . 1 - يوشيب بشبث،  وباشبعام . 2 - التحكموني ابن حكموني .

 

                                       صفحة 115

 

 3 - ثمان مائة قتيل دفعة واحدة ثلاث مائة قتيل دفعة واحدة . 4 - ددي ابن اخوخي،  دودو الاخوخي . 5 - مملوءة عدسا،  مملوءة شعيرا . وحاصل ما عند المتكلف في هذه الورطة ثلاث دعاوى تزيد في الطنبور نغمة . 1 - إن العلم قد يكون مركبا من اسم فاعل وجار ومجرور فإن بشبث الرابض في مكانه . 2 - إن أحد النبيين ذكر 300 عدد المقتولين،  والثاني ذكر 800 عدد المقتولين مع الجرحى والهاربين . 3 - أن يكون العددان في حادثتين مختلفتين ( انظر يه 1 ج ص 184 و 3 ج ص 229 ) . فنقول :

 أولا :

 هب أن بشبث علم مركب،  ولكن ما وجه التوفيق بذلك بينه وبين يوشيب وبين باشبعام،  وما وجه التوفيق بين وصفه بالتحكموني وبين جعله ابن حكموني . وثانيا :

 إن كلا الكتابين قالا 300 و 800 قتيل دفعة واحدة ولفظ ذلك في الأصل العبراني في كلا الكتابين ( حالال ) وهو القتيل ( انظر تث 21،  1 و 3 و 6،  وا صم 31،  1 و 8،  و 1 أي 10،  8 ) فهل يقول المتكلف إن أحد النبيين جهل الحقيقة فعد الجرحى والهاربين من قسم القتلى،  ولعله يقول ذلك لكي يحامي عن كتبه المملوءة غلطا والتي لا تعرف الأنبياء ولا يعرف الأنبياء صورتها المستحدثة . وثالثا :

 إن كل من يفهم ما يقول وما يسمع وما يقرأ ليعلم أن المراد من صموئيل الثاني ( 23،  8 - 39 ) هو المراد من الأيام الأول ( 11،  10 - 47 ) كما يعلم أن العازار ابن ددي ابن اخوحى هو الذي قيل فيه العازار ابن دودو

 

                                       صفحة 116

 

 الاخوخي،  وأن العدس هو الذي قيل فيه شعير .

 

ص 116 :

 

وكما يعلم أيضا من صموئيل الثاني 23،  25 ( بان شمة الحروري ) هو المذكور في الأيام الأول 11،  27 ( شموت الهروري ) و ( حالص الفلطي ) 262 هو ( حالص الفلوني ) 27 و ( خالب ابن بعنة ) 29 هو خالد ابن بعنة 30 و ( هدى من أودية جاعش ) 30 هو ( حوري ) 32 و ( اخيام ابن شاراد الاراري ) 33 هو ( اخيام ابن ساكار الهرادي ) 35،  ولو قابلت ( 2 صم 23،  24 - 39 مع 1 أي 11،  26 - 47 ) لوجدت الاختلاف الفاحش في الأسماء،  مع أن المقامين متصديان لذكر أمر واحد،  ولا يخفى عليك أن هذا كله من الغلط الذي أشرنا إليه آنفا . المقام الثامن :

 في اختلاف الكتاب الواحد من العهد القديم،  جاء في الملوك الثاني ( 1،  17 ) أن اخزيا ابن اخاب ملك إسرائيل مات وملك عوضه أخوه يهورام ابن اخاب في السنة الثانية ليهورام ابن يهو شافاط ملك يهودا،  وجاء فيه أيضا ( 8،  16 ) وفي السنة الخامسة ليهورام ابن اخاب ملك إسرائيل ويهوشافاط ملك يهوذا ملك يهورام ابن يهوشافاط ملك يهودا وإذا كان يهورام ابن يهوشافاط قد ملك في السنة الخامسة لملك يهورام ابن اخاب فيكف يكون يهورام ابن اخاب ملك في السنة الثانية لملك يهورام ابن يهوشافاط،  ودع باقي المناقضات في الملوك الثاني،  وبينه وبين الأيام الثاني في تاريخ هذين الملكين ويهوشافاط،  ودع المترجمين يسقطون ويحرفون ما شأوا حيث لا يقبل منهم ولا يجديهم . وقد أدى بنا التطويل في هذا المقام إلى السأم،  وفي هذا الأنموذج كفاية،  وليس الغرض من هذا المقام هو الاستقصاء فإنه يحتاج إلى كتاب برأسه،  بل وليس الغرض بيان أغلاط المتكلف في كل ما أجاب به إظهار الحق،  ولعلما نستطرد في المباحث الآتية كثيرا من ذلك إن شاء الله . * * * فلنشرع بعون الله فيما هو المقصود في الفصل الرابع الذي قدمنا لأجله

 

                                       صفحة 117

 

 هذا التمهيد،  قال الله جل اسمه في سورة حم فصلت 8 ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين 9 وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين 10 ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين 11 فقضيهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) . واعترض المتعرب ( ذ ) 44 على هذه الآيات باعتراضين ( الأول ) زعمه أنه يتحصل من الآيات الكريمة المذكورة أن خلق الأرض والسموات كان في ثمانية أيام ( وذلك لمكان يومين وأربعمائة أيام ويومين ثم زعم أنه منقوض في سبعة مواضع من القرآن بما معناه أنه ( جل شأنه ) خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام لا ثمانية . قلت :

 لا يخفى أن الجبال جزء من الأرض التي خلقت في يومين وهي مخلوقة بخلق الأرض ولكن جرى التنصيص على ذكرها للامتنان بجعلها على الأرض لما فيها من الفوائد ودفع المضار،  كما أشرنا إليه في هذا الجزء صحيفة 39 - 41،  ولم يقل جل اسمه :

 ( وخلق فيها رواسي ) بل قال :

 ( وجعل فيها رواسي ) وذلك لئلا يتوهم أن خلق الجبال كان منفصلا عن خلق الأرض في اليومين،  بل لينبه على أن الجبال من المخلوق في اليومين،  وجرى التنصيص عليها للامتنان بحكمتها الظاهرة فيكون ذكر جعل الجبال بمنزلة الإعادة لذكر الخلق المتقدم في الآية الأولى،  لأن جعل الجبال كان من جملتها،  وهذا مما لا ينبغي أن يخفى،  فيكون قوله تعالى في الآية الثانية :

 ( وجعل فيها رواسي من فوقها ) بمنزلة قوله تعالى خلقها مع جبالها الراسية النافعة،  وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام،  فيكون اليومان داخلين في الأربعة فتتم فائدة التفصيل والبيان والتمجد بالقدرة والإمتنان بقوله تعالى :

 ( خلق الأرض في يومين ) وبيانه جل شأنه بقوله تعالى :

 إنه خلقها ( وجعل فيها رواسي وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ) . الاعتراض الثاني :

 هو أن الآيات المذكورة تدل على أن خلق السماوات

 

                                       صفحة 118

 

 كان بعد خلق الأرض،  فزعم أنه منقوض بقوله تعالى في سورة النازعات 27 ( ءأنتم أشد خلقا أم السماء بناها 28 رفع سمكها فسواها 29 وأغطش ليلها وأخرج ضحيها 30 والأرض بعد ذلك دحاها 31 أخرج منها مائها ومرعاها 32 والجبال أرساها 33 متاعا لكم ولأنعامكم ) قلت :

 منشأ توهم المتعرب في زعمه هذا أمران ( أحدهما ) توهمه أن قول الله جل شأنه :

 ( ثم استوى إلى السماء ) معطوف ومرتب على قوله تبارك اسمه :

 ( وبارك فيها وقدر فيها أقواتها ) وليس كما توهم،  بل إنه معطوف على قوله تعالى :

 ( خلق الأرض في يومين ) . ( وثانيهما :

 توهمه أن قوله تعالى :

 ( والأرض بعد ذلك دحاها ) بمعنى أنشأ خلقها،  وليس كما توهم،  بل إن معنى قوله تعالى :

 ( دحاها ) مهدها وأعدها للسكنى وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وأخرج منها مائها ومرعاها متاعا للناس ولأنعامهم .

 

ص 118 :

 

ولوا اعتمدنا على الهيئة الجديدة لفهمنا من قوله تعالى :

 ( دحاها ) أنه سخرها للحركة الأينية في الدوران على الشمس بعد أن خلق الشمس في جملة السماوات وأودع فيها القوة الجاذبة فيكون قوله تعالى :

 ( أخرج منها مائها ومرعاها ) حالا من الضمير البارز في ( دحاها )،  كما أنه يكون على المعنى الأول بدلا من قوله تعالى :

 ( دحاها ) . فيكون حاصل الآيات السابقة هو أن الله جلت قدرته خلق الأرض وأنشأها في يومين ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات في يومين،  وخلق الأرض وجعل فيها رواسي وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة تامة في العدد وإن كانت مفصولة بوقوع خلق السماوات بين خلق الأرض وبين البركة فيها وتقدير أقواتها . ومما يرشد من نفس الآيات إلى أن يومي خلق الأرض مفصولان عن يومي البركة فيها وتقدير أقواتها هو قوله تعالى :

 ( سواء للسائلين ) أي أربعة تامة العدد فيما يتعلق بالأرض وإن كانت مفصولة بخلق السماوات كقوله تعالى في

 

                                       صفحة 119

 

 سورة البقرة 192 :

 ( ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ) أي كاملة في العدد وإن كانت مفصولة بمدة الرجوع إلى الوطن . ( فإن قلت ) :

 فلماذا لم يجر البيان على نسق التكوين والتقدير،  ( قلت ) ليجري البيان والامتنان في النظام الأرضي في تكوينها وتقدير أقواتها مطردا في نسق واحد،  وينتظم فيه التقدير بأربعة أيام،  فإنه لا يخفى أن أذهان عامة البشر أقرب إلى الالتفات إلى تأثير النعم الأرضية في قوام حياتهم وقرار تعيشهم،  وأما النعم السماوية فلا يلتفت إلى حقيقة مداخلتها في ذلك بما لها من التسبيب إلا الخواص . ( فإن قلت ) :

 قد قدمت أن خلق الجبال كان في جملة خلق الأرض في اليومين قبل خلق السماوات . إذن فماذا تقول في قوله تعالى في السادسة من الآيات الأخيرة ( والجبال أرساها )،  أفليس ذلك يدل على أن خلق الجبال كان بعد خلق السماء،  ( قلت ) إن إرساء الجبال ليس بمعنى خلقها بل بمعنى تثبيتها وإعطائها قوة الثبات في محالها حينما تحتاج إلى ذلك بواسطة الصوادم أو حركة الأرض عند دحو الأرض وتقدير أقواتها إذ كان من ذلك أن أودع بقدرته في جوفها المواد البخارية والنارية السيارة لتوليد معادنها ونباتها وتصعيد مياهها،  فمنح الله الجبال قوة إرسائها فلا يزعزعها ويلاشيها ما قدر الله خروجه منها من المواد البخارية والنارية السيارة في جوف الأرض لكي تدوم بذلك حكمة خلقها كما أشرنا إليه في هذا الجزء صحيفة 40 - 41 وجعلها راسية عندما دحا الأرض بالحركة الوضعية أو الأينية فدبت فيها الحرارة السيارة وتوجهت إلى الخروج من الجبال،  أو لهذا ولأنها لا تنهال بواسطة الحركة وتتزعزع من مكانها وذلك إما بقوة كافية في ذلك كله،  أو بأن جعل في طبيعتها الميل إلى مركز الأرض كما تقوله الفلسفة القديمة أو بحبسها بإحاطة الهواء الثقيل المطلق كما يقال في الفلسفة الجديدة ( إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا )،  ولعل ما إلى نحو هذه الحركة يشير قوله تعالى في سورة النمل 90 ( وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون ) .

 

                                       صفحة 120

 

 واعترض المتكلف على الآيات السابقة من سورة فصلت أيضا فقال ( يه 2 ج ص 108 ) ومن طالع الإصحاح الأول من سفر التكوين وجد أغلاطا جمة في عبارة لقرآن . ففي اليوم الأول خلق الله النور وفي اليوم الثاني خلق الله الجلد وفي اليوم الثالث خلق الله الأرض وجعلها تنبت العشب وفي اليوم الرابع خلق الشمس وفي اليوم الخامس خلق الله الطيور والزحافات وفي اليوم السادس خلق الله البهائم والوحوش وغيرها وفي اليوم السابع خلق الله الإنسان،  كما هو مذكور بالتفصيل في الإصحاح الأول من سفر التكوين . قلت :

 ( أولا ) إن أردت أن تعرف حال التورية التي يعترض بها فانظر إلى ما ذكرنا في الصدر والتمهيد مع ما أشرنا إليه في الجزء الأول لكي تعرف ما هي عليه من تعدد مواليدها ومسمياتها،  ونشوءها،  وأحوالها،  وأسقامها وإنكار المفسرين المدققين لمضامينها وصراحتها،  وشهادة جملة من المفسرين بزيادتها ونقصانها،  وإعراض قارئيها ومترجميها عن صورتها المشوهة بالغلط والنقصان . ودع عنك ما ذكرنا في متفرقات الكتاب مما تتيقن منه بأن هذه الصورة الموجودة لا تعرف كليم الله موسى عليه السلام ولا يعرفها . ( وثانيا ) إن أردت تعرف مقدار معرفة المعترض فانظر إلى جهله بتوراته فإنها تقول :

 إن اليوم الثالث قال الله فيه :

 لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة،  وكان كذلك ودعى الله اليابسة أرضا،  ومجتمع المياه بحارا ( تك 1،  9 و 10 )،  وهذا لا يدل إلا على أن الأرض كانت مخلوقة موجودة ولكنها مغمورة بالمياه،  فأمر الله المياه أن تنحسر عنها لكي تظهر بعد الانغمار . وزيادة على ذلك أن توراته قد ذكرت قبل ذلك أن الأرض كانت خربة

 

ص 120 :

 

وخيالية،  وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرفرف على وجه المياه،  وقال الله ليكن نور،  ودعا الله النور نهارا والظلمة ليلا،  وهو اليوم الأول ( انظر تك 1،  2 - 6 )،  وهذا يدل على أن الأرض مخلوقة قبل خلق النور في اليوم الأول . وأن قوله وفي اليوم السابع خلق الله الإنسان إنما هو أيضا جهل بصراحة

 

                                       صفحة 121

 

 توراته في هذا المقام وغيره،  فإنها تقول إن الله خلق الإنسان في اليوم السادس ( تك 1،  26 - 31 )،  وأن الله تعالى فرغ في اليوم السابع واستراح من عمله ( تك 2،  2 و 3 ) وتقول في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحار وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع ( خر 20،  11 و 23،  17 ) . ( وثالثا ) إن أردت أن تعرف تنافي التوراة واضطرابها في المقام الذي يعترض به فاعرف ذلك أقلا من أربعة موارد :

 1 - قد تقدم أن توراته تدل على أن الأرض كانت خربة وخالية قبل خلق النور الذي حدث منه اليوم الأول وأنها في اليوم الثالث ظهرت من تحت الماء بسبب اجتماع المياه إلى مكان واحد،  وهذا مناف لقولها فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع . وقولها هذه تولدات السماوات والأرض عند خلقها ( تك 2،  1 و 4 ) فإنها لم تؤرخ خلق الأرض،  بل مقتضاها أن خلق الأرض قبل الستة أيام،  وقبل خلق النور الذي تميزت به الأيام . 2 - وإذا كان خلق الأرض هكذا وظهورها من الماء في اليوم الثالث وذكرت خلق السماء في اليوم الثاني،  فهذا معا مناف لقولها هذه تواليد السماوات والأرض عند خلقها بيوم عمل الرب الإله الأرض والسموات،  فكيف تجمع خلقهما بيوم واحد مع أنها تذكره في أيام متفرقة . 3 - ذكرت أن الله جلت قدرته في اليوم الأول خلق النور وفصل بين النور والظلمة ودعا النور نهارا،  والظلام ليلا وكان مساء وكان صباح،  وهذا مناف لقولها إن الله في اليوم الرابع خلق الأنوار لتفصل بين الليل والنهار ولتحكم على الليل والنهار وتفصل بين النور والظلمة ( تك 1،  4 - 19 ) . 4 - ذكرت أن الله أنبت العشب والبقل والشجر المثمر في اليوم الذي عمل فيه الأرض بأن أظهرها من تحت الماء وهو اليوم الثالث ( تك 1،  9 - 13 ) وهذا مناف لقولها كل شجر البرية لم يكن بعد في الأرض وكل عشب البرية لم ينبت بعد في الأرض،  لأن الرب الإله لم يكن قد أمطر على الأرض،  ولا كان

 

                                       صفحة 122

 

 إنسان ليعمل الأرض . فإن هذا الكلام يدل على أن نبات الشجر كان موقوفا على وجود الإنسان الذي يعمل الأرض،  وهي تذكر أن الإنسان لم يخلق إلا في اليوم السادس،  فأين قولها إن الشجر نبت في اليوم الثالث . هذا مضافا إلى كونها تذكر أن السماوات تفصل بين مياه ومياه من فوقها وتحتها ( تك 1،  6 - 8 ) مع أن المتكلف وقومه المعتمدين على الهيئة الجديدة يعدون هذا من الخرافات . وأيضا صريح هذا المقام أن الله خلق النور والسموات والشمس والقمر والكواكب والعالم الأرضي من نبات وشجر وحيوان هذا كله وفيما بين خلقه وبين خلق آدم خمسة أيام،  وقبل ذلك لم يكن،  وغالب قوم المتكلف يعدون هذا أيضا من الخرافات . أفبهذا الكتاب وهذه المعرفة وهذا المقام المتناقض المرفوض في مضامينه يعترض المتكلف على القرآن الكريم،  نعم ولعله بسبب هذه المعارف يتوقع من قومه مرتبة الأسقفية الكبرى . * * * وقال الله تعالى في سورة الحجر 27 :

 ( والجان خلقناه من قبل من نار السموم )،  وفي سورة الرحمن 14 ( وخلق الجان من مارج من نار ) . فقال المتكلف فيما قال ( يه 2 ج ص 82 ) والحق هو ما ورد في كتاب الله من أنه لا يوجد سوى الملائكة الأخيار والملائكة الأشرار أو أرواح طاهرة وأرواح شريرة،  ولا وجود لشئ يقال له جن،  فالاعتقاد بوجود جن هو من الاعتقادات الوثنية . قلنا :

 فاستمع لما في العهدين مما هو من هذا الذي نفي المتكلف وجوده وجعله من الاعتقادات الوثنية . ففي التوراة :

 لا تلتفتوا إلى الجان ولا تطلبوا التوابع فتتنجسوا بهم ( لا 19، 

 

                                       صفحة 123

 

 31 ) والنفس التي تلتفت إلى الجان والتوابع لتزني ورائهم اجعل وجهي ضد تلك النفس . وإذا كان في رجل أو امرأة جان أو تابعة فإنه يقتل ( لا 20،  6 و 27 ) لا يوجد فيك،  ولا من يسأل جانا أو تابعة،  ولا من يستشير الموتى ( تث 18،  10 و 11 ) . وفي تاريخ منسى ملك يهوذا أنه استخدم جانا وتوابع ( 2 مل 21،  6 و 2 أي 33،  6 ) . وانظر إلى حديث صاحبة الجان مع شاول ( 1 صم 28،  3 - 19 و 1 أي 10،  13 )،  وإسم الجان في الأصل العبراني ( اوب ) و ( اوبت ) واسم التابعة ( يدعني ) والتوابع ( يدعنيم ) . وأما العهد الجديد فقد ذكر أن الأرواح النجسة حينما نظرت المسيح خرت له وصرخت قائلة :

 أنت ابن الله ( مر 3،  11 )،  وصرخ الروح النجس قائلا :

 آه ما لنا ولك يا يسوع الناصري أتيت لتهلكنا أنا أعرف أنك قدوس الله فانتهره يسوع قائلا :

 اخرس واخرج ( مر 1،  23 - 25 ) واخرج شياطين كثيرة ولم يدع

 

ص 123 :

 

الشياطين يتكلمون لأنهم عرفوه أو لم يدعهم يقولون إنهم عرفوه ( مر 1،  34 ولو 4،  41 ) وإن الروح النجس والشياطين لما رأى المسيح قال :

 ما لنا ولك يا يسوع ابن الله أجئت إلى هنا قبل الوقت لتعذبنا،  وطلبوا منه أن لا يأمرهم بالذهاب إلى الهاوية وأن يأذن لهم بالذهاب إلى قطيع الخنازير فأذن لهم وذهبوا إليه ( انظر مت 8،  28 - 33 ومر 5،  6 - 14 ولو 8،  28،  34 ) . فانظر إلى الصفات التي أثبتها العهد الجديد للأرواح النجسة،  واعلم أنه كلما جاء في العهد الجديد المعرب في حديث الأرواح النجسة للفظ شيطان وشياطين فقد ترجموه بالعبرانية بلفظ ( شد،  وشديم ) فظهر لك من العهدين أن الجان المذكور في العهد القديم هو نوع الجان،  والروح النجس وشيطان وشد وشديم الواردة في العهد الجديد هم أشرار الجان،  وبذلك تعرف أنه قد أخطأ سايل ( ق ) ص 144 في قوله لا يختلف مذهب المسلمين في الجن عما يذهب إليه اليهود في نوع من الأرواح الخبيثة يطلقون عليه إسم ( شديم )،  وأما الشيطان

 

                                       صفحة 124

 

 الذي هو إبليس فقد ترجموه في العهد الجديد بالعبرانية بلفظ ( شطن ) كما جاء بهذا اللفظ في العهد القديم العبراني ( 2 صم 24،  1 وأي 1،  6 و 7 و 8 و 19 و 12،  و 2،  1 و 2 و 3 و 4 و 6 و 7 ومز 109،  6 وزك 3،  1 و 2 ) . وأما خلق الجان من نار فهو أمر ممكن ولا طريق لإثباته ونفيه إلا من جهة الوحي الإلهي وقد أخبر الوحي بحقيقة فلا مساغ لإنكاره خصوصا للنصراني،  فقد جاء في العهدين ما يخرس لسانه عن الاعتراض في ذلك ففيهما الصانع ملائكته رياحا،  وخدامه نارا ملتهبة أو لهيب نار ( مز 104،  4 وعب 1،  7 ) . فالقرآن الكريم ميز الجان من الملائكة،  وعين أن الجان هم المخلوقون من نار،  فبين بذلك ما اختلط في العهدين في إسم الملائكة فجعلا منهم من خلق من نار،  ومنهم أشرار ( مز 78،  49 )،  ومنهم من طرحوا في جهنم ( 2 بط 2،  4 ) مقيدين إلى يوم القضاء ( يه 6 ) . فالذين سماهم المتكلف تبعا لعهديه بالملائكة الأشرار والأرواح الشريرة هم قسم من الجان الذي يذكره القرآن الكريم . بيلي والمتكلف والأرواح النجسة ذكر إظهار الحق في الوجه الرابع عشر من الفصل الرابع من الباب الأول نقلا عن ص 323 من الكتاب المطبوع سنة 1850 م تصنيف ( بيلي ) من محققي البروتستنت ما لفظه،  ولا نقول في الأشياء التي هي أجنبية من الدين صراحة لكن يقال في الأشياء التي اختلطت بالمقصود اتفاقا قولا ما،  ومن هذه الأشياء تسلطن الجن،  والذين يفهمون أن هذا الرأي الغلط كان عاما،  في ذلك الزمان فوقع فيه مؤلفوا الأناجيل واليهود الذين كانوا في ذلك الزمان،  فلا بد أن يقبل هذا الأمر ولا خوف منه في صدق الملة المسيحية لأن هذه المسألة ليست من المسائل التي جاء بها عيسى بل اختلطت بالأقوال المسيحية اتفاقا بسبب كونها رأيا عاما في تلك المملكة وذلك الزمان،  وإصلاح رأي الناس في تأثير الأرواح جزءا من الرسالة ولا علاقة له بالشهادة بوجه ما إنتهى . والمتكلف لم يرتض ترجمة إظهار الحق لقول بيلي فترجمه هو يه 2 ج ص

 

                                       صفحة 125

 

 117 بقوله يلزم التمييز بينما كان غرض الدعوة الرسولية وبين ما كان أجنبيا خارجا عنها أو ما اتصل بها عرضا واتفاقا،  أما القضايا الخارجة عن الدين فلا لزوم إلى الكلام عليها،  غير أن القضايا التي اتصلت بها عرضا فيلزم الإشارة إليها فأقول من هذه القضايا تسلطن الأرواح النجسة،  أما من جهة حقيقتها فلا يمكنني الفصل في هذه القضية فإنه فوق طاقتي وضيق المقام يمنعني عن إيراد أدلة كل فريق في هذه المسألة،  والأمر الذي أريد التنبيه عليه هو أنه لو سلمنا بقول من ذهب إلى أن هذا الرأي كان شائعا في تلك الأزمنة وكان خطأ،  وأن كتبة العهد الجديد جاروا مؤلفي اليهود في ذلك العصر وتكلموا على هذه القضية حسب اصطلاحهم وعاداتهم وطرق مخاطباتهم وأفكارهم فلا يخشى من ذلك على صدق وصحة الديانة المسيحية،  فإن المسيح لم يأت بهذا التعليم في الدنيا بل إنه ظهر في النصوص المسيحية عرضا واتفاقا بصفة أنه كان رأيا موجودا في ذلك العصر وفي تلك البلاد التي كان يهدي الناس فيها ولم يكن من اختصاصات الوحي تنظيم وترتيب آراء الناس بخصوص تأثير الجواهر الروحية في الأجسام الحيوانية،  وعلى كل حال فلا ارتباط بينه وبين الشهادات الإلهية،  فإنه إذا أعيد للأخرس الأبكم قوة النطق والبيان فلا يهمنا معرفة سبب هذا الخرس،  فالمرض كان حقيقيا والشفاء كان واقعيا،  ولا يهم إذا كان توضيح الناس لهذا السبب حقيقيا أم لا،  وإنما الأمر الحقيقي الواقعي هو التغير الذي حصل للمريض على كل حال لأنه كان مشاهدا بالعيان لا يحتاج إلى برهان،  إنتهى بلفظه . قلت :

 ولم يحصل لي الأصل من كتاب بيلي لأعرف أي الترجمتين أصح ولكن القدر المتيقن منهما أن فريقا من النصارى ينكرون صحة ما في الإنجيل فيما شحنت به من أحاديث الأرواح النجسة وشؤونها مع المسيح،  ولهم على ذلك

 

ص 125 :

 

أدلة،  وأن كتبة العهد الجديد قد جاروا بها مؤلفي اليهود وتكلموا حسب عاداتهم وأفكارهم،  وأن ( بيلي ) لا يمكنه الفصل في حقيقة ذلك،  فإنه فوق طاقته . . . وليت شعري إذا كان بيلي نصرانيا يقول :

 بأن الأناجيل كتبها الرسل بوحي الروح القدس فلماذا لم يمكنه الفصل في هذه القضية،  وفي أي شئ

 

                                       صفحة 126

 

 تنفع كتب الوحي إذا لم تنفع صراحتها التي ملئت أطرافها في هذا الموضوع،  كيف لا وقد ذكرت الأناجيل بتكرارها أن الأرواح النجسة ترى وتخر للمسيح وتعرفه،  وتصرخ،  وتخاطبه،  وتخاف من إهلاكه لها،  وتتكلم،  وتسكت بأمره،  ويأمرها بأن لا تظهر أنها عرفته،  وتخاف من الذهاب إلى الهاوية،  وتستأذن منه لذهابها إلى قطيع الخنازير وتخبره أنها لجيون أي جماعة كثيرة فأذن لها،  وخرجت إلى الخنازير كما ذكرنا لك طرفا من ذلك،  وقد جعل كتبة الأناجيل هذه التفاصيل الضافية حجة وبرهانا لدعوة المسيح،  فقل لبيلي :

 وأولئك المنكرين إذا كان رسلكم الملهمون قد ملأوا أناجيلهم بهذه الحكايات المفصلة وهي أكاذيب لا حقيقة لها،  فماذا تكون العلامة على ما يصدقون فيه ؟ . وكيف لنا إذا بتصديقهم في حكايات شفاء المسيح للأمراض ؟ ومن أين نعلم أن المرض كان حقيقا والشفاء كان واقعيا ؟ وهم قد عنونوا حكايات المرض والشفاء بهذه الحكايات التي تقولون إنها أكاذيب،  وأي شئ يخشى منه على صدق الديانة المسيحية وصحتها أكثر من أن تكون كتب وحيها وقانونها الأساسي في حجتها وبرهانها وتعليمها قد ملئت بهذه الأكاذيب،  وإذ كانوا قد جاروا بها أفكار اليهود،  فبالحري أن يكونوا في باقي الأناجيل وكتب العهد الجديد قد جاروا أهوائهم وأهواء الأمم الذين حاولوا الترأس عليهم بوسيلة الرياسة الدينية كما يشهد لذلك العاشر والحادي عشر والخامس عشر من الأعمال،  وكثير من كلمات الرسائل المنسوبة لبولس . ومن أوهن الوهن إعتذار ( بيلي ) عن هذه الحكايات بقوله،  ولم يكن من اختصاصات الوحي تنظيم وترتيب آراء الناس بخصوص تأثير الجواهر الروحية في الأجسام الحيوانية،  فإن هذا الاعتذار إنما يخرج عن الغش والغلط لو لم تذكر الأناجيل من هذه الحكايات شيئا،  واعترض المعترض على كونها لم تصلح بتعليمها آراء الناس في وهم القول بتأثير الجواهر الروحية،  وأما على ما أطنبت بتكراره في هذه الحكايات فعلى زعمهم تكون قد أكدت فساد آراء الناس ولفقت من أوهامهم الفاسدة أكاذيب كثيرة جعلتها البرهان على صحة الديانة المسيحية وأساس تعليمها .

 

                                       صفحة 127

 

 فيا أيها الأخ المسلم لا يؤلمنك اعتراض المتكلف وأمثاله بأوهامهم على القرآن الكريم،  فإن نكاية أوهامهم على كتب وحيهم وأساس دينهم أشد وأشد ( شنشنة أعرفها من أخزم )،  ولا تنشدني قول الشاعر :

 ( لا تقل دارها بشرقي نجد * كل نجد للعامرية دار ) وإذ قد سمعت ما ذكرناه أولا عن العهدين فإنك تعرف ما في قول المتكلف،  ( فالاعتقاد بوجود جن هو من الاعتقادات الوثنية ) ولولا التحرج من سوء القالة لذكرنا شطرا مما قد أخذ من الاعتقادات الوثنية،  ولكنا قد كفينا مؤنة ذلك بالكتب التي أشار إليها في صدر كتاب الوثنية والنصرانية . وقال الله جل اسمه في سورة البقرة 28 :

 ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون 29 وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين 30 قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم 31 قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) . فاعترض المتعرب ( ذ ) 88 - 90 على هذه الآيات باعتراضات متعددة،  وكذا المتكلف ( يه 2 ج ص 10 و 11 )،  وربما اشتركا في الاعتراض فاكتفى بنسبته إلى أحدهما ورده،  وإن شئت فانظر إلى كلاميهما في كتابيهما . قال المتعرب إنه عنى بالخليفة آدم لكنه لم يقل لمن أراد أن يجعله خليفة وأنت تعلم أنه لم يكن على الأرض مخلوق قبله حتى يخلفه فيها ويلزم من هذا أن الله أراد أن يستخلفه عن نفسه . قلت :

 كان المتعرب افترى عليك بدعوى العلم بأنه لم يكن على الأرض مخلوق قبل آدم لأجل غروره بخرافة مذهب ( داروين ) أو بمضمون توراته الذي لا يقبله حتى الكثير من قومه وهي أن السماوات والأرض وما فيهن خلقت كلها فيما

 

                                       صفحة 128

 

 بين خمسة أيام قبل خلق آدم . ولكن لنا أن نجادله بكتبه ونقول له :

 إن توراتك لم تذكر أن خلق الملائكة كان بعد خلق آدم،  بل إما أن يكون في اليوم الثالث أو الرابع أو قبل ذلك،  فلماذا لا يكون آدم خليفة في الأرض بدلا عن الملائكة الأشرار،  والذين لم يحفظوا رياستهم وأخطأوا فلم يشفق الله عليهم،  بل طرحهم في جهنم بقيود أبدية إلى يوم الدينونة،  كما سيأتي عن كتبه،  وهذا كاف في دحض باطله، 

 

ص 128 :

 

وستسمع إن شاء الله اعلام الحق . وقال أيضا على النسق غير أنه تعالى لما عزم على خلقه نوى أن يجعله في الجنة يأكل منها رغدا ولو لم يعصمه لم يحبطه إلى الأرض ليكون خليفة فيها،  فقوله :

 إنه جاعله في الأرض خليفة وهو ينوي أن يجعله في الجنة فيه نظر،  وحاصل كلامه الاعتراض على جعله خليفة في الأرض مع إسكانه في الجنة ونهيه عما يسبب خروجه منها . قلنا ( أولا ) لنا أن نقول إن الله قال ذلك باعتبار سابق علمه بما يصير إليه أمر آدم في سكناه في الأرض . وقد أوضحنا لك في الجزء الأول ( صحيفة 90 - 91 ) أن آدم لم تصدر منه المعصية القبيحة المانعة لوظيفة الخلافة،  إن أريد بالخلافة معنى النبوة والرئاسة الدينية،  وأن الله بكل شئ عليم لا يغيب عن سابق علمه شئ،  و ( ثانيا ) لنا أيضا أن نقول :

 إن الجنة المذكورة كانت من جنان الدنيا،  كما جاء عن أهل بيت النبوة،  وذهب إليه جمع من المفسرين،  ولا حجة بقول بعض المفسرين على القرآن إذ قالوا إنها جنة السماء ولا دلالة في قوله تعالى :

 ( اهبطوا،  واهبطا منها ) لجريان هذا الاستعمال في الانتقال من مكان إلى مكان فقد قال تعالى في سورة البقرة 58 :

 ( إهبطوا مصرا ) بل هو استعمال متعارف حتى في التوراة إذ تقول :

 فانحدر ابرام إلى مصر ( تك 12،  10 ) انزلوا إلى هناك ( يعني مصر ) فنزل عشرة ( يعني إلى مصر )،  ( تك 24،  2 و 3 ) . وقال المتكلف في الاعتراض على الآية الأولى،  وهذه العبارة ناطقة بأن

 

                                       صفحة 129

 

 المولى سبحانه وتعالى استشار الملائكة في خلق آدم فاعترضوا عليه وهو خطأ فإن كتاب الله يعلمنا أن المولى سبحانه وتعالى غني عن ذلك،  ثم قال :

 فأقوال الوحي ناطقة بأنه لم يستشر ولن يستشير . قلنا :

 ليس هذا من الاستشارة في شئ،  فإن كل من يفهم الكلام يعلم أن الاستشارة لا تكون بمثل الإخبار المؤكد بهذا التأكيد،  وإنما هو تفضل منه تعالى بإعلام ملائكته بآثار حكمته وقدرته . وقد جاء في العهد القديم أن السيد الرب لا يصنع أمرا إلا وهو يعلن سره لعبيده الأنبياء ( عا 3،  7 )،  بل هو أبعد من الاستشارة ونحوها من قول التوراة،  فقال الرب :

 هل أخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله ( تك 18،  17 )،  وحاشا للقرآن الكريم كلام الله أن يجئ فيه مثل قول التوراة،  إن صرخة سدوم وعمورة قد كثرت،  وخطيئتهم قد عظمت جدا،  أنزل وأرى هل كصرختهم الآتية إلي علموا كلها وإلا فأعلم ( تك 18 و 21 ) . وإن أراد المتكلف أن يعرف الكلام الدال على نسبة الاستشارة والحيرة والضعف إلى الله جل شأنه فلينظر إلى العهد القديم الذي يقول :

 فاسمع إذن كلام الرب قد رأيت السيد الرب جالسا على كرسيه وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه ويساره فقال الرب :

 من يغوي اخاب فيصعد ويسقط في راموت جلعاد فقال هذا هكذا وقال ذاك هكذا فخرج الروح ووقف أمام الرب وقال :

 أنا أغويه فقال له بماذا ؟ فقال اخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه فقال :

 إنك تغويه وتقتدر فاخرج وافعل هكذا ( 1 مل 22،  19 - 23،  و 2 أي 18،  18 - 22 ) . والمتكلف يعظم العهد القديم المشتمل على أمثال هذه الخرافة الكفرية ويسميه كلام الله السميع العليم،  ثم يتقول على القرآن ببواعث هواه،  ويعترض عليه بجهله . ويقول :

 إن كتاب الله يعلمنا أن الملائكة هم خدامه المعصومون عن الخطأ والزلل،  أما عبارة القرآن فتفيد أنهم اقترفوا أربعة معاص،  كما قال علماء المسلمين .

 

                                       صفحة 130

 

 قلت :

 يا عجبا ولا عجب من مثل المتكلف والمتعرب فإن الذي يسميانه كتاب الله وكلام الله السميع العليم هو الذي يقول :

 إن الله ينسب إلى ملائكته حماقة ( أي 14،  18 ) . ويقول أيضا جيش ملائكة أشرار ( مز 78،  49 ) وأن الله لم يشفق على ملائكة قد أخطأوا بل في سلاسل الظلام طرحهم في جهنم وسلمهم محروسين للقضاء ( 2 بط 2،  4 )،  والملائكة الذين لم يحفظوا رئاستهم بل تركوا مسكنهم حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام ( يه 6 ) فأين تكون من كتابهم عصمة الملائكة،  وأن عبارة القرآن لا تفيد أن الملائكة اقترفوا أربعة معاص،  ولا قال بذلك علماء المسلمين،  فاستمع إلى ذلك :

 فإنه قال إن فيما حكاه القرآن من قول الملائكة إنكار على الله فيما يفعله وهو من أعظم المعاصي . قلت :

 ليس في هذا الكلام شئ من الإنكار على الله وإنما هو سؤال عن وجه الحكمة في خلقه للإنسان مع أنه قد ينبعث من بعض أفراده الفساد وسفك الدماء،  ولهذا أجابهم الله بقوله :

 ( إني أعلم ما لا تعلمون ) من وجوه الحكمة والصلاح في خلق هذا النوع وما سيظهر منه من قداسة الأنبياء والأولياء وحسن عبادتهم وإخلاصهم بالرغبة والاختيار المرغم لدواعي الهوى ووساوس الشيطان وبواعث الطبيعة البشرية،  ولو كان كلامهم اعتراضا على الله لقال لهم الله عالم الغيب والشهادة :

 ما أنتم والاعتراض على خالقكم القادر القاهر،  وإن شئت

 

ص 130 :

 

فقابل كلام الملائكة،  هذا مع ما تذكره التوراة عن قول إبراهيم لله جل شأنه :

 أفتهلك الصديق مع الأثيم عسى أن يكون خمسون صديقا في المدينة ؟ أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين صديقا الذين فيه حاشا لك أن تفعل مثل هذا الأمر لتميت الصديق مع الأثيم فيكون الصديق كالأثيم أديان كل الأرض لا يصنع عدلا ( تك 18،  23 - 26 )،  وقس أيضا كلام الملائكة مع ما تذكره التوراة في قولها فرجع موسى إلى الرب وقال :

 يا سيد لماذا أسأت إلى هذا الشعب ؟ لماذا أرسلتني ( خر 5،  22 ) فقال موسى للرب لماذا أسأت إلى عبدك ؟ ولماذا لم أجد نعمة في عينك حتى أنك وضعت ثقل جميع هذا الشعب علي،  العلي

 

                                       صفحة 131

 

 حبلت بجميع هذا الشعب أو لعلي ولدته ( عد 11،  11 و 12 ) ونادى ( أي إيليا ) إلى الرب وقال :

 أيها الرب إلهي أيضا إلى الأرملة التي أنا نازل معها أسأت بإماتتك ابنها ( 1 مل 17،  20 )،  ودع عنك ما ينسبه سفر أيوب إلى أيوب وحاشاه من عظائم الكفر في الاعتراض على الله ككونه جل شأنه نزع حق ولفق فوق إثمه حتى طلب المحاكمة معه،  فراجع الأقوال المنسوبة إلى أيوب وحاشاه . وقال المتكلف :

 إن الملائكة في كلامهم هذا قد اقترفوا الغيبة في حق من يجعله الله خليفة بأن ذكروا مثالبه . قلت :

 المراد من قول الله جل شأنه :

 ( إني جاعل في الأرض خليفة ) هو إخبار الملائكة بخلق جنس البشر،  إما لأنهم يخلفون من كان قبلهم في الأرض من خلق الله،  أو لأن أصلهم وداعيهم إلى الله وهو آدم خليفة عليهم ومؤدب لهم على الطاعة،  فاقتضى الحال أن الملائكة يسألون عن وجه الحكمة في خلق هذا النوع مع أنه يكون فيه من يفسد ويسفك الدماء . فلم يقصدوا بذلك جميع النوع البشري ولا خصوص أصلهم وداعيهم إلى الله،  فليس في قولهم هذا شيئا من الغيبة المحرمة بالعقل أو الشرائع،  فإنهم لم يعنوا بما قالوه شخصا معينا أو أشخاصا معينين،  بل قالوا ذلك لما علموه من الله بأن الجنس البشري تقتضي طبيعته أن يكون فيه من يفسد ويسفك الدماء،  فهم لم يقصدوا بما قالوه إلا العنوان الكلي مبهم المجمل بمقتضى الإبهام في تأثير اقتضاء الطبيعة البشرية الذي يجوز على كل واحد من البشر مع فرض عدم المانع ويمتنع عن كل واحد مع وجود المانع،  وهذا ليس من الغيبة في شئ فإنه إذا قال شخص إن في جنس البشر من يكون فاسقا لم يقل عاقل أو متشرع بأن هذا الشخص قد اغتاب،  بل لا يتأثر من كلامه أحد من البشر حتى الفساق في نفس الأمر وذلك لأنه لم يوجه باللفظ قصده حتى بمعونة القرائن إلى ذات معينة،  أو جماعة معينين أو محصورين . فكذا قول الملائكة فإنهم قصدوا أمرا طبيعيا،  هذا مضافا إلى أن الملائكة لو قصدوا أناسا معينين من المتهتكين بالفسق والفجور الهاتكين بفسادهم

 

                                       صفحة 132

 

 لأستارهم لم يكن مثل ذلك من الغيبة المحرمة القبيحة أصلا،  مضافا إلى أن شريعة تحريم الغيبة من العقل والشرع إنما هي شريعة إصلاحية اجتماعية تمد الستر فيما بين البشر وتمنع ما يضر بالاجتماع البشري،  فلا يجري حكمهما مع الملائكة خصوصا إذا ذكروا شيئا من فسق الفساق تنفرا منه واستقباحا له،  فهل يقول عاقل أو متشرع بأنك اغتبت وفعلت حراما إذا شكوت إلى الله ظالمك وذكرت له ظلمه،  وإذا ذكرت لله فسق الفاسق ليغفر له أو ليهديه أو لينتقم منه . وليت شعري إذا كان المتكلف يجعل قول الملائكة من الغيبة المحرمة،  فماذا يصنع بكتابة العهد الجديد،  فإنك تقدر أن تؤلف منه من الكلام المنسوب للمسيح والتلاميذ كتابا بقدر الإنجيل أو أكثر كله في غيبة الكتبة والفريسيين وبني إسرائيل والمسيح والتلاميذ ومريم المجدلية وجماعة من المؤمنين بالمسيح . وقال المتكلف في كلامهم ( أي الملائكة ) :

 العجب وتزكية النفس بذكر مناقبها . قلنا :

 لم يكن الغرض من بيان تسبيحهم وتقديسهم هو الافتخار به،  ولكن ضرورة السؤال عن وجه الحكمة في خلق البشر اقتضت ذكره،  وليس هذا من العجب وتزكية النفس خصوصا حال كونهم أزكياء معصومين لا يعصون الله ولا يفرطون في وظائفهم من العبادة،  ولئن كان هذا من العجب وتزكية النفس الممقوتة،  فماذا يقال في القول المنسوب للمسيح بعد الذم للرعاة أنا باب الخراف أنا الراعي الصالح،  أما أنا فإني الراعي الصالح ( يو 10،  7 - 15 ) مع أنه أنكر على من سماه صالحا وقال له :

 لماذا تدعونني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد هو الله ( انظر مت 9 ومر 10 ولو 18 )،  وماذا يقال في القول المنسوب لداود يكافأني الرب حسب بري حسب طهارة يدي يرد علي لأني حفظت طرق الرب ولم أعص إلهي لأن جميع أحكامه أمامي وفرائضه لا أحيد عنها ( 2 صم 22،  21 - 24 ) . والأقوال المنسوبة إلى بولس في الافتخار بالأعمال والمراتب العالية وإن

 

                                       صفحة 133

 

 امتزجت في الأثناء بالتصوف البارد والتواضع السخيف ( فانظر إلى الإصحاح السادس والحادي عشر والثاني عشر من كورنتوش الثانية ) .

 

ص 133 :

 

وقال المتكلف :

 وفيه أيضا ( أي في كلام الملائكة ) إنهم قالوا ما قالوه من نسبة الافساد والسفك رجما بالظن وإلا شاركوا المولى سبحانه وتعالى في علم الغيب . قلنا :

 لا هذا ولا هذا بل قالوه بعلم موهوب لهم من الله جل شأنه . وقال المتكلف ( يه 2 ج ص 12 ) إن القرآن نسب إلى المولى تعجيز الملائكة بطريق الاحتيال . قلت :

 لا يدل سوق القرآن على إرادة تعجيز الملائكة،  بل إنما يدل على أن الله بين لهم الحكمة في خلقه لنوع البشر على لسان آدم ببيان من يخلق من ذريته من الأنبياء والأولياء . وحاصل ذلك أن الله جل اسمه تفضل على ملائكته بإعلامهم بأنه جاعل في الأرض خليفة،  فاستفسروا عن وجه الحكمة في ذلك وإن كانوا يعلمون إجمالا أن الله هو العليم الحكيم . فأبان جل شأنه لهم وجه الحكمة على لسان آدم وخصه بذلك تكريما له تنويها بارتفاعه هو وكثير من بنيه عن النقائص العارضة للطبيعة البشرية من آثار الشهوة والغضب ( وعلم آدم الأسماء كلها ) أسماء ذريته من الأنبياء والأصفياء بما يكونون عليه من القدس والطهارة والطاعة لله والجهاد في سبيله وتحمل الأذى والمتاعب الشديدة في إرشاد عباده وإعلاء دعوة الحق وحسن صبرهم ورضاهم فيما يلقونه من الاضطهاد في الدعوة إلى الحق والصلاح كل،  ذلك بالطوع والرغبة على رغم الشهوة والغضب المودعين في الطبيعة البشرية ( ثم عرضهم ) أي هؤلاء الصفوة وهم أشباح نورانية ( على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ) وما هم عليه من صفات القدس والكمال الاختياري ( إن ) ادعيتم العلم و ( كنتم صادقين ) في دعواه ( قالوا سبحانك ) تقدست عن الشريك والشبيه،  لك العلم وحدك لا شريك لك و ( لا علم لنا إلا ما علمتنا أنك أنت العليم ) بالغائبات ( الحكيم )

 

                                       صفحة 134

 

 فيما تفعل،  ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) وما هم عليه من الكمالات القدسية الباهرة الباهظة لشهوات الطبيعة البشرية الكاسرة لثورات غضبها ( فلما أنبأهم بأسمائهم ) واتضح للملائكة وجه الحكمة في خلق النوع الإنساني ( قال ) جل شأنه :

 ( ألم أقل لكم ) وأعلمكم ( إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) ومن كان له هذا العلم لا يفوت حكمته شئ من الغائبات عنكم . هذا ملخص ما جاء عن أهل بيت النبوة في تفسير الآيات،  وهل تراه ناظرا إلى تعجيز الملائكة،  وإذا حطت خبرا بما قلناه تعرف شطط المتعرب فيما قاله في هذا المقام فإنه شريك المتكلف في اعتراضاته . وقال الله تعالى :

 ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ) . فاعترض المتكلف ( يه 2 ج ص 12 ) بأن القرآن نسب إلى الله جل اسمه أنه أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم وحاشا لله القدوس أن يأمر بالسجود لغير ذاته العلية،  قال في سفر الخروج ( 34،  14 ) لا تسجد لإله آخر،  وكتاب الوحي الإلهي يحرم السجود لغير المولى من المخلوقات مهما كانت درجتهم . قلنا :

 لنا أن نقول إن المحرم إنما هو سجود العبادة لا سجود التحية والإكرام،  وسجود الملائكة لآدم كان من القسم الثاني،  وتوراة المتكلف إنما نهت عن القسم الأول لقولها لا تسجد لإله آخر ومعناه لا تسجد لشئ غير الله بعنوان السجود للإله والعبادة له،  ولا حجة من كتب المتكلف على تحريم السجود لغير الله إذا كان بعنوان التحية والإكرام،  بل في كتب المتكلف حجة على جوازه كما يستنتج ذلك منها من مقدمتين :

 ( الأولى ) سجود الأنبياء لغير الله،  و ( الثانية ) أن عمل الأنبياء حجة على جواز ما يفعلونه . أما المقدمة الأولى :

 فقد ذكرت أن إبراهيم خليل الله سجد لشعب الأرض بني حث مرتين ( تك 23،  7 و 12 ) وقد كان هؤلاء غير مؤمنين . وسجد يعقوب النبي لعيسوا سبع مرات إلى الأرض،  وسجد أيضا نسائه وأولاده ( تك 33،  3 - 7 ) .

 

                                       صفحة 135

 

 وموسى كليم الله خرج لاستقبال حميه فسجد وقبل له،  وفي الأصل العبراني ( ويشتحوا ويشق - لو ) ( خر 18،  7 ) . وسجد داود النبي ثلاث مرات لما ودع ناثان ابن شاول ( 1 صم 20،  21 ) وسجد لشاول ( 1 صم 24،  8 وسجد ناثان النبي لداود النبي ( 1 مل 1،  23 )،  وسجد سليمان النبي لأمه ( 1 مل 2،  19 ) . وزيادة على ذلك أن يوسف سجد أمام وجه يعقوب ( تك 48،  12 ) وسجدت ابيجايل لداود ( 1 صم 5،  23 )،  وكذا بثشبع ( 1 صم مل 1،  16 ) ولم يذكر أن هذين النبيين منعا عن السجود لهما . وأما المقدمة الثانية فإن الأناجيل تذكر أن اليهود اعترضوا على المسيح بأكل تلاميذه من الزرع في يوم السبت وهو محرم فاحتج على جواز ذلك بأكل داود من خبز التقدمة الذي لا يحل إلا للكهنة ( مت 12،  1 - 9 ومر 2 ولو 6 ) . أم تقول :

 دعنا من احتجاج المسيح،  فإن هؤلاء الأنبياء كلهم قد عصوا وأخطأوا في هذا السجود لغير الله وإن كان بعنوان التحية والإكرام لا بعنوان العبادة . إذا فلماذا لم تتعرض كتب وحيكم لتوبيخهم على ذلك لا تصريحا ولا تلويحا ولا إشارة ؟ . ولنا أن نقول :

 إن سجود الملائكة كان شكرا لله وتمجيدا له على خلقه

 

ص 135 :

 

لآدم أبي الأنبياء والأصفياء والأولياء لأجل ما لهم من عظيم الشأن وشرف المنزلة،  فيعود السجود الذي هو لله بالتكريم والتبجيل لآدم،  ولأجل ذلك نسب السجود لآدم باعتبار غايته المطلوبة،  وليس كذلك ما يذكره العهد القديم في سجود إبراهيم ومن ذكرناهم من الأنبياء . فتدبر ما قلناه،  وراجع كلام المتكلف،  وقل ما شئت في تمجيده على معرفته وأمانته . * * *

 

                                       صفحة 136

 

 وقال الله تعالى في سورة الأعراف فيما اقتص من حديث آدم وحواء وأكلهما من الشجرة 21 ( وناديهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين 22 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) . فاعترض المتكلف ( يه 2 ج ص 46 ) على ذلك بمخالفته لما في توراته ( تك 3،  8 - 20 ) . وعلى قوله تعالى :

 ( ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ) وعلى حكايته جل اسمه لقول آدم وحواء :

 ( ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين )،  ثم ذكر المتكلف كلام توراته في ذلك الشأن،  ولكن شذ به هذبه،  وأنى له . فلننقله بنصه وهو قولها في آدم وحوا فسمعا صوت الإله متمشيا ( عب متهلخ ) في الجنة عند ريح النهار فاختبأ آدم من وجه الرب الإله في وسط شجر الجنة فنادى الرب الإله آدم وقال :

 أين أنت ؟ فقال سمعت صوتك في الجنة فخشيت لأني عريان فاختبأت فقال :

 من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها . ولعل المتكلف أنكر على مضمون القرآن دلالته على أن الله العليم علم بأكل آدم وحوا من الشجرة بعلمه الذي لا يغيب عنه الشئ بدون استعلام واستخبار،  والمتكلف لا يرضى بذلك،  لأنه توارته تدل على أن الله جل اسمه ( واستغفره ) يحتاج إلى الاستعلام من آدم بقوله جل شأنه أين أنت من أعلمك هل أكلت ؟ ولا يرضى المتكلف من القرآن إلا أن يقول ( متمشيا في الجنة عند ريح النهار ) لكي يفهم القارئ أن ذلك المشي لأجل الاستراحة والتنفس في طيب الوقت وصفاء الجنة،  وأن آدم وحوا ( سمعا صوت الإله متمشيا ) لكي يفهم القارئ أنهما سمعا وطئ الأقدام أو ترنم الطرب في التمشي،  وأن آدم اختبأ لكي يتأكد مضمون هذه التجسيمات بأن آدم كان يعرف أن الاختباء بشجرة الجنة يستره عن الله جل شأنه،  ولأجل هذا سأله أين أنت،  من أعلمك ؟ هل أكلت .

 

                                       صفحة 137

 

 ولكن ليعلم المتكلف فيسخط أو يرضى أن القرآن يعد حقائق هذه الكلمات كفرا وإلحادا وجحودا لله إله الحق،  ويعد مجازاتها جهلا وضلالا،  ويسعد بذلك التوراة الحقيقية في استغاثتها من ذلك . وأما عدم ذكر التوراة الرائجة لتوبة آدم فذلك لعادة رباها عليها آباؤها وكاتبوها في أنهم يذكرون خطايا الأنبياء ولا يذكرون توبتهم،  فهل يراها المتكلف ذكرت توبة نوح كما يزعم مما ذكرته ( تك 9،  21 )،  أو توبة إسحاق مما ذكرته ( تك 26،  7 )،  أو توبة يعقوب مما ذكرته ( تك 27،  18 - 35 ) أو توبة موسى مما ذكرته ( خر 4،  10 - 14،  و 5،  22،  و 32،  وعد 11،  11 - 15 )،  أو توبة هارون مما ذكرته ( خر 32،  1 - 7 )،  أم يقول المتكلف :

 إن هؤلاء ما تابوا ولكن تساهل الله معهم فأبقاهم على وظيفة النبوة ولوازم القداسة،  حاشا لله القدوس الحكيم العليم من ذلك سبحانه وتعالى شأنه . ب ب ب وقال الله تعالى في سورة الأعراف 189 و 190 :

 ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) ( الآيات )،  وقد ذكرناهما في الجزء الأول وذكرنا في شأنهما ما يبطل تشبثات المتكلف لأوهامه ( يه 1 ج 11 و 2 ج ص 93 و 94 ) فانظر إلى الصحيفة 93 - 94 . * * * وقال الله تعالى في سورة المائدة 30 :

 ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين 33 فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين 34 فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه فقال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة فأصبح من النادمين ) . فقال المتكلف ( يه 2 ج ص 43 ) وقول القرآن :

 إن الغراب علم قايين كيفية دفن أخيه مأخوذ من خرافات اليهود القديمة،  وهل يتصور أن قايين كان يجهل هذا الأمر،  وكان يرى مدة حياته الذبائح تقدم لله،  وهل يعقل أنه لم ير

 

                                       صفحة 138

 

 في مدة حياته الطويلة أن دفن الطير أو الحيوان ومواراته في التراب يكون واقيا في الأرض وقد آتي الله الإنسان عقلا به يعقل . قلت :

 لماذا لا يتصور أن قابيل كان يجهل دفن الموتى وقد كان لم ير ميتا ولا دفنا،  ومن قال :

 إن الذبائح التي كانت تقدم لله كانت تدفن،  ومن يقول إن قابيل رأى في مدة حياته إلى حين قتله لهابيل من يدفن الطير،  وما الغاية في فن الطير أو الحيوان،  ومن فعل ذلك وبمقتضى التوراة أن قابيل كان إذ ذاك رابعا لثلاثة من البشر آدم،  وحوا،  وهابيل،  وأن هذه الواقعة حدثت قبل أن يولد

 

ص 138 :

 

شيث،  وقبل أن يمضي من العمر لآدم مائة وثلاثون سنة فانظر ( تك 4 و 5،  3 ) فهل يكون عمر قابيل حينئذ ثلاثمائة أو أربعمائة سنة بين ألوف من البشر المتمدنين،  وقد دربته الدنيا بحوادثها وتربى في المكاتب ليكرس نفسه مبشرا لأهل نحلته ولو كان كذلك وكان معتضدا بجماعة من المرسلين الأمريكان لجوزنا في عقله عدم الوصول إلى ما لم يره ولم يحدث في الدنيا،  فإنا نرى من الناس من شذت عقولهم وأبصارهم عما هو نصب أعينهم في كتبهم التي يدرسونها ويعتمدون عليها ويدعون إليها،  ولا نزيدك غير ذلك . وقال المتكلف في هذا المقام ( ص 42 ) ثم إن مراعاة القرآن السجع مقدمة على الحقائق فقال قابيل لأنه على وزن هابيل . قلت :

 ليس في القرآن الكريم ذكر للفظ قابيل أو هابيل،  والمتكلف في أغراضه وشؤونه معذور في ذلك،  ولا تبخل بالعذر أيضا على المرسلين الأميركان الذين طبع كتابه بمعرفتهم . * * * وذكر الله جل جلاله في سورة هود 27 - 39 نحوا من شأن نوح وقومه في دعوته ونصحه لهم وتمردهم وطغيانهم على دعوة الحق . فاعترض المتكلف على ذلك ( يه 2 ج ص 65 ) بقوله :

 لم يرد في كتاب الوحي الإلهي خبر عن هذه المجادلة،  ولم يرد في التوراة أن أراذل الناس اتبعوا نوحا .

 

                                       صفحة 139

 

 قلت :

 إن من منحه الله شيئا من الفهم والشعور ليعلم من العادة وفلسفة الحقائق أن النبي الذي يقيم في دعوة الحق والوعظ والنصيحة مئات من السنين بين قوم كفرة متجبرين،  ويجزم يقينا إن شأن هذا النبي لا ينقضي مع قومه بالصمت والسكوت بل لا بد فيه من المكالمات الكثيرة،  والرد والبدل،  والدعوة والجحود،  والوعظ،  والهزء،  والنصيحة والسخرية . والاحتجاج والجدال،  والبرهان والمكابرة،  والحجة والعناد،  وليس هذا المقام مما قال فيه الشاعر :

 حواجبنا تقضي الحوائج بيننا فنحن سكوت والهوى يتكلم أفلا ترى أن مدير القرية إذا أراد أن يبدل فيها قانونا واحدا عموميا،  أو يؤسس هذا القانون الواحد كم يحدث فيها من الانقلاب والمجادلات والمكالمات،  فما ظنك بدعوة النبي إلى التوحيد والصلاح،  وماذا ينبغي أن يصدر من العتاة في رد الدعوة الدائمة والنصح المستمر من النبي الأمين في الدعوة،  المجاهد في سبيل الله،  وما يبدر منهم ليحافظوا على وثنيتهم وعوائد ضلالهم،  فأعرني رشدك لحظة وانظر في التوراة الرائجة التي سلكت في قصصها مسلك التاريخ الساذج،  فهل تراها ذكرت في شأن نوح وقومه ما يليق بحوادث يوم واحد في الدعوة والوعظ وجوابهما،  وهل ذكرت في هذا الشأن إلا أن أبناء الله رأوا بنات الناس حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء،  فقال الرب :

 لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد تكون أيامه مائة وعشرين سنة . كان في الأرض طغاة في تلك الأيام وبنات الناس ولدن الجبابرة،  ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر،  فحزن الرب أن عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه فقال :

 امحو عن وجه الأرض الإنسان الذي خلقته مع البهائم والدبابات وطيور السماء لأني حزنت أني عملتهم،  وأما نوح فوجد نعمة في عيني الرب وفسدت الأرض وامتلأت ظلما،  فقال الله لنوح اصنع فلكا إلى آخره،  هذا ما في التوراة في شأن نوح وقومه مع حذف التكرار والفضول فانظر ( تك 6،  1 - 14 ) . ومع هذا فهل يحسن من أقل العقلاء أن يقول :

 إن هذه هي تمام

 

                                       صفحة 140

 

 الحوادث في أيام نوح وشؤون دعوته ووعظه ونصحه لقومه،  ولم يصدر كلام لا من نوح ولا من قومه لا في الدعوة ولا في الجحود،  ولا في الوعظ ولا في الاصرار،  ولا في النصح ولا في العناد،  فلم يوبخهم نوح ولم يضجروا منه ولم يجادلوه ولم يستهزؤا به . حتى أن من نقل من ذلك شيئا يقول له المتكلف اسكت فإن التوراة لم تذكر من ذلك شيئا مع أنها أطنبت في بيان حزن الله وتأسفه في قلبه . . أين العقول ؟ أين الرشد ؟ أين الأدب ؟ . فهل تراب ذا أدب يقدر أن يرد بالتوراة تاريخا من التواريخ إذا ذكر سيرة طويلة في تاريخ نوح من قومه في دعوته،  نعم له في قانون الأدب أن يطالب المؤرخ بمستند ما يذكره . وأما رده بأن التوراة الرائجة لم تذكر ذلك فإن الأدب والأديب والفهم والفاهم لينكرونه،  أي إنكار،  ويهتفون مع المؤرخ في قوله وما على الحقائق إذا كان توراتكم الرائجة،  وحاشا الحقيقة خرساء في هذا الشأن إلا عن ذكر حزن الله وتأسفه في قلبه . والمتكلف يعترض على القرآن كلام الله بإهمال توراته للحقائق اللازمة إذا ذكر بعضها حسب مقتضى الحال في مقام الوعظ والتذكير والحجة كما هو شأنه لا سفاسف السيرة وخرافات الاعتقاد وفضائح الأنبياء والأولياء . نعم للمتكلف أن يطالب بالحجة على كون القرآن كلام الله لكي يتيقن بحقيقة ما يذكره ولكنه هوى به عاصف الهوى عن ذلك في مكان سحيق . وبما ذكرنا تعرف شططه أيضا في قوله ولم يرد في التوراة إن أراذل الناس اتبعوا نوحا،  كما تعرف أن حجته على إنكار ذلك بقول التوراة إن الله أغرقهم بالطوفان إنما هي حجة واهية .

 

ص 140 :

 

فإنا لو خطر في خيالنا الاعتماد على التوراة الرائجة لقلنا :

 يجوز أن يكون هؤلاء الصفوة الأفاضل الذين سماهم الطغاة بالأراذل لم يدركوا زمان الطوفان بل ماتوا بآجالهم أو أماتهم اضطهاد الكفر،  فإن الدعوة والأيمان والطوفان لم

 

                                       صفحة 141

 

 تكن حادثة يوم وليلة،  بل استمرت الدعوة مئات من السنين حتى جاء أمر الله بالطوفان . غرق ابن نوح في الطوفان وقال الله تعالى في سورة هود 44 :

 ( ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين 45 قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين 47 ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين 48 قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) . والمتكلف ( يه 2 ج ص 66 ) ينكر هذا كله تشبثا بغمغمة توراته الرائجة في تاريخها المدمج وسيرتها البتراء . وقد اعترض ( ص 65 ) على بعض المفسرين في تسميتهم لابن نوح المشار إليه بكنعان وقال هذا غلط مبين،  وأظن ذلك لكون توراته تذكر أن ابن حام ابن نوح اسمه كنعان،  فكان المتكلف يقول :

 إن كنعان ابن حام أخذ امتيازا بهذا الاسم من أول الدنيا،  فلم يقدر نوح أن يتعدى قانون الأسماء ليسمي ابنه كنعان،  فيا لهفاه على الأدب على أن ذلك لا يمس القرآن في شئ . واعترض أيضا على قول نوح ( رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ) وافترى على القرآن بنسبة التأوه لنوح . ثم صار يتبجح بما يذكر كتابه عن عالي لما أخبر صموئيل بما يحل بولديه لأجل شرهما وما يحل ببيته من البوار حيث قال :

 هو الرب ما يحسن في عينيه يعمل،  وصار يطالب نوحا بما يزعمه من تسليم عالي لأمر الله حسب عادة الأتقياء . قلت :

 قد قدمنا لك في الجزء الأول صحيفة 95 - 96 أنه ليس في قول نوح اعتراض على الله،  ولا منافاة للتسليم لإرادته وإنما استفهم عن حقيقة

 

                                       صفحة 142

 

 الوعد السابق بنجاة أهله فقال :

 إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق،  وعقب سؤاله بالاذعان بالحكمة والرضا والتسليم . ولو أن المتكلف يشعر بما قرفت به كتبه كبار الأنبياء لما تعرض للافتخار بتسليم ( عالي ) الذي ليس بنبي،  ولكنه كأنه لا يدري لكي يتحذر من أن يقول له نقاد الأدب وزعماء البحث إذن فكيف تقول كتبكم إن موسى كليم الله يقول لله :

 لماذا أسأت إلى هذا الشعب ؟ لماذا أسأت إلى عبدك ؟ وأن ايليا يقول أ إلى الأرملة التي أنا عندها أسأت أيضا بإماتتك ابنها،  وأن ارميا النبي يقول يا أيها السيد الرب حقا إنك خداع خادعت هذا الشعب وأورشليم قائلا يكون سلام وقد بلغ السيف النفس،  وأن المسيح يقول وهو على الصليب إلهي إلهي لماذا شبقتني ( أي تركتني ) ؟ ولماذا شحن كتاب أيوب بنسبته لأيوب كلمات الجزع والاعتراض على قضاء الله إلى حد الكفر . وقال الله جل اسمه في سورة العنكبوت 13 :

 ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ) . فاعترض المتكلف على ذلك ( يه 2 ج ص 102 ) بأن التوراة تقول إن عمر نوح هو 950 سنة من دون زيادة ما قبل الرسالة وما بعد الطوفان كما يقتضيه القرآن . قلت :

 قد ذكرنا لك في تتمة الصدر مبلغ اعتبار التوراة السبعينية في الأمة اليهودية وعلو شأنها في الملة النصرانية،  بل كانت هي الشاهد لها في الدعوة وبشارة الرسالة،  كما أن النسخة العبرانية عندهم هي الأصل المعتمد والسند والمستند،  وبذلك تكون النسختان متكافئتين في الاعتبار متزاملتين عندهم في محمل الصحة على اسم التوراة الواحد ومعناها المتحد،  فنقول :

 إذن إن التوراة بهاتين النسختين وذاتها بهذين الزيين أو الزينتين قد اضطربت وتلونت في مقادير العدد وألفاظه في التاريخ والشريعة أفحش اختلاف،  كما ذكرنا لك في أعمار الآباء وعمر اللاوي في خدمة المسكن،  وزد على ذلك مخالفة النسخة السامرية التي قال جمع من محققي النصارى ومفسريهم بصحتها واعتبارها،  دع عنك هذا كله ولكن النسخة العبرانية قد ذكرنا لك اضطرابها في التاريخ ومقادير السنين

 

                                       صفحة 143

 

 على وجه بينا لك في تتمة الصدر أنه كلما رام المتكلف أن يصلحه بمعونة معرفة المرسلين الأميركان فلم يستطع إلا مواساة توراته في الاضطراب والاختلاف . فقل للمتكلف :

 أبهذه التوراة ذات النشؤ المجهول والكاتب المغلاط تريد أن تعارض القرآن الكريم ؟ لا،  ولا واحدا من كتب التاريخ،  أيها المتكلف ألم يسمح أدبك أو إنصافك أن تجعل القرآن بمخالفته للتوراة الرائجة في صف النسخة السبعينية إذ كان يرتلها المسيح عليه السلام،  كما تقولون في خطابه ويدرسها الرسل والقدماء كما تقولون لاحتجاجهم لا،  ولا منة ولا إحسان فإنما هو هو ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وذكرى للمؤمنين ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كبيرا . * * * شأن إبراهيم والكواكب

 

ص 143 :

 

وقد كرر المتكلف ( يه 2 ج ص 45 ) اعتراضه على الآيات التي ذكرت ذلك في سورة الأنعام 75 - 78 :

 وقد قدمنا لك الكلام في ذلك مستوفى في الجزء الأول ( صحيفة 106 - 108 ) . * * * وقال الله تعالى في سورة البقرة 260 :

 ( ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين ) . فقال المتكلف ( يه 2 ج ص 30 و 31 ) ما ملخصه :

 أجمع علماء الإسلام على أن الذي حاج إبراهيم هو نمرود ابن كنعان الجبار،  ولا شك أن محمد ( ص ) اتخذ هذه القصة من الخرافات اليهودية التي كانت متداولة في عصره،  والتوراة منزهة عن مثل هذه الخرافات،  على أن نمرود لم يكن معاصرا لإبراهيم بل يعلم من سفر التكوين أنه كان بين نمرود وإبراهيم نحو ثلاثمائة سنة،  فأقوال

 

                                       صفحة 144

 

 القرآن هي من الخرافات الملفقة . قلت ( أولا ) :

 إن التوراة الرائجة لا يحتمل شأنها أن تذكر مثل هذه الحجة الباهرة وتمجد الله ورسوله بذكر واقعتها،  وإنما توفقت لأن تقتصر على واقعتين في تاريخ ما بين الطوفان وهجرة إبراهيم ( الواقعة الأولى ) أن نوحا شرب الخمر وسكر وتعرى في خبائه فأبصر حام عورته وأخبر ساما ويافث فلما استيقظ نوح من خمره لعن كنعان ( تك 9،  21 - 25 )،  ( الواقعة الثانية ) أن بني آدم عزموا على أن يبنوا مدينة وبرجا فنزل الرب لينظر المدينة والبرج وقال :

 هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم وهذا ابتدائهم بالعمل والآن لا يمتنع عليهم كلما ينوون أن يعملوه،  هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض ( تك 11،  5 - 8 ) . وثانيا :

 أن الذي سماه المسلمون هو نمرود ابن كنعان،  وقالوا هم وغيرهم من المؤرخين أن ( نمرود ) اسم يسمى به ملوك تلك البلاد كما يسمى كل واحد من ملوك الفرس ( كسرى ) وكل واحد من ملوك الروم ( قيصر ) كما سمى به العهد الجديد اوغسطس ( لو 2،  1 وطيباروس لو 3،  1 وكلوديسوس 1 ع 11،  28 )،  وكما سمى العهد القديم ملوك مصر ( فرعون ) فسمى بذلك صاحب إبراهيم ( تك 12،  15 - 20 )،  وصاحب يوسف ( تك 41،  1 - 55 ) وصاحب موسى ( خر 1 - 15،  20 )،  وصهر سليمان ( 1 أي 3،  1 )،  ومعاصر ارميا ( ار 44،  30 )،  وأن نمرود ابن كنعان لا يلزم أن يكون هو المذكور في توراة المتكلف . وثالثا :

 سلمنا ذلك ولكن التوراة ذكرت أن الذين نجوا بالفلك من الطوفان هم ثمانية من البشر :

 نوح وامرأته وبنوه الثلاثة ونسائهم ( تك 8،  18 ) . وذكرت في أولاد حام ( كوشا ) وذكرت أن بني كوش سبا،  وحويلة وسبته،  ورعمة،  وسبتكا،  وأن بني رعمة شبا وددان،  وبعدا كله ذكرت أن كوشا ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارا في الأرض،  وكان ابتداء مملكته بابل،  وارك، 

 

                                       صفحة 145

 

 وأكد،  وكلنه في أرض شنعار فانظر ( تك 10،  6 - 11 ) وتصحيح عبارة التوراة يقتضي أن يكون نمرود من أولاد كوش بالواسطة،  وهبه كان ولده بلا واسطة،  ولكن كم ينبغي أن يكون من السنين بين الطوفان وبين موت نمرود بحسب أعمار تلك الأدوار ومواليدها،  أفلم تذكر التوراة أن أعمار تلك الطبقات كانت خمسمائة وما يقاربها ( تك 11،  12 - 18 )،  فمن أقرب الممكنات العادية أن يعيش ولد ( كوش ) إلى ما بعد الطوفان بأربعمائة سنة أو أكثر . وإذا أخذنا مولد إبراهيم بحسب التوراة العبرانية ( تك 11،  10 - 32 و 12،  4 واع 7،  4 ) وجدناه أبعد ما يكون فيه عن الطوفان نحو ثلاث مائة واثنتين وخمسين سنة أو ثلاثمائة وستين سنة . وحاصل ذلك أن تقاويم التوراة العبرانية في ذلك الوقت تقتضي أن يكون نمرود المذكور في التوراة قد أدرك في عمره المعتاد مدة طويلة وسنين عديدة من عمر إبراهيم،  كما اتفق بحسب تقويمها أن إبراهيم أدركه جميع آبائه الذين هم بعد الطوفان مدة طويلة ما عدا نوحا وفالج،  إذا عرفت هذا فقل للمتكلف :

 إن نمرود الذي ذكره المسلمون هو النمرود ابن كنعان أحد النماردة الكثيرين لا خصوص من ذكرته توراتك . وهبه هو فإن أبعد مدة تقولها توراتك العبرانية بين الطوفان ومولد إبراهيم هي 352 أو 360 سنة فإذا جعلنا بين إبراهيم وبين نمرود المذكور في التوراة ثلاث مائة سنة كما تزعم،  فقل :

 متى كانت ولادة كوش من حام ومتى كانت ولادة نمرود ؟ ومتى كان تملكه على بابل وأرك وأكد وكلنه في أرض شنعار ؟ ومتى تمصرت البلاد بعد الطوفان ؟ أفتقول بإلهامك ومعرفة المرسلين الأمريكان أن ولادة كوش كانت بعد الطوفان بسنة،  وولادة نمرود كانت بعد الطوفان بسبعة عشرة سنة ثم ملك البلاد الممصرة ومات بعد الطوفان بنحو 52 أو 60 سنة،  فكان بينه وبين إبراهيم 300 سنة،  ولكن المتكلف لا يبالي من أن يقول مثل ذلك فيخالف كتبه . أو ليس هو الذي قال ( يه 3 ج ص 217 ) اقتضت عناية الله الإلهية أن

 

ص 145 :

 

يبقى نوح حتى رأى إبراهيم فأخبره عن الطوفان وعن أعمال الله معه وغير ذلك

 

                                       صفحة 146

 

 فنقل إبراهيم هذه القصص الإلهية وأعلمهم إرادة الله . فلم يبال في ذلك بمخالفة كتبه التي يعول عليها فإن توراته تقول إن نوحا عاش بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة ( تك 9،  28 )،  وتقويم العبرانية يقول بحسابه :

 إن ولادة تارح أبي إبراهيم لمائتين واثنتين وعشرين سنة من الطوفان،  وكانت أيام تارح مائتين وخمس سنين ومات في حاران ( تك 10 11 - 32 )،  وأن إبراهيم لما خرج من حاران كان ابن خمس وسبعين سنة ( تك 12،  4 ) . والعهد الجديد يقول :

 إن إبراهيم خرج من حاران بعد ما مات أبوه ( 1 ع 7،  4 ) فإن فرضنا أنه خرج من حاران في سنة موت أبيه فلا بد أن يكون مولده لمائة وثلاثين سنة من مولد أبيه تارح،  فيكون مولد إبراهيم لسنة ثلاث مائة واثنتين وخمسين سنة من الطوفان،  فيكون مولده بعد موت نوح بسنتين،  فأين تكون رؤية نوح لإبراهيم وإخباره عن الطوفان وأعمال الله معه . وقال الله تعالى في سورة البقرة 262 :

 ( وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزء ثم ادعهن يأتينك سعيا ) . فاعترض المتكلف ( يه 2 ج ص 33 و 34 ) على هذه الآية بأن عبارة القرآن ناطقة بوقوع الشك من إبراهيم في قدرة الله تعالى،  وتشبث لذلك برواية من الآحاد . قلنا :

 وقد ذكرنا لك في الجزء الأول صحيفة 109 - 110 إن قول إبراهيم ( بلى ولكن ليطمئن قلبي ) لصريح على رغم أنف الغباوة والعناد بأن إبراهيم مؤمن بهذه الحقيقة لا شك له فيها ولكنه طلب تأييد العقل بالحس ليحصل له الاطمئنان باليقين الكامل،  إذ لا شك أن العقل إذا تأيد بالحس كان المعلوم أوقع في النفس وأثبت في اليقين من المعقول الصرف . وذكرنا لك أيضا أن الرواية يكفي في ردها مخالفتها لصراحة القرآن الكريم وطلبنا منك المقايسة في الدلالة على الإيمان والشك بين قول إبراهيم :

 

 

                                       صفحة 147

 

 ( بلى ولكن ليطمئن قلبي )،  وبين حكاية التوراة لقول إبراهيم أيضا ففيها وقال :

 أنا الرب الذي أخرج من أور الكلدانيين ليعطيك هذه الأرض لترثها،  فقال :

 أيها السيد الرب بماذا أعلم أني أرثها ( تك 15،  7 و 8 ) أفترى هذا الكلام يعطي رائحة من الإيمان والتصديق بوعد الله في أمر جرت عليه سنة الله في عباده وبلاده من توريثه أرض قوم لآخرين،  أم يعطي أنه لا يحصل العلم بمجرد قول الله ووعده وإنما يحصل العلم بشئ آخر،  كما قيل :

 بماذا أعلم أني أرثها . هب أن المتكلف لا يفهم القرآن ولا اللغة العربية،  أو أنه يتحامل لتعصبه على القرآن بالافتراء توهما لرواج ذلك عند بعض الأوباش،  ولكنه ألم يكن يدري بأن في توراته مثل هذا الذي يفضحه عند المقايسة،  ولعمر الأدب لو أراد أن يدل على ما في توراته من الخلل لما أحسن التنبيه بمثل هذا التعريض . وأظرف شئ مع ذلك أنه يقول :

 إن كتاب الله يعلمنا بأن إبراهيم لم يشك في قدرة الله مطلقا،  إذن فالتوراة التي ذكرت هذا الكلام كتاب من ؟ وهل ترى المتكلف يقول :

 إن قول إبراهيم ( بماذا أعلم ) ليس شكا في قدرة الله وإنما هو شك في صدقه جل شأنه في وعده،  نعم يقول ولا يبالي،  ولا تقل إن المتكلف لا يعلم بهذا الكلام من توراته،  فإنه نقل منها هذا المقام برمته،  ولكنه ستر بذيل أمانته قولها ( بماذا أعلم أني أرثها ) . وحاصل هذا المقام هو أن الله تبارك اسمه قال لإبراهيم أعطيك هذه الأرض لترثها فقال إبراهيم :

 بماذا أعلم أني أرثها ؟ فقال له :

 خذ لي عجلا ثلاثية وعنزا ثلاثية وكبشا ثلاثيا ويمامة وحمامة فأخذها وشقها من الوسط وجعل شق كل واحد مقابل صاحبه،  وأما الطير فلم يشقه،  ثم غابت الشمس فصارت العتمة وإذا تنور دخان ومصباح نار يجوز بين تلك القطع،  في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقا قائلا :

 لنسلك اعطي هذه الأرض ( تك 15،  1 - 19 )،  فانظر وقل إذا كان وعد الله لا يوجب العلم بصدقه حتى يقول إبراهيم :

 ( بماذا أعلم أني أرثها )،  فما وجه الدلالة في قطع الحيوانات وظهور الدخان والنار بين قطعها،  فإن كان إبراهيم يخاف خلف الوعد والندم والحزن والتأسف في القلب على صدور الوعد،  فإن هذا العمل لا يوجب له العلم بعدم الندامة ولا فائدة فيه .

 

                                       صفحة 148

 

 أو تقول مثل ما قال المتكلف في هذا المقام،  فهذه الذبيحة هي لتأييد العهد الذي عقده الله مع إبراهيم فكانت عادت اليهود بل الأمم أيضا عند ابرام عهد يذبحون الذبيحة إشارة إلى أن من ينكث العهد يحل به سيف العدل الإلهي،  فالمولى سبحانه وتعالى تفضل وأعطاه هذه العلامة لتأييد العهد وتثبيت إيمانه وأن الله سينجز ما وعده به . إذن فهل حصل العلم بعقد الميثاق وتثبيت العهد بهذه العادة الأممية بسبب إشارتها إلى جعلها سيف العدل الإلهي حوالة على الناكث ؟ أم لم يحصل ؟

 

ص 148 :

 

ولماذا يحصل فإن من لا يصدق بوعده لا يؤتمن على الوفاء بعهده . والتوراة لم تذكر حصول العلم بواسطة هذا العهد،  ولعلها تقول أن قانون الفداء لم يترك وثوقا بمراقبة سيف العدل الإلهي،  إذ لعل العدل والقداسة وبغض الخطيئة والنكث للعهد تكون سببا لأن يكون إبراهيم فاديا وإن استعفى فيحمل عليه قصاص الناكث للعهد غفرانك اللهم جل شأنك وتعاليت عما يقولون . ثم اعترض المتكلف على حديث الطيور في الآية الكريمة ودلالتها على حياتها واجتماع أوصالها بعد التفرق،  فقال :

 هذه الأقوال ليست من الأغلاط الفاحشة بل من الخرافات الخارجة عن حد المعقول . قلت :

 إن كان لك إلمام بمعرفة أحوال المتكلف فأبن لي عن منشأ هذا الكلام هل هو هذيان مبرسم،  أو نفثة باح بها كامن الإلحاد وإنكار المعاد وقدرة الله،  وانطواء الاعتقاد على أن عود الأجسام والتئامها بعد تفرق أجزائها خارج عن حد المعقول،  وكيف يكون ذلك والمتكلف والمرسلون الأمريكان يدعون أنهم أتباع المسيح الذي هو والعهد الجديد أيضا يحتجان على وقوع القيامة وعود الأجسام بعد تفرقها،  وينوهان بقدرة الله،  وهم يدعون أنهم أرسل الدين المسيحي لا رسل ( داروين ) . وقال الله جل اسمه في سورة الأنعام 74 :

 ( وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ) .

 

                                       صفحة 149

 

 فاعترض المتكلف ( يه 2 ج ص 44 ) على تسمية القرآن أبا إبراهيم ( آزر ) مع أن التوراة سمته ( تارح ) ( تك 11،  26 )،  وبأن تارح ما كان يعبد الأصنام بدليل أنه هاجر مع إبراهيم إلى حاران،  فلو لم يكن تقيا لما ترك وطنه وهو عزيز عنده . قلنا :

 إن آزر معرب اليعازر،  ومنه قول المتنبي :

 ( أو كان صادف رأس آزر سيفه ) حيث أراد منه اليعازر الذي يذكر إنجيل يوحنا أن المسيح أحياه من الموت،  فيجوز أن يكون لفظ اليعازر لقبا لتارح فإن معناه ( الله عون ) فسمى القرآن تارح بلقبه . ودعوى أن تارح لم يكن يعبد الأصنام إنما هي من المتكلف دعوى لا شاهد عليها إلا التخمين المعارض بأقوى منه،  فإن ( لابان ) ابن بتوئيل ابن ناحور أخي إبراهيم كان في حاران يعبد الأصنام انظر ( تك 31،  19 و 30 ) وهذا يعطي أن بيت إبراهيم لم يكونوا في حاران أبرياء من عبادة الأصنام،  ويؤيد ذلك أن إبراهيم هاجر عن أهله من حاران ولم يتبعه إلا لوط وسارة ويجوز أن يكون تارح هاجر من وطنه حبا لإبراهيم وفرارا بولده من كيد عبدة الأوثان،  وهذا مما يقدم عليه الأب الشفيق وإن لم يكن على دين ولده ولنا أن نقول إن آزر المذكور في القرآن لم يكن أبا إبراهيم حقيقة،  وإنما هو حسب قول التوراة اليعازر الدمشقي ملك بيت إبراهيم أو ابنه المتأهل لوراثة إبراهيم ( تك 15،  2 - 4 ) فسماه القرآن أبا لإبراهيم حسب الاصطلاح الجاري في القديم من تسمية القيم بالأمور ( أبا ) وإن كان عبدا أو رعية،  فعن قول يوسف :

 الله جعلني أبا لفرعون ( تك 45،  8 ) . وعن قول ميخا للغلام اللاوي :

 كن لي أبا :

 ( قض 17،  10 )،  وعن قول الدانيين لذلك الغلام أيضا :

 كن لنا أبا :

 ( قض 18،  19 )،  وربما يشير تصريح القرآن باسم آزر إلا أنه احتراز عن الأب الحقيقي . وقال الله تعالى في سورة التوبة 115 :

 ( وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ) .

 

                                       صفحة 150

 

 فاعترض المتكلف ( يه 2 ج ص 60 ) بأنه حاشا لإبراهيم أن يستغفر له،  فإنه يعرف أنه لا تنفع الشفاعة بعد الموت،  وبأن أبا إبراهيم ما كان مشركا ولا عدوا لله . قلنا :

 إن قوله تعالى :

 ( فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه ) كاف في بيان بطلان الاعتراض وكاشف عن أن الاستغفار كان لرجاء الإيمان فيكون المراد من الاستغفار هو طلب التوفيق للأيمان الذي هو سبب المغفرة،  ولكن جل اسمه لا يلجئ المعاند،  ولا يوفق إلا من هو أهل،  فلما تبين لإبراهيم عناد أبيه،  ويأس من إيمانه تبرء منه،  كما هو وظيفة الأنبياء والأولياء بل وسائر المؤمنين،  فلم يقل لله ولا يقول لإبراهيم ولا غيره من الأنبياء في شأن من يعبد الوثن،  والآن إن غفرت خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت ( خر 32،  32 )،  هذا وقد تقدم الكلام بأن أبا إبراهيم المذكور ما كان مشركا . وقال الله تعالى في سورة هود 72 :

 ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ 73 فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط 74 وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ) . واعترض عليه المتكلف ( يه 2 ج ص 66 ) بمخالفته لما ذكر في توراته التي عرفت حالها ( تك 18،  1 - 16 )،  وأنموذج اعتراضاته في ذلك هو اعتراضه على نقله أن الملائكة لم يأكلوا حيث أن توراتهم تقول إنهم أكلوا . قلت :

 ويظهر وجه اعتراضه بقول توراته،  وظهر له الرب وإذا ثلاثة

 

ص 150 :

 

رجال،  إلى أن قالت :

 فجاء الملاكان إلى سدوم،  فصنع لهما لوط ضيافة وخبزا فطيرا فأكلا ( تك 18،  1 - 19،  4 ) وهي وإن اضطربت في العدد لكنها لا تخفى دلالتها على أن الملاكين الذين جاءا إلى سدوم هما الذين جاؤا إلى إبراهيم وأكلوا تحت الشجرة من ضيافته وذهبوا نحو سدوم . ويتضح وجه اعتراضه بقول عهده الجديد في الملائكة،  أليس جميعهم أرواحا ( عب 1،  14 ) .

 

                                       صفحة 151

 

 وباحتجاج أناجيله على أن أبناء القيامة لا يتزوجون بكونهم مثل الملائكة ( مت 22،  30 ومر 12،  25 ولو 20،  36 ) . واعترض المتكلف أيضا على القرآن وقال ( يه 2 ج ص 67 س 22 ) عدم تعيين عدد الرجال يدل على الجهل،  يعني بذلك عدد الرسل الذين أرسلهم الله إلى إبراهيم . قلت :

 وقد قدمنا لك أن القرآن الكريم لم يدخل شؤونه مدخل التاريخ بل لا يتعرض في نصه وبيانه إلا لما كان مهما في الغرض المقصود ولا مداخلة هاهنا في الغرض للنص على كون الرسل ثلاثة أو عشرة،  فاكتفى بالإشارة إلى الحقيقة بصيغة الجمع وضميره الدالين على أنهم لا ينقصون عن ثلاثة . ولا تعجب من سخافة كلام المتكلف في اعتراضه هذا،  ولكن تبصر فيما جناه بهذا الاعتراض على نفسه وعلى كتابه وعلى قومه،  إذ حمل المتتبع على أن ينظر في توراته فيرى خبطها في هذا المقام،  فإنها بينما تقول إن هؤلاء الرسل ثلاثة رجال وقاموا وتطلعوا نحو سدوم،  وانصرفوا من هناك وذهبوا نحو سدوم ( تك 18،  2 و 16 و 22 ) أذابها قد قالت وجاء الملاكان الاثنان إلى سدوم ( تك 19،  1 ) فانقلب الثلاثة اثنين . ثم قالت أيضا في مخاطبة لوط لهؤلاء وجوابهما له،  فقال لهما لوط :

 لا يا سيد هو ذا عبدك،  وجد نعمة في عينك عظمت لطفك،  فقال له :

 قد رفعت وجهك،  أنا لا اقلب المدينة،  أنا لا أستطيع أن أفعل شيئا حتى مجيئ إلى هناك ( تك 19،  18 - 23 ) فانقلب الاثنان واحدا،  وحق للمتكلف أن يفتخر بتوراته ويقول إن الناس من هذا المقام أخذوا علم الحساب ووضعوا أصوله واستخرجوا قواعد الجبر والمقابلة . ولعل المتكلف يقول :

 إن هذا المقام من مجاهرة التوراة بالثالوث،  فنقول له :

 إن توراتك ثلثت وثنت ووحدت موضوعا واحدا من الملائكة،  وأن المعروف منكم وممن تقدمكم بعقيدة الثالوث كالبراهمة والبوذيين وغيرهم من الأمم القديمة ( 1 ) إنما هو التثليث في الذات الإلهية تعالى الله عن ذلك،  فتجعلونه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) انظر كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ص 17 - 33 . ( * )

 

                                       صفحة 152

 

 واحدا ذا أقانيم ثلاثة،  وعليه جرت مزاعمك ( يه 4 ج ص 245 - 301 )،  ولا نسمع عنكم ولا عمن قبلكم دعوى الجميع بين التثليث والتثنية والتوحيد حتى في الملائكة . فإن زعم المتكلف كمزاعم الرسالة المنسوبة لعبد المسيح أن التوراة أرادت بذلك الثالوث الإلهي وذكرت أقانيمه الثلاثة . قلنا له :

 إذن فقل إن البرهان لك من توراتك على ذلك هو أن إبراهيم عرف أنهم أقانيم الإله الثلاثة،  ولذلك دعاهم لأن يسندوا قلوبهم بكسرة خبز فأكلوا تحت الشجرة،  وبعدما انقلب هؤلاء الثلاثة اثنين أكلا عند لوط من ضيافته والخبز الفطير،  وبعدما انقلب الاثنان إلى واحد صار لا يقدر على أن يفعل شيئا حتى يجئ لوط إلى صوغر . ومن أين يجد أهل علم اللاهوت في الاحتجاج على الألوهية أحسن من مجد هذه الصفات فانظر ( تك 18،  و 19 ) . وقال الله جل اسمه في سورة الصافات في شأن إبراهيم وابنه 100 ( فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ) . فاعترض المتكلف ( يه 2 ج ص 106 ) بأن هذا لم يكن في الرؤيا بل إن الله أمره بذلك كما في التوراة . قلت :

 غاية ما في التوراة على ما فيها،  إنها قالت إن الله امتحن إبراهيم فقال له :

 يا إبراهيم فقال :

 ها أنا،  فقال :

 خذ ابنك وحيدك إلى آخره ( تك 22،  1 و 2 ) ولم تصرح بأن هذه كان في يقظة أو رؤيا،  وإن جملة من نبوات إبراهيم وكلام الله وخطابه معه قد كانت في الرؤيا والمنام انظر ( تك 15،  1 - 10 و 12 - 17 ) . فالقرآن أوضح الحقيقة على خلاف إبهام التوراة لها . وقال الله تبارك اسمه في سورة البقرة 119 :

 ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن

 

                                       صفحة 153

 

 طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود 121 وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) . والمتكلف ينكر ذلك ويقول ( يه 2 ج ص 23 )،  وكتاب الوحي الإلهي يعلمنا أن إبراهيم لم يتوجه مطلقا إلى الكعبة،  ولا إلى بلاد العرب،  ثم ذكر ما ذكرته توراته في سيرة إبراهيم المجملة،  ثم قال :

 والحقيقة هي أن الكعبة بيت زحل . قلت :

 ليس في التوراة الرائجة ما يدل على أن إبراهيم لم يتوجه مطلقا إلى الكعبة ولا إلى بلاد العرب،  وغاية ما فيها أنها لم تذكر بصراحتها سفر إبراهيم إلى مكة،  وغاية ما تعرضت له من أحوال إبراهيم إنما هو رحلاته التي هاجر

 

ص 153 :

 

فيها بعائلته وثقله وبيته،  وإنما كان ذهابه إلى مكة من سفرياته الخصوصية،  ولم تتعرض التوراة الرائجة لهذا النوع من السفريات،  كما اهملت ذكر شؤونه وأحواله ونشوؤه وتربيته فيما بين النهرين وقد قضى من ذلك شطرا وافيا من عمره وهو مؤمن بل نبي بين وثنيين لا بد أن تجري لهم معه شؤون مهمة،  وكما اهملت ذكر شؤونه في حاران أيضا . أفترى إذا قال بعض المؤرخين أن إبراهيم سافر وهو فيما بين النهرين إلى اليمن أو عمان أو سافر وهو في حاران إلى ناحية الشمال فهل يحسن من ذي أدب أن يرده بخلو التوراة من ذلك ؟ كلا . فإن قلت :

 إن الذي يدعي من سفر إبراهيم إلى مكة وبناء البيت أمر مهم لا ينبغي للتوراة أن تهمله إذا كان له أصل،  ( قلت ) :

 أما أولا :

 فإن توراة حلقيا أو غيره مشغولة بما هو أهم من ذلك عندها وهو التسجيل على رحلة إبراهيم إلى ( مصر،  وجرار ) لكي تجري وظيفتها في ذكر قصة فرعون وأبي مالك مع إبراهيم،  فتمجد إبراهيم بذلك انظر ( تك 12،  11 - 20،  و 20،  1 - 18 ) . وأما ثانيا :

 فإن هذه التوراة إنما هي كآبائها بني إسرائيل إذ حرصوا على أن يجعلوا نصيبا لغيرهم في توحيد الله وعبادته وشريعته ونبوته،  فكيف تسمح

 

                                       صفحة 154

 

 أن تذكر بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت مع ما فيه من الفضل والرفعة للإسماعيليين،  وأن كاتب الأيام الأول لم يدعه الحنق على الإسماعيليين أن ينسبهم إلى أبيهم بل سماهم الهاجريين ( 1 أي 5،  10 و 19 و 20 ) وسرى هذا الوباء حتى إلى كاتب رسالة غلاطية فصار يضرب مثله في الرفعة والضعة بابن سارة وابن هاجر ( غل 4،  22 - 31 ) . ويدلك على ذلك أن هذه التوراة ذكرت أولاد إسماعيل فقامت ووقعت في الخبط،  فإنها لما تعرضت لذكر الذين اشتروا يوسف من إخوته وباعوه في مصر ذكرت ما ملخصه،  وإذا قافلة إسماعيليين ذاهب إلى مصر فقال يهوذا :

 تعالوا نبيعه للإسماعيليين واجتاز رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف من البئر وباعوه للإسماعيليين فأتوا بيوسف إلى مصر،  والمديانيون باعوه في مصر لفوطيفار ( تك 37،  25 - 36 ) . ثم قالت :

 ويوسف أنزل إلى مصر واشتراه فوطيفار من يد الإسماعيليين فانظر إلى هذا الخبط والجهل بأنساب أولاد إبراهيم،  فإن هؤلاء الجماعة نسبتهم هذه التوراة مرة إلى إسماعيل ابن إبراهيم من هاجر،  ونسبتهم مرة إلى مديان،  وإن كاد المراد به ابن إبراهيم فهو مديان ابن إبراهيم من قطورة ونسبتهم مرة ثالثة إلى مدان،  وإن كان ابن إبراهيم فهو مدان ابن إبراهيم من قطورة أيضا شقيق مديان . وأما ثالثا :

 فإن أمة العرب بأسرها متسالمين في أجيالهم على نقلهم أن الكعبة الشريفة هي بناء إبراهيم وإسماعيل،  وقل ما يتفق الحقيقة أن يتواتر نقلها بمثل هذا التواتر فهو حجة مرغمة للخصم،  ولا يمنع من ذلك أن العرب أخيرا وضعوا فيه الأصنام لما تلاشت من بينهم حقيقة الحنيفية ملة إبراهيم فانقلبوا إلى الوثنية والشرك،  كما هو الوباء العام الذي لم تسلم منه أمة إلا أمتنا المرحومة ثبتها الله على توحيده وطاعته،  فإن بني إسرائيل شعب الله وابنه البكر بقول توراتهم قد جعلوا الأصنام في بيت المقدس مرارا عديدة لما تقلبوا في وثنيتهم بل أخربوا بيت المقدس وانتهبوه . وأما رابعا :

 فإن رسول الله ( ص ) طالما هتف بين العرب بأن الكعبة بناء

 

                                       صفحة 155

 

 إبراهيم،  وتلا عليهم الآيات المصرحة بذلك،  فلو كان في ذلك خدشة لصالوا على دعوته بذلك وجعلوه برهانا على تكذيبه في دعوته الثقيلة على أهوائهم،  ولم يلتجئوا إلى المكابرة بنسبة الجنون إلى قدسه مع أنهم كانوا يعاملونه من حيث الكمالات معاملتهم لأكمل البشر وأعقلهم ( فإن قلت ) :

 إنهم عرب خالون من المعارف،  فتزوج فيهم مثل هذه الدعوى ( قلت ) :

 إن كل من له إلمام بفلسفة القبائل ومعرفة أحوال العرب يعلم أنه لهم المعرفة التامة في تاريخ قديمهم وآثار آبائهم وأسباب شرفهم،  بل كان ذلك من أهم معارفهم عندهم الرائجة بينهم . ولا تقل :

 إن روج ذلك سهل بين الإسماعيليين لأنه يتعلق بمجدهم،  وذلك لأن القحطانيين لو وجدوا أدنى سبيل لمنعه لمنعوه ولم يتركوا الإسماعيليين يفخرون عليهم بذلك،  فإنهم من قديم الدهر وحديثه لا يزالون يفاخرون الإسماعيليين وينافرونهم . ومن ذلك تعلم أن تسليم القحطانيين لهذه الحقيقة برهان كاف على أنها لا تختلج فيها الأوهام إلا إذا أقحمتها العصبية وقلة المبالاة . ولئن علقت نفسك بإهمال التوراة الرائجة لهذه الحقيقة،  ولم يزح ما قدمناه شكوك شبهاتك،  فلا تحتفل بإهمال التوراة،  فإن العهد الجديد يشهد بأنها قد اهملت أهم تاريخ إبراهيم وألزم شؤونه بالذكر فيما هي بصدده،  وهو بدء الدعوة وظهور الله له في أرض الكلدانيين فيما بين النهرين،  وأمره له بالهجرة من وطنه . فقد جاء في أعمال الرسل كتاب إلهام المسيحيين عن استفانوس المذكور أنه مملوء من الإيمان والروح القدس والقوة بحيث يصنع عجائب وآيات عظيمة

 

ص 155 :

 

في الشعب ( 10 ع 6،  5 - 9 ) أنه قال :

 ظهر إله المجد لأبينا إبراهيم وهو فيما بين النهرين قبل ما سكن في حاران وقال له :

 اخرج من أرضك ومن عشيرتك وهلم إلى الأرض التي أريك،  فحينئذ خرج من أرض الكلدانيين وسكن في حاران ( 1 ع 7،  2 - 5 ) .

 

                                       صفحة 156

 

 ومع ذلك فإن التوراة لم تذكر أن الله دعى إبراهيم فيما بين النهرين للمهاجرة،  وإنما ذكرت أن تارح أخذ ابرام ابنه ولوطا وساراى كنته فخرجوا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك ومات فيها تارح ( 11،  31 و 32 ) . ثم قالت بعد ذلك :

 وقال الرب لإبراهيم :

 اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك،  فذهب ابرام كما قال له الرب وذهب معه لوط،  وكان ابرام ابن خمس وسبعين سنة لما خرج من حاران فأخذ ابرام ساراى امرأته ولوطا ابن أخيه وكل مقتنياتهما التي اقتنيا والنفوس التي امتلكا في حاران ( تك 12،  1 - 6 )،  وهي صريحة في أن ما تذكره من دعوة الله لإبراهيم كان في حاران . وحينئذ فمقتضى العهد الجديد أن التوراة الرائجة لا تخلو من أحد أمرين أما أنها حرفت الواقعة الواحدة . والدعوة التي كانت في أرض الكلدانيين فجعلتها واقعة في حاران وأما أنها أهملت ذكر الدعوة التي وقعت أولا في أرض الكلدانيين مع أنها ألزم بالذكر،  وزادت على ذلك بأن مسخت الحقيقة ونسبت الهجرة إلى تصرف تارح،  ومع هذا لا يصح للنصراني أن يتشبث بهذه التوراة على إنكار حقيقة إذا لم تفز بذكرها حتى لو فرضنا سلامتها من الخلل من غير هذه الجهة . والمتعرب أيضا لج في إنكار مجيئ إسماعيل إلى مكة وأنكر على سائل قوله في أول مقالته في بلاد العرب وتهامة أن إسماعيل بن إبراهيم توطنها فقال ( قذ ) ص 7 ليس هذا بثبت لأن في فلسطين موضعا يسمى عربة أيضا،  وبعد،  فإن التوراة قد عينت موضع سكنى إسماعيل وهو في غير بلاد العرب ( تك 21،  14،  و 25،  12 - 18 ) . ثم قال أيضا ( ذ ) ص 10 و 11 ما حاصله إن قول العرب إن إسماعيل سكن مكة مرود بأن التوراة التي لا نعلم بوجود هذا الشخص إلا منها تقول :

 إنه لما طرد من بيت أبيه سكن في برية فاران وهي ببرية سينا بين مصر وبلاد ثمود،  وتقول في موضع آخر :

 إنه نزل أمام إخوته،  وهؤلاء كانوا بأرض كنعان من الشام،  ولم يكن أمامهم مما يلي جزيرة العرب سوى بلاد ثمود،  وتقول في

 

                                       صفحة 157

 

 موضع ثالث :

 إنه لما مات أبوه أتى ودفنه في مغارة المكفلية بقرية أربع من كنعان،  وبينها وبين مكة مسافة لا يقطعها الراكب المجد في أقل من عشرة أيام . قلت :

 إذا كانت توراته قد عينت موضع سكنى إسماعيل فيما أشار إليه حيث ذكرت أنه برية فاران،  وهو يقول :

 إنها ببرية سينا بين مصر وبلاد ثمود . إذا فما وجه قوله :

 إن في فلسطين موضعا يسمى عربه،  ومن المعلوم أن برية سينا أجنبية عن فلسطين،  وهل تشبثه باسم هذه العربة إلا غلط في غلط . وأما قوله :

 ( لا نعلم بوجود إسماعيل إلا من التوراة ) فهو من أفحش الأغلاط،  فلو أن حلقيا لم يأت شافان بكتاب وحيد سماه التوراة لما انحط إسماعيل عن شهرته أقل قليل،  كيف وها بنوه الذين يفخرون به في أجيالهم قد ملأوا جزيرة العرب وأذعن لهم بذلك صاحبهم وخصمهم في المفاخرات ولم يك إسماعيل كملكي صاروق بلا أب بلا أم بلا نسب لا بداية أيام له ولا نهاية حياة حتى لا يعرف إلا من إلهام رسالة العبرانيين 7،  3 . وأما قوله :

 إن التوراة تصرح بأن إسماعيل سكن في برية فاران فهو مردود بأن اختلاف التوراة في التاريخ وأغلاطها فيه،  وعلى الخصوص فيما يتعلق بإبراهيم ودعوته وبنية لا يدع لها اعتبارا تساوي فيه واحدا من كتب التاريخ،  ولو سلمنا ذلك فقد ذكر اللغويون أن فاران من جبال مكة،  وأما قوله :

 إن فاران هي ببرية سينا بين مصر وبلاد ثمود فهو خبط بلا حجة،  فإن أصحابه قد اضطربوا في ذلك فجعلوا فاران تارة إسما لجبل فيران وهو الرأس الواقع بين خليجي العقبة والسويس جنوبي سينا وكاترينا،  بل هو آخر الجبال الواقعة في الزاوية بين الخليجين . وجعلوه تارة أخرى إسما لجبل ( فوريا ) وهو الجبل المقوس الذي يقارب وسط محد به للدرجة التاسعة والعشرين من العرض الشمالي والرابعة والثلاثين من شرقي لندن فجعلوا برية فاران ما كان في شمال هذا الجبل،  وسموا به

 

                                       صفحة 158

 

 أيضا واديا ذا أربع شعب متقاطعة على زوايا مختلفة،  وهو في قرب ما سمي أيضا وادي فيران،  فلا سبيل لهم إذا في تعيين ما ذكرته توراتهم منزلا لإسماعيل بمجرد الاسم فإنهم قد سموا بذلك أماكن متباينة في الوضع والبعد . وإن سامحنا المتعرب ورجعنا إلى اكتشاف برية فاران من علامات التوراة ومضامينها،  فلا بد أن نقول :

 إن برية فاران واقعة في شرقي جبل الشرات وهو السلسلة الممتدة في شرقي الأردن فبحيرة لوط فوادي العربة فخليج العقبة فالبحر الأحمر إلى الحجاز ومن رؤ وسها جبال مكة .

 

ص 158 :

 

والبرية التي في شرقي جبل الشرات لا ربط لها ببرية سينا ولا فلسطين فإنها مفصولة عنهما بسلسلة جبل الشرات ثم الأردن وبحيرة لوط ووادي العربة وخليج العقبة ثم السلسلة الغربية المتوجهة من حدود لبنان إلى جبل سينا،  وأن مقتضى التوراة أن برية فاران تسمى بها برية صين وقادش برنيع كما يعرف من ( عد 13،  3 و 12 و 26،  و 32،  8 وتث 1،  19 - 26 ) . وإنك لتعرف منها أيضا أن برية فاران واقعة في شرقي جبل الشرات،  فقد ذكرت مراحل بني إسرائيل ومنازلهم على التفصيل والترتيب والتتابع من مصر إلى عربات مواب حيث توفي موسى عليه السلام،  فذكرت لهم من برية سينا إلى عصيون جابر عشرين مرحلة ومنزلا ( عد 33،  16 - 36 )،  وأن عصيون جابر واقع إا في وادي العربة الشرقي سلسلة جبال سينا،  وإما في شرقي سلسلة جبل الشرات . ثم قالت :

 وارتحلوا من عصيون جابر ونزلوا في برية صين وهي قادش وارتحلوا من قادش ونزلوا في جبل هور في طرف أرض ادوم ( عد 33،  26 و 27 ) وقد عرفت من التوراة أن برية صين وقادش هي برية فاران وعرفت موقع عصيون جابر،  وأما جبل هور فهو جزء من جبل الشرات مائلا إلى الشرق منه . وتقول التوراة أيضا :

 وعبرنا عن إخوتنا بني عيسو الساكنين في سعير من طريق العربة من إيلة ومن عصيون جابر ( تث 2،  8 ) والعبور عنهم بهذا النحو

 

                                       صفحة 159

 

 إنما يكون بالتوجه إلى شرقي جبل الشرات،  فإذا عرفت ذلك عرفت أنه لا منافاة بين قول التوراة إن إسماعيل سكن في بريه فاران،  وبين القول بأنه سكن مكة . فإن التوراة كثيرا ما تحدد الأماكن بحدود واسعة خصوصا إذا لم تكن مدينة معروفة،  فإن مكة لم تكن عند سكنى إسماعيل فيها مدينة ممصرة وإنما كانت برية بيداء . وقد جرت عادت التوراة بتحديد مثلها بالحدود الواسعة كأرض الجنوب ( تك 24،  62 وعد 13،  29 )،  وأرض المشرق ( تك 25،  6 )،  وأرض بني المشرق ( تك 29،  1 )،  وعند الجبل وعند البحر ( عد 13،  39 )،  فالمراد من برية فاران هي البرية الواقعة في شرقي سلسلة جبل الشرات،  فإنه لا برية له في غربه،  لأن غربه مضايق بالأردن وبحيرة لوط ووادي العربة والبحر الأحمر،  وهذه البرية هي الشاملة للحجاز ومكة . فالتوراة ذكرت منزل إسماعيل في مكة والحجاز لا بالتعيين،  بل بالجهة الشاملة . قال في الجلد السابع من دائرة المعارف ص 691 :

 الحجاز قيل وأحسن ما قيل في تحديده ما قاله ابن الكلبي ( وهو العلامة النسابة في أواخر القرن الأول من الهجرة ) :

 إن الحجاز عبارة عن جبل الشرات وما اتصل به . ( فإن قال المتعرب ) :

 إن أسلوب الإصحاح الأول والثاني من التثنية يقتضي أن عبور بني إسرائيل من إيلة ومن عصيون جابر إلى شرقي جبل الشرات إنما كان بعد ارتحالهم من قادش التي هي برية فاران،  وذلك يقتضي أن تكون قادش وبرية فاران في وادي العربة أو في غربيه،  فهي إذا أما من فلسطين وأما من برية سينا . ( قلت ) :

 لعل المتعرب قد غرته التراجم حيث جعلت أدوات العطف بلفظ ( ثم ) و ( الفاء ) اللتين هما للترتيب،  وإنما هو محض تشهي وتحكم من المترجمين،  فإن الأصل العبراني لم يقع فيه العطف إلا بالواو،  وهي لمطلق

 

                                       صفحة 160

 

 الجمع لا تدل على الترتيب،  فإن التوراة طالما عطفت بالواو ما هو متقدم على ما هو متأخر،  فلا تشبث بمحض العطف بالواو . وكيف نعدل بوهمه عن صراحة الترتيب والتفصيل المذكور في الثالث والثلاثين من العدد حيث استقصى منازلهم ومراحلهم من رعمسيس في مصر إلى عربات مواب حيث توفي موسى عليه السلام،  حيث ذكر أن بني إسرائيل ارتحلوا من رعمسيس ونزلوا في سكوت،  وارتحلوا من سكوت ونزلوا في ايثام وجرت على هذا النسق والترتيب إلى أن قالت :

 وارتحلوا من ياطباثاه ونزلوا في عبرونه،  وارتحلوا من عبرونه ونزلوا في عصيون جابر،  وارتحلوا من عصيون جابر ونزلوا في برية صين وهي قادش،  وارتحلوا من قادش ونزلوا في جبل هور في طرف ادوم . ثم ذكر لهم على هذا النسق والترتيب سبع مراحل ومنازل إلى عربات مواب . وإذ حاول المتعرب أن يتشبث في وهمه بسفر التثنية،  فإن لنا من صراحته حجة واضحة على أن قادش وبرية فاران إنما هي في شرقي جبل الشرات وذلك لصراحته بأن بني إسرائيل وهم في قادش صعدوا إلى جبل فخرج الآموريون الساكنون في ذلك الجبل للقائهم،  وكسروهم في سعير إلى حرمة ( انظر تث 1،  19 - 40 ثم من 40 - 46 ) . وأن جبل سعير قطعة من جبل الشرات في شرقي وادي العربة وجبل الاموريين قطعة منها أيضا في شمال سعير . فإن ذات التوراة تقول :

 إن ملك الاموريين كان ساكنا في حشبون ( تث 2،  26 و 30،  و 23 )،  وحشبون وأرض الاموريين في شمال مواب شرقي الطرف الشمالي من بحيرة لوط وانظر ( يش 13،  27 ) . ( فإن قال المتعرب ) :

 إن سفر التثنية العبراني قد غلط في هذه الواقعة وارتباطها مع الاموريين والصحيح هو ما في النسخة السامرية وهو قولها بدل

 

ص 160 :

 

الاموريين ( العماليقي والكنعاني ) بدليل ما في سفر العدد في قوله في هذه

 

                                       صفحة 161

 

 الواقعة،  لكن تجبروا وصعدوا إلى رأس الجبل،  فنزل العمالقة والكنعانيون الساكنون في ذلك الجبل وضربوهم وكسروهم إلى حرمة ( عد 14،  44 و 45 ) ( قلت ) له :

 إذا فإن الحياء زينة الرجل،  أفتريد أن تعارض الحقائق المعروفة في الأجيال المتعددة عند ملايين لا تحصى من أهل المعارف والدقة،  وتغالط فيها بكلمة لا تفهم معناها من كتاب يلجأك سقمه واضطرابه إلى الاعتراف بغلطه . وأما قول المتعرب :

 إن التوراة تقول :

 إن إسماعيل نزل أمام إخوته وهؤلاء كانوا بأرض كنعان من الشام،  ولم يكن أمامهم مما يلي جزيرة العرب سوى بلاد ثمود . قلت :

 إن كان مراد التوراة إسماعيل نفسه وإنه نزل أمام إخوته أولاد إبراهيم،  فقد كذب المتعرب أو وهم بقول،  ( وهؤلاء كانوا بأرض كنعان ) لأن إسماعيل لم يكن له في أرض كنعان إلا أخ واحد وهو إسحاق،  وأما إخوته الستة بنو قطورة،  فإنما كانت منازلهم في أرض المشرق ( تك 25،  1 - 7 )،  وهي في شرقي جبل الشرات،  ومنهم مدان ومديان،  وهكذا إن كان المراد من إخوته هم عشيرته وبنو نسبه فإن أكثرهم لم يكونوا في كنعان لأن إخوته الستة أولاد قطورة والموابيين والعمونيين بني لوط كانوا كلهم في شرقي جبل الشرات وعلى كل حال لا يتعين من نزول إسماعيل مقابل هؤلاء كونه سكن في برية سينا بل يجوز أن يراد بذلك سكناه في مكة،  فإن التوراة كثيرا ما تذكر الجهات بالسمت البعيد جدا،  فقد سمت حاران بأرض بني المشرق ( تك 29،  1 ) مع أن سمتها يميل إلى الشمال عن مشرق مساكن إسحاق في كنعان بما يزيد على أربعمائة ميل جغرافي . وسمت ( سفار ) بجبل المشرق ( تك 10،  30 ) مع أن سمته يميل إلى الجنوب عن مشرق الأماكن التي نزلت فيها التوراة بما يزيد على الثمانمائة ميل ووصفت عبر الأردن الذي نزل فيه سفر التثنية بأنه قبالة ( سوف ) مع أنه ليس له مسامتة ومقابلة حقيقية أو عرفية مع سوف إلا مع البعد الشاسع،  ووصفته أيضا بأنه بين فاران وحضيروت ( تث 1،  1 ) مع،  أن بينه وبين حضيروت مسيرة سبعة أيام تقريبا انظر ( تث 1،  2 وعد 33،  16 و 17 ) .

 

                                       صفحة 162

 

 هذا وإن كان مراد التوراة من الساكن أمام جميع إخوته هو بنو إسماعيل وذريته كما يدل عليه كلام التوراة الذي سنذكره . فمن الواضح أن مساكنهم لا ربط لها ببرية سيناء ولا فلسطين،  بل هي في شرقي جبل الشرات على بعد متفاوت . فقد قالت التوراة :

 وهذه أسماء بني إسماعيل حسب مواليدهم :

 نيابت بكر إسماعيل،  وقيداره،  وادبيئل،  ومبسام،  ومشماع،  ودومة،  ومسا،  وحدد،  وتيما،  ويطور،  ونافيش،  وقدمه . هؤلاء هم بنو إسماعيل وهذه أسمائهم بديارهم وحصونهم اثني عشر رئيسا حسب قبائلهم،  وهذه سنو حياة إسماعيل مائة وسبع وثلاثين سنة،  وأسلم روحه ومات وانضم إلى قومه،  وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر لمجيئك نحو اشور أمام جميع إخوته نزل ( تك 25،  13 - 19 ) . وهذا الكلام بمقتضى المحاورة العقلائية ظاهر كالصريح في أن المراد من الذي نزل أمام جميع إخوته إنما هم أولاد إسماعيل،  وصريح في أن الأسماء الاثني عشر المذكورة هي أسماء لأولاد إسماعيل وأسماء لقبائلهم وأسماء لديارهم وحصونهم على النهج المألوف في القديم،  كما في أولاد يقطان،  حضروموت،  واوزال،  واوفير،  وحويلة،  إذ سميت قبائلهم وأراضيهم وبلدانهم بأسمائهم،  وكما في أولاد إبراهيم :

 مديان،  و ادوم ( عيسو ) ابن يعقوب،  وعلى هذا فلا يخفى على من له أدنى معرفة بتوقيع البلدان أن ( تيما ) و ( دومة ) لا ربط لهما ببرية سينا،  ولا بأرض كنعان،  ولا بأرض إسرائيل في شرقي الأردن،  بل هما مائلتان عن ذلك وعن الحجر بلاد ثمود إلى المشرق في بلاد العرب بمسافة بعيدة ومحلهما معروف،  وهذا كاف في إبطال مزاعم المتكلف . وزد على ذلك أن التوراة في تحديدها لمنازل بني يقطان ذكرت ( مسا ) حيث قالت :

 وكان مسكنهم من ( مسا ) لمجيئك سفار جبل المشرق ( تك 10،  30 ) . وقال المتعرب ( قذ ) ص 11 إن لفظها في النسخة المطبوعة في رومية

 

                                       صفحة 163

 

 ( ماسا )،  قلت :

 وفي الترجمة الفارسية المطبوعة في لندن سنة 1839 ( مسا ) ومشا،  أو مسا عند العرب من أسماء مكة،  وعلى ذلك جرى ظن كثير من النصارى حتى رسموا ( مشا ) في الخارتة في موقع مكة،  وهو ما فوق الدرجة الحادية والعشرين من العرض الشمالي وفوق الدرجة الأربعين من الطول الشرقي،  قال سايل ( ق ص 11 س 2 ) :

 ( ويظن أنه - أي مشا أو مسا أو ماسا - مأخوذ من اسم واحد من أولاد إسماعيل ) وهو مسا المذكور قريبا،  وقد سمعت أن التوراة جعلت أسماء بني إسماعيل أسماء لقبائلهم وحصونهم وديارهم فيكون لفظ مسا إسما لابن إسماعيل وموطنه وحصنه،  قلت :

 ويجوز أن يكون اسم ابن إسماعيل مأخوذا من اسم مكة،  أو كما ظن باعتبار أن مسا هو الذي مصرها وبنى فيها الحصون .

 

ص 163 :

 

( تنبيه ) إعلم أن ما يقرأ ميشا ومشا ومشاء ومسا وماسا ومسا إنما هو بصورة واحدة بلا فرق أصلا في نسخ التوراة التي يكتبها اليهود على الرق،  ويقدسونها للتلاوة في معابدهم من القديم إلى الآن حيث التزموا فيها باتباع أصلها المكتوب بالوضع القديم حتى على الغلط البين،  فلم يرسموا في هذه الألفاظ ( تك 10،  30،  و 25،  14 ) إلا ميما وألفا بينهما حرف مردد بين السين والشين،  وإنما جاء الفرق والاضطراب حسب التشهي من بعض النسخ المرسومة على الوضع الحادث للخط العبراني في طبرية فيما بين القرن الثاني والثالث للمسيح،  وإنما كتبنا في المتن على مقتضاها لئلا يقرفنا الغافل بالخيانة في النقل،  وإلا فاللفظان في صورة واحدة . وزد على ذلك أيضا أن التوراة ذكرت أن أولاد إسماعيل سكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر لمجيئك إلى اشور،  وحويلة من بلاد اليمن مسماة باسم واحد من أولاد يقطان فهي في جنوب مكة،  انظر ( تك 2،  11،  و 10،  29 ) . ( فإن قلت ) :

 قد جاء في صموئيل الأول 15،  7 أن شاول ضرب عماليق من حويلة لمجيئك شور التي مقابل مصر،  وليس لعماليق محل في أرض اليمن،  ولم تصل حروب شاول إلى أرض اليمن بل إن هذا التحديد لا بد أن يكون واقعا في أرض إسرائيل في شرقي الأردن أو غربيه .

 

                                       صفحة 164

 

 ( قلت ) :

 إن منازل أولاد إسماعيل الواقعة من حويلة إلى شور لا يمكن أن تكون واقعة في أرض بني إسرائيل لا في شرق الأردن ولا في غربيه،  وذلك لوجهين :

 أحدهما :

 أن من منازل أولاد إسماعيل تيما ودومة وهما بعيدتان إلى الشرق عن أراضي إسرائيل بعدا شاسعا . وثانيهما :

 أن التوراة تقول :

 إن الله وعد إبراهيم وهاجر بأن يبارك إسماعيل ويثمره ويكثره كثيرا جدا ويلد اثني عشر رئيسا،  ويجعله أمة عظيمة ( تك 17،  20،  و 21،  18 ) فلا بد أن يكونوا في زمان موسى أكثر من المديانيين أولاد مديان بن إبراهيم . ومن الموابيين والعمونيين أولاد لوط،  ومن الأدوميين أولاد عيسو فإن هؤلاء لم يسبق لهم الوعد بالبركة والكثرة كأولاد إسماعيل مع أنهم كانوا في زمان موسى ألوفا عديدة،  بل لا بد بمقتضى وعد الله في إسماعيل أن يكون أولاده في زمان موسى بقدر بني إسرائيل أو أكثر . وعلى هذا لو كانت منازلهم في الأرض التي استطرقها أو افتتحها بنو إسرائيل مع موسى أو يوشع لجرى لهم حال وشأن كبير مع بني إسرائيل في حرب أو معارضة أو مصالحة أو مساعدة أو مهادنة أو معاهدة كما جرى لبني إسرائيل مع غيرهم،  مع أن التوراة،  وسفر يوشع لم يذكرا من ذلك شيئا لا تصريحا ولا تلويحا،  وهذا السكوت في مثل تاريخ التوراة،  وسفر يشوع يعد من نحو صراحتهما بأن بني إسماعيل لم يكن لهم منزل فيما استطرقه أو تملكه بنو إسرائيل . وحينئذ لو سلمنا أن حويلة في سفر صموئيل هي في بلاد بني إسرائيل أو ما يتاخمها لقلنا :

 إنها لا بد أن تكون غير حويلة المذكورة في التوراة،  فإن البلدان قد تتشابه في الأسماء نحو قادش ( عد 20،  1 و 22 وقادش،  يش 20،  7،  و 21،  32 ) . وهذا التطويل كله مماشاة وجدل لمن يتشبث بالتوراة لأوهامه بأن مسكن

 

                                       صفحة 165

 

 إسماعيل وأولاده كان في برية سينا أو أرض كنعان أو ما يقاربها وإلا فإن أوضح الحجج التاريخية دالة على أن مسكن إسماعيل هي مكة،  وهو تسالم الأجيال المتسلسلة المتصلة المشتمل كل جيل منها على ألوف عديدة من الناس المختلفين في النسب المتشاجرين في المفاخرات . ولعل ما تأتي إن شاء الله تتمة لهذا المقام عند ذكرنا لنسب رسول الله ( ص ) . وأما قول المتعرب إن التوراة تقول في موضع ثالث إنه - أي إسماعيل - لما مات أبوه أتى فدفنه في مغارة المكفلية . فيكفي في قمع أباطيله بيان ما فيه من التحريف القبيح،  الذي هو العمدة في زبرج الباطل،  وذلك أن لفظ ( أتى ) التي يموه بها أمره إنما هي زيادة على التوراة،  فإن لفظها في شأن إبراهيم . وانضم إلى قومه،  ودفنه إسحاق وإسماعيل إبناه في مغارة المكفلية ( تك 25،  8 و 9 ) . رسالة هود إلى عاد،  وصالح إلى ثمود،  وشعيب ( إلى مدين . وشؤون هؤلاء ) وقد اقتص الله جل شأنه في القرآن الكريم شيئا من أنباء هؤلاء حسبما تقتضيه الموعظة والتذكير ( 1 ) . ولكن المتكلف والمتعرب لأجل أن توراتهما التي عرفت حالهما لم تذكر من ذلك شيئا تحاملا ببواعثهما على قدس القرآن الكريم فيما ذكره في شأن هؤلاء . وحاصل ما عند المتكلف في معرفته ( يه 2 ج ص 48 و 49 ) هو أنه لم يرد في كتبه أن هودا كان نبيا،  وأنه أرسل إلى قومه وكذلك لم يرد أن قومه هم عاد،  وأن الحق الذي لا مرية فيه أنه لم يرسل الله بين عصر نوح وبين عصر إبراهيم،  ولم يرد في التوراة ولا في الإنجيل أن الله أرسل نبيا اسمه صالح إلى ثمود من قبائل العرب،  فإن جميع الأنبياء والمرسلين كانوا من الأمة الإسرائيلية في أرض اليهود .

 

ص 165 :

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ( 1 ) سورة الأعراف 63 - 92،  وهود 52 - 99،  والشعراء 123 - 190،  والحاقة 4 - 9 وغير ذلك . ( * )

 

                                       صفحة 166